الخميس، 1 يناير 2026

قراءة نقدية: "همَزِيّة الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى" القصيدة:" روضة الشابي" الشاعر :خالد الباشق (العراق) الناقدة: جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية: "همَزِيّة الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى"

القصيدة:" روضة الشابي"

الشاعر :خالد الباشق (العراق)

الناقدة: جليلة المازني (تونس)


القراءة النقدية: "همزية الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى":


1- المقدمة:


لقد استخدم الشاعر خالد الباشق  أسلوب التوتر اللغوي لبناء المعنى بدءا بالعنوان مرورا بمتن القصيدة  ووصولا الى القفلة.


+ مفهوم التوتر اللغوي:


والتوتر اللغوي حسب بعض النقاد :"هو صراع  بين الفكرة التي يريد الانسان قولها وما تسمح اللغة بإيصاله.


وهو الديناميكية التي تتكون بين الفكرة التي يريد المتكلم التعبير عنها والحدود التي تفرضها اللغة مما يؤدي الى تشكيل المعنى بطريقة مركبة عبر التفاعل بين ما تقوله اللغة وما يريد المتحدث قوله".


هذه العوامل تساهم في تشكيل الرسالة ونقل المعنى بشكل يتجاوز الكلمات نفسها وتشكل جزءا  لا يتجزّأ من عملية بناء المعنى.


+ آليات  توليد التوتر اللغوي في بناء المعنى:


- الصراع بين المعنى واللغة.


- تغيير المعنى بالبناء اللغوي


- النبرة الصوتية.


- الوقفات لتقسيم الافكار.


- التحيز اللغوي.


- تداخل الدلالات:  قد يتحول اللفظ من مجرد وعاء للمعنى الى محرك نفسي قوي, يؤثر في القرار والسلوك والاتجاه العقلي.


- دور المتلقي في بناء المعنى


2- تجليات التوتر اللغوي في بناء المعنى بالقصيدة :


أ - عتبة العنوان وتجليات التوتر اللغوي:


أسند الشاعر خالد الباشق عنوانا لقصيدته " روضة الشابي " وقد لعب على المكان وهنا قد يتدخل القارئ متسائلا:


- هل أن روضة الشابي باعتبارها ذاكرة شعرية ومَزارًا ثقافيا نابضا؟


- هل أن روضة الشابي باعتبارها مكانا حيث قبر الشابي وهي مفتوحة وتستقبل الزوار بصفة عادية ؟.


- هل أن الشاعر خالد الباشق كان أحد الزوار للروضة وهناك هاج ذكره للشابي وجادت قريحته بهذه القصيدة؟


ان القارئ يجد من خلال تساؤلاته صراعا بين الفكرة والمعنى.


انه صراع بين أفق النص وأفق توقعات القارئ الذي سيكتشف من خلاله جمالية المسافات بين الأفقين(حسب نظرية التلقي الحديثة (1)) بمتن القصيدة:


ب- تجليات التوتر اللغوي بمتن القصيدة:


استهل الشاعر قصيدته باستخدام تناص داخلي مع العنوان "روضة الشابي" وهو إيقاع داخلي وتأكيد على زيارته لهذا المكان الذي بات قبلة كل زوار الجهة فيقول:


في  رَوْضَةِ الشَّابِيِّ صُغْتُ رِثَائي


وأَقَمْتُ بالدَّمْعِ الشَّجِيِّ عَزَائي


وكأَنَّني مِنْ  هَولِ ذاكَ المُلْتَقى


أَسْمَعْتُ هَذا الكَونَ صَوتَ بُكائي


من خلال المقطع الأول يبوح الشاعر للقارئ بأن قصيدته تندرج ضمن غرض الرثاء (صغت رثائي).


- خصائص الرثاء:


و"الرثاء هو ثناء الشاعر ومدح الميّت وذكر خصاله الحميدة...والرثاء يحمل الكثير من المشاعر الصادقة والمؤثرة في النفس عند سماعها وعدم التصنع في الشعر حتى لا تخرج القصيدة عن مغزاها الأساسي وهو رثاء الميت.


وتبدأ القصائد الرثائية غالبا بمخاطبة العين وطلب البكاء منها على فراق الميت"(1).


وبالتالي فالرثاء يجمع بين البكاء والمدح باعتبار ان الرثاء هو مدح صادق لمحاسن الميت.


