الأحد، 25 يناير 2026

قراءة نقدية بعنوان : "قصة إنسانية تعتمد الرمز وتلامس تيار التجديد في السرد: دراسة في أهمية الرمز وتماهيه مع التجديد السردي" للناقدة التونسية سهيلة بن حسين حرم حماد

 قراءة نقدية  بعنوان :  "قصة إنسانية تعتمد الرمز وتلامس تيار التجديد في السرد: دراسة في أهمية الرمز وتماهيه مع التجديد السردي"  للناقدة التونسية سهيلة بن حسين حرم حماد 

القصة القصيرة 


الفالتس رقصة عالمية ثنائية

فالس نيقوسيا

للقاص السوري المغترب زهير الشلبي 


خفف الوطء… فهذه الأرض من هذه الأجساد.

رقصة فالس… ثلاثة أشهر غبتُ فيها عن مجموعة كبار السن التي رافقتني لثلاث سنوات. كنت أقضي معهم ساعات من الأسبوع، نتمرّن، نضحك، ونستمع إلى موسيقى البوزوكي التي يشاركنا بها طلاب من جامعات ومعاهد مختلفة. هناك، في تلك القاعة، كنت أشعر أن الزمن يلين، وأن الثمانين عاماً التي مرّت لم تكن سوى سبات طويل، مثل نبيذ قديم ينام في أقبية ليماسول المستلقية على شاطئ قبرص الجنوبي.

موسيقى الأربعاء لها سحر خاص، حتى بين أوراق الخريف. هذا هو رقص الكبار إذن… في هذا اليوم يمتزج الزمنان: كبار يرقصون ليبقوا أحياء، وشباب يرقصون ليكتشفوا الحياة. كنت أعرف الحياة خارج هذا المكان، أما داخله فمهمتي أن أنسى. أنسى الماضي بقدر ما يسمح العمر. كنت بلا عينين أو أذنين، كأن من حولي أشباح ترقص، أو أوراق خريف أخيرة تحدّث عنها أو. هنري ذات يوم. ولم أتعلم الرسم، ولا رغبت أن أتعلمه؛ فهو فنّ البائسين، وأنا لم أكن كذلك.

نيكولاس، عازف البوزوكي، يلتفت نحوي وهو يهيّئ مكبر الصوت والمايكروفون. لا يكثر الكلام، بل يكثر العزف والغناء، وكأنه يأتي إلى هذا المكان لينسى هو أيضاً. كنت أستمع إليه بلا اهتمام، إلا حين يمرّ صوت جبال ترودوس، وصدى البيوت البيضاء والزرقاء، محمولاً على أنغام الياسمين. هناك، في تلك اللحظات، كنت أحلم كما حلم مكاريوس: رجل دين صار مدافعاً عن وطن، ثم صار زعيماً، ثم صار وطناً.

ذات يوم، كانت يدي في يده. وبعد ذلك اختار الرحيل. كان هذا قبل أكثر من خمسة وأربعين عاماً، وما زالت نظرته في عيني، وسلامه في قلبي، ويده في يدي.

ياسمين دمشق كان خلف الأسوار المصمتة، مثل الصبايا: تشمّ أريجه ولا تراه. وياسمين قبرص خلف أسوار تمنع اليد والساق، لكنها لا تمنع العينين. والصبايا… ياسمين أيضاً.

اليوم، بصوت نيكولاس، امتدّ حبل السرة بين عاصمتين: دمشق ونيقوسيا… نيقوسيا ودمشق. لدمشق بوابات في سورها القديم، ولنيقوسيا بوابات في أسوارها القديمة. من أحبّ دمشق سيعشق نيقوسيا، ومن أحبّ نيقوسيا سيعشق دمشق.

نيكولاس يشتدّ حماساً، يكاد يقطع أوتار آلته. قلب نيقوسيا يبكي، فالشرخ في أعماقي يؤلمني. أكياس الرمل ثقيلة، والمفقودون لم يعودوا. وورقة الكاتب في النافذة لا تسقط. يا وجعي…

ثلاثة أشهر عن الياسمين أغيب. أرجوك يا نيكولاس… أسمعني نهتَهة الحب بياسمينة، وقل للأم التي ترفض حباً يتوسط ياسمينة إن العشق هو صلاة القديسين.

أخي ياسين… منذ ثمانين عاماً رحل صغيراً، وأنا بقيت ثمانين. أين نلتقي يا ياسين؟ أتأتي معي لنزور دمشق، ونزور سفوح ترودوس وشواطئ أفروديت؟

غنِّ يا نيكولاس… غنِّ حتى تسمعك أحجار السور. غنِّ ودع أمواج المتوسط تتكسر على صخرة أفروديت. غنِّ واصدح حتى الجوزاء.

أنت تعبت؟ أنت تعبت! فاصدح إذن بموسيقى الملكات… بالفالس!

أين أنتِ يا إيريني؟ أين رقصتكِ الخفيفة كنقلة عصفورة؟ أين أنتم جميعاً؟ تعالوا نرقص في أعراس الياسمين… في الجبل، في السهل، في الشمال، في الجنوب. تعالوا من كل البيوت. نحن نرقص حين تقبّلنا الزهور البيضاء، وحين تتدحرج على الأكتاف.

نعم… للفالس. نعم… لموسيقى الملكات. أين شريكتي؟ أين شريكتي؟

توقّف نيكولاس عن العزف. صمت الجميع. نظرت هنا… نظرت هناك… الأيادي ممدودة تنتظر شريكاً للرقصة. لكن شريك الرقصة لم يأت. لم يأتِ…

مددت يدي… شريكي لم يأتِ.

تعالت موسيقى الوداع. ناداني نيكولاس بعينيه. اقتربت منه، ويدي ما زالت معلّقة في الهواء، تبحث عن يدٍ لن تأتي. اقتربت، فسمعته يهمس في عمقي، همس الإعصار:

"في غيابك، وأنت تبحث عن رغباتك… رحلوا. ألم تعرف بعد أن الزمن رحيل… بوداع أو من غير وداع؟"

يناير 2026


"فالس نيقوسيا"


العنوان يخلق لدى القارئ أجواء من الفن والانتروبولوجيا تعده لقراءة مميزة.

وباعتبار أن العنوان هو نص مواز للمتن ندرك أن الأرض التي عرفها بالألف واللام -مشيرا  إليها بإسم الإشارة القريب هذا- ماهي إلا أرض نيقوسيا. ومن هنا يتسع مفهوم الأرض ليتشكل مفهوما حضاريا إنسانيا فلسفيا نسترجع به عباقرة الفلاسفة الإنسانية والفكر اليوناني فبالتالي تصبح عبارة "خفف الوطء" نهي عن إيذاء الطبيعة، ذلك أن الأرض هي حياة وحضن حنون. أرض تستوعب كل الأجساد بما حملت منذ بدإ الخليقة إلى اليوم. فمنهم من  خلدت أسماءهم في الذاكرة الإنسانية بما قدموه من خير أو شر. 

وهكذا يتخذ رحيل نيكولاس  شكل انبعاث، وصحوة ذهنية فلسفية لإعادة النظر في معنى الوجود والحياة وفي مفهوم الزمن المبني على الرحيل الحتمي، هذا الرحيل الذي  لا يلزم صاحبه بالإعلام أو تبرير سبب  رحيله. ذلك أنه يأتي على حين غفلة. ولكن الأهم من ذلك هو الاتعاض من هذا الرحيل المفاجئ الذي لا يمهل صاحبه لتعديل أمر ما مهما كان بسيطا. لذا كان من المهم أن يفكر الإنسان فيما  سيتركه من أثر يخلد اسمه على مدار الزمن الأرضي من بعد رحيله.

الخاتمة صورتها  بنات أفكار السارد حيث جعلتنا نعتقد أن نيكلاس صديقه يقترب منه ويهمس في أعماقه " همس الإعصار" ليزعزع كيانه ويوقظه من سبات طال ليعيد النظر في مسيرة وجوده. في قائمة من غادروا الحياة أثناء انشغاله بتحقيق رغباته وطموحاته التي لا تنتهي إلا بنقطة الرحيل.. نقطة نهاية بدون رجعة. وهكذا يرفع اللبس الحاصل لدى القارئ إذ يتبن عند القفلة أن الأمر "خفف الوطء.." الوارد في الاستهلال، لم يكن سوى صوت نكولا القادم من الهناك من العالم العلوي بعد أن اطلع على الحقيقة.. وبالتالي الأمر  لم يكن  تعاليا من الكاتب..


