الخميس، 30 أبريل 2026

تحليل للنص الشعري للشاعر التونسي طاهر مشي في ذكرى عيد الشهداء (9 أفريل) بقلم الأديب صالح الصرفندي

تحليل للنص الشعري للشاعر التونسي طاهر مشي في ذكرى عيد الشهداء (9 أفريل) بقلم الأديب صالح الصرفندي 


1. السياق التاريخي والوطني

تنتمي القصيدة لغرض الشعر الوطني، الذي يخلّد أحداث 9 أفريل 1938 في تونس. هذا التاريخ يمثل "منعرجاً حاسماً" في مسار الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، حيث خرج التونسيون للمطالبة ببرلمان وطني، وواجهوا رصاص الاحتلال بصدور عارية، ما أسفر عن سقوط 22 شهيداً. 


 

2. الأفكار الرئيسية في النص

جرح المجد (البيتان 1-2): يربط الشاعر بين "الجرح" و"المجد"، فدماء الشهداء ليست مأساة فحسب، بل هي "السناء" الذي يشرق من المآذن، مما يضفي صبغة قدسية ونورانية على التضحية.

عزة الأحرار (البيتان 3-4): يبرز النص التضاد بين "الكرامة" و"الذل"، مؤكداً أن الصمود هو خُلُق "الأبيّ" الذي لا يلين أمام "رصاص الغدر".

الفجر والدم (البيتان 5-6): يستخدم الشاعر صورة "سقي الترب بالدم" لإثبات أن استقلال تونس وفجرها لم يأتيا صدفة، بل كانا ثمرة لتلك الدماء الطاهرة.

خلود الشهداء (البيتان 7-8): يستلهم الشاعر المعنى القرآني بأن الشهداء "أحياء"، فهم يتحولون إلى "نشيد" فخر يتردد في وجدان الشعب وسرمدية التاريخ.

العهد والمبدأ (البيتان 9-11): يختم الشاعر بقسم الوفاء، موجهاً رسالة تعزية وفخر لـ "أم الشهيد"، ومعلناً التمسك بالمبادئ مهما "جار الزمان". 


3. الخصائص الفنية والأسلوبية

اللغة والجزالة: تميز أسلوب طاهر مشي بجزالة الألفاظ ومتانة العبارة، وهي سمات يشتهر بها في شعره الذي يجمع بين أصالة المعنى وحداثة التعبير.

الصور البيانية: اعتمد النص على الاستعارة المكنية في مواضع مثل "أورقَ في المآذن"، و"صبغَ الأرض"، وهي صور تخدم الجانب الملحمي والحماسي للقصيدة.

الإيقاع: القصيدة مبنية على نظام الشطرين، مع التزام بقافية مشددة (الياء المشددة: الأبيّ، نقيّ، سنيّ) التي تعطي جرساً موسيقياً قوياً يتناسب مع موضوع البطولة والفخر. 


4. الرمزية في النص

تونس الخضراء: تظهر في القصيدة كأرض للخصوبة (أورق، أزهر) التي ترتوي بدم الشهيد لتثمر حرية.

العزم العربي: يربط الشاعر بين النضال الوطني التونسي والهوية العريضة، مما يعطي القضية بعداً قومياً وتاريخياً ممتداً. 

 

يُعرف الدكتور طاهر مشي بأنه شاعر ينحت الكلمات ببراعة، ويحول التجارب الوطنية إلى لوحات مشهدية نابضة بالحياة، وهو ما تجلى بوضوح في هذا النص الذي يوثق الذاكرة التونسية بمداد من الفخر.


قصيدة في ذكرى عيد الشهداء (تونس 9 أفريل )

اااااااااااااااااااااااا ااااااااااااااااا 

بِتُونِسَ هَاجَ جُرْحُ الْمَجْدِ حَيّا

فَأَوْرَقَ فِي الْمَآذِنِ كَالسَّنِيِّ


تَدَافَعَ مَوْكِبُ الْأَحْرَارِ عَزْمًا

يُنَادِي بِالْحُقُوقِ وَبِالْعَلِيِّ


يَقُولُونَ الْكَرَامَةُ دَرْبُ حُرٍّ

وَلَيْسَ الذُّلُّ مِنْ خُلُقِ الْأَبِيِّ


فَلَاقَاهُمْ رَصَاصُ الْغَدْرِ ظُلْمًا

بِجَوْفِ الأَرْضِ قَدْ طَمَرُوا بِغَيٍّ


سَقَوْا تُرْبَ الْبِلَادِ دَمًا طَهُورًا

فَأَزْهَرَ فَجْرُهَا بَعْدَ الدُّجِيِّ


هُمُ الشُّهَدَاءُ فِي ذِكْرٍ الخُلُودٍ

بِقَلْبِ الشَّعْبِ فِي عَيْشٍ بهيِّ


إِذَا ذُكِرَ الْفَخَارُ فَفِي نَشِيدٍ

وَإِنْ ذُكِرَ الْوَفَاءُ فَفِي وَلِيِّ


أَيَا أُمَّ الشَهِيدٍ بصَبْر قَلْبٍ

عَظِيمٍ فِي مَقَامِكَ فِي الْعَصِيِّ


سَنَحْفَظُ عَهْدَهُمْ مَا دَامَ فِينَا

دَمٌ يَجْرِي بِعَزْمٍ عَرَبِيِّ


وَنَمْضِي لَا نَمِيلُ عَنِ الصّواب

وَلَوْ فِي جَوْرِ دَهْرٍ فِي الرَّدِيِّ

//////////////////

طاهر مشي



الثلاثاء، 28 أبريل 2026

قراءة نقدية "الققجية بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي" الققجية: "ما يتبقى بعد" الكاتبة الهام عيسى(سوريا) الناقدة:جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية "الققجية  بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي"

الققجية: "ما يتبقى بعد"

الكاتبة الهام عيسى(سوريا)

الناقدة:جليلة المازني (تونس)


القراءة النقدية: "الققجية  بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي"


1- في قراءة عنوان  الققجية :"ما يتبقى بعد "


أسندت الكاتبة إلهام عيسى عنوانا للققجية  قائما على سبب وانتظار نتيجة .


لئن كان السبب هو مشهد أليم فان الكاتبة تنتظر ما يتبقى بعد من هذا المشهد الواقعي الأليم  .


وعبارة "ما يتبقى بعد" حسب بعض النقاد " تحمل دلالات عميقة وسياقات سيميائية وفلسفية متعددة, تشير بشكل أساسي الى الأثر, الذاكرة , أو الجوهر الذي  يستمرّ بعد تلاشي الظواهر المادية أو اللحظات العابرة , بناء على النتائج".


من دلات العبارة "ما يتبقى بعد" :


- ما بعد الفشل أو التلاشي: يستخدم السياق للإشارة الى الحقيقة أو الجوهر الذي يظهر بعد انهيار المظاهر كالرماد كدلالة على ما يتبقى بعد الاحتراق والموت.


- الباقي الوجداني: (الأثر النفسي):في السياقات الانسانية والعبور تشير العبارة الى المشاعر والذكريات التي تظلّ" عالقة" في القلب او النفس بعد مغادرة مكان او انتهاء لحظة معينة.


- الوجود المؤجل: تعبّر العبارة عن صور او علامات وجودية غامضة, تمثل حضورا مؤجلا او ذكرى لا تكتمل.


ومجمل القول فان عبارة "ما يتبقى بعد" هي دلالة على الجوهري مقابل الزائل والأثر مقابل اللحظة والذاكرة مقابل النسيان.


وفي هذا السياق قد يتدخل القارئ متسائلا:


- هل أن ما يتبقى بعد الفشل او التلاشي يشير الى الحقيقة او الجوهر الذي يظهر بعد انهيار المظاهر؟


- هل ان ما يتبقى بعد الحدث هو مُتبقّ وجداني وأثر نفسي ؟ واي مشاعر وذكريات ستظل عالقة في القلب او النفس؟


- هل ان عبارة  "ما يتبقى بعد" هي عبارة حمالة لثنائية الجوهر والزائل ؟ وثنائية الاثر واللحظة؟ وثنائية الذاكرة والنسيان؟


وعبارة "ما يتبقى بعد" في علم النفس تشير الى دلالات عميقة تتعلق بالذاكرة, التعافي, الاثر النفسي المستمركما يلي :


- الأثر النفسي والتعافي: بعد مرور تجربة قاسية يتحول هذا المتبقي من ألم وحزن الى دروس مستفادة ورغبة في البداية من جديد حيث تتلاشى التجربة القاسية  ويتبقى الوعي بالذات الجماعي.


- ان عبارة ما يتبقى بعد "هي جوهر التجربة الانسانية الذي يشكل شخصيتنا ونظرتنا للمستقبل بعد انقضاء اللحظة العاطفية او الزمنية.


وفي هذا الاطار:


- أي مشهد أليم تنقله الكاتبة بعدسة كاميراها  الى المتلقي ؟


- أي تجربة قاسية عاشتها الشخصية الجماعية للحكاية ؟


- أي أثر يتبقّى بعد التجربة القاسية لتستفيد منه شخصيات الحكاية؟


- هل ان هذا المتبقي من ألم وحزن يتحوّل الى رغبة في البداية من جديد؟


- هل أن التجربة القاسية تتلاشى ويتبقى الوعي بالذات الجماعي؟


ان هذه التساؤلات قد يجد لها القارئ جوابا أثناء التحليل:


2- التحليل: "الققجية  بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي"


أ- الققجية والتجربة القاسية:


لقد استهلت الكاتبة ققجيتها  برسم مشهد التقطته بعدسة الراصد من فوق يجسد مشهد دمار شامل لم يبق ولم يذرْ. انه أتى على البشر والحجر:


(ضاقت الارض بين موتى ونفقة بقية الكائنات


تكدست في المشافي جثث واشلاء مفخخات)


لقد عبرت الكاتبة بامتياز عن العدد المهول للضحايا بأن جعلت الأرض بحجمها الكبير لا تتسع لهم وكأني  بالأرض  تحتج على ضحايا هذا الدّمار الشامل للبشر فحتى المشافي عجزت عن إسعافهم وانتشالهم من الموت .


 إنه مشهد صادم وموسوم بالوحشية وعدواني ومجرّد من كل معاني الإنسانية ويفتقر لكل القيم الأخلاقية.


فلا إنسانية تُحكّمُ ولا أخلاق ترْدع...إنه قانون الغاب حيث القوي يأكل الضعيف.


ولعل الأمر أبشع من ذلك وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الألماني "هوبس" "الإنسان ذئب للانسان"


« L’homme est un loup pour l’homme »


انها علاقة محكومة بالوحشية وشراسة المصلحة الضيقة التي يراها الذئب في فريسته.


وهل أكثر من أن هذه الوحشية قد محت كل أثر للحياة :


لم يعد بالامكان من هولها ذكر فصول الحكايات


 (عائلات شطبت وقرى زالت لم يجدي إحصاء السجلات


وفي هذا الاطارتتدخل الكاتبة وتلوذ بعملية رثاء :


العمر: أرقام في عداد الزمن :لم يعد للعمر طعم الحياة .


الليل: كابوس من رماد : فالليل الذي هو زمن السكينة والهدوء والطمأنينة فالكاتبة باستخدام أسلوب انزياحي دلالي قائم على الكناية عبرت بامتياز عن كثرة الضحايا فكنّتْ عن الموت بالرماد.


والرماد كدلالة على "ما يتبقى بعد" الاحتراق والموت.


الشوارع: يغلفها السواد: باستخدام تقنية التجسيد تعبّر الكاتبة عن خلاء الشوارع وحشة وظلاما وسوادا وبالتالي انعدام الحركة  ومعالم الحياة .


الجدران: تئن تحت الركام...باستخدام ظاهرة التشخيص جعلت الكاتبة الجدران تئن أنين الانسان المريض الذي يحتضر  وما يتبقّى بعد الجدران الا الركام. فالمباني دُمِّرتْ وطُرِحتْ أرضا


الذاكرة : من هولها تمحو الاستذكارات : ان هول هذا الدمار الشامل محا الذاكرة والماضي والتاريخ


ان الكاتبة لا تخفي عن القارئ وجعها الذي جعلها تجد متنفسا في الرثاء:


- انها ترثي الزمان وهو يتحول من زمن الهدوء والطمانينة الى زمن يغتال فيه الشعب بكل وحشية


- انها ترثي الضحايا من البشر (عائلات شطبت).


- انها ترثي المكان من شوارع وحطام المنازل.


- انها ترثي الذاكرة وشعب بلا ذاكرة هو شعب منبت بلا جذور.


بيْد أن الكاتبة تختم بقفلة مدهشة لم يكن القارئ ليتوقعها فحوّلت هذه التجربة القاسية والمأساة المعيشة الى وعي بالذات الجماعي:


ان الكاتبة لا تركن الى سلبية الرثاء والبكاء على مدى الفقد ومدى الخسارة . فتقول الكاتبة:


كنا وكانوا .. ومحال أن يبقى الطغاة.


في هذا الاطار فان الكاتبة تقرّ بحقيقة متفائلة لتنتشل الشخصية الجماعية من بؤرة  الوجع بسبب الفقد والخسارة ولتبعث فيها الأمل في القضاء على الطغاة وعلى القهر والكاتبة في ذلك تعانق الشاعر الشابي في قوله : ولا بد لليل ان ينجلي// ولا بد للقيد ان ينكسر.


والكاتبة قد جعلت القفلة في مفارقة مدهشة مع متن الققجية ومتناغمة مع العنوان:


- المفارقة المدهشة: لئن كان متن الققجية يجسّد الوجع فان القفلة تعلن التشبث بالأمل لتجاوز الألم.


- التناغم بين العنوان ومتن الققجية والقفلة: ان "ما يتبقى بعد" الفقد والخسا رة هما الوجع والأمل.


والكاتبة قد جعلت هذه الشخصية الجماعية تتنفس من خلال البوح بوجعها لتستطيع انتشالها من الألم الى الأمل لتتجاوز اللاوجود الذي سببه العدوّ الى الايمان بالوجود.