والشاعر استخدم توترا لغويا من خلال وقفته الاولى بروضة الشابي لتقسيم أفكاره فبدأ رثاءه بمخاطبة العين والبكاء الذي كان عزاءه وهو بروضة الشابي.


ان أسلوب التوتر اللغوي يعكس توتره النفسي:


لقد استخدم أسلوبا انزياحا دلاليا قائما على التشبيه ليشبّه هول الملتقى بالشدة التي جعلت صوت بكائه يبلغ الكون ارتفاعا وامتدادا .كأني به يشرّع لبكائه و هولا يخفي ضعفه أمام الموت و نبرته الحزينة والمتأثرة.


وفي هذا الاطار من تقسيم أفكاره يتحوّل من البكاء الذي بلغ كل الكون الى ذكر خصال الميت ومن الرثاء الى المدح فيقول:


وكأَنَّ ذاكَ القَبْرَ مَهْدُ طُفُولةٍ


ودَفِينَهُ  المَولُودَ بالصَّحْراءِ


إنِّي بَحَثْتُ ولَمْ أَجِدْ بزَمانِهِ


إِلَّاهُ حَقًّا… أَفصحَ البُلَغاءِ


لقد واصل الشاعر باستخدام التوتر اللغوي من خلال أسلوب انزياحي دلالي قائم على التشبيه فشبه القبر بمهد الطفولة وهو توتر لغوي قائم على مفارقة عجيبة تعكس ثنائية الموت و الحياة:


 فلئن كان القبر رمْزا للموت فمهد الطفولة رمز للولادة والولادة حياة جديدة.  وهنا تتداخل الدلالات ويتحول اللفظ من مجرد وعاء للمعنى الى محرك نفسي قوي, يؤثر في القرار والسلوك والاتجاه العقلي.


وكأني بالشاعر ينفي عن الشابي الموت ليراه خالدا بإبداعه الذي ملأ الساحة الأدبية وشغل النقاد.


 وهل أكثر من أن هذا الدفين هو المولود بالصحراء.


والشاعر خالد الباشق قد تعالى على التشبيه المألوف واستخدم  تشبيها بليغا والتشبيه البليغ هو أقوى أنواع التشبيه لأنه يُحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه معا (ودفينَه المولودَ بالصحراء).وأصل الجملة "و دفينَه كأنه المولودَ بالصحراء". ووجه الشبه نجده في دلالة "الصحراء":


يرى بعض النقاد أن" دلالة الصحراء متعددة ومتناقضة فهي ترمز للوحدة والعزلة , القسوة والموت , لكنها ترمز الى السكينة والصفاء الذهني, القوة ,الكرم


والروحانية وموطن الأنبياء وتعتبر فضاء خصبا للإبداع الأدبي".


والشابى عاش الوحدة والعزلة حين لم يستجب له الشعب أثناء مقاومة المستعمر


فاختار العزلة بل واعتبر نفسه نبيّا مجهولا إزاء جمود و خذلان الشعب المقهور له في المقاومة ضد المستعمر فيقول (2):


إني ذاهب الى الغاب يا شعبي// لأقضي الحياة وحدي بيأس


إني ذاهب الى الغاب علّي// في صميم الغابات أدفن بؤسي


جَهَل الناسُ روحه وأغانيها// فسامُوا شعوره سوْم بخس


فهو في مذهب الحياة نبيّ// وهو في شعبه مصاب بمسّ


ان الشابي باعتباره عاش العزلة الذهبية التي ازدهر فيها إبداعه وجعلته نبيّا مجهولا في قومه فهو في نظر الشاعر خالد الباشق يعتبر استثناءً في البلاغة ولعلها بلاغة أبناء الصحراء .وكيف لا والشابي كتب الشعر صغيرا واستوفى انتاجه الابداعي ولم يبلغ بعد سنّ الخامسة والعشرين(25 سنة) حتى أن بعض النقاد قد اعتبره "فلتة من فلتات الزمن" .


ولئن كان المتنبي قد ملك ناصية القوافي فالشاعر خالد الباشق يعتبر الشابي قد ملك الحروف فيقول:


وبأَنَّهُ مَلَكَ الحُرُوفَ كأَنَّها


تَأْتِيهِ كالأُنْثى على اسْتِحْياء


وهل أكثر من أنه شبه الحروف بالأنثى الخجولة بجمالها التي تطيعه وتتمسك به.


وهي صورة شعرية حسية جسّد بها الشاعر طواعية الحروف وجمالها (كالأنثى) للشابي وامتلاكه لها وفي ذلك فخر له والشاعر هنا يحرّك وجدان القارئ لبناء المعنى فيشعر بجمالية شعر الشابي.