الموضوع والتناص: المتن هو عبارة عن قصة قصيرة تستجيب لمتطلبات السرد الجديد من حيث كسر خطية الزمن الحكائي إذ أن القصة ابتدأت من نقطة النهاية لحظة الصحوة. صحوة تشبه صحوة موسى العسكري الذي استيقظ على صوت هاتف يقول: "قم ودع اليوم الأخير". إن كان ميخائيل نعيمة جعلنا نعيش مع بطله تفاصيل يومه الأخير فإن زهير الشلبي جعلنا نسترجع معه تفاصيل ذكريات علاقات إنسانية بقيت عالقة في ذهنه، عندما اكتشف يوما أن صديقه الموسيقي قد رحل من دون استئذان مخلفا وراءه لوعة في القلب وأسئلة وجودية. يسعى من خلالها الكاتب أن يخلخل سكون المتلقي لينتبه ويتأمل في أهمية العلاقات الإنسانية ومدى تأثير الحب والجمال والفن في تخليد الذكريات. ويُستعاد إحياؤها في أذهاننا لنعيشها في الأمكنة ذاتها في أزمنة لاحقة حتى بعد رحيل الأفراد. ومن هنا وجب إعادة النظر في إعادة جدولة أولاوياتنا. تتعالق هذه القصة القصيرة مع عدة أعمال عربية نثرية وشعرية تحاكي العقل مثل: قول المتنبي "وَمَا الحُسنُ في وَجهِ الفَتَى شرف له إذا لم يكن في فعله والخلائق بمعنى أن الشكل الخارجي لا يكفي. وبالتالي فإن الجمال الحقيقي هو جمال الشكل والموضمون. ويتعالق أيضًا مع فكرة عبد ربه الأندلسي في كتابه العقد الفريد عندما يستشهد ببيت مشهور من إحدى قصائد المتنبي عند حديثه عن فكرة أن الناس هم المفسدون الحقيقيون وأن الزمان من الفساد براء : "يَقُولُونَ الزَمانُ بِهِ فَسادٌ وَهُم يَفسُدونَ وَالزَمانُ صَحيحُ" كما يتعالق مع أعمال ادبية عالمية أخرى تطرح قضية الموت والرحيل كالأمير الصغير لأنطوان دي سانت- إكروبيري والغربب لألبار كامو وكذلك يتقاطع مع الفلسفة الوجودية من أمثال هايدغار وجون بول سارتر وسيمون دي بوفوار وهذا الانفتاح الفكري في بعده الفلسفي يفتح آفاقا لقراءاة متجددة في مستوى التلقي.


اللغة كآلية للتجديد:


إن استخدام الكاتب للشاعرية والرمز خلقت صورا ذهنية مبتكرة وجميلة كما سبق ذكره، ويتجلى ذلك في مقاطع كثيرة من النص ولعل المقطع التالي يكون خير حجة على ذلك: "كنت أشعر أن الزمن يلين، وأن الثمانين عاما التي مرت لم تكن سوى سبات طويل، مثل نبيذ قديم ينام في أقبية ليماسول المستلقية على شاطئ قبرص الجنوبي" يلاحظ المتأمل في هذا المقطع كيف أن الرمز والشاعرية رفعا من قدرة اللفظ على التشكل. وهذا نتيجة دقة اختيار الألفاظ مثل "نبيذ قديم" و "أقبية ليماسول" خلقت جوًا من الحنين والذكريات. كما ساهم البيان اللغوي كتشبيه الثمانين عاما من عمره ب"مثل نبيذ قديم" أو استخدامه للاستعارة المكنية سواء بأنسنة النبيذ وجعله كإنسان الكهف "ينام في أقبية" أو بأنسنة المدينة ووصفها ب"المستلقة على شاطئ" كل هذا أضاف عمقًا للمعنى وارتقى به إلى خلق صورة فنية للأدب تجمع بين الإخراج السينمائي ورومانسية خليل جبران في شكل يتماشى مع فكرة التجديد في اللغة الأدبية على مستوى الإنشاء السردي. ولعل وصفه ليماسول "المستلقية على شاطئ قبرص الجنوبي" خير دليل على تشكل تلك الصورة الجميلة والرومانسية. كل هذا وأكثر دفع بالقارئ إلى التأمل في المعاني الظاهرة والمضمرة المساعدة في كشف شخصية السارد البطل ونفسيته. أما فيما يتعلق بربط الكاتب بين الزمن والسبات فهذا خلق فكرة أن الزمن ليس خصمًا، بل أداة للخلود والتخليد. وكنا قد أشرنا إلى ذلك في الفقرة السابقة ونضيف على ذلك كيف أن استخدمه لعبارة "كنت أشعر أن الزمن يلين" تبرز أنه كان طيلة الثمانين عاما التي عاشها في علاقة أخذ وعطاء واستفادة من تجاربه وتجارب غيره، سواء منها الفنية أوالأدبية أو التي تعايش معها كتجربته مع كبار السن في مركز رعاية المسنين بشكل عام، هذا المقطع لا يمثل إلا عينة لإحدى القطع المكونة للوحة فسيفساء سردية لقصة قصيرة أظهرت مقدرة الكاتب على استخدام اللغة بشكل مبتكر وجميل، بددت مقولة عجز اللغة. حيث جعل القارئ يتدبر في المعاني الخفية ويشعر بالحنين والذكريات.


الرمزية: استخدم الكاتب الرمز مكتفيا بما قل ودل. مُلقيًا بالرمز في ملعب القارئ لتطوير الفكرة، فاتحا آفاق التلقي. داعيا القارئ للمشاركة الفعالة. و سنحاول في الفقرات التالية أن نلقي الضوء على بعض هذه الرموز والدلالات لعلنا نصل إلى الكشف عن بعض مقاصد الكاتب من خلال تحليل رمزية بعض عناصر السرد.


رمزية الشخصيات:

- السارد البطل: يمثل الكاتب نفسه.

- الأجساد: كلفظ ورد في القصة بمعنى تحلل الرفات وتحولها إلى مكون من مكونات أديم الأرض. شأنها شأن أوراق الخريف التي أشار إليها في القصة وهذا تأكيد على أن الإنسان ليس جوهر الكون بل هو جزء مكون وعنصر من عناصرها.

- كبار السن: هم شبكة معقدة من التجارب والخبرات التي تشكل الذاكرة الإنسانية.

- الطلاب: يمثلون الجيل الجديد وجسر تواصل بين الحاضر والمستقبل. صيغة الجمع تدل على تعدد الاختصاصات والمهارات. وبالتالي، يمثلون أرضية خصبة لجمع ودراسة شريحة المسنين باعتبارهم فئة مهمشة.


أو. هنري: رمز كتاب القصص القصيرة في أمريكا، اهتم بتصوير حياة الناس العاديين. كتاباته تتميز بالهزل والسخرية السوداء والنهايات الفجائية، وهي تعكس تجاربه القاسية. علما أن إحدى قصصه نالت جائزة لمقدرته على اجتثاث اللحظة وقولبتها بطريقة زئبقية. أتى به الكاتب ليبرز سعة اطلاعه على الأدب الإنساني من جهة وعلى فنيات كتابة القصة القصيرة من جهة ثانية، مؤكدا على دور القصة في توثيق الانفعالات ودفع المجتمعات إلى التأمل والتعديل.


الزمن:

- الأمر: (خفف)

- الماضي: (غبت/ رافقتني)

- الحاضر: (أقضي/ نتمرن/ نضحك/ نستمع/ يشاركنا)


هذه الأفعال مكثفة تخلق صورة ذهنية حية، ذات إيقاعات توهم برقصة وجود، تتماهى مع تماوج تساقط أوراق الخريف، وفحيحها متناثرة، أثناء اندثارها قبل التحلل في أديم الأرض. ثلاثة أشهر /ثلاث سنوات ساعات من الأسبوع نلاحظ هنا تسريعا وحذفا وتلخيصا.