ان الكاتبة عمدت  الى جعل هذه الشخصية الجماعية تسائل نفسها وتحاسبها لتتجنب نقاط الضعف وتضاعف من نقاط القوة..انها  لحظة يقظة ووعي بالذات الجماعية:


ب- الوعي بالذات الجماعية :


يرى باحثو علم النفس الاجتماعي ان الوعي بالذات الجماعية(او الوعي الجمعي/ الضمير الجمعي) "هو مفهوم سوسيولوجي ونفسي يشير الى مجموعة المعتقدات , القيم, والمواقف المشتركة التي يتشاركها أفراد المجتمع والتي تعمل كقوة توحيد بينهم.


 يمثل هذا الوعي "صوت الجماعة" وضميرها حيث يشعر الأفراد بالانتماء ويتشاركون في القيم والتوجهات"


وتتجسد طبيعة الوعي الجماعي من خلال:


- تشكيل الهوية :يتشكل من خلال القواسم المشتركة بين الافراد حيث تتحول الذات الفردية الى" نحن"


الجمعية.(الشخصية الجماعية بالققجية تريد تقرير مصيرها ازاء هذه الابادة الجماعية).


- الجدلية مع الآخر : الوعي بالذات الجماعية لا ينفصل عن الوعي بالآخر المختلف فهو يتحدد من خلال العلاقة مع الغير(كنا وكانوا... ومحال يبقى الطغاة) (علاقة الضحايا بالجلاد).


وبالتالي "ما يتبقى بعد" الابادة الجماعية هما الوجع والوعي الجماعي المؤمن بأن الليل لا بد أن ينجلي.


ان الوعي الجماعي هو العقلية التي تجمع أفرادا وتجعلهم يتصرفون ويفكرون كجماعة ذات هدف  ومصير مشترك. انه ما يعبر عنه الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر بالوعي القصدي حيث يكون الوعي موجّها نحو شيء ما وهو وعي لذاته يتجاوز الوجود السلبي الى الحرية والمسؤولية.


انه الوعي القصدي لهذه المجموعة او الأمّة التي تعرضت الى ابادة جماعية ودمار شامل  لتتجاوز الوجود السلبي الى اثبات الوجود بقهر العدو(محال يبقى الطفاة).


انه تلاشي التجربة القاسية والمأساة المعيشة والوعي بالذات الجماعي لاعادة الروح لهذه الأمة التي تعرضت الى ابادة جماعية.


سلم جليل حرف الكاتبة الهام عيسى المسكون بالانتماء العربي والوعي الانساني.


بتاريخ:27/ 04/ 2026


الققجية : "ما يتبقى بعد ":   


ضاقت الارض بين موتى ونفقة بقية الكائنات


تكدست في المشافي جثث واشلاء مفخخات


لم يعد بالامكان من هولها ذكر فصول الحكايات


عائلات شطبت وقرى زالت لم يجدي احصاء السجلات


العمر: ارقام في عداد الزمن


الليل: كابوس من رماد


الشوارع: يغلفها السواد


الجدران: تئن تحت الركام


 الذاكرة : من هولها تمحو الاستذكارات


كنا وكانوا .. ومحال ان يبقى الطغاة



الاثنين، 27 أبريل 2026

مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي"ظلي وأنا"-نموذجا بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها

قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي"ظلي وأنا"-نموذجا


هناك لحظات في عمر الروح لا تُروى بقدر ما تُعاش في صمت الانهيار،لحظات يتبخر فيها اليقين كالسراب،ويصبح الإنسان سائلا عن نفسه لا عن الطريق..وهناك أنهار لا تجفّ،لكنها تجري عكس مجرى الحياة.أنهار اسمها: الحلم،الظل،الطريق الضائع..

في تلك المنطقة الرمادية حيث يختلط الجلد بالجرح،والصوت بالصدى،يطل علينا الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي بقصيدته "ظلي وأنا"، لا ليُهدينا نصا شعريا فحسب،بل ليفتح على مصراعيه نافذة على معركة صامتة خاضها الإنسان مع أكثر أعدائه غدرا: نفسه التي تنكرت له.إنها لحظة الانقسام الكبرى،حيث يتشظى المرء إلى ذات تركض وأخرى تُطارد،إلى ظل ظنناه نورا، وإلى حلم أوهمنا أنه عدو..!

 هنا،في أرض التعب المقدس،على حافة الهاوية التي يلتقي فيها الهروب بالمواجهة،يبدأ السؤال الذي لا يشفى: كيف نعود إلى أنفسنا وقد ضيّعنا الدرب بين الأمس واليوم؟!

 كيف نتصالح مع ظلّنا بعد عمر من المطاردة؟! هذه القصيدة ليست رثاء للخيبات،بل احتفاء بالعودة الخائرة الصادقة،تلك العودة التي لا تنتصر على الألم،بل تصافحه،حين نزرع في صدورنا بذورا لا نريدها كاملة..فقط حيّة.

ظلي وأنا


مرّ الزمان

وعادوت حلمي

وضيّعت دربي بين الأمس واليوم

كنت ألاحق ظلّي

وأحسبه نوري

حتى اكتشفت أني أركض في العدم

لكنّي رغم التعب

ما زلت أبحث

عن نافذةٍ..تُعيدني إليّ

عن صوتٍ قديم

كان يعرف اسمي

قبل أن تسرقه الضوضاء

عن قلبٍ خفيف

لا تثقله الخيبات

ولا يخشى الرجوع من منتصف الطريق

تعلّمت متأخرًا

أن الحلم ليس عدوّي

بل مرآةٌ..كنت أخاف أن أنظر فيها

وأن الهروب الطويل

لم يكن نجاة

بل تأجيلٌ للقاء الحقيقة

فها أنا أعود

بخطى مثقلة..لكن صادقة

أصافح ظلي بدل أن أطارده

وأزرع في صدري

بذرة حلمٍ جديدة

لا أريدها كاملة..

فقط حيّة .


طاهر مشي


وهكذا،عندما نغوص في أعماق هذه القصيدة، نكتشف أنها ليست مجرد كلمات على ورق،بل خريطة سرية لكل من تاه في دهاليز روحه، وبوصلة لا تشير إلى الشمال،بل إلى الداخل. 

إن إعلان الشاعر "ها أنا أعود" ليس مجرد سطر في قصيدة،بل هو لحظة فارقة في تاريخ الذات البشرية،لحظة لا تمنحنا اليقين،بل تمنحنا الشجاعة لنكون غير مكتملين،لنكون بذورا لا تنتظر حدائق جاهزة،بل تتعلم النمو في قلب العاصفة.فليس العيب أن نركض خلف ظلنا،بل العيب أن نظل نركض دون أن نلتفت يوما لنُصافحه،دون أن ندرك أن الظل ليس خصما يهزم،بل جزءا منا ينتظر المصافحة.

في النهاية،تتركنا القصيدة أمام سؤال مفتوح يتسلل إلى أرواحنا كنسيم حزين: هل النافذة التي يبحث عنها الشاعر هي نافذة نطل منها على العالم،أم أنها مرآة نطل منها على أعماقنا؟! 

أظن أن الإجابة تكمن في ذلك القلب الخفيف الذي "لا يخشى الرجوع من منتصف الطريق".

فطوبى لمن تعبوا،لأن تعبهم صار صادقا،وصار ماء يسقي بذورا كانت على وشك الإندثار.وطوبى لمن زرعوا بذورا حيّة،لأن الحياة لا تكتمل إلا بالناقصين،ولا تشرق إلا في العيون التي عرفت كيف تصافح ظلالها قبل أن تبحث عن الضوء.

وفي الأخير،يبقى كل منا وقصيدته،كل منا وظله الذي يطارده أو يصافحه.فالحياة ليست سباقا نحو الكمال،بل هي لحظة إدراك واحدة نعترف فيها أن "الهروب الطويل لم يكن نجاة،بل تأجيلا للقاء الحقيقة".فلنقف إذن على أعتاب أنفسنا متعبين لكن صادقين،ولنزرع في صدورنا ما تبقى من حلم، لا لأنه كامل،بل لأنه حي.فليس أجمل مما قاله شاعرنا ( طاهر مشي) : "ها أنا أعود بخطى مثقلة..لكن صادقة"،فتلك العودة وحدها هي الفجر الذي لا يخون.


محمد المحسن



الأحد، 26 أبريل 2026

قراءة نقدية في نص الشاعرة السورية فداء محمد في ساعة متأخرة من الشوق بقلم الناقد محمود البقلوطي من تونس

 محمود البقلوطي من تونس

قراءة نقدية في نص الشاعرة السورية فداء محمد

في ساعة متأخرة من الشوق 

تصدير  واستهلال

هذا النص للشاعرة السورية

"فداء محمد" يمثل لحظة شعرية

كثيفة، ركزت فيه الشاعرة واشتغلت على توتر الحب والحرمان والخيانة الرمزية، لغته متوترة، صوره الشعرية بنيت على المفاجأة الانفجار الداخلي.


القراة النقدية

*الزمن والمدخل الدرامي

"في ساعة متأخرة من الشوق" افتتاحية تضعنا مباشرة في  منطقة الخطر، الشوق هنا ليس حالة رومنسية، بل توقيت مداهمة. الفعل "داهمها" و"باغتها" يحولان الحب الى اقتحام وكانه لص او قدر.

التوقيت "بين نسيان وأخر" يكشف لنا ان الذات كانت تحاول التعافي، فجاء الحب ليقطع مسار النسيان الهش


** دوراللغة والصور

في جسدنة المشاعر

"اليس عقله معطفا للصمت" جملة تعبر عن صورة عبقرية، العقل يتغطي ليخفي نيته والصمت هنا عوض ان يكون حكمة اصبح قناعا. كلمة المعطف  توحي بالبرد، بالشتاء الداخلي، والرغبة في اخفاء اشياء.

"متعة الوفاء عن جوع" كلمات ترم التناقض يكشف هشاشة التجربة،وأن الوفاء لاياتي من شبع عاطفي، بل من جوع، من حاجة ملحة. لهذذا يمكن أن نعتبره وفاء متوتر، محفوفا بالخطر.

"وسط ألغام الحواس"

الحواس ليست مستقبلات للذة فقط، بل ألغام. كل لمسة قد تفجر ماضيا اوخطيئة. هذا يمنح المشهد إحساسا بالترقب والخوف.

"ربت على كتف الحرمان وقت" "هطوله الاضطرتري" تشخيص مؤلم. الحرمان يهطل  كمطر لامفر منه، والآخر يربت عليه مواساة عابرة، المواساة هنا لاتلغي المطر، فقط تلمسه..


***لحظة التحول.. الانشطار

"ذات خطيئة / استيقظت بثوب امرأة اخري" هي ذروة النص. الخطيئة ليست فعلا خارجيا بقدر ماهي إسقاط على ذات مغايرة" ثوب امرأة أخرى" استعارة عن التبادل الكامل، عن خيانة الصررة التي عرفتها عن نفسها. هي لم تخن أحدا، بل خانت نسيانها، خانت وعدها باللتعافي.


****النهاية.. الاختناق والسراب

" كمن يرقب فوضى اللهاث في كف السراب./ وحواسها تشهق بالكاد على صفحة ماء"

الخاتمة تنتهي بالعطش بعد كل المداهمة والوفاء و الخطيئة، الوصول، هناك "سراب" في الكف، و"صفحة ماء" لاتكفي للشهيق، اللهاث فوضوي لانه بلا هواء كاف، والحواس تختنق على سطح امل كاذب. تبدو الصورة المائية معاكسة تماما لصورة" الغرق" في السطور السابقة، هناك كان الغرق حوفا، وهنا الضمأ هو العذاب


*****البنية الإيقاع النفسي

النص يتحرك بجمل قصيرة ملاحقة، كانهاضربات قلب متسارعة. لاتوجد فواصل كثيرة، الانقطاع بين الصور مقصود ليعكس اضطراب التجربة، من "المداهمة" الي "المعطف" الي "الألغام" الي "الخطيئة" الي "السراب" نعيش انهيارات مسلسلا في دقيقة شعرية واحدة.

يمكن اعتبار أن التيمة الجوهرية في النص هي خيانة النسيان.

فالخيط الربط للنص هو الصراع بين الرغبة في النسيان وسطوة الحب حين يعود، الحب لايعود كفرح، بل ك" داهم" ك "خطيئة" ك" ألغام." الوفاء الذي جرب عن جوع  ينتهي امرأة لاتعرف نفسها، وبحواس تختنق. النص يدين الحب، لكنه يكشف كلفته حين يأتي في "ساعة متأخرة" ، بعد أن رتبت الذات نفسها على الفقد


الخلاصة

الشاعرة فداء محمد ترسم لوحة عن هشاشة التعافي. الحب. هنا ليس خلاص بل اختيار قاس يعينا الي نقطة الصفر، لكن بذات أكثر وعيا بضعفها ثوب امرأة أخرى ليس إدانة أخلاقية بل اعلان عن ولادة مؤلمة لذات جديدة لم تختبر ان تولد،

والنهاية على على صفحة ماء تترك القارئ المتلقي معلقا بين العطش والاحتمال، بين الخطيئة التي حدثت الشهيق الذي بالكاد ينجو.