ان هذه الحروف الجميلة جمال الأنثى يصوغها قصيدة عصماء بالغة الفصاحة والبلاغة والشاعر باستخدام التوتر اللغوي القائم على أسلوب انزياحي تركيبي قائم على التقديم والتأخير قدّم النعت او الحال (عصماء) على المنعوت او صاحب الحال(قصيدة) وذلك للتأكيد على مدى فصاحة القصيدة وبلاغتها فيقول:


فيَصُوغُها عَصْماءَ بَينَ قَصِيدةٍ


تَطْغى على الوَاحاتِ بالأَصْداء


وكأني بالشاعر يقرّ بكل موضوعية انه ملك ناصية الفصاحة والبلاغة ليلقب بشاعر الخضراء نسبة لتونس الخضراء وهو اشعاع عالمي اكتسبه الشابي والشاعر الباشق لا يخفي على القارئ الذي يستمتع ببناء المعنى نبرته الفخرية واعتزازه بالشابي  فيقول:


وقَدِ اسْتَحَقَّ بكُلِّ مَوضُوعِيَّةٍ


إذ لقبوهُ بشَاعِرِ الخَضْراء


ويعود الشاعر الى الوقوف لتقسيم أفكاره ليجعل للمكان روضة الشابي نصيبا من مدحه لها ليبرز استمتاعه بها بجلّ حواسّه(أبصرت/ شممت/ حججت/ طفت) فيقول:


أَبْصَرْتُ رَوْضَةَ شَاعِرٍ مِنْ ضَوْعِهِ


حَتَّى شَمَمْتُ بها شَذَا الحِنَّاءِ


إِنِّي حَجَجْتُ وطُفْتُ حَولَ مَقامِهِ


ذاك المسجى كعبة الشعراء


ان الشاعر باستخدام معجمية دينية ( حججت/ طفت/ حول مقامه/ المسجّى/ كعبة) قد استدعى النص الديني حول الحج والطواف حول الكعبة لابراز قداسة روضة الشابي واقبال الزوار عليها كأنها قبلة الشعراء ومكان عبادتهم.


وكأني بالشاعر هنا يستعيد قوته لينتشل نفسه من ضعف "الدمع الشجي" و"البكاء الذي بلغ الكون" ويحول رثاءه مدحا و فخرا بخلوده واعتزازا بإشعاعه غير مكترث بموته فيقول:  


قَدْ خَلَّدَتْهُ الأَرضُ رَغْمَ رَحِيلِهِ


والشاعر يقتبس مقطعا من قصيدة الشابي "نشيد الجبار"(رغم الداء والاعداء) وضمنه بقصيدته فيقول:


. ليَظَلَّ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ


انه شعور بالنخوة والشابي شاعر" كالنسر فوق القمة الشماء"


ويعود الشاعر خالد الباشق لمد ح الشابي باعتباره شاعر العواطف والمشاعر وكأني به يلمّح الى قوله:


عِشْ بالشعور وللشعور فإنما // دنياك كون عواطف وشعور


فيقول خالد الباشق:


كَمْ سَارَ في دُنْيا المَشاعِرِ مُمْسِكًا


بيَدَيهِ فَخْرًا دَفَّةَ الفُصَحاء


ولعل الشاعر يستدرك ليختم مرثيته المدحية بتوتر لغوي قائم على المفارقة المدهشة بالقفلة:


ج- تجليات التوتر اللغوي بالقفلة:


لقد جعل الشاعر قفلة القصيدة مرتبطة بما سبقها بمتن القصيدة:


لئن أقرّ الشاعر أن الشابي هو شاعر المشاعر فانه يكسر أفق انتظار القارئ بالقفلة  فلا ينفي عن الشابي أنه شاعر الإرادة أيضا  فيقول:


فإِذا أَرادَ الشَّعْبُ.. نَيلَ حَياتِهِ


سَيُقَرِّبُ القَدَرُ… البَعِيدَ النَّائي


والشاعر يلمّح الى قصيدة الشابي "إرادة الحياة" والتي ترجمت الى عدة لغات في قوله : اذا الشعب يوما أراد الحياة// فلا بدّ ان يستجيب القدر


ولدعم هذه المفارقة استخدم الشاعر أسلوبا بديعيا قائما على طباق لفظي ومعنوي يعكس مقابلة معنوية (الشعب/ القدر- يقرّب/ البعيد النائي).