الرموز الفنية ذات البعد الفلسفي:

- البوزوكي: يمثل الفن والعلاج الترابي.

- موسيقى الأربعاء: فن ارتبط بيوم من أيام الأسبوع سمته تحفيز منطقة معينة في الدماغ. هذا التحفيز من شأنه أن يحافظ على تجنب الزهايمر وبالتالي فإن تكرار سماع موسيقى معينة سيتخذ شكلا  علاجيا وما يؤكد تحليلنا هذا هو صغة بناء المقطع وتواجد عبارة "أوراق الخريف" وهذه دلالة رمزية ذات بعد  فلسفي  يعزز العلاقة الجدلية بين الإنسان والطبيعة كما يعزز الشعور بالتماهي مع صيرورة الزمن. من حيث حركة رقصها وهي تتماوج على أنغام الهواء أو الرياح..


وكتأكيد على هذا المفهوم يقول الكاتب : "هذا هو رقص الكبار"

 ثم يزيد:" في هذا اليوم يمتزج الزمانان: كبار يرقصون ليبقوا أحياء وشباب يرقصون ليكتشفوا الحياة" هذا المقطع يمثل رؤية الكاتب التي أوردها على لسان بطله السارد.


- وعلى المستوى البصري: أوهم القارئ بأنه داخل قاعة عرض لفرقة إنسانية محترفة جمعت الحاضر بالماضي في رقصة وجود ثنائية في حفل تسليم الكبار مشعل الحياة لجيل الأحفاد الذي يمثله الطلاب، للحفاظ على تناغم إيقاع صيرورة السلالة والحياة المزدوجة التي تجمع الحياة والموت والحرب والسلم. كما أن الكاتب استخدم تقنية المسرح البريختي، حيث ركز على متابعة العرض دون التفكير في ما يحدث خارجا، مما يعزز الشعور بالاندماج والتفاعل مع الأحداث.


المكان: هي أمكنة مفتوحة وأخرى مغلقة تحمل دلالات مختلفة، من ذلك مثلا: نيقوسيا هي وجهة سياحية مؤطرة جغرافيا على الخريطة ولها دلالة أدبية فنية، وفلسفية في الذاكرة الإنسانية تعود بنا إلى اليونان، تلك الحضارة الإنسانية العجوز المعتقة فكريا. إضافة إلى ذلك فنيقوسيا تمتلك أكبر معاصر النبيذ وتنتج أفضل أنواعه  وأجوده. وقد ورد لفظ: أقبية وهي دهاليز مغلقة، يحفظ فيها النبيذ كي تعتقه السنين، تضمن تخليد الذائقة، وبالتالي سيكون معيارا لقياس الجودة والتواصل بين الأجيال.


مقر كبار السن: هو مكان مغلق وذاكرة إنسانية لمجموعة من الكبار عتقتهم السنين. كل فرد من أفراد المجموعة هو كتاب مغلق، يستحق الاطلاع عليه لما يحتويه من فصول تجمع خبرات ثمينة. لذا من المهم جمع أثمن هذه الخبرات لتشكيل عقد فريد كي تستفاد منه الذاكرة الإنسانية لتضمن تواصل سلسلة التواصل الأنثروبولوجي الإنساني. وهذا البحث  يمكن أن تقوم به للجامعات والمعاهد المتخصصة في مخابرها  كل في مجاله

بحيث تضع تحت المجهر كل هذه العينات من التجارب الإنسانية المختلفة لتدرسها وتحتفظ بها كذاكرة معرفية إنسانية لبناء إنسان أفضل.

الخاتمة: 

وفي الختام، يمكن أن نقول بأن القصة القصيرة التي بين أيدينا استجابت لمتطلبات القصة القصيرة، وتعتبر نموذجا ناضجا  من القص الإنساني العميق. حيث  عمد فيها الكاتب إلى  خلخلة عناصر السرد و خلخلة  الإنسان في بعده الوجودي، إذ  يناقش فكرة تهميش فئة كبيرة من المجتمع بطريقة تجمع بين الفلسفة والفن في لغة أدبية تجمع بين المتعة والتصوير السينمائي.

إن الاستخدام الرائع للتعبير الجسدي والفني الروحي جعل القارئ يشعر بأنه يعيش مع الشخصيات وكأنه يستمع إليهم وينصت إلى  نبض قلوبهم وآهاتهم...



السبت، 10 يناير 2026

بِذَارُ الغِوَايَةِ بقلم الكاتبة هدى عز الدين

 بِذَارُ الغِوَايَةِ


أَيُّهَا العَازِفُ

عَلَى أَوْتَارِ الظِّلَالِ

مَهْلًا…

هُنَا أُنْثَى

خَلْفَ الحُلْمِ

تَنَامُ،

لَعَلَّ اليَقَظَةَ

تَحْسِبُ مَسَافَتَهَا

بَيْنَ نَهْدَيِ الأَرْضِ.

وَأَنْتَ

تَغْرِسُ بِذَارَ الغِوَايَةِ،

وَتَحْصُدُ ثِمَارَ الشَّمْسِ

بَيْنَ أَحْضَانٍ خَاوِيَةٍ

مِنَ التِّينِ.


هدى عز الدين



كستني ثوب الغرام بقلم الكاتب غازي ممدوح الرقوقي

 .......... كستني ثوب الغرام ...........

من شدة لهيب شوقها التحنان أدفأ صدري

وسكبت الوجد رائقًا لأنعم بقربها ولقياها

ومن رمش لحاظها وعمق أضلاعها وثناياها

كستني ثوب الغرام ودثرتني بحشاشة قلبها

فتحت لي أزرار الهيام ومنحتني فؤادها الرقيق

قالت: حبك للأحشاء في سفر العشق خالد أسير

فمن كؤوس محياي ارتوي خمر السعادة الهنيء

فأنا لا أرضى عنك بديل أنت داخلي باقٍ خالد أمير

اشرب نخب الحب من مهجتي فأنت الحبيب

وتذوق طعم الجوى واطفئ نشوة السعير

يتجانس إيقاع النبض واشبعك عشقًا وحنين

فرائحتي زكية طيبة وأنفاسي من شذى العبير

وقلبي عامر بالوفاء وشوقي للعناق كبير

أهواك وأبوح لك بالأسرار يا سيد القلب الرقيق

لأجلك أوقدت قناديل العشق وخفق لحبك الوتين

ولا يسمع صدى همسي إلا من قلبي له يلين

قلت لها: أنوثتك الطاغية أعادت لي زهرة شبابي

وكلماتك أعادت لي شغفي وأزهر الياسمين

فأنت فاتنة حسناء بشوشة يسكنك الحياء

فيك رؤى الجمال لوزية العينين وجهك وضاء

تتغنجين بالدلال مياسة لا تبخلين بالعطاء

لهف قلبي لك وتمايل فأنت كاليمامة جذابة لمياء


غازي ممدوح الرقوقي

سورية


قراءة نقدية: "همَزِيّة الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى" القصيدة:" روضة الشابي" الشاعر :خالد الباشق (العراق) الناقدة: جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية: "همَزِيّة الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى"

القصيدة:" روضة الشابي"

الشاعر :خالد الباشق (العراق)

الناقدة: جليلة المازني (تونس)


القراءة النقدية: "همزية الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى":


1- المقدمة:


لقد استخدم الشاعر خالد الباشق  أسلوب التوتر اللغوي لبناء المعنى بدءا بالعنوان مرورا بمتن القصيدة  ووصولا الى القفلة.


+ مفهوم التوتر اللغوي:


والتوتر اللغوي حسب بعض النقاد :"هو صراع  بين الفكرة التي يريد الانسان قولها وما تسمح اللغة بإيصاله.


وهو الديناميكية التي تتكون بين الفكرة التي يريد المتكلم التعبير عنها والحدود التي تفرضها اللغة مما يؤدي الى تشكيل المعنى بطريقة مركبة عبر التفاعل بين ما تقوله اللغة وما يريد المتحدث قوله".


هذه العوامل تساهم في تشكيل الرسالة ونقل المعنى بشكل يتجاوز الكلمات نفسها وتشكل جزءا  لا يتجزّأ من عملية بناء المعنى.


+ آليات  توليد التوتر اللغوي في بناء المعنى:


- الصراع بين المعنى واللغة.


- تغيير المعنى بالبناء اللغوي


- النبرة الصوتية.


- الوقفات لتقسيم الافكار.


- التحيز اللغوي.


- تداخل الدلالات:  قد يتحول اللفظ من مجرد وعاء للمعنى الى محرك نفسي قوي, يؤثر في القرار والسلوك والاتجاه العقلي.


- دور المتلقي في بناء المعنى


2- تجليات التوتر اللغوي في بناء المعنى بالقصيدة :


أ - عتبة العنوان وتجليات التوتر اللغوي:


أسند الشاعر خالد الباشق عنوانا لقصيدته " روضة الشابي " وقد لعب على المكان وهنا قد يتدخل القارئ متسائلا:


- هل أن روضة الشابي باعتبارها ذاكرة شعرية ومَزارًا ثقافيا نابضا؟


- هل أن روضة الشابي باعتبارها مكانا حيث قبر الشابي وهي مفتوحة وتستقبل الزوار بصفة عادية ؟.


- هل أن الشاعر خالد الباشق كان أحد الزوار للروضة وهناك هاج ذكره للشابي وجادت قريحته بهذه القصيدة؟


ان القارئ يجد من خلال تساؤلاته صراعا بين الفكرة والمعنى.


انه صراع بين أفق النص وأفق توقعات القارئ الذي سيكتشف من خلاله جمالية المسافات بين الأفقين(حسب نظرية التلقي الحديثة (1)) بمتن القصيدة:


ب- تجليات التوتر اللغوي بمتن القصيدة:


استهل الشاعر قصيدته باستخدام تناص داخلي مع العنوان "روضة الشابي" وهو إيقاع داخلي وتأكيد على زيارته لهذا المكان الذي بات قبلة كل زوار الجهة فيقول:


في  رَوْضَةِ الشَّابِيِّ صُغْتُ رِثَائي


وأَقَمْتُ بالدَّمْعِ الشَّجِيِّ عَزَائي


وكأَنَّني مِنْ  هَولِ ذاكَ المُلْتَقى


أَسْمَعْتُ هَذا الكَونَ صَوتَ بُكائي


من خلال المقطع الأول يبوح الشاعر للقارئ بأن قصيدته تندرج ضمن غرض الرثاء (صغت رثائي).


- خصائص الرثاء:


و"الرثاء هو ثناء الشاعر ومدح الميّت وذكر خصاله الحميدة...والرثاء يحمل الكثير من المشاعر الصادقة والمؤثرة في النفس عند سماعها وعدم التصنع في الشعر حتى لا تخرج القصيدة عن مغزاها الأساسي وهو رثاء الميت.


وتبدأ القصائد الرثائية غالبا بمخاطبة العين وطلب البكاء منها على فراق الميت"(1).


وبالتالي فالرثاء يجمع بين البكاء والمدح باعتبار ان الرثاء هو مدح صادق لمحاسن الميت.


والشاعر استخدم توترا لغويا من خلال وقفته الاولى بروضة الشابي لتقسيم أفكاره فبدأ رثاءه بمخاطبة العين والبكاء الذي كان عزاءه وهو بروضة الشابي.


ان أسلوب التوتر اللغوي يعكس توتره النفسي:


لقد استخدم أسلوبا انزياحا دلاليا قائما على التشبيه ليشبّه هول الملتقى بالشدة التي جعلت صوت بكائه يبلغ الكون ارتفاعا وامتدادا .كأني به يشرّع لبكائه و هولا يخفي ضعفه أمام الموت و نبرته الحزينة والمتأثرة.


وفي هذا الاطار من تقسيم أفكاره يتحوّل من البكاء الذي بلغ كل الكون الى ذكر خصال الميت ومن الرثاء الى المدح فيقول:


وكأَنَّ ذاكَ القَبْرَ مَهْدُ طُفُولةٍ


ودَفِينَهُ  المَولُودَ بالصَّحْراءِ


إنِّي بَحَثْتُ ولَمْ أَجِدْ بزَمانِهِ


إِلَّاهُ حَقًّا… أَفصحَ البُلَغاءِ


لقد واصل الشاعر باستخدام التوتر اللغوي من خلال أسلوب انزياحي دلالي قائم على التشبيه فشبه القبر بمهد الطفولة وهو توتر لغوي قائم على مفارقة عجيبة تعكس ثنائية الموت و الحياة:


 فلئن كان القبر رمْزا للموت فمهد الطفولة رمز للولادة والولادة حياة جديدة.  وهنا تتداخل الدلالات ويتحول اللفظ من مجرد وعاء للمعنى الى محرك نفسي قوي, يؤثر في القرار والسلوك والاتجاه العقلي.


وكأني بالشاعر ينفي عن الشابي الموت ليراه خالدا بإبداعه الذي ملأ الساحة الأدبية وشغل النقاد.


 وهل أكثر من أن هذا الدفين هو المولود بالصحراء.


والشاعر خالد الباشق قد تعالى على التشبيه المألوف واستخدم  تشبيها بليغا والتشبيه البليغ هو أقوى أنواع التشبيه لأنه يُحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه معا (ودفينَه المولودَ بالصحراء).وأصل الجملة "و دفينَه كأنه المولودَ بالصحراء". ووجه الشبه نجده في دلالة "الصحراء":


يرى بعض النقاد أن" دلالة الصحراء متعددة ومتناقضة فهي ترمز للوحدة والعزلة , القسوة والموت , لكنها ترمز الى السكينة والصفاء الذهني, القوة ,الكرم


والروحانية وموطن الأنبياء وتعتبر فضاء خصبا للإبداع الأدبي".


والشابى عاش الوحدة والعزلة حين لم يستجب له الشعب أثناء مقاومة المستعمر


فاختار العزلة بل واعتبر نفسه نبيّا مجهولا إزاء جمود و خذلان الشعب المقهور له في المقاومة ضد المستعمر فيقول (2):


إني ذاهب الى الغاب يا شعبي// لأقضي الحياة وحدي بيأس


إني ذاهب الى الغاب علّي// في صميم الغابات أدفن بؤسي


جَهَل الناسُ روحه وأغانيها// فسامُوا شعوره سوْم بخس


فهو في مذهب الحياة نبيّ// وهو في شعبه مصاب بمسّ


ان الشابي باعتباره عاش العزلة الذهبية التي ازدهر فيها إبداعه وجعلته نبيّا مجهولا في قومه فهو في نظر الشاعر خالد الباشق يعتبر استثناءً في البلاغة ولعلها بلاغة أبناء الصحراء .وكيف لا والشابي كتب الشعر صغيرا واستوفى انتاجه الابداعي ولم يبلغ بعد سنّ الخامسة والعشرين(25 سنة) حتى أن بعض النقاد قد اعتبره "فلتة من فلتات الزمن" .


ولئن كان المتنبي قد ملك ناصية القوافي فالشاعر خالد الباشق يعتبر الشابي قد ملك الحروف فيقول:


وبأَنَّهُ مَلَكَ الحُرُوفَ كأَنَّها


تَأْتِيهِ كالأُنْثى على اسْتِحْياء


وهل أكثر من أنه شبه الحروف بالأنثى الخجولة بجمالها التي تطيعه وتتمسك به.


وهي صورة شعرية حسية جسّد بها الشاعر طواعية الحروف وجمالها (كالأنثى) للشابي وامتلاكه لها وفي ذلك فخر له والشاعر هنا يحرّك وجدان القارئ لبناء المعنى فيشعر بجمالية شعر الشابي.


ان هذه الحروف الجميلة جمال الأنثى يصوغها قصيدة عصماء بالغة الفصاحة والبلاغة والشاعر باستخدام التوتر اللغوي القائم على أسلوب انزياحي تركيبي قائم على التقديم والتأخير قدّم النعت او الحال (عصماء) على المنعوت او صاحب الحال(قصيدة) وذلك للتأكيد على مدى فصاحة القصيدة وبلاغتها فيقول:


فيَصُوغُها عَصْماءَ بَينَ قَصِيدةٍ


تَطْغى على الوَاحاتِ بالأَصْداء


وكأني بالشاعر يقرّ بكل موضوعية انه ملك ناصية الفصاحة والبلاغة ليلقب بشاعر الخضراء نسبة لتونس الخضراء وهو اشعاع عالمي اكتسبه الشابي والشاعر الباشق لا يخفي على القارئ الذي يستمتع ببناء المعنى نبرته الفخرية واعتزازه بالشابي  فيقول:


وقَدِ اسْتَحَقَّ بكُلِّ مَوضُوعِيَّةٍ


إذ لقبوهُ بشَاعِرِ الخَضْراء


ويعود الشاعر الى الوقوف لتقسيم أفكاره ليجعل للمكان روضة الشابي نصيبا من مدحه لها ليبرز استمتاعه بها بجلّ حواسّه(أبصرت/ شممت/ حججت/ طفت) فيقول:


أَبْصَرْتُ رَوْضَةَ شَاعِرٍ مِنْ ضَوْعِهِ


حَتَّى شَمَمْتُ بها شَذَا الحِنَّاءِ


إِنِّي حَجَجْتُ وطُفْتُ حَولَ مَقامِهِ


ذاك المسجى كعبة الشعراء


ان الشاعر باستخدام معجمية دينية ( حججت/ طفت/ حول مقامه/ المسجّى/ كعبة) قد استدعى النص الديني حول الحج والطواف حول الكعبة لابراز قداسة روضة الشابي واقبال الزوار عليها كأنها قبلة الشعراء ومكان عبادتهم.


وكأني بالشاعر هنا يستعيد قوته لينتشل نفسه من ضعف "الدمع الشجي" و"البكاء الذي بلغ الكون" ويحول رثاءه مدحا و فخرا بخلوده واعتزازا بإشعاعه غير مكترث بموته فيقول:  


قَدْ خَلَّدَتْهُ الأَرضُ رَغْمَ رَحِيلِهِ


والشاعر يقتبس مقطعا من قصيدة الشابي "نشيد الجبار"(رغم الداء والاعداء) وضمنه بقصيدته فيقول:


. ليَظَلَّ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ


انه شعور بالنخوة والشابي شاعر" كالنسر فوق القمة الشماء"


ويعود الشاعر خالد الباشق لمد ح الشابي باعتباره شاعر العواطف والمشاعر وكأني به يلمّح الى قوله:


عِشْ بالشعور وللشعور فإنما // دنياك كون عواطف وشعور


فيقول خالد الباشق:


كَمْ سَارَ في دُنْيا المَشاعِرِ مُمْسِكًا


بيَدَيهِ فَخْرًا دَفَّةَ الفُصَحاء


ولعل الشاعر يستدرك ليختم مرثيته المدحية بتوتر لغوي قائم على المفارقة المدهشة بالقفلة:


ج- تجليات التوتر اللغوي بالقفلة:


لقد جعل الشاعر قفلة القصيدة مرتبطة بما سبقها بمتن القصيدة:


لئن أقرّ الشاعر أن الشابي هو شاعر المشاعر فانه يكسر أفق انتظار القارئ بالقفلة  فلا ينفي عن الشابي أنه شاعر الإرادة أيضا  فيقول:


فإِذا أَرادَ الشَّعْبُ.. نَيلَ حَياتِهِ


سَيُقَرِّبُ القَدَرُ… البَعِيدَ النَّائي


والشاعر يلمّح الى قصيدة الشابي "إرادة الحياة" والتي ترجمت الى عدة لغات في قوله : اذا الشعب يوما أراد الحياة// فلا بدّ ان يستجيب القدر


ولدعم هذه المفارقة استخدم الشاعر أسلوبا بديعيا قائما على طباق لفظي ومعنوي يعكس مقابلة معنوية (الشعب/ القدر- يقرّب/ البعيد النائي).


ان بين المشاعر والارادة يمدح الشاعر خالد الباشق الشابي بالتوازن بين الوجدان والعقل والاعتدال باعتباره الشاعر الانسان في اعتداله وتوازنه.


والشاعر الباشق في مرثيته المدحية للشابي قد جعل القارئ يبني وينتج المعنى بالقصيدة حين قسم افكاره مستخدما التوتر اللغوي وفق نبرات متعددة ومختلفة من نبرة حزينة باكية مرورا بنبرة مدحية فنبرة فخرية ونبرة اعتزاز ونخوة .واذا بالرثاء يتحول الى مدح وفخر.


ان هذا التحول في نبرة الشاعر ينمّ عن قدرته في انتشال نفسه من ضعف الرثاء الى قوّة الفخر والاعتزاز .


ولعل القارئ يدعم هذه القوة بالاستناد الى الرويّ( الهمزة) الذي اختاره الشاعر و كان في خدمة القصيدة .


ودلالة الهمزة في الروي بالقصيدة تتجلى حسب المختصين في اللغة والعروض في إضفاء قوّة وتأكيد على المشاعر والهمزة كرويّ بحد ذاته تتفاعل مع الوزن والحركات لتشكل ايقاعا نفسيا يعكس حالة الشاعر .


فصوتها الانفجاري المجهور يجعلها أداة صوتية ومعنوية قوية في يد الشاعر, تلعب دورا في بناء الايقاع وتعميق المشاعر وتجسيد قوة الشاعر للعالم خاصة في حالات الحزن والشدة والقوة والتحدي.


ولعل القارئ يواصل في بناء المعنى ليعتبر ان هذه القصيدة "الهمزية" للشاعر خالد الباشق ترتقي الى العالمية لتعانق في جملتها ونسبيتها "همزية" أحمد شوقي و "همزية "الامام البوصيري في مدح الرسول.


سلم قلم الشاعر المتفرد خالد الباشق هذا القلم البارع  الذي لا يشبه الا خالد الباشق.


بتاريخ : 26/ 12/ 2025


المرجع:


(1) نظرية التلقي الحديثة لياوس وايزر


 https://mawdoo3.com>...(2)


تعريف الرثاء- موضوع


المصدر :


(2) ديوان الشابي "أغاني الحياة"


=======================


القصيدة : "روضة الشابي"(الشاعر خالد الباشق)


في  رَوْضَةِ الشَّابِيِّ صُغْتُ رِثَائي


وأَقَمْتُ بالدَّمْعِ الشَّجِيِّ عَزَائي


وكأَنَّني مِنْ  هَولِ ذاكَ المُلْتَقى


أَسْمَعْتُ هَذا الكَونَ صَوتَ بُكائي


وكأَنَّ ذاكَ القَبْرَ مَهْدُ طُفُولةٍ


ودَفِينَهُ  المَولُودَ بالصَّحْراءِ


إنِّي بَحَثْتُ ولَمْ أَجِدْ بزَمانِهِ


إِلَّاهُ حَقًّا… أَفصحَ البُلَغاءِ


وبأَنَّهُ مَلَكَ الحُرُوفَ كأَنَّها


تَأْتِيهِ كالأُنْثى على اسْتِحْياءِ


فيَصُوغُها عَصْماءَ بَينَ قَصِيدةٍ


تَطْغى على الوَاحاتِ بالأَصْداءِ


وقَدِ اسْتَحَقَّ بكُلِّ مَوضُوعِيَّةٍ


إذ لقبوهُ بشَاعِرِ الخَضْراءِ


أَبْصَرْتُ رَوْضَةَ شَاعِرٍ مِنْ ضَوْعِهِ


حَتَّى شَمَمْتُ بها شَذَا الحِنَّاءِ


إِنِّي حَجَجْتُ وطُفْتُ حَولَ مَقامِهِ


 ذاكَ المُسَجَّى كَعْبةِ الشُّعَراءِ


قَدْ خَلَّدَتْهُ الأَرضُ رَغْمَ رَحِيلِهِ


 ليَظَلَّ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ


كَمْ سَارَ في دُنْيا المَشاعِرِ مُمْسِكًا


بيَدَيهِ فَخْرًا دَفَّةَ الفُصَحاءِ


فإِذا أَرادَ الشَّعْبُ.. نَيلَ حَياتِهِ


سَيُقَرِّبُ القَدَرُ… البَعِيدَ النَّائي


خالد الباشق


شاعر عراقي مقيم في تونس



السبت، 3 يناير 2026

الشاعر " شادي سعد " يرسم ملامح شعره بالمدن التي تحكي حكايا العائدين "ليؤكد عذابات الاخرين . بقلم قاسم ماضي – ديترويت

 الشاعر " شادي سعد " يرسم ملامح شعره بالمدن التي تحكي حكايا العائدين "ليؤكد عذابات الاخرين .

يقول الشاعر " حميد قاسم " الشاعر الذي لا ترى في شعره ، حياته أو زمنه ، أو المكان الذي يعيش فيه ، والناس الذين هو منهم ، متوهما انه شاعر كوني .يبقى بلا ملامح تدل عليه ، عائما في الفراغ .

وهنا نؤكد دور الشاعر اللبناني " شادي سعد " الذي  وضع لنفسه دائرة مختلفة عن بقية هذا الكم الهائل من الشعراء الذين عاصرهم .حيث إنطلق من الأمكنة وعلاقاتها في ضمير الشاعر الحالم بنصوص تنطلق من هذه الأمكنة التي أرخت بظلالها على روح  الشاعرالامر الذي جعلته يكتب قصيدته التي حركت مشاعرنا أزاء ما نمر به .

ولمن مضوا من غير أسماء 

ودون هوية 

دون ارتعاش يدي طيبة 

 وللمكان اثره في جميع النصوص الشعرية ، وبالتالي فإن أختلاف المكان يمنح النصوص الشعرية اختلافات ما . فالشاعر غادر وطنه وتجول في عدة أوطان وعاش معاناة الغربة والتغرب حتى أدرك ما هو تأثير المكان على روحه المتشعلة والتي اضرمت النار في قلبه فقصائده جميعها هي من صميمم هذه الامكنة .

في قصيدة " صرخة دم " ياطفل غزة 

يقول والموت يخبو في الدروب 

 يخبو كطفل ضائع 

ليكون صوته متماشيا مع الشعراء الكونين الذين أرادوا وضع قصائدهم في فلك فلسفة هذه الحياة التي شكلت لديه الهم الأول .حيث أثرت قراءاته المتعددة من الذين سبقوه في كتابة قصيدة المكان ومنهم الشعراء الذين تركوا أثرا واضحا في هذا المجال ومنهم الشاعر الكبير أدونيس ، الياس ابو شبكة ، أحمد سالم ،  وأخذ على عاتقه مسؤولية الكلمة التي أراد منها ان تكون هي أداة لرسم هذا الواقع الذي يعيشه . 

فجاءت قصيدة " صرخة دم " ويا طفل غزة .

ياجناحا كشرت اضلاعه في الحرب

  يا يده التي لم تبلغ الخبز الاخير

 ولو تتبعنا تاريخ الشعراء لوجدنا  أن أغلبهم سار بهذا الاتجاه الصعب ،باعتبار أن الشعر قضية وممارسة يومية لواقع الحياة ،ولكي يؤسس في بوتقته وعالمه الخاص الذي ينطلق منه أن للكلمة مسؤولية وللشاعر ضمير ينبض بقول الحق ،

كل الذين تنفسوا نورالحقيقة  

سُحلوا فوق الأزقة 

ذُبحوا أو شُردوا وكأنهم ورق الخريف 

 ولهذا نجد هذا الطبيب الذي يمارس الطب  في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو صاحب كتابات فلسفية  ودراسات دينية مختلفة عن هذا الكم من الذين رصدوا المشهد الديني والسياسي .ومنها كتاب " الوعي الإلهي " و " ثمار الأولياء " و " اثير العارفين " 

سرقوا نشيد الفجر من فمه هنا 

ليغيب في صمت الردى والويل 

فجاءت مقولة الشاعر " حميد قاسم " لتلائم وضع الشاعر  " شادي سعد " الذي أكد للجميع ، لا ناسه يرون أنفسهم في شعره ، ولال الغرباء يتعرفون على ما يشير اليه والى زمنه ومكانه وأزماته ومسراته ، وهو ما يسعون اليه ، وهذا مثل من يكتب ويدفن كلماته ونفسه بلا جدوى ، لا أهمية لشعر عائم في الفراغ بلا مكان ولا زمان ولا عواطف انسانية ولا عطور حارة نتحرق أن نشمها "

ومن جميع القاذفات الغاضبات 

على الضلوع الواجفة 

ولأن الشعر هو حالة إنسانية ، والشاعر يصف ما يمر به من هموم ومشكلات تخصه تخص المجتمع أو ما يشعر به من خلال احتكاكه مع مجتمعه ،وشاعرنا " شادي سعد " يحب الأمكنة ومن خلال تجواله بعالم قصائده المتنوعة ، ولغته الشعرية الدقيقة والمعبرة عن كل حالة يمربها وعن أمكنة حفرت ذكرياتها في مخيلته حاول ان يعيد رسم جغرافيتها بلغة شعرية ذات إتساق شعري متوازن ولغة سلسلة  ، ولعل  غزة كمكان وجغرافيا وكشعب وقضية وما تمر به اليوم  من مخاضات لانتزاع حريتها والمحافظة على جذوة الامل في غد آمن رغم ما تواجهه من موت  الذي اصبح يغطي كل مساماتها ، وهذه المشاهد جعلت الشاعر د. حداد  أن يصفها ويدخل في تلابيب مشاهد الموت والدمار  ،  ليرسم صورة القبح لهذا المعتدي .القصيدة والنصوص التي يتحدث عنها الكاتب هنا تعكس قدرة الشاعر "شادي سعد" على تصوير المعاناة الإنسانية والظروف الصعبة التي يمر بها الناس، خصوصًا أولئك الذين عانوا من الحرب والدمار. يسعى الشاعر من خلال تجاربه في الغربة والشتات أن يخلق شعرًا يحمل رسائل إنسانية عميقة، مستلهمًا من الأماكن التي زارها والأشخاص الذين التقى بهم. هذه الأماكن تصبح جزءًا من روحه، مما يجعل شعره متجذرًا في واقع مؤلم ولكنه يحمل أيضًا الأمل في غدٍ أفضل.


الشاعر "شادي سعد" لا يكتفي فقط بوصف الأحداث، بل يتعمق في الروح الإنسانية للمكان والزمان، ويضعنا أمام تراجيديات متشابكة تؤثر في وجدان المتلقي. اختياره لغزة كمكان وموضوع في قصيدته "صرخة دم" يعكس تحمله مسؤولية الكلمة والشعر كأداة للتغيير، مؤكدًا على صرخة الدم والآلام التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظل الحروب والمآسي المستمرة. في هذه القصيدة، يتحول الموت والدمار إلى إشارات على معاناة طويلة ومستمرة، ويظهر الشاعر كأداة للكشف عن هذه الحقيقة المؤلمة.


في النهاية، يبرز الشاعر "شادي سعد" كواحد من الشعراء الذين لا يكتفون بوصف الواقع، بل يسعون لإعادة رسمه وإعطاء صوت لأولئك الذين لا صوت لهم، من خلال كلمات مشحونة بالمعنى والمشاعر الإنسانية.

وذاب في صدر الحجارة 

والرصاص مع الأنين 


قاسم ماضي – ديترويت



الخميس، 1 يناير 2026

قراءة نقدية: "همَزِيّة الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى" القصيدة:" روضة الشابي" الشاعر :خالد الباشق (العراق) الناقدة: جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية: "همَزِيّة الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى"

القصيدة:" روضة الشابي"

الشاعر :خالد الباشق (العراق)

الناقدة: جليلة المازني (تونس)


القراءة النقدية: "همزية الباشق بين التوتر اللغوي وبناء المعنى":


1- المقدمة:


لقد استخدم الشاعر خالد الباشق  أسلوب التوتر اللغوي لبناء المعنى بدءا بالعنوان مرورا بمتن القصيدة  ووصولا الى القفلة.


+ مفهوم التوتر اللغوي:


والتوتر اللغوي حسب بعض النقاد :"هو صراع  بين الفكرة التي يريد الانسان قولها وما تسمح اللغة بإيصاله.


وهو الديناميكية التي تتكون بين الفكرة التي يريد المتكلم التعبير عنها والحدود التي تفرضها اللغة مما يؤدي الى تشكيل المعنى بطريقة مركبة عبر التفاعل بين ما تقوله اللغة وما يريد المتحدث قوله".


هذه العوامل تساهم في تشكيل الرسالة ونقل المعنى بشكل يتجاوز الكلمات نفسها وتشكل جزءا  لا يتجزّأ من عملية بناء المعنى.


+ آليات  توليد التوتر اللغوي في بناء المعنى:


- الصراع بين المعنى واللغة.


- تغيير المعنى بالبناء اللغوي


- النبرة الصوتية.


- الوقفات لتقسيم الافكار.


- التحيز اللغوي.


- تداخل الدلالات:  قد يتحول اللفظ من مجرد وعاء للمعنى الى محرك نفسي قوي, يؤثر في القرار والسلوك والاتجاه العقلي.


- دور المتلقي في بناء المعنى


2- تجليات التوتر اللغوي في بناء المعنى بالقصيدة :


أ - عتبة العنوان وتجليات التوتر اللغوي:


أسند الشاعر خالد الباشق عنوانا لقصيدته " روضة الشابي " وقد لعب على المكان وهنا قد يتدخل القارئ متسائلا:


- هل أن روضة الشابي باعتبارها ذاكرة شعرية ومَزارًا ثقافيا نابضا؟


- هل أن روضة الشابي باعتبارها مكانا حيث قبر الشابي وهي مفتوحة وتستقبل الزوار بصفة عادية ؟.


- هل أن الشاعر خالد الباشق كان أحد الزوار للروضة وهناك هاج ذكره للشابي وجادت قريحته بهذه القصيدة؟


ان القارئ يجد من خلال تساؤلاته صراعا بين الفكرة والمعنى.


انه صراع بين أفق النص وأفق توقعات القارئ الذي سيكتشف من خلاله جمالية المسافات بين الأفقين(حسب نظرية التلقي الحديثة (1)) بمتن القصيدة:


ب- تجليات التوتر اللغوي بمتن القصيدة:


استهل الشاعر قصيدته باستخدام تناص داخلي مع العنوان "روضة الشابي" وهو إيقاع داخلي وتأكيد على زيارته لهذا المكان الذي بات قبلة كل زوار الجهة فيقول:


في  رَوْضَةِ الشَّابِيِّ صُغْتُ رِثَائي


وأَقَمْتُ بالدَّمْعِ الشَّجِيِّ عَزَائي


وكأَنَّني مِنْ  هَولِ ذاكَ المُلْتَقى


أَسْمَعْتُ هَذا الكَونَ صَوتَ بُكائي


من خلال المقطع الأول يبوح الشاعر للقارئ بأن قصيدته تندرج ضمن غرض الرثاء (صغت رثائي).


- خصائص الرثاء:


و"الرثاء هو ثناء الشاعر ومدح الميّت وذكر خصاله الحميدة...والرثاء يحمل الكثير من المشاعر الصادقة والمؤثرة في النفس عند سماعها وعدم التصنع في الشعر حتى لا تخرج القصيدة عن مغزاها الأساسي وهو رثاء الميت.


وتبدأ القصائد الرثائية غالبا بمخاطبة العين وطلب البكاء منها على فراق الميت"(1).


وبالتالي فالرثاء يجمع بين البكاء والمدح باعتبار ان الرثاء هو مدح صادق لمحاسن الميت.


والشاعر استخدم توترا لغويا من خلال وقفته الاولى بروضة الشابي لتقسيم أفكاره فبدأ رثاءه بمخاطبة العين والبكاء الذي كان عزاءه وهو بروضة الشابي.


ان أسلوب التوتر اللغوي يعكس توتره النفسي:


لقد استخدم أسلوبا انزياحا دلاليا قائما على التشبيه ليشبّه هول الملتقى بالشدة التي جعلت صوت بكائه يبلغ الكون ارتفاعا وامتدادا .كأني به يشرّع لبكائه و هولا يخفي ضعفه أمام الموت و نبرته الحزينة والمتأثرة.


وفي هذا الاطار من تقسيم أفكاره يتحوّل من البكاء الذي بلغ كل الكون الى ذكر خصال الميت ومن الرثاء الى المدح فيقول:


وكأَنَّ ذاكَ القَبْرَ مَهْدُ طُفُولةٍ


ودَفِينَهُ  المَولُودَ بالصَّحْراءِ


إنِّي بَحَثْتُ ولَمْ أَجِدْ بزَمانِهِ


إِلَّاهُ حَقًّا… أَفصحَ البُلَغاءِ


لقد واصل الشاعر باستخدام التوتر اللغوي من خلال أسلوب انزياحي دلالي قائم على التشبيه فشبه القبر بمهد الطفولة وهو توتر لغوي قائم على مفارقة عجيبة تعكس ثنائية الموت و الحياة:


 فلئن كان القبر رمْزا للموت فمهد الطفولة رمز للولادة والولادة حياة جديدة.  وهنا تتداخل الدلالات ويتحول اللفظ من مجرد وعاء للمعنى الى محرك نفسي قوي, يؤثر في القرار والسلوك والاتجاه العقلي.


وكأني بالشاعر ينفي عن الشابي الموت ليراه خالدا بإبداعه الذي ملأ الساحة الأدبية وشغل النقاد.


 وهل أكثر من أن هذا الدفين هو المولود بالصحراء.


والشاعر خالد الباشق قد تعالى على التشبيه المألوف واستخدم  تشبيها بليغا والتشبيه البليغ هو أقوى أنواع التشبيه لأنه يُحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه معا (ودفينَه المولودَ بالصحراء).وأصل الجملة "و دفينَه كأنه المولودَ بالصحراء". ووجه الشبه نجده في دلالة "الصحراء":


يرى بعض النقاد أن" دلالة الصحراء متعددة ومتناقضة فهي ترمز للوحدة والعزلة , القسوة والموت , لكنها ترمز الى السكينة والصفاء الذهني, القوة ,الكرم


والروحانية وموطن الأنبياء وتعتبر فضاء خصبا للإبداع الأدبي".


والشابى عاش الوحدة والعزلة حين لم يستجب له الشعب أثناء مقاومة المستعمر


فاختار العزلة بل واعتبر نفسه نبيّا مجهولا إزاء جمود و خذلان الشعب المقهور له في المقاومة ضد المستعمر فيقول (2):


إني ذاهب الى الغاب يا شعبي// لأقضي الحياة وحدي بيأس


إني ذاهب الى الغاب علّي// في صميم الغابات أدفن بؤسي


جَهَل الناسُ روحه وأغانيها// فسامُوا شعوره سوْم بخس


فهو في مذهب الحياة نبيّ// وهو في شعبه مصاب بمسّ


ان الشابي باعتباره عاش العزلة الذهبية التي ازدهر فيها إبداعه وجعلته نبيّا مجهولا في قومه فهو في نظر الشاعر خالد الباشق يعتبر استثناءً في البلاغة ولعلها بلاغة أبناء الصحراء .وكيف لا والشابي كتب الشعر صغيرا واستوفى انتاجه الابداعي ولم يبلغ بعد سنّ الخامسة والعشرين(25 سنة) حتى أن بعض النقاد قد اعتبره "فلتة من فلتات الزمن" .


ولئن كان المتنبي قد ملك ناصية القوافي فالشاعر خالد الباشق يعتبر الشابي قد ملك الحروف فيقول:


وبأَنَّهُ مَلَكَ الحُرُوفَ كأَنَّها


تَأْتِيهِ كالأُنْثى على اسْتِحْياء


وهل أكثر من أنه شبه الحروف بالأنثى الخجولة بجمالها التي تطيعه وتتمسك به.


وهي صورة شعرية حسية جسّد بها الشاعر طواعية الحروف وجمالها (كالأنثى) للشابي وامتلاكه لها وفي ذلك فخر له والشاعر هنا يحرّك وجدان القارئ لبناء المعنى فيشعر بجمالية شعر الشابي.


ان هذه الحروف الجميلة جمال الأنثى يصوغها قصيدة عصماء بالغة الفصاحة والبلاغة والشاعر باستخدام التوتر اللغوي القائم على أسلوب انزياحي تركيبي قائم على التقديم والتأخير قدّم النعت او الحال (عصماء) على المنعوت او صاحب الحال(قصيدة) وذلك للتأكيد على مدى فصاحة القصيدة وبلاغتها فيقول:


فيَصُوغُها عَصْماءَ بَينَ قَصِيدةٍ


تَطْغى على الوَاحاتِ بالأَصْداء


وكأني بالشاعر يقرّ بكل موضوعية انه ملك ناصية الفصاحة والبلاغة ليلقب بشاعر الخضراء نسبة لتونس الخضراء وهو اشعاع عالمي اكتسبه الشابي والشاعر الباشق لا يخفي على القارئ الذي يستمتع ببناء المعنى نبرته الفخرية واعتزازه بالشابي  فيقول:


وقَدِ اسْتَحَقَّ بكُلِّ مَوضُوعِيَّةٍ


إذ لقبوهُ بشَاعِرِ الخَضْراء


ويعود الشاعر الى الوقوف لتقسيم أفكاره ليجعل للمكان روضة الشابي نصيبا من مدحه لها ليبرز استمتاعه بها بجلّ حواسّه(أبصرت/ شممت/ حججت/ طفت) فيقول:


أَبْصَرْتُ رَوْضَةَ شَاعِرٍ مِنْ ضَوْعِهِ


حَتَّى شَمَمْتُ بها شَذَا الحِنَّاءِ


إِنِّي حَجَجْتُ وطُفْتُ حَولَ مَقامِهِ


ذاك المسجى كعبة الشعراء


ان الشاعر باستخدام معجمية دينية ( حججت/ طفت/ حول مقامه/ المسجّى/ كعبة) قد استدعى النص الديني حول الحج والطواف حول الكعبة لابراز قداسة روضة الشابي واقبال الزوار عليها كأنها قبلة الشعراء ومكان عبادتهم.


وكأني بالشاعر هنا يستعيد قوته لينتشل نفسه من ضعف "الدمع الشجي" و"البكاء الذي بلغ الكون" ويحول رثاءه مدحا و فخرا بخلوده واعتزازا بإشعاعه غير مكترث بموته فيقول:  


قَدْ خَلَّدَتْهُ الأَرضُ رَغْمَ رَحِيلِهِ


والشاعر يقتبس مقطعا من قصيدة الشابي "نشيد الجبار"(رغم الداء والاعداء) وضمنه بقصيدته فيقول:


. ليَظَلَّ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ


انه شعور بالنخوة والشابي شاعر" كالنسر فوق القمة الشماء"


ويعود الشاعر خالد الباشق لمد ح الشابي باعتباره شاعر العواطف والمشاعر وكأني به يلمّح الى قوله:


عِشْ بالشعور وللشعور فإنما // دنياك كون عواطف وشعور


فيقول خالد الباشق:


كَمْ سَارَ في دُنْيا المَشاعِرِ مُمْسِكًا


بيَدَيهِ فَخْرًا دَفَّةَ الفُصَحاء


ولعل الشاعر يستدرك ليختم مرثيته المدحية بتوتر لغوي قائم على المفارقة المدهشة بالقفلة:


ج- تجليات التوتر اللغوي بالقفلة:


لقد جعل الشاعر قفلة القصيدة مرتبطة بما سبقها بمتن القصيدة:


لئن أقرّ الشاعر أن الشابي هو شاعر المشاعر فانه يكسر أفق انتظار القارئ بالقفلة  فلا ينفي عن الشابي أنه شاعر الإرادة أيضا  فيقول:


فإِذا أَرادَ الشَّعْبُ.. نَيلَ حَياتِهِ


سَيُقَرِّبُ القَدَرُ… البَعِيدَ النَّائي


والشاعر يلمّح الى قصيدة الشابي "إرادة الحياة" والتي ترجمت الى عدة لغات في قوله : اذا الشعب يوما أراد الحياة// فلا بدّ ان يستجيب القدر


ولدعم هذه المفارقة استخدم الشاعر أسلوبا بديعيا قائما على طباق لفظي ومعنوي يعكس مقابلة معنوية (الشعب/ القدر- يقرّب/ البعيد النائي).


ان بين المشاعر والارادة يمدح الشاعر خالد الباشق الشابي بالتوازن بين الوجدان والعقل والاعتدال باعتباره الشاعر الانسان في اعتداله وتوازنه.


والشاعر الباشق في مرثيته المدحية للشابي قد جعل القارئ يبني وينتج المعنى بالقصيدة حين قسم افكاره مستخدما التوتر اللغوي وفق نبرات متعددة ومختلفة من نبرة حزينة باكية مرورا بنبرة مدحية فنبرة فخرية ونبرة اعتزاز ونخوة .واذا بالرثاء يتحول الى مدح وفخر.


ان هذا التحول في نبرة الشاعر ينمّ عن قدرته في انتشال نفسه من ضعف الرثاء الى قوّة الفخر والاعتزاز .


ولعل القارئ يدعم هذه القوة بالاستناد الى الرويّ( الهمزة) الذي اختاره الشاعر و كان في خدمة القصيدة .


ودلالة الهمزة في الروي بالقصيدة تتجلى حسب المختصين في اللغة والعروض في إضفاء قوّة وتأكيد على المشاعر والهمزة كرويّ بحد ذاته تتفاعل مع الوزن والحركات لتشكل ايقاعا نفسيا يعكس حالة الشاعر .


فصوتها الانفجاري المجهور يجعلها أداة صوتية ومعنوية قوية في يد الشاعر, تلعب دورا في بناء الايقاع وتعميق المشاعر وتجسيد قوة الشاعر للعالم خاصة في حالات الحزن والشدة والقوة والتحدي.


ولعل القارئ يواصل في بناء المعنى ليعتبر ان هذه القصيدة "الهمزية" للشاعر خالد الباشق ترتقي الى العالمية لتعانق في جملتها ونسبيتها "همزية" أحمد شوقي و "همزية "الامام البوصيري في مدح الرسول.


سلم قلم الشاعر المتفرد خالد الباشق هذا القلم البارع  الذي لا يشبه الا خالد الباشق.


بتاريخ : 26/ 12/ 2025


المرجع:


(1) نظرية التلقي الحديثة لياوس وايزر


 https://mawdoo3.com>...(2)


تعريف الرثاء- موضوع


المصدر :


(2) ديوان الشابي "أغاني الحياة"


=======================


القصيدة : "روضة الشابي"(الشاعر خالد الباشق)


في  رَوْضَةِ الشَّابِيِّ صُغْتُ رِثَائي


وأَقَمْتُ بالدَّمْعِ الشَّجِيِّ عَزَائي


وكأَنَّني مِنْ  هَولِ ذاكَ المُلْتَقى


أَسْمَعْتُ هَذا الكَونَ صَوتَ بُكائي


وكأَنَّ ذاكَ القَبْرَ مَهْدُ طُفُولةٍ


ودَفِينَهُ  المَولُودَ بالصَّحْراءِ


إنِّي بَحَثْتُ ولَمْ أَجِدْ بزَمانِهِ


إِلَّاهُ حَقًّا… أَفصحَ البُلَغاءِ


وبأَنَّهُ مَلَكَ الحُرُوفَ كأَنَّها


تَأْتِيهِ كالأُنْثى على اسْتِحْياءِ


فيَصُوغُها عَصْماءَ بَينَ قَصِيدةٍ


تَطْغى على الوَاحاتِ بالأَصْداءِ


وقَدِ اسْتَحَقَّ بكُلِّ مَوضُوعِيَّةٍ


إذ لقبوهُ بشَاعِرِ الخَضْراءِ


أَبْصَرْتُ رَوْضَةَ شَاعِرٍ مِنْ ضَوْعِهِ


حَتَّى شَمَمْتُ بها شَذَا الحِنَّاءِ


إِنِّي حَجَجْتُ وطُفْتُ حَولَ مَقامِهِ


 ذاكَ المُسَجَّى كَعْبةِ الشُّعَراءِ


قَدْ خَلَّدَتْهُ الأَرضُ رَغْمَ رَحِيلِهِ


 ليَظَلَّ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعْداءِ


كَمْ سَارَ في دُنْيا المَشاعِرِ مُمْسِكًا


بيَدَيهِ فَخْرًا دَفَّةَ الفُصَحاءِ


فإِذا أَرادَ الشَّعْبُ.. نَيلَ حَياتِهِ


سَيُقَرِّبُ القَدَرُ… البَعِيدَ النَّائي


خالد الباشق


شاعر عراقي مقيم في تونس