النص


في ساعة متأخرة من الشوق

داهمها حبه

باغتها بين نسيان وٱخر

ألبس عقله معطفاً للصمت

جرب معها متعة الوفاء عن جوع

وسط ألغام الحواس

ربت على كتف الحرمان وقت هطوله الاضطراري

ذات خطيئة استيقظت بثوب امرأة أخرى

كمن يرقب فوضى اللهاث في كف السراب

وحواسها بالكاد تشهق على صفحة ماء

بقلمي فداء محمد



الجمعة، 24 أبريل 2026

الذات في شعر العباس بن الأحنف د. آمال بوحرب – باحثة وناقدة – تونس الجزء الأول

 الذات في شعر العباس بن الأحنف

د. آمال بوحرب – باحثة وناقدة – تونس

الجزء الأول 

منذ القدم، شكلت الفلسفة والشعر وجهين متوازيين للبحث عن الحقيقة الإنسانية. الفيلسوف يصل إليها عبر المنطق والتأمل العقلي، بينما يغوص الشاعر في الصور والوجدان ليكشف عن أعمق تجليات النفس. وفي هذا الإطار تتبلور تجربة العباس بن الأحنف (133هـ – 192هـ)، الشاعر العباسي الذي جعل الغزل وسيلة للتأمل في الذات والعاطفة طريقًا لفهم الوجود. القصيدة عنده مرآة يرى فيها ذاته وهي تواجه الغياب، وتختبر حدودها بين الرغبة والفقد، بين الحضور والغياب، بين الزمن الممتد واللحظة اللحظية. الشعر هنا يصبح معملًا للوعي الذاتي ومسرحًا للتحولات النفسية والوجدانية، حيث يلتقي الانفعال بالتأمل، ويصبح الحب طريقًا لاكتشاف الذات وفهم معاني الحياة.

أولًا: الذات بين الانفعال والتأمل

تظهر الذات في شعر العباس كقوة واعية تحيط بمشاعرها إحاطة المتأمل، وتعيد ترتيب انفعالاتها ضمن رؤية تفكر فيما يعتمل في الداخل بدل الانغماس التام في العاطفة. ويؤكد الدكتور صفاء عبد المهدي في بحثه حول أثر التضاد في شعر العباس أنّ الشاعر «يكشف صراعات النفس عبر مفارقات تتردد بين الرغبة والقدر»، مما يجعل الشعر مساحة للتأمل الذاتي والوعي العاطفي المتوازن.

ويعكس البيت:

“أرى الدهرَ يُدنيني إلى من أُبغِضُهُ

ويُقصيني عن من هُوَ عندي مُقرَّبُ”

وعي الشاعر بعبثية المسارات التي يفرضها القدر على الحياة، فيمزج بين الشعور والفكرة، ويحوّل الانفعال العاطفي إلى تجربة فكرية تأملية. ويبلغ هذا الوعي ذروته في البيت:

“عَجِبتُ لِمَن يَبكي فَراقَ مُحَيّاهَا

وَيَنسى الَّذي أَبكاهُ حَتّى بَكاها”

يستشهد الباحث أحمد عبد الحميد الطائي بهذا البيت في دراسته حول التحليل الدلالي للعباس، معتبرًا أنّ الشاعر «ينظر إلى تجربته من الخارج، فيرى الألم موضوعًا جديرًا بالتفكير». فالذات هنا تصبح مرآة تعيد النظر في نفسها، وتحوّل الانفعال العاطفي إلى تأمل عميق في طبيعة الشعور الإنساني، فتسبر أعماق الحب والفقد وتدرك مفارقاتهما في قلب التجربة الشعرية، فتظهر القدرة على تحويل الجرح إلى وعي والوجدان إلى تأمل فلسفي.

ثانيًا: ثنائية الحضور والغياب

العالم الشعري للعباس يقوم على توتر مستمر بين حضور الحبيب وابتعاده، فاللقاء غالبًا ما يسبق الفقد، والغياب يحضر في الذاكرة أكثر من حضوره الواقعي. يقول:

“سَقاني الغرامُ كؤوسَ الهَوى

فَما أَرواني، وَما أَظمَاني”

تشير الباحثة آمنة عبد الله السامرائي إلى أنّ العباس «يصوغ حالة الوجدان عبر مزيج من القرب البعيد والبعد القريب»، مما يجعل الحب تجربة معقدة، بين الشوق والألم، بين الرغبة والحرمان. ويصل هذا التماهي الذاتي بالمحبوبة ذروته في قوله:

“وَكَيْفَ يَطيبُ العَيشُ بَعدَ فِراقِها

وَكُلُّ الَّذي لَم تَغتَدِرْنِي فَنَاؤُها”

هنا تمتزج الذات بالمحبوبة إلى درجة أن أي بديل عنها يفقد وهجه، ويصبح الغياب حضورًا من نوع آخر، وجود يتشكّل في هيئة فقد، وفق ما يوضحه الباحث محمد عبد المطلب القيسي. فالغياب عند العباس لا يعني الفراغ، بل يشكل مساحة شعورية تمكّن الذات من مواجهة نفسها واستكشاف حدودها الوجدانية. تصبح التجربة الشعورية تأملاً وجوديًا، وتجربة الحب رحلة للتعرف على الذات في سياق آخر.

ثالثًا: الزمان فضاء شعوري

الزمن عند العباس حركة وجدانية داخلية، تتبدّل وفق ما يعايشه القلب والوجدان، فالليل يطول حين يغيب الحبيب، ويخطف حين يلوح طيفه في الذاكرة:

“أَطيلُ السُّهى إن غابَ نجمُكَ غائبًا

وَأَنْسى المَدى إن لاحَ طَيفُكَ بَينَنا”

توضح دراسة أميرة محمود عبد الرزاق أنّ الزمن عند العباس «إحساس، لا مقياس؛ وجرح، لا عدد ساعات». فالزمن يتحرك وفق نبض القلب، والذاكرة تمنح للحظات ثقلها الخاص، فتتحوّل التجربة الشعرية إلى نبض دائم بين الحضور والغياب، بين اللحظة والخلود، بحيث يصبح الشعر مساحة زمنية داخليّة، تعكس عمق الذات وتأملاتها الوجودية.

رابعًا: المكان  مرآة للذات

المكان في نصوص العباس ليس مجرد فضاء خارجي، بل كيان حيّ يتحوّل وفق التجربة الشعورية، يتلوّن بالحزن أو البهجة، ويصبح شاهدًا على التحولات النفسية للشاعر:

“وَلَم أَرَ مِثلَ الدّارِ دارًا عَهِدتُها

سَقَتْها سَحابُ الحُزنِ حَتّى تَرَفَّهَا”

ويرى الباحث كمال حسن الهاشمي أنّ البعد المكاني يمثل «صوتًا داخليًا للذات، يترجم شعورها إلى معالم تتنفس الأسى». فالدار  ذاكرة، والطريق وعد باللقاء، والمكان المفتوح رمز توق، والمغلق رمز انطواء، فتتحول كل زاوية إلى انعكاس لحركة الوجدان.


خامسًا: الآخر وتموجات الوعي

الآخر، وبخاصة المرأة، يمثل في شعر العباس أكثر من موضوع للحب، فهو نافذة يرى من خلالها الشاعر هشاشته وقوته على الصبر والانتظار:

“تُحِبُّ سِوايَ وَأَعلَمُ ذاكَ

وَلَكِنَّني أَتَصَبَّرُ صَبرًا”

ويرى الباحث صباح نوري العبدلي أنّ هذا البيت «يكشف قدرة الشاعر على تحويل الألم إلى معنى، والجرح إلى وعي». فالمرأة رمز لإعادة تشكيل الذات، وتأمل في حدود القدرة على الاحتمال وعمق الحاجة للوصال، فتتحوّل التجربة العاطفية إلى تجربة معرفية وفلسفية متصلة بالوعي والوجود.

سادسًا: اللغة كبيت للذات

لغة العباس رقيقة وهادئة، تشبه أنفاس المتأمل، تعتمد على التكرار والصور الوجدانية التي تبني إيقاعًا داخليًا دافئًا:

“جَفاني الهَوى حتّى كَأنّيَ أَحدُوثَةٌ

تَعُودُ اللّيالي فَتَروي صَداها”

وتشير دراسة د. قيس العزاوي إلى أنّ الشاعر «يصوغ كلمات تنبض بإيقاع داخلي، وتحوّل الفقد إلى صوت ينساب في الذاكرة». فاللغة مسكن للذات، وجسد للتجربة، وإيقاع داخلي يفتح باب التأمل في الحب والغياب والزمان والمكان، ويجعل من النص الشعري تجربة حية للتفاعل النفسي والوجداني.

خاتمة

تجربة العباس بن الأحنف تكشف تطور الذات الشعرية العربية في العصر العباسي، حيث يصبح الحب رؤية للوجود، والقصيدة مرآة تعكس أسئلة الإنسان ومشاعره. جمع الشاعر بين رقة العاطفة وعمق التأمل، فجعل من شعره نصًا ينبض بتاريخ الروح العربية في أرقى حالاتها، وتؤكد الدراسات الحديثة لصفاء عبد المهدي وآمنة السامرائي ومحمد القيسي أنّ شعره يمثل «تحولًا من الغزل بوصفه وصفًا للمحبوبة إلى الغزل بوصفه اكتشافًا للذات»، ليكون بذلك نموذجًا للتجربة الإنسانية والوجدانية في الشعر العربي القديم.



مرايا الحداثة المتشظية: المشهد الشعري التونسي في عصر التحولات بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مرايا الحداثة المتشظية: المشهد الشعري التونسي في عصر التحولات

مقدمة :

في عصر التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل الوعي الجمعي والعلاقة باللغة والهوية،يبدو المشهد الشعري التونسي وكأنه مرايا متشظية تعكس أطيافا من التجريب والاغتراب والمقاومة. فبين جذور محلية ممتدة في الذاكرة وانفتاح على تقنيات الكتابة العالمية،وبين صدمات الثورة وخيبات الأمل وفجوة الرقمي،تشكلت تجربة شعرية فريدة تستحق وقفة تأملية،تبحث فيما صار إليه الشعر التونسي اليوم من ثراء مركب وتنوع مدهش،وسط غياب خطاب نقدي يواكب هذه الغزارة ويحميها من الضياع.


لم يعد الشعر التونسي المعاصر مجرد نافذة تطل على الذات الشاعرة،بل تحول إلى كون جمالي متعدد الطبقات،أشبه بمتحف حي يتجدد باستمرار.إنه يستحق أن ننحني أمامه كواحد من أكثر المظاهر الشعرية إثارة للدهشة في فضاءين ثقافيين متداخلين: العربي والمتوسطي.وما يثير الدهشة حقا هو ذلك التوازن الصعب بين التمسك بالجذور المحلية والانفتاح على تقنيات الكتابة العالمية،مما جعل من تونس معملا حقيقيا لاختبارات الحداثة الشعرية.

عندما انطلقت "حركة الطليعة" بقيادة رواد مثل منصف الوهايبي ومحمد الغزي،لم تكن مجرد مغامرة شكلية عابرة،بل كانت محاولة وجودية لإعادة تعريف علاقة الشاعر باللغة والعالم.

لقد أحدث هؤلاء زلزالا في بنية الوعي الشعري، جعل من القصيدة التونسية مسرحا للتساؤلات الميتافيزيقية والجمالية معا،حيث أصبح الوزن مجرد اقتراح لا قاعدة،والقافية خيارا لا إلزاما.

وجاء جيل التسعينيات ليكتب فصلا مختلفا تماما، معتمدا على انفتاح غير مسبوق على خزائن الشعر العالمية.وراهن هؤلاء على فكرة التعدد والاختلاف كمشروع ثقافي،مؤمنين بأن الشعر ليس نقلا للواقع بل إعادة اختراع له بلغة موازية.وتنوعت أشكالهم بين قصيدة التفعيلة التي أتقنوها، وقصيدة النثر التي احتضنوها،والومضة والهايكو التي جربوها. 

لقد أدركوا أن الواقع خشن وقاس،ولا يمكن للغة العادية أن تلتقطه إلا إذا تشظت هي الأخرى.

ومع اندلاع ثورة 2010-2011،ثم سقوط الأمل في حفرة الإحباط،بدأت دواوين الشعراء تتحول إلى سجلات للقلق والاغتراب.لكن المفارقة المذهلة أنهم لم يستسلموا للبكائيات المباشرة،بل صعدوا بألمهم إلى مستوى جماليات مقاومة،تعكس فهما عميقا لاشتراطات المرحلة.

 وتحت وطأة الفضاء الرقمي وأزمة الشعر المتصاعدة،طوّروا أدوات تعبيرية هجينة.فبرزت في الألفية الثالثة حركة "نص" التي جعلت من قصيدة النثر مشروعا جماليا متكاملا.ولم تكتف هذه الحركة بإصدار الدواوين،بل أسست خطابا نظريا حول مفهوم "النص" ذاته،متجاوزة بذلك الانقسام العقيم بين الشعر والنثر.

يغفل كثير من القراء حقيقة أن المشهد الشعري التونسي لا ينحصر داخل الحدود الجغرافية للبلاد، بل يمتد عبر فضاءات الشتات في أوروبا وأمريكا الشمالية.فقد أنتج الجيل الثاني من التونسيين المهاجرين،خاصة في فرنسا وإيطاليا وكندا، نصوصا هجينة تتقاطع فيها اللغة الفرنسية أو الإيطالية مع العربية،وتتشابك فيها ذاكرة الجنوب التونسي مع إيقاعات المدن الأوروبية.هذه التجارب،التي لم تحظ بعد بالدراسة الكافية، تشكل إثراء حقيقيا للحداثة التونسية،حيث تعيد تعريف مفهوم "الانتماء" الشعري من جهة،وتطرح أسئلة جديدة حول الهوية واللغة والذاكرة من جهة أخرى.

لقد تحول الشاعر التونسي في المهجر إلى وسيط ثقافي طبيعي،ينقل هموم بلاده الأصلية بصيغ تتناغم مع حساسية القارئ الغربي،وفي الوقت نفسه يضخ في الشعر التونسي جرعات من الحداثة الأوروبية دون أن يفقد خصوصيته.

ويطرح العقد الأخير إشكالية جديدة لم تأخذ حقها من التحليل بعد: علاقة الشعر التونسي بالتحول الرقمي.فلم يعد الشاعر يكتب للنشر الورقي فقط، بل أصبحت منصات فيسبوك وتويتر والمدونات فضاءات حاسمة في تشكيل القصيدة وانتشارها. هذا التحول ولّد أشكالا هجينة: قصائد ومضة مصممة للتداول السريع،وهايكو رقمي،ونصوص مفتوحة على تعليقات القراء. 

لكن السؤال المحوري: هل خدمت هذه الوسائط الشعر أم جعلته أكثر سطحية؟!

يبدو أن بعض الشعراء التونسيين استطاعوا تحويل هذه الآلة إلى أداة إبداعية حقيقية، منتجين نصوصا كثيفة تحافظ على عمقها رغم قصرها،وتستفيد من سرعة التداول دون أن تفقد قيمتها الجمالية.وهنا تكمن عبقرية التجربة التونسية: تحويل الأزمة (تراجع القراءة الورقية، تسارع الإيقاع اليومي) إلى فرصة لابتكار أشكال جديدة من التكثيف والإيحاء.

وإذا تأملنا المشهد الشعري التونسي اليوم،نجد أن التنوع ليس مجرد سمة عابرة،بل هو المشروع نفسه.فهناك من راهن على الخطاب الصوفي في تجارب متعددة المشارب،ومن راهن على قصيدة الواقع بلغة تقترب من اليومي،ومن استعاد القصيدة العمودية بإيمان بقدرتها على الاستمرار، ومن أسس لشعرية الألم والسرد.بل إن حركة شعرية نسوية واضحة المعالم بدأت تفرض نفسها، بفضل قراءات نقدية استطاعت ضبط سمات خصوصيتها.

 لقد منح مناخ الحرية الذي أعقب الثورة الشعراء فرصة الكتابة في مواضيع كانت محظورة،والأهم أن النصوص الممنوعة سابقا،والتي كُتبت في الخفاء،وجدت طريقها إلى النشر،مما أثرى التجربة بأصوات كانت مكتومة.كما أن الانفتاح التونسي على الغرب،وإتقان غالبية الشعراء للغتين الفرنسية والإنكليزية على الأقل،جعل هذه التجربة منفتحة على أشكال الكتابة العالمية بشكل غير مسبوق.

ومن الظواهر اللافتة ظهور الهايكو في تونس،هذا النوع الذي يعود إلى ماتسو باشو في القرن السابع عشر،والذي بدأ يكتسب شهرة عالمية.وأثار هذا النوع جدلا حول مشروعية وجوده: هل هو مجرد اقتراح إنشائي دخيل،أم توجها جماليا يمكن إعادة إنباته في التربة التونسية؟

 يبدو أن المدافعين عنه نجحوا في تقديم قراءات معمقة للهايكو الياباني،مما أكسبه شرعية تدريجية في الساحة الثقافية.

وهنا أتوقف عند نقطة بالغة الأهمية: العلاقة المتوترة بين الأكاديميا التونسية وشعرها. فتجربتي الشخصية في كلية الآداب بمنوبة في الثمانينيات،حيث كان الشعر التونسي غائبا عن المناهج بحجة أن "الأدب أدب بغض النظر عن جنسية كاتبه"، كانت إقرارا ضمنيا بدونية الشعر التونسي مقارنة بسياب وأدونيس ودرويش.لكن الثابت أن الخطاب الأكاديمي بدأ يتزحزح في العقدين الأخيرين،متحررا من مسلمات نقدية مضللة مثل "الشعر التونسي بقي شعر قصائد لا شعر تجارب"،أو "شعرية الشابي ستبقى الأعلى التي لا يمكن مجاوزتها".

 لقد أظهرت الأجيال الجديدة أن تجاوز الشابي ممكن،ليس بالتنكر له،بل بالبناء على منجزه وتجاوزه إلى آفاق جديدة. 

إن عددا من الشعراء التونسيين (منصف الوهايبي، محمد الغزي،فتحي النصري،نصر سامي،يوسف رزوقة..) استطاعوا بناء مشاريع شعرية حقيقية، حيث يعزز لاحقهم سابقهم أو يباينه،مما يدحض مقولة اللامشروعية التي طالما ألصقت بالشعر التونسي.

ختاما،يمكن القول إن الحركة الشعرية في تونس اليوم لم تكن يوما أسيرة النماذج الجاهزة،بل انخرطت منذ وقت مبكر في مشروع تجريبي طموح،تبلورت ملامحه في احتضان حداثتين شعريتين متوازيتين: قصيدة التفعيلة بوصفها قطيعة مع العمود،وقصيدة النثر بوصفها تجاوزا للوزن ذاته.وهذا التشكل المزدوج لم يأت صدفة، بل هو ثمرة تفاعلات معقدة بين الشاعر ونصوص واقعه،بين اللغة وسلطة التقاليد،وبين الخصوصية المحلية وانشغالات الحداثة الكونية. 

وما يعزز راهنية هذا الاختيار أنه يفكك أسطورة راسخة في النقد الأدبي العربي،وهي التقسيم الجغرافي الاستقطابي الذي جعل من المشرق منبعا للإبداع ومن المغرب مناخا للنقد والتلقي. فالتجارب التونسية تثبت اليوم أن الخريطة الشعرية العربية لم تعد تحتمل تلك الثنائيات الضيقة،بل صارت الإضافة الحقيقية تأتي من هامش الأقاليم لتعيد تشكيل مركز النص.

لكن اللافت أن هذه الغزارة الإبداعية تواجه اليوم تحديا لا يقل خطورة عن الجمود القديم،وهو غياب خطاب نقدي مواز بمستوى التعقيد والثراء نفسه.فالكتابة الشعرية المعاصرة في تونس تموج بالتنوع والاختلاف والتجريب المستمر،لكنها تظل مهددة بالضياع في غابة الأصوات ما لم تصاحبها قراءة نقدية رصينة،قادرة على فك شيفراتها، وتفكيك تحولاتها،وتمثل تعددها من دون اختزاله. فالنقد،هنا،ليس مجرد أداة توصيف،بل شرط بقاء للحداثة ذاتها.

في النهاية،لا يكفي أن يكتب الشاعر قصيدة مغايرة،ولا أن يثبت المهمش قدرته على كسر المركز،إذ تظل الحداثة الشعرية مشروعا ناقصا ما لم تنعكس في مرآة نقدية تعترف بصعوبتها وتعشق غموضها.فالمغامرة الحقيقية لا تكمن في كسر الوزن أو تجاوز القافية،بل في خلق عين قادرة على رؤية الجديد حيث لا يراه أحد،ولسان قادر على تسمية التحول قبل أن يستقر.وما ينتظر المشهد الشعري التونسي اليوم ليس مزيدا من التجريب فقط،بل تأسيس وعي نقدي يكون للتجريب فيه وطن لا مجرد عبور.


محمد المحسن



قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعرة والكاتبة التونسية سوسن العوني"قيامةُ الوجعِ المستور" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين ترتقي القصيدة من رماد الخنوع..إلى منصة الإشراق والتجلي..

قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعرة والكاتبة التونسية سوسن العوني"قيامةُ الوجعِ المستور"


قيامةُ الوجعِ المستور


خلعَ الصمتُ جلدَهُ القديم

جلسَ بيننا

جرحاً مكشوفاً على آخره

لا يسترُه خوفٌ

ولا تُداريهِ الظلال.

ما كنا نرتجلُ المعاني

كنا نغرسُ المساميرَ في نعشِ الصمت

نُعيدُ للّغةِ عُذريّتها الأولى..

تلك التي فُقدت خلفَ قضبانِ التورية....


كان الحرفُ يمشي على قدمين من حريقٍ..

خنجراً من ضياء

يتسلّقُ الحناجرَ

كأنها مآذنُ من ملح..

لا ترتفعُ إلا بدموعِ الذين

رأوا السماءَ في أعماقِهم.. قبل أن يروها فوقهم.


فيا ذلك اليوم..

يا وطناً لم يَبنِهِ طينٌ،

بنتهُ شهقةُ المخذولين حين صارت القصيدةُ

هي المسافةُ الوحيدةُ الناجيةُ من الحصار.


سوسن العوني


هذا النصّ،الذي يكتبه وجع استتر طويلا ثم انفجر كجرحٍ لا يُدارَى،ليس مجرد قراءة في قصيدة "قيامةُ الوجعِ المستور" للشاعرة والكاتبة التونسية القديرة سوسن العوني،بل هو وقوف على حافة معجزة لغوية نادرة،واغتراف من بئر صمت طال أمده حتى تحول إلى هدير.فالشاعرة هنا لم تكتب قصيدة بالمعنى التقليدي،بل خلعتْ عن الصمت جِلْده،وأجلسته بيننا جرحا سافرا عاريا،يتنفس لأول مرة دون خوف من ظلال تخفيه أو تواريه. إنها تقتحم منطقة محظورة:حيث كانت الكلمات تُدفنُ حيّة خلف قضبان التورية،وحيث كان البوح كفرا والصمت دينا،تأتي سوسن العوني لترفع راية التمرد اللغوي،لا بالشعارات،بل بجسارة الحرف وهو يخترق سجوف السكوت المقدس.

 إنها تعيدُ للغة عذريتها الأولى،لغة لا تتزيّن بل تتجرأ،لا تختبئ بل تصرخ،لا تهمس في زوايا الخوف بل تقف في ساحة الوجع عارية بلا قناع. إنها تغرس المسامير في نعش الصمت بيدين ترتجفان من الإبداع لا من الخوف،وتجعل الحرف يمشي على قدمين من حريق،خنجرا من ضياء،لا يطعن الظلام بل يشقّه كي يمر النور من شرخه. حرفها يتسلّق الحناجر كما لو كانت مآذن من ملح لا ترتفع إلا بدموع من رأوا السماء في أعماقهم قبل أن تخذلهم بتلك المسافة البعيدة فوقهم. هناك،في تلك اللحظة التي يختلط فيها الدمع بالضوء،تولد قصيدة لا تشبه القصائد،بل تشبه قيامة شخصية للوجع الذي ظننا أنه مات تحت ركام الصمت.!

وبينما نطوي هذه القراءة-العجولة-،ونخطو على أطراف أصابعنا خشية أن نوقظ جرحا استيقظ للتو،تبقى جملة الشاعرة التونسية القديرة سوسن العوني ترنّ في الروح كجرسِ كنيسة تحت القصف،أو كأذان في مدينة محاصرة: "فيا ذلك اليوم..يا وطناً لم يبنِهِ طينٌ،بنتهُ شهقةُ المخذولين". إنها لحظة تأسيسية في الكتابة العربية المعاصرة،حيث تتحول القصيدة من أداة تعبير إلى كائن حيّ،ومن مرآة تعكس الواقع إلى رحم يولد عوالم بديلة.

 إنها المسافة الوحيدة الناجية من الحصار،ذلك الحصار الذي يضرب على الجسد والذاكرة واللغة معا.

 لقد منحتنا-شاعرتنا-سوسن العوني درسا لن يُنسى: أن الوجع إذا استتر طويلا لا يموت،بل يتحول إلى قيامة،وأن الصمت حين يُخلع جِلده يصير لغة أصدق من كلّ ما تعلّمنا قوله،وأن الجرح إذا لم يجد من يداريه،صار شمسا. 

نخرج إذن من هذا النصّ ممسكين براية من ضياء، قادرين،بعدها،على تسلق حناجرنا كما لو كانت-كما أشرت-مآذن من ملح..لا لنهوي،بل لنرى السماء من جديد،من الداخل،حيث كانت دائما..

تحيةً لشاعرة تفتح في الخاصرةِ العربية نافذة لا تُغلق،وتزرع في حديقة الصمت المغلقة وردة تنبت من لهيب.

هذه القصيدة،في خاتمة المطاف،ليست انفجار وجع مكبوح،بل معمودية ثانية للروح،حيث يتحول الحرف هناك،من حافة الارتطام بالصمت، إلى نبض لا يسكت،وجدار لا ينهار،وقبلة أخيرة بين اللغة وموتها.

إن "قيامة الوجع المستور" ليست مجرد عنوان-في تقديري-بل وعد مقدس بأنه حتى أعمق الجراح، إذا ما تم اجتيازها بالكتابة،تصير معابر للضوء،وأن أكثر ما يظنه العالم طمسا للكلمة،قد يكون بالضبط رحمها الذي تولد منه من جديد.

 هنا،وبين ثنايا هذا النص،تعلمنا سوسن العوني أن الألم حين لا يجد من ينطق به،ينطق هو بنفسه، فيخلع جلد الصمت ليصبح قصيدة،ويخلع جلد القصيدة ليصبح قيامة.

ولنا عودة إلى هذه القصيدة السامقة عبر قراءة مستفيضة،حين يختمر عشب الكلام..


محمد المحسن



الأربعاء، 22 أبريل 2026

قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعرة التونسية كريمة الحسيني "غيمة..وقصيدة " بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعرة التونسية كريمة الحسيني "غيمة..وقصيدة "

في زمن تتناثر فيه القنابل كالمطر،وتُزرع الموت في الطرقات،تبقى الحواسُ الوحيدة التي لا تُجند للحرب هي تلك التي تخبئ حبيبها تحت جناح الليل.قصيدة "غيمة وقصيدة" للشاعرة التونسية كريمة الحسيني ليست مجرد كلمات تنساب عذبة، بل هي مقاومة ناعمة،وشهادة حب تُكتب بالدمع والهذيان. تستدعي الشاعرة فيها غائبا يحتل كل المسافات، تتحدث إليه كما لو كان الظل وحده من يصدق وحشتها.إنها قصيدة الوجع الجميل،حيث تختلط الرومانسية برائحة البارود،ويصبح الانتظار طقسا يوميا لا ينتهي إلا بفيض من الصور التي تخلط بين القبلة والغيمة،وبين الأنفاس التي تسبق الخطى،وبين أعذار تختبئ خلف الحرب كي لا تقول: "أنا لا زلت أحبك رغم كل شيء".

غيمة وقصيدة

وقُبلة فريدة

خبّأتها لك

تحت أجنحة اللّيل


ربما جئت على غير عادتك

وسبقتك أنفاسك قبل خطاك

لتعانق ظلي الوحيد


من يوم أن غبت

لا أكفّ عن الهذيان

وكلّما سألوني عنك

تحجّجتُ بالوقت

تحجّجتُ بالحرب

والقنابل المزروعة في الطرقات


(كريمة الحسيني)


هكذا تظل الحكايا العظيمة مزدوجة: حكاية حب وحكاية وطن،حكاية غياب وحكاية قنابل.وفي قصيدة كريمة الحسيني،لا يكون الغائب مجرد حبيب،بل هو فكرة،أمل،واحة في زمن جفّت فيه كل الآبار.فحين تتحجج الشاعرة بالوقت والحرب، إنما تتحجج بالحقيقة ذاتها: أن الحب في زمن الخراب يصبح معجزة،وأن الهذيان ليس جنونا،بل هو أصدق لغة حين تعجز الأرض عن استيعاب الصمت..

 القصيدة،في جوهرها،قبلة خُبئت تحت جناح الليل،تنتظر من يلتقطها دون خوف من الموت المزروع في الطرقات.وحين نقرأها،نكتشف أننا جميعا نحمل غيمة وقصيدة في جوف الليل، ننتظر من يسبق أنفاسه خطاه،ليعانق ظلا طالما كان وحيدا. 

فهل تأتي؟ أم تظل القصيدة هي الموعد الأخير؟

بهذا الهذيان الجميل،لا تمنحنا الشاعرة التونسية القديرة كريمة الحسيني قصيدة حب تقليدية،بل تفتح أمامنا نافذة على تناقض بشريّ عميق: كيف للحب أن يزدهر حين تموت الطرقات؟ كيف للقبلة أن تُخبأ تحت جناح الليل والقنابل تنبت في الأسفلت؟!

إن ما تفعله الشاعرة هنا هو استعادة للإنسان في زمن محو الإنسان.فهي لا تكتب للتاريخ العسكري، ولا تسجل أسماء الشهداء بطريقة جافة،بل تكتب لـ"غائب" يتحول إلى أفق.وفي كل "تحججتُ بالحرب"،نسمع صرخة امرأة ترفض أن تسلم عذوبة الانتظار للوحشية.وفي كل "سبقتك أنفاسك قبل خطاك"،نرى كيف تصنع الذاكرة جسدا آخر للحبيب لا تملكه المدافع.

القصيدة إذن ليست هروبا من الواقع،بل غوص في أعماقه،حيث الحب ليس ترفا عاطفيا،بل فعل مقاومة وجودي: أن تحب في زمن الموت يعني أنك تؤمن بأن الغيمة تستحق أن تروي قصيدة، وأن القبلة قد تكون آخر ما تبقى من الإنسانية حين تسقط كل الأقنعة.

وحين تنتهي القصيدة بسؤال مفتوح: "فهل تأتي؟-تتركنا الشاعرة على عتبة أمل مرتجف، حيث لا إجابة أكيدة،لكن هناك يقينا واحدا: القصيدة نفسها صارت الموعد،وصارت الحكاية المزدوجة (حب ووطن،غياب وقنابل) هي الشهادة الأبدية على أن الإنسان،حتى في أعمق جراحه،لا يكف عن حياكة غيمة من الكلمات،لعلها تمطر يوما على ظل وحيد،فيفيض الحضور.!

وهكذا تظل كريمة الحسيني شاعرة الجرح النابت كزهرة برية فوق صهريج مهجور-تكتب لنا إنجيل الحب في زمن انطفاء كل الأناجيل.


محمد المحسن



قراءة نقدية:" أدب السجون وثنائية المعاناة الجسدية النفسية والمقاومة الوجودية" (رواية "دار قابيل" للكاتب ناهض الهندي نموذجا). "نادي : الساردون يغردون" الكاتب ناهض الهندي (العراق). الناقدة : جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية:" أدب السجون وثنائية المعاناة الجسدية النفسية والمقاومة الوجودية"

(رواية "دار قابيل" للكاتب ناهض الهندي نموذجا).

"نادي : الساردون يغردون"

الكاتب ناهض الهندي (العراق).

الناقدة : جليلة المازني (تونس)

المقدمة: تندرج رواية "دار قابيل" للكاتب العراقي ناهض الهندي ضمن أدب السجون.

وأدب السجون حسب النقاد هو "نوع أدبي فريد يوثق تجارب الاعتقال السياسي بين المعاناة الجسدية النفسية القاسية وتحويل التجربة الى فعل وجودي مقاوم يهدف الى اثبات الذات والحرية الداخلية..

فهو ليس مجرد سرد للألم بل هو أداة فكرية وفنية لكسر الاستبداد والقمع":

أ- التحليل: "أدب السجون وثنائية المعاناة الجسدية والنفسية والمقاومة الوجودية" :

1- المعاناة الجسدية والنفسية داخل السجن:

أ- المعاناة الجسدية:

تصور رواية "دار قابيل" اعتقال البطل بسبب انتمائه السياسي (الحزب الشيوعي).

وفي هذا الاطار قد استهلك االكاتب جانبا كبيرا من السرد والوصف للسجن  وأدوات التعذيب وتنوع طرقه وقد خص المكان الضيق وغير المريح بالوصف فيقول في ص (74):

" في زنزانة لم تكن تزيد عن اثنيْ عشر مترا مربعا ..عالمنا لا ينقص عن ثلاثة عشر شخصا يأتي البعض ويروح الآخرون.. ولكن نحن كنّا سَكنّاها ..استوطناها وألفناها وحفظنا زواياها وكلما نقش على جدرانها ".

كما أن الكاتب يصف هذا المكان الذي يفتقر الى النظافة بانتشار "القمل" بسبب انعدام الماء ص( 112).

ب- المعاناة النفسية:

يصف الكاتب الأحاسيس والحالة النفسية المتأزمة فيقول في ص (98):

"امتدّ إلينا الشتاء حاملا معه ليالي مُسْهبة في الطول.. فكيف لنا أن نغتال كل هذا الزمن الثقيل؟.. لا كتاب نقرؤه ولا مذياع نسمعه ولا تلفزيون نشاهده.. كلها أصبحت محظورات بل من المستحيلات.."

ان الكاتب باستخدام ضمير المتكلم الجمع (نحن) سواء في المعاناة الجسدية (عالمنا/ نحن كنا/ سكناها/استوطناها/ ألفناها/ حفظنا) أوفي المعاناة النفسية ( كيف لنا/ لا كتاب نقرؤه/ لا مذياع نسمعه/ لا تلفزيون نشاهده )   يعبر بامتياز عن الصوت الجماعي المقهور.

ورغم اختلاف المعتقلين فهم يواجهون الظلم ويسعون الى وطن حرّ ..يقول الكاتب ص(105) :

" كنا مزيجا من أقوام وخليطا غير متجانس من توجهات وأفكار متباينة بشدّة أحيانا.. تُوحّدنا قضية واحدة وهي مواجهة الظلم والسعي الى وطن حرّ".

ان هذا الصوت الجماعي الذي تبناه الكاتب يُعبّر بامتياز عن معاناة جماعية تشي بأن الكاتب ليس حامل قضية سياسية تجسد استبداد وقمع السلطة للحرية الفكرية  فحسب بل هي قضية وجودية:

2- المعاناة الوجودية:

تمثل "دار قابيل" أو "تجربة قابيل" في سياق الفكر الوجودي وتحديدا في قراءات عبثية (مثل ألبير كامو) رمزا للمعاناة الانسانية الفردية التي تنبثق من مواجهة عبثية العالم وعدمية الوجود ويتجلى ذلك من خلال:

المرور من العزلة الى التمرد:

قابيل لم يبق حبيسا في داخله بل تحوّل عبر التمرّد الى معاناة مشتركة مع البشرية مما يضفي صبغة انسانية على هذا التمرد وهذا ما تدعمه  "مؤسسة مؤمنون بلا حدود".

التمرد كمنهج وجودي : ترى "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" أنه عندما يصبح العالم بلا قيمة او معنى (عبثيا) يتحول التمرد الى أداة منهجية للاحتجاج ليخلق الفرد معناه الخاص .

والكاتب ايمانا منه أن الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة وأداة منهجية للاحتجاج اتخذها أداة لانتشال نفسه من عبثية المكان الذي سلبه معنى الحياة المريحة.

البطل كإنسان معاصر هو كائن ممزق بين جدلية الوجود والعدم والاغتراب والبحث عن الهوية.

المعاناة والوعي بالمصير: ينظر الى المعاناة والموت كما في رمزية "دار قابيل" على أنها مُحفزات تدفع الانسان للخروج من عزلته والبحث عن الذات الحقيقية.

ودار قابيل هي المكان الرمزي الذي يواجه فيه الانسان عبثية الحياة حيث تتحول  حسب "مؤسسة  مؤمنون بلا حدود" المعاناة الفردية الى تمرد وجودي يهدف الى تأكيد القيمة الانسانية.

الخاتمة:

ان الكاتب ناهض الهندي في روايته "دار قابيل" يتقاطع مع العديد ممّن كتبوا في أدب السجون من أمثال:

مصطفى خليفة في كتابه "القوقعة".

عبد الرحمان منيف في كتابه " شرق المتوسط".

-الطاهر بن جلون في كتاب" تلك العتمة الباهرة"

احمد المرزوقي في كتابه" تذكرة تنقل الى الجحيم"

والكاتب ناهض الهندي بهكذا تناصّ يرتقي بروايته "دار قابيل" الى العالمية.

سلم قلم الكاتب المبدع والصادق في سرد أحداث روايته.

بتاريخ 22/ 04/ 2026



الاثنين، 20 أبريل 2026

تحليل وقراءة أدبية لقصيدة نيسان للكاتبة عائشة ساكري بقلم الناقد الأستاذ الصحفي الشاعر محمّد الودّاني

 تحليل وقراءة أدبية لقصيدة نيسان 

بقلم الناقد الأستاذ الصحفي الشاعر محمّد الودّاني.


في هذا النص تنفتح عائشة ساكري على فضاء وجداني رقيق يجعل من نيسان رمزا للتجدد والبعث حيث يتحول الفصل الى كيان حي يحتضن الذاكرة ويعيد تشكيلها بلغة شفافة مشبعة بالحلم والصور الشاعرية اذ تستدعي الطبيعة بكل عناصرها لتكون مرآة لما يختلج في الداخل من شوق وحنين فتغدو الروابي والنسائم والعطر امتدادات لاحاسيس متدفقة تبحث عن مأوى ومعنى وتتخذ من السهد حالة وجودية تعكس قلقا جميلا وتوقا دائما نحو شيء يتجاوز اللحظة الراهنة كما ان الاحلام في النص ليست مجرد صور عابرة بل هي مخزون وجداني محفوظ بعناية في قوارير الزمن يتخمر بين دفء الشتاء وعبق الربيع في اشارة الى تداخل الازمنة داخل النفس الواحدة ويظهر الاشتغال الجمالي في الانتقال السلس بين الفصول حيث لا تعود مجرد محطات زمنية بل حالات شعورية تتكامل لتصنع تجربة انسانية عميقة ويبرز البعد السردي عبر استحضار الف ليلة وليلة كرمز للدهشة والخلود الحكائي مما يمنح النص بعدا اسطوريا يثري دلالاته ويعمق اثره كما تقيم الشاعرة مقارنة ضمنية بين ماض نابض بالحياة وحاضر باهت لتؤكد ان الامكنة الحقيقية هي تلك التي تسكن الروح لا التي نمر بها عابرا وتنجح في ترسيخ فكرة الوفاء كقيمة ثابتة لا تتاثر بتغير الزمن او البعد فتصبح الذات شبيهة بالفصول تدور لكنها لا تخون عهدها وهذا ما يمنح النص بعدا انسانيا صادقا يتجاوز الخاص نحو العام ويجعل القارئ شريكا في التجربة شكرا للشاعرة عائشة ساكري على هذا النص الذي يحمل دفء الذاكرة وصدق الاحساس ويمنح للحروف حياة لا تنطفئ.


نيسان،

يا ربيع الحياة المتجدد،

بعذوبة نسائمك،

تحملني إلى شُرفات الروابي المخملية،

فأستلقي على بساط الطبيعة

ويأخذني السُّهد

كأنني أبحث عن مأوى

لجفوني الهائمة،

فأحلام قلبي ما زالت

رهينة عبير هذا الفصل،

مختبئة في قوارير عطرٍ فاخر

قطّره ليل نيساني

وتخمر في أحضان شتاء

مُترف بالدفء والحنين

لأزمنة لا تموت.

فلا تلم حروفي

إن سال مدادها من أكمام الزهور،

ولا تعتب على أوراقها

إن كانت من رماد خريف راحل...

فهي مجرد وشوشات قلم

تُترجمها نسائم الصيف

وتحملها أجنحة الربيع.

نيسان...

أعدتني إلى مواطن الذكرى،

إلى أماكن خلدها الشعور

وعطرها الزمن النبيل،

كأنها فصول من حكايا

ألف ليلة وليلة...

حيث تنساب ليالي شهرزاد

وتُصغي إليها شهريار

بعين مندهشة...

ذاك الزمان،

بمراياه العذبة وطقوسه الفريدة،

لا يشبه حاضرنا الشاحب.

كل الأماكن هجرتنا،

إلا التي احتضنت أرواحنا...

فما زالت تنبض في أعماق ذاكرتنا،

وتسكن كياننا كأنها لا تغيب.

لا الهجر يُمحينا،

ولا البُعد يطفئ جذوة الوفاء،

نحن، كالفصول،

رغم دوران الوقت،

على العهد باقون...

بأرواح لا تخون المحبة،

ووجدان لا يشيخ.

بقلم: عائشة ساكري – تونس



الجمعة، 17 أبريل 2026

قراءة نقدية : " الققجية ومواجهة الحتمية عبر اثبات الوجود بالفعل " القصة القصيرة جدا:"حلم اللقاء" الكاتبة: الهام عيسى (سوريا) الناقدة: جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية : " الققجية ومواجهة الحتمية عبر اثبات الوجود بالفعل "

القصة القصيرة جدا:"حلم اللقاء"

الكاتبة: الهام عيسى (سوريا)

الناقدة: جليلة المازني (تونس)


القراءة النقدية: "الققجية ومواجهة الحتمية عبر اثبات الوجود بالفعل".


التفريغ النصي: "مقاومة الموت بالحياة"


1- في عتبة العنوان:"حلم اللقاء"


لقد ورد عنوان الققجية مركبا اضافيا فالمضاف معنوي(حلم) والمضاف اليه مادي(اللقاء)


انها مقابلة بين الحلم والواقع .


ولئن كان اللقاء حُلما فهذا يشي بانعدام اللقاء في الواقع.


وهنا قد يشتعل فضول القارئ ليتساءل:


- ما سبب انعدام اللقاء بالواقع؟


- هل سيتحقق حلم اللقاء؟


- أين سيتحقق حلم اللقاء؟


- هل هذا اللقاء يبشر بالخير والبركة؟


- هل هذا اللقاء سيؤدي الى زوال الهموم وتحسن الأحوال؟


2- التحليل: "الققجية ومقاومة الموت بالحياة"


استهلت الكاتبة الققجية بضمير الغائبة المؤنثة(هي وحدها بوجهها الملائكي).


لقد وسمتها الكاتبة بصفتين :


- وحدها: المسكوت عنه أن البقية من الضحايا هم تحت الركام دون ان يُعرف عنهم شيء.


- وجهها الملائكي : هذه الصفة تشي بملامح مريحة للعين والنفس غالبا ما تكون ملامح الوجه الطفولي الذي يجذب الثقة.


لعل الكاتبة لا تخفي عن القارئ وجعها من ناحية واحتجاجها من ناحية أخرى:


- وجعها لأن الطفولة ببراءتها وملائكيتها هي مستهدفة للقتل.


- احتجاجها: يحزّ في نفس الكاتبة أن تكون الطفولة التي هي مستقبل كل بلد يكون مصيرها القتل والقضاء على مستقبل البلاد من جذوره وهذه الطفلة الأنثى مسؤولة عن تواصل واستمرارية النسل.


ولعل الكاتبة تدعم رأيها ب"عين الراصد" الذي لفت انتباهه هذا المشهد المأساوي فقد جعلته الكاتبة شاهد عيان.


وكأني بالكاتبة تقيم محكمة لترافع على الضحية وتستدعي الشاهد (عين الراصد) ليقدم شهادته في قضية بشعة لتجعل العالم هو القاضي ولعله  يُنْصفُها .


وكأن ما يبرئ سُقم الكاتبة ويُشْفيها أن العالم قد تفاعل مع الضحية فجعلته "يقف على طرف رجلها المتبقية". والرِّجْل هي عنوان السير والمسير واستئناف السير وبالتالي فمسيرة النضال ضد العدوان تستمرّ. والعالم يؤيدها في ذلك.


ان هذه الضحية الملائكية بكل رمْزيتها قد جعلتها الكاتبة وقودا يُشْعل النضال ضد العدوان الغاشم.


وكأني بالكاتبة تريد أن تجعل من هذه الضحية بكل رمزيتها أسطورة تماما كأسطورة طائر "الفينيق" الذي ُيبعث من جديد من الرماد .


وكأني بالشاعرة تدعو القارئ الى التفاؤل وترديد قول الشاعر الشابي وهو يحذّر العدوّ قائلا:


سَخِرْتَ بأنات شعب ضعيف// وكفك مخضوبة من دماه


حذار فتحت الرّماد اللهيب// و من يبذر الشوك يجني الجراح


وفي هذا الاطار فان الكاتبة تجعل الرماد يتقاطع مع اللهيب والجزء المطمور تحت التراب امتدادا للجزء الحيّ ..انه عدم الاستسلام للموت اليائس ورفض للانهزامية القاتلة ..انها المقاومة من أجل حقّ الحياة.


ان الكاتبة تستدعي مشهدا يُدمي قلب القارئ ومن خلاله كل العالم ويتمثل في أن الطفلة الضحية " تتلمس وجه أمها التي مازالت على قيد الحياة " انه مشهد الرضيعة التي تستمد حياتها من أمّها التي هي مصدر حياتها واستمراريتها .


وأكثر من ذلك فالأمّ هي نبع الحنان الذي يغذي وجدانها وشعورها بالأمل في حياة أخرى (استلت من شفتيها قبلة طبعتها كآخر رسالة لها قبل الوداع..)


ولعل الكاتبة الهام عيسى لم تجعل الطفلة تموت وتبقى الأم على قيد الحياة اعتباطا بل لأن الأمّ  برمْزيتها في الولادة ستلد وتلد وتبعث الحياة من جديد في شعْب مستضعف ..


انها المقاومة للموت بالولادة وبالتالي مقاومة الموت بالحياة.


3- التناص بين العنوان والقفلة:


لعل الكاتبة قد دعمت فكرة مقاومة الموت بالحياة من خلال التناص الداخلي الذي اعتمدته بين عنوان الققجية (حلم اللقاء) والقفلة (حلم اللقاء).


انه تناص يقطع الشك باليقين فلئن بنى القارئ العنوان على فرضية حلم اللقاء القابلة للدحض او الدعم فان الكاتبة تدعم الفرضية بقفلة لم يكن القارئ ليتوقعها بأن جعلت الضحية تغفو على حلم اللقاء. "استلّت من شفتيها قبلة طبعتها كآخر رسالة لها قبل الوداع.. تنشّقت رائحتها وغفت على حلم اللقاء"


والكاتبة قد عبرت بامتياز على أن "حلم اللقاء" لم يكن مجرد فرضية بالعنوان بل دعمت امكانية  تحققه واقعيا بأن جعلت موت هذه الضحية هو مجرد غفوة (وغفت على حلم اللقاء)علما أن الغفوة هي نوم خفيف سرعان ما يستفيق منه الواحد منا .


وكأني بالكاتبة تردد باسم الضحية الآية(32) من سورة القلم "عسى الله أن يُبدلنا خيرا منها إنا الى ربّنا راغبون" فالام التي خسرت ابنتها قد تستبدلها بمولودة أخرى وأخرى لأن الحياة مستمرة باستمرار ولادتها.


انها مقاومة الفراق باللقاء ومقاومة الموت بالحياة.


ومقاومة الموت بالحياة حسب بعض المفكرين  هي" فلسفة إنسانية وروحية ووجودية تعني التمسك بالأمل والانجاز  والإصرار على العطاء  والاستمتاع بتفاصيل الحياة والتمسك بالفرح ومواجهة مشاعر الخوف والأزمات واليأس من خلال عيش الحياة بكثافة وثبات .. تتجسد هذه المقاومة  في الاصرار على البناء وممارسة الحياة اليومية وزراعة الايجابية والتغلب على مخاوف الوجود واقامة المعنى واعتبار الحياة  رسالة مستمرّة"


ومن جوانب مقاومة الموت بالحياة:


- الثبات والأمل :تجسيد إرادة البقاء من خلال التمسك بالأرض والعيش بكرامة وإصرار على التفاؤل رغم كل ظروف التشاؤم بسب القتل.


- الانجاز والأثر: بناء مَجْد كإنجازات "جلجامش"  البطل الأسطوري وهو بطل أول ملحمة تاريخية وتمثلت انجازاته الأسطورية  في رحلته للبحث عن الخلود أو أعمال الانسان الصالحة التي تبقى كذكرى وتستمر بها الحياة. انه دفع لغريزة الموت وتعزيز لغريزة الحياة والخلود بالسعي نحو السعادة والاهداف


ولعل سعادة هذه الضحية في الحلم باللقاء والخلود.


- روحانية الحياة : الايمان بأن الحياة رسالة ومقاومة فكرة الموت بالتركيز على الروحانية وحب الحياة.


ولعل الكاتبة باسم الضحية تشي باللقاء في الحياة الأخرى.


- التمسك بالعيش: رفض الاستسلام والانهزامية أو اليأس . فالكاتبة رأت في موت الضحية حياة جديدة بواسطة أمّها التي "مازالت تتشبث بالحياة " عسى الله يبدلها خيرا منها.


- التحدي والشجاعة :اعتبار بعض المعاناة وسيلة لتحدي الموت والشعور بالسيطرة على الحياة ..فالكاتبة اعتبرت موت الضحية هي مجرّد غفوة ستستفيق بعدها لتعلن اللقاء وتجدّد الحياة وتبعث من جديد.


وخلاصة القول فان مقاومة الموت بالحياة تظلّ هي "الحياة التي تستحق الحياة "وهي الشجاعة في مواجهة الحتمية عبر اثبات الوجود بالفعل. وهل أكثر من إثبات الوجود عبر الحلم باللقاء؟


سلم قلم الكاتبة الهام عيسى هذا القلم الذي تحدّى الحتمية لاثبات الوجود بمقاومة الموت بالحياة.


بتاريخ : 16/ 04/ 2026


 حلم اللقاء ===  ق ق ج


 بقلم الهام عيسى


 هي وحدها بوجهها الملائكي خرجت من بين الركام


 إذ لفتت انتباه والتقاطات عين الراصد.. كان العالم يقف على طرف رجلها المتبقية.


ظل الجزء المطمور تحت التراب يشكّل بقايا امتداد للجزء الحي.. وهي تحاول بما أُوتيت من قوة وما تبقى من إرادة إحساس أن      تتلمّس وجه أمها التي ما زالت تتمسك بقيد الحياة


استلّت من شفتيها قبلة طبعتها كآخر رسالة لها قبل الوداع.. تنشّقت رائحتها وغفت على حلم اللقاء



الخميس، 16 أبريل 2026

قراءة نقدية تفصيلية في قصيدة الشاعرة التونسية مني بلحاج. بقلم الناقد. محمود البقلوطي من تونس

 محمود البقلوطي من تونس

قراءة نقدية تفصيلية في قصيدة  الشاعرة التونسية مني  Mouna Belhadj بلحاج

نص القصيدة  يحمل نبرة تحدٍّ واعتزاز بالذات، رغم أثر

الطعنة والخذلان.

العنوان الضمني والبنية العامة لنص القصيد

لا يوجد عنوان صريح، لكن الجملة الأولى "لم يكن وجهي مدينة تُغتاب" تعمل كعتبة للنص. هي نفيٌ مباشر لصورة "مدينة تحت وجوهنا" التي ناقشناها سابقًا. هنا الوجه ليس مدينة للغياب والتشقّق، بل كيان متماسك. النص يتشكّل من 6 أسطر مكثّفة، كل سطر يحمل فكرة مستقلة تُكمّل التي قبلها، وهذا يمنحه إيقاعًا سريعًا حاسمًا.

. اللغة والأسلوب

لغة تقريرية جازمة: "لم يكن"، "لم ألحظ"، "لم أشعر". النفي المتكرر يبني جدار صدّ الضعف وتبني  مفردات القوة والصلابة "ملحمة"، "تزيدني صلابة"، "تمحو أتعاب"، "ثقة بالله أبدا لا ترتاب".

تبدو اللغة هنا علاجية، تحوّل الأذى إلى وقود.

وضفت الشاعرة - التضاد: "طعنه بالظهر" مقابل "مدن من الجمال".

هذا التضاد هومحور التوتر في النص: الخارج مؤلم، الداخل جميل واثق.

وكانت. الصور الشعرية والرموز

"وجهي مدينة تُغتاب":عبارة عن استدعاء مباشر لصورة شائعة عن الوجه كقناع يخفي مدينة متهالكة. الشاعرة تنفيها ليؤكد تماسكه.

"في البال من الأحباب أسراب": صورة مضادة للوحدة. العاشقون غابوا، لكن الذاكرة ممتلئة بالأحباب. الأسراب توحي بالحركة والحياة والدفء، عكس "الغرق" و"التشقّق" .

"طعنه بالظهر ملحمة"

تحويل الخيانة من كسر إلى بطولة. الملحمة تحتاج بطلًا، والشاعرة تمنح نفسها هذا الدور.

"في داخلي مدن من الجمال": هنا تنقلب "المدينة تحت الوجوه" من قاع مظلم إلى عوالم مضيئة. الداخل ليس خرابًا بل تعددٌ وغنى.

ولايفوتنا ان نشير الي. البعد الدلالي والنفسي الذي احتواه النص السعري

النص ردّ نفسي على خطاب الانكسار. إذا كانت القصائد السابقة تتحدث عن وجع متعايَش معه بصمت، فهذا النص يعلن المواجهة.

إنكار الغياب: "لم ألحظ من العاشقين من غاب". التجاهل هنا ليس غفلة بل اختيار واعٍ بعدم منح الغياب سلطة.

وقامت الشاعرة - بإعادة تعريف الألم:

الطعنة لا تكسر بل "تزيدني صلابة". الألم يُعاد تدويره ليصبح قوة.

المرجعية الإيمانية لدي الشاعرة

ولقد كانت هذه الجملة :

"ثقة بالله أبدا لا ترتاب" هي نقطة الارتكاز الأخيرة. حين يخون البشر، يبقى الإيمان ضمانًا ضد الارتياب والانهيار.

وتتميز القصيدة.بالإيقاع

الموسيقى فالقافية الموحدة بالباء "تُغتاب، غاب، أسراب، أتعاب، ترتاب" منحت النص رنينًا صاخبا. فالباء حرف انفجاري يلائم نبرة التحدي.

وقد كان في استعمال الجمل القصيرة دون استطراد دوزا في تعزيز إحساس الحسم والقطع مع الضعف.

وضفت الشاعرة بعض التقنيات البلاغية

جمل قصيرة وعميقة مكتضة بالتأكد والتقابل

النفي / الإثبات:ويبدأ كل شطر تقريبًا بالنفي ثم يُتبع جمل  بإثبات مضاد. انتجت بنية دفاعية و هجومية. في نفس الوقت وهذا الأسلوب اعطي قوة و أكثر وضوح للمعني والدلالة

التكثيف: 6 أسطر فقط لكنها تغطي: إنكار الضعف، تجاوز الغياب، تحويل الطعنة، تأكيد الجمال الداخلي، الاستناد للإيمان.

*التناص الضمني: يحاور النص ثيمات "المدن الداخلية" و"الخذلان" التي ظهرت في النصوص السابقة، لكنها تقلبها. كأنها تقول: حتى لو كان تحت وجوهكم مدن تتشقق، فأنا استثناء.

*الخلاصة

هذا النص ليس بوحًا متألمًا بل بيان قوة. الشاع ترفض أن تكون أسيرة صورة الإنسان المكسور الذي يخفي خرابه. تستبدلها بصورة المحارب الذي يحوّل الطعنة إلى ملحمة، والوحدة إلى أسراب في البال، والشك إلى يقين. قوته تأتي من مصدرين: امتلاء الداخل بـ"مدن الجمال"، والثقة بالله التي "لا ترتاب".

هو نص مواجهة أكثر منه نص شكوى، ويصلح خاتمة لكل السرديات السابقة عن الوجع الصامت.

النص

لم يكن وجهي مدينة تغتاب

ولم ألحظ من العاشقين من  غاب

ولم أشعر بفضاضة من حولنا

لأن في البال من  الأحباب أسراب

يا من طعنه بالظهر ملحمة

تزيدني صلابة وتمحو أتعاب

ففي داخلي مدن من الجمال

وثقة بالله أبدا لا ترتاب

م.ب



قراءة في ق ق ج للأستاذة سمية تكجي بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/تونس

 قراءة في ق ق ج للأستاذة سمية تكجي

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/تونس 

ق ق ج / قصة قصيرة جدا

حديث بين الخيمة و المطر 

الخيمة : ثيابي رثة و لا أقوى على البرد و المطر

المطر:  انا اهطل عليكم من السماء الظاهرة و اغرقكم من السماء الكامنة في الأرض 

الخيمة : بعد كل هذا العناء ماذا بالنسبة لقوس قزح؟

#قصة #قصيرة #جدا  

#حديث #بين #الخيمة #والمطر 

#قوس #قزح 

#سمية #تكجي 


#القراءة 

من منا لا يفرح بالمطر حين يهطل : فيه استجابة للدعاء ، و فرحة للأرض ... يبعث الله معه الخير ...

هذه الصورة الجميلة التي نحب أن نراها مع المطر ، ثم ، تظهر ألوان الطيف القريبة في الأفق البعيد .

قصة ق ج جاءت مغايرة لما نتمناه أن يكون مع المطر " أعلاه" .

نحن مع قصة سيدور فيها حوار بين " الخيمة و المطر " .قبل الولوج في هذا الحديث لنرى ما تعنيه رمزية الخيمة في الأدب العربي:

الخيمة كما يدلّ على ذلك اشتقاقها اللّغوي (خيّم بالمكان أقام بسكنه وأخام الخيمة بناها وتخيّم المكان أي ضرب خيمته فيه والجمع خيمات وخيام وخيم) تحيل على التنقّل والحركة في المكان،

الخيمة تتحرر من ربقة المكان لتوفر لساكنها الأمان أينما حل .

فالخيمة ارتبط اسمها بالصحراء و الرُحل ، " بيت الشعر" تلك الخيمة القوية الثابة في وجه العواصف الرملية ، تقي من الحر و القر .

فمن الأجدر أن يكون الحوار بين الخيمة و الصحراء و قسوة الظروف الطبيعية ، فالرحل حياتهم مرتبطة بالخصب و الماء .

أما المطر ، فهو الخير و النعمة ، يحيي الأرض بعد جفافها فيحيا معها كل كائنات هذا الكون . بشرى خير هو .

تقول القاصة :

الخيمة : ثيابي رثة و لا أقوى على البرد و المطر

الحوار بدأ من الخيمة التي ظهرت في صورة ضعفها : لا تستطيع مقاومة البرد و المطر : حددت القاصة الزمن من خلال مفردة " البرد" : فصل شتاء و أمطاره الغزيرة ، أما المكان فهو خيمة من أحد مخيمات اللاجئين.

كأن الخيمة تستعطف المطر و تطلب منه و هي في موقع ضعف أن لا يُمطر عليها أو يكفيه هطولا / ثيابها رثة : إشارة إلى مكونات " غطاء الخيمة " ، القاصة لم تقل ثوبي رث ، بل في صغة الجمع وردت المفردة " ثياب" : هي قطع بالية أخاطها صاحب المكان لتصير خيمة تقيه شر الحر و القر ، لكن هذه الثياب حالتها " رثة" ، أو إشارة إلى خيم " المخيم " التي كانت بقايا ثياب جُمعت و لفقت و خيطت حتى أصبحت " شبه ستر " يُسمى خيمة .

يأتي الرد من المطر : 

المطر:  أنا أهطل عليكم من السماء الظاهرة و أُغرقكم من السماء الكامنة في الأرض 

يستهل جوابه بضمير المتكلم " أنا" لإبراز النزعة الذاتية و التعالي ، مع انتساب الأفعال للأنا العليا ، إشارة في ظاهرها بسيطة كالماء النازل من السماء ليسقي الأرض و يروي ما عليها . و الهطول بمعناه الغزير المتتالي " لحظة معنية / زمن الهطول / عليكم : الفعل مسقط على الخيمة دونها .

ثم يقول : أغرقكم من السماء الكامنة في الأرض : تحيلني الصورة إلى البحر حين يكون مرآة السماء : بين هطول المطر ظاهريا و عملية الإغراق التي تكون على الأرض تتضح المفارقة : و يأتي السؤال / هل تقصد القاصة المطر النازل من السماء هو من أغرق الخيمة؟ هذا فعلا في الشق الأول من السطر . و كيف لمطر كامن في الأرض أن يغرق الخيمة ؟ أتعجب كقارئة من هذا الفعل بين الهطول و الإغراق و الفاعل نفسه المطر .

فالعملية تنعرج إلى فاعل متخفي هو من أغرق الخيمة . الخيمة في حاجة ملحة لصرف مياه المطر ، إلى قنوات تجعلها في مأمن حين ينزل المطر ، الخيمة معاناتها مزدوجة/ مطر يهطل و آخر يُغرق ،  فالسماء الكامنة في الأرض تحالفت و السماء المعنية و المعروفة لإغراق الخيمة ، فأصر على أن البحر له يد في إغراق الخيمة . فالصورة التي أخذتها القاصة هي من واقع الخيام المنصوبة على سواحل غزة . ثم اللجوء إلى " نصب خيمة بالية " لا تقاوم هطول المطر سببه الرئيس " الطرد من طرف فاعل ثالث من الأرض الأم " فكان لجوء المطرود إلى خيمة بالية تقيه من الحر و القر .  

الخيمة : بعد كل هذا العناء ماذا بالنسبة لقوس قزح؟

في هذا السؤال مازالت الحياة في الخيمة ، مازالت تقاوم ، مازالت متشبثة بالأمل و الأرض ، فالوضع الذي تعيشه يخيم عليه العتمة ، و أملها أن ينجلي الظلام و ترى النور : رغم الثوب البالي فوتد الخيمة قوي ينتظر ألوان الطيف .

عادة ما يظهر قوس قزح بعد نزول المطر ، نفرح لظهوره و نشعر بالفرح ، نقفز و نصفق له ،و كأننا انتصرنا على الغيوم و ما تبعها من هطول المطر .

الخيمة و معاناتها تبحث عن بصيص أمل لعل المطر يحبس أفواه قِربه ، فقوس قزح في ظاهره ألوان نتيجة انكسار ضوء الشمس الأبيض على قطرة ماء ، و هو رمز للسلام و التعايش و نهاية عتمة الغيم . و خيمة نصنا ما هي إلا صورة واقعية للمعاناة التي تعيشها مخيمات اللاجئين و المرحلين عن ديارهم .

فيتضح جليا مما تقدم أن القاصة كثفت من المشاهد ، شخصت المطر و الخيمة جعلتهما في حوار بين قوي و ضعيف ،كان فيها الضعيف بين قوتين جبارتين هما واحد ، هطول المطر و إغراق الأرض و ما عليها في الماء ، كانت الخيمة هي الضحية الأولى ، فسؤالها عن قوس قزح متى سيظهر ،ماهو إلا أنفاس أخيرة لا تزال متشبثة بالحياة و الأمل ، لكن يبقى السؤال معلقا دون إجابة من المطر.

هذا الأسلوب جعل التأويل مفتوحا للمتلقي الذي ملأه سؤالا رئيسا : هل الأمل في نجاة الخيمة قريب ؟ 

بقلمي 📝 سعيدة بركاتي/ تونس



الكتابة الشعرية بين شقاء الذات وتجليات الأمل: نحو وعي إبداعي جديد بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الكتابة الشعرية بين شقاء الذات وتجليات الأمل: نحو وعي إبداعي جديد

الكتابة الشعرية،في وجه من الوجوه،هي ضرب من الشقاء والمعاناة،تتراوح فيها الذات بين حالتين متنافرتين: قتامة وانكسار،قوة وانتصار. إنها رحلة وجودية لا تهدأ،تنساب بين أضداد تتوحد في رحم الكلمة لتمنحنا نصا إبداعيا نابضا بالحياة رغم جراحه،متألقا بالألم رغم فرحه.

ولو حاولنا استقراء الحالتين لتبين لنا أن للأولى دلالات تحيل على الذات المشروخة والمشظاة، حيث تبدو الصور الشعرية متسربلة بالألم،راشحة بالمرارة،جانحة في أبعادها إلى الاغتراب،موغلة في سوداوية ورثناها عن ذاكرة مدانة تحط بنا كرها في مواقع مترهلة تكشف عن تشاؤم دفين. إنها لحظات ينكسر فيها المرآة فتتوزع الذات شظايا لا تجمعها وحدة،ويعمى فيها البصر فلا يرى إلا ظلال الأشياء.

أما الحالة الثانية،فهي تلك التي تتجاوز فيها اللغة تحقيق المصالحة بين الإنسان والفرح،ليكون التألق في رحاب شعرية مشرقة ومضيئة تنحو صوب الجمال وتعانق الآفاق المستقبلية بكل أمل وثبات. هنا تنتعش الروح،وتتفتح الذات على العالم كزهرة تعرف أن الصباح آتٍ حتما.

إننا إزاء حالتين متناظرتين تتنافر فيهما الصور وتتعارض.أفلا يمكن إيجاد مصالحة بينهما تقوم على التناغم بين ثنائية التوتر بين الذات والموضوع،وبين الكائن والممكن،على نحو يقترب فيه النص الإبداعي من الشمولية،دون أن يشذ عن الحدود التي رسمناها أو تلك التي أملاها الواقع؟

وبسؤال مغاير أقول: ألا يمكن أن تكون الكتابة الشعرية جامعة توحد بين قطبين نائيين: تداعيات الراهن، وتجليات المدى المنظور،فنكون بذلك قد أسسنا لوعي جديد يبدأ من الذات ويؤسس للكون في تواصل جمالي خلاق..؟

ألسنا إزاء تغييرات في البنى الاجتماعية والثقافية بالنظر إلى ما تطرحه العولمة من تحديات،في ظل احتدام الثقافات وتنافسها إلى حد يحيلنا على وضع تبدو فيه البكائيات والمراثي المألوفة، واستهجان الواقع المترهل،من ضروب التقوقع والانغلاق على الذات؟!

ألا تفرض علينا الثقافة الكونية نصوصا شعرية ذات شمولية فنية مفعمة بدفء الكلمة ونبل السؤال وجمال الحيرة،تؤسس الذات وتساعد على استجلاء المضمون الأدبي والفني بتفاؤل خلاق، لناواجه عبرها عالما ما فتئ يخيب الآمال ويثير الفوضى في وجه الوجود؟

ألم تكن أشعارنا المحدثة،في معظمها،تنحو إلى الغرابة والغموض؟ وما الغرابة إلا دلالة على الغربة عن العالم وانعطاف يستحيل نوستالجيا لا تخطو على درب الآتي الجليل،بل تترجرج إلى الماضي في حنين سئمناه؟

إن هذه الأسئلة التي طرحناها لا نروم من خلالها التأسيس لواقع مغاير لمنطق الأشياء والكون،بقدر ما نهدف إلى صياغة هذا الواقع في نصوص إبداعية ترنو إلى أفق مغاير يتفتح باستمرار، ويؤسس دفقا موصولا ضمن تواصل موضوعي يحقق عبره المبدع شرط وجوده.

الشعر كان وسيظل دائما زهرة الحضارات والثورات الإنسانية،وكان زهرة الثورات العربية وبدا أكثر توهجا.ويرى الشاعر الكبير عبد المعطي حجازي أن تدهور الشعر ظهر جليا قبل الثورة، وبمجرد ما انطلقت الثورة ازدهر الشعر وظهرت مواهب وأسماء،وأحس المصريون بأنهم كلهم شعراء لأنهم كلهم أحرار.

لقد صاحب الشعر الثورات العربية في تونس ومصر ومنها إلى كل الوطن العربي أكثر من أي جنس فني أدبي آخر.فإذا كان الشعر يسعى إلى ترسيخ الثقافة والقيم الكونية،فقد وجد في ثورة الجماهير العربية التي هي ثورة إنسانية حقيقية ملاذاً في الإعلاء من هذه القيم الكونية الخالدة مقابل اندثار وهشاشة الاستبداد،ما يبرهن على أن الشعر يسير نحو انتعاشة تدريجية لافتة في زمن اشتكى فيه الشعراء من التهميش والإقصاء.

إن مصاحبة القصيدة للمظاهرات والثورات العربية في الزمن الراهن تعني أن الشعر لا ينشأ من فراغ، ولكنه ينشأ من واقع الناس،ومن تجربة إنسانية كبرى،ومن الموروث الإنساني الذي يعكس عمق فهمنا للأشياء واستكناه المستقبل،حتى أننا لا يمكن أن نتخيل حياة بدون شعر. أو على حد تعبير الشاعر أمجد ناصر: "لا يمكن تخيل العالم من دون رواية،ولكن من الصعب تخيله من دون شعر".

في تونس،مهد الثورة العربية،علت حناجر شباب الثورة بقصيدة الشابي:

"إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر"

ومنها إلى كل البلدان العربية الساعية بحقها إلى الحرية وصوت الكرامة الإنسانية.

لقد أنشد الشابي هذه القصيدة الرائعة التي تحمل خوالج نفسيته الشبابية المترعة بالمعاني الإنسانية الفياضة وهو في عمر الزهور،عمر شباب الثورة الذين لمست رائعته أوتار قلوبهم.وقد آمن هؤلاء الشباب إيمان الشابي العميق بقدرة الشعر في تحقيق إرادته،فكانت قصيدته "إرادة الحياة" التي عبر بها عن الجراح الإنسانية للأمة العربية أقوى من السلاح ومن الموت أيام الانتفاضة.

لقد لبى الشباب نداء القصيدة ليُثبتوا للعالم بأنهم شعب يرفض العيش بين الحفر ولا يخاف صعود الجبال،لأن الشعر لا يخاف سطوة الطغاة.وحملت الأمة هذه الجراح لتنزف بها قلوب صانعيها. 

هذه القصيدة الرائعة بعثت في الأمة العربية عشقا أبديا لرسالة الشعر،بل وأرغمتنا على البكاء والفرح الطفولي المنبثق من رسالة الشعر نفسه الذي غرس فينا معنى القيم،وهي قيم إذا خلت منها القصيدة تصبح مجرد ألفاظ منظومة بلا معنى ولا حياة.

وما حدث في العالم العربي سيعمل على خلق تصورات ورؤى جديدة للعملية الشعرية،بل وسينمو شعر جديد من بذور هذه الثورة التي استشعرنا بها كنه الحياة ومعناها وحقيقة القصيدة في بعدها الإنساني الذي يرغمنا على الاعتراف بأن القصيدة حقيقة،والحقيقة لا تموت.

ختاما أقول: إن القصيدة نبع يُغذي فينا نزعة الإنسانية لما تحمل معانيها من توازن بين قوى الروح والجسد والعقل.ألا تزداد سموا بروحها الكونية التي تداعب حواسنا برحيق كلماتها التي تجاوزت كل القوميات والنزعات لتنشغل بالهم الإنساني الواحد؟ وهو ما يشكل رؤيتنا للحياة والوجود والعالم والأشياء،وهي رؤية منبثقة من ذات الشاعر قد يعجز النقد عن الوصول إليها رغم القدرة التأثيرية للقصيدة،لتبقى سراً من أسرار القصيدة، وأسرار القصيدة لا تنتهي.

وتبقى القصيدة،منذ أن شدا بها الإنسان الأول حتى احتضنتها ثورات العرب،ذلك النبع المتدفق الذي يغذي فينا نزعة الإنسانية المتأصلة،حيث يلتقي الخير بالشر،وتتصارع قوى الروح والجسد، لتخرج من هذا المعترك الإبداعي أكثر تألقا وقدرة على التعبير عن الهم الإنساني المشترك.

 لقد أثبتت الثورات العربية،بقصيدة الشابي الخالدة،أن الكلمة حين تنبض بصدق المعاناة والأمل تصبح أقوى من سلطان الطغاة،وأخلد من زمن الاستبداد.

فما القصيدة إلا سر من أسرار الوجود،وحقيقة من حقائق الحياة تتجدد مع كل ثورة،ومع كل إنسان يؤمن بأن الغد أجمل،وبأن الشعر، خلافا لكل الظنون،لا يموت.


محمد المحسن



الأحد، 12 أبريل 2026

قراءة نقدية: "السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة" التفريغ النصي: "انتصار الحب على الشهوة واثبات الغجر لوجودهم" الرواية :"زهرة من حي الغجر" الكاتب المصري: صلاح شعير الناقدة التونسية : جليلة المازني.

  قراءة نقدية: "السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة"

التفريغ النصي: "انتصار الحب على الشهوة واثبات الغجر لوجودهم"

الرواية :"زهرة من حي الغجر"

الكاتب المصري: صلاح شعير

الناقدة التونسية : جليلة المازني.

المقدمة :

لقد امتدت رواية "زهرة من حي الغجر" في طبعتها الأولى المنقحة 2025 على مئة وستّ وثمانين صفحة ضمن ثمانية فصول وكل فصل يشمل عدة مقاطع.

تتربع رواية "زهرة من حي الغجر" بين الأدب النسوي  وأدب المهمشين.

والادب النسوي  ويطلق عليه أيضا أدب الأنثى أو أدب المرأة وهو يشير الى: "الأدب الذي يكون النص الابداعي فيه مرتبطا بطرح قضية المرأة والدفاع عن حقوقها دون أن يكون الكاتب امرأة بالضرورة"(1).

وتاريخ النظرية النسوية الغربية "يبدأ عادة بأعمال ماري وولستونكرافت(1797-1759 ) وهي واحدة من أوائل الكاتبات النسويات في التقاليد اللبرالية" (2).

وفي هذا الاطار لعل الكاتب صلاح شعير كان مسكونا بقضايا المرأة لينخرط في الأدب النسوي.

 لقد سلّل الكاتب الى القارئ في هذا السياق أدب المهمشين بالحديث عن الغجر كأقلية مهمشة. ولعل المرأة في هذه الرواية قد كانت معاناتها مضاعفة بين مطرقة التهميش وخطاب الكراهية باعتبارها المرأة الجسد.

ويُعتبر الغجر (الروما, الدومر, الكالو) حسب النقاد "أقلية عرقية كبرى منتشرة عالميا, وتواجه تهميشا اجتماعيا واقتصاديا وتاريخيا ومستمرّا. يعيشون غالبا على هامش المجتمعات ويعانون من الفقر, التمييز, ضعف الوصول الى التعليم, ونقص الهوية الرسمية مما يجعلهم من أكثر الفئات ضعفا, حيث يواجهون أحكاما نمطية سلبية, خاصة في أروبا والشرق".

الدراسة النقدية : السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر  في الحياة "

1- السرد داخل السرد والمرأة الجسد :

أ- مفهوم السرد داخل السرد:

السرد داخل السرد أو ما يعرف عند النقاد ب"الحكاية الإطارية" وهو تقنية أدبية يروي فيها الكاتب داخل القصة قصة أخرى لتصبح القصة الداخلية جزءا من النص الأصلي.. يُستخدم هذا الأسلوب لإضافة

طبقات من المعنى ولتعزيز التشويق".

ويعدّ كتاب" كليلة ودمنة" لابن المقفع نموذجا كلاسيكيا لأسلوب "السرد داخل السرد"(الحكاية الاطارية)

حيث يروي الفيلسوف "بيدبا" للملك "دبشليم" قصصا و حكما على ألسنة الحيوانات وتتضمن هذه القصص حكايات فرعية أخرى"(3).

انه السرد المركب في الأدب العربي الذي تميزت به أيضا "الف ليلة وليلة" ويعرف بالمتوايات السردية او تداخل القصص (4).

ولئن كان هذا الهيكل السردي في كليلة ودمنة يهدف لايصال الحكمة والمشورة بشكل غير مباشر عبر التداخل السردي الممتع  ويهدف في "ألف ليلة وليلة" إلى تعميق الحبكة وتقديم خلفيات درامية أو خلق تشويق. فإلى ما يهدف هذا السرد داخل السرد في رواية "زهرة من حي الغجر"؟

ب- تجليات السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة بالرواية"

لعل هذا الأسلوب الذي توخاه الكاتب صلاح شعير في روايته يعتبر أداة فنية معقدة تُستخدم لتعليق القصة الرئيسية وتقديم منظور جديد للأحداث.

1- السرد داخل السرد والمرأة الجسد:

استهل الكاتب صلاح شعير روايته بالقصة الرئيسية المتمثلة في علاقة زهرة الغجرية مع جابر وكيف حركت شهوته حين رآها لأول مرة في أمسية علمية بنادي الماسة الزرقاء .

لقد برع الكاتب في وصف جمال زهرة الجسدي والذي حرك شهوة جابر ص (19):

أما عن زهرة فانها نفرت منه بمجرد أن سمعت اسمه حتى أنها انسحبت وقتها من المحاضرة العلمية ص(19) مما أثار دهشة جابر محارب .

ان الكاتب استخدم أداة المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص والمسافة الجمالية هي من عناصر نظرية التلقي الحديثة الالمانية لزعيميْها ياوس وآيزر.

ان القارئ كان يتوقع أن جابر محارب المحامي الناجح ورجل الاعمال سيلقى استجابة من زهرة بيْد أن أفق النص كسر أفق توقع القارئ لتنفر زهرة منه.

هذا النفور منه جعله يبحث عن هويتها ص(20).

اما زهرة فقد ساعدها الراوي العليم بواسطة اقلامه (الذهبي والعربي..) على معرفة هوية جابر محارب

وفي هذا الاطار يستهل الكاتب السرد داخل السرد فيبدأ بالقصة  الاطارية  وهي :

لقاء زهرة مع جابر ص (18/ 19..) ليجعل منها قصصا داخلية كما يلي :

+ قصة  محارب الكبير (جد جابر) ص(30).

+ قصة زهرة مع بسيوني واغتصابها وهي طفلة لا تعرف من الدنيا شيئاص(32/ 33/..)

+ قصة زواج نوارة (ام زهرة) من صادق الجندي الذي احتال على أملاكه المحامي جابر محارب

+ قصة زهرة مع طارق (أخ صديقتها سحر وابن صادق الجندي) ص(52).

+ قصة سلسال السنيورة ص(60)

+ قصة زهرة مع جميل ابو الذهب" ص (65/ 66/ 67)

+ قصة جذورجميل ابو الذهب ص(73/ 74/ 75) .

+قصة طارق حبيب زهرة  مع بربرا ص(78/ 79/ 80/ 81)

+حكاية بربرا صديقة طارق باعتبارها عضوا في منظمة" حق الغجر في الحياة".

+ توقيع زهرة بين جابر محارب وجميل أبو الذهب للتخلص منهما معا.

+ فوز زهرة بحبيبها طارق.

في هذا الاطار من القصص التي ضمّنها الكاتب صلاح شعير داخل القصة الاطارية الامّ قد جسّد فيها انتهاك المرأة الجسد الذي جعله شهوة كل شخصيات القصص الفرعية ما عدا قصة "زهرة وطارق " التي انبنت على الحب النقي الصادق .

ولانتهاك حرمة المرأة الجسد استخدم الكاتب بامتياز وصفا يثير شهوة الرجل لجسد المرأة مبرزا حيوانيته باعتماد معجمية  تصل الى حدّ الإباحية التي تثير حتى شهوة القارئ ليتعاطف مع شهوة جابر محارب في شهوته ومن  ذلك وصف جسد زهرة عند أول لقاء مع جابر محارب فيقول في ص (19):

" يا لها من امرأة كاملة النضج من ينجو من عينيها السوداوين يتلقفه نداء صدرها النافر , استدارت بجسدها الممشوق لتصعد فوق المنصة فاذا بها من الخلف أشدّ فتكا من الأمام, تلاشت قدرته على المقاومة, لن يرتوي الا اذا شرب من مائها الذي يبرئ الأسقام..."

وهكذا كان جسد المرأة منتهكا في كل القصص الفرعية تقريبا

بيْد ان الكاتب قد استثنى هذا الانتهاك الجسدي للمرأة في قصة "زهرة مع طارق" كأني به أراد أن ينتشل زهرة من بؤرة الشهوة الحيوانية  للرجل والارتقاء بها الى قيمة الحب الصادق فيقول على لسان زهرة التي تريد المحافظة على عذريتها المقدسة بالشرق وطارق الذي يستجيب لرغبتها ص(52)" قالت بصوت منكسر امتزج فيه الشبق بدموع الخوف والرجاء:

-لا تذبحني يا طارق لا تقتلني بالحب.

يردّ طارق وهو يرفع سرواله في خجل وقال مرتبكا:

-أعدك يا زهرة بأن هذه الغلطة لن تتكرّر.

لعل الكاتب في هذا السياق ينتصر للحب على حساب الشهوة الحيوانية العابرة.

ولئن كان الحب ارتباطا عاطفيا وروحيا عميقا يتطور ببطء ويركز على العطاء, قبول الآخر, والاستمرارية فان الشهوة  هي رغبة جسدية سطحية تشتعل بسرعة و تتركز حول الجسد والامتلاك وغالبا ما تنتهي بانتهاء الغرض منها.

 الحب يبني ويستمرّ بينما الشهوة قد تكون مؤقتة"(5).

ان الكاتب حتى في حديثه عن الغجر نجده يتحدث عن المرأة الجسد وهو في ذلك يستخدم أداة المسافة الجمالية بين افق توقع القارئ وأفق النص:

ان القارئ يتوقع ان الكاتب سيتحدث عن الغجر واذا به يعود الى الحديث عن المرأة الجسد ص (109)/(115).

وفي هذا الاطار ومن وجهة نظر ميتاروائية فان الكاتب يرفض ويدعم :

- يرفض ان تكون المرأة جسدا وشهوة عابرة.

- يدعم و ينتصر للحب على حساب الشهوة.

2- السرد داخل السرد و"حق الغجر في الحياة" :

ان القارئ من خلال أسلوب السرد داخل السرد الذي استخدمه الكاتب يكتشف ان الرواية تشي بمحاولة انتشال هذه الفئة المهمشة من الغجر من الاضطهاد والظلم الذي قد يلحقها من المركز.

لقد حاول الكاتب من وجهة نظر انسانية أن يدعم "حق الغجر في الحياة" من خلال:

أ- ايجاد منظمة للدفاع عنهم وهي منظمة "حق الغجر في الحياة" :

هذه المنظمة التي أوجد بها "بربرا " كعضو فيها لتهتمّ بشؤونهم في كل بقاع العالم