ان بين المشاعر والارادة يمدح الشاعر خالد الباشق الشابي بالتوازن بين الوجدان والعقل والاعتدال باعتباره الشاعر الانسان في اعتداله وتوازنه.


والشاعر الباشق في مرثيته المدحية للشابي قد جعل القارئ يبني وينتج المعنى بالقصيدة حين قسم افكاره مستخدما التوتر اللغوي وفق نبرات متعددة ومختلفة من نبرة حزينة باكية مرورا بنبرة مدحية فنبرة فخرية ونبرة اعتزاز ونخوة .واذا بالرثاء يتحول الى مدح وفخر.


ان هذا التحول في نبرة الشاعر ينمّ عن قدرته في انتشال نفسه من ضعف الرثاء الى قوّة الفخر والاعتزاز .


ولعل القارئ يدعم هذه القوة بالاستناد الى الرويّ( الهمزة) الذي اختاره الشاعر و كان في خدمة القصيدة .


ودلالة الهمزة في الروي بالقصيدة تتجلى حسب المختصين في اللغة والعروض في إضفاء قوّة وتأكيد على المشاعر والهمزة كرويّ بحد ذاته تتفاعل مع الوزن والحركات لتشكل ايقاعا نفسيا يعكس حالة الشاعر .


فصوتها الانفجاري المجهور يجعلها أداة صوتية ومعنوية قوية في يد الشاعر, تلعب دورا في بناء الايقاع وتعميق المشاعر وتجسيد قوة الشاعر للعالم خاصة في حالات الحزن والشدة والقوة والتحدي.


ولعل القارئ يواصل في بناء المعنى ليعتبر ان هذه القصيدة "الهمزية" للشاعر خالد الباشق ترتقي الى العالمية لتعانق في جملتها ونسبيتها "همزية" أحمد شوقي و "همزية "الامام البوصيري في مدح الرسول.


سلم قلم الشاعر المتفرد خالد الباشق هذا القلم البارع  الذي لا يشبه الا خالد الباشق.


بتاريخ : 26/ 12/ 2025


المرجع:


(1) نظرية التلقي الحديثة لياوس وايزر


 https://mawdoo3.com>...(2)


تعريف الرثاء- موضوع


المصدر :


(2) ديوان الشابي "أغاني الحياة"


=======================


القصيدة : "روضة الشابي"(الشاعر خالد الباشق)


في  رَوْضَةِ الشَّابِيِّ صُغْتُ رِثَائي


وأَقَمْتُ بالدَّمْعِ الشَّجِيِّ عَزَائي


وكأَنَّني مِنْ  هَولِ ذاكَ المُلْتَقى


أَسْمَعْتُ هَذا الكَونَ صَوتَ بُكائي


وكأَنَّ ذاكَ القَبْرَ مَهْدُ طُفُولةٍ


ودَفِينَهُ  المَولُودَ بالصَّحْراءِ


إنِّي بَحَثْتُ ولَمْ أَجِدْ بزَمانِهِ


إِلَّاهُ حَقًّا… أَفصحَ البُلَغاءِ


وبأَنَّهُ مَلَكَ الحُرُوفَ كأَنَّها


تَأْتِيهِ كالأُنْثى على اسْتِحْياءِ


فيَصُوغُها عَصْماءَ بَينَ قَصِيدةٍ


تَطْغى على الوَاحاتِ بالأَصْداءِ


وقَدِ اسْتَحَقَّ بكُلِّ مَوضُوعِيَّةٍ


إذ لقبوهُ بشَاعِرِ الخَضْراءِ


أَبْصَرْتُ رَوْضَةَ شَاعِرٍ مِنْ ضَوْعِهِ


حَتَّى شَمَمْتُ بها شَذَا الحِنَّاءِ


إِنِّي حَجَجْتُ وطُفْتُ حَولَ مَقامِهِ


 ذاكَ المُسَجَّى كَعْبةِ الشُّعَراءِ


قَدْ خَلَّدَتْهُ الأَرضُ رَغْمَ رَحِيلِهِ


 ليَظَلَّ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ


كَمْ سَارَ في دُنْيا المَشاعِرِ مُمْسِكًا


بيَدَيهِ فَخْرًا دَفَّةَ الفُصَحاءِ


فإِذا أَرادَ الشَّعْبُ.. نَيلَ حَياتِهِ


سَيُقَرِّبُ القَدَرُ… البَعِيدَ النَّائي


خالد الباشق


شاعر عراقي مقيم في تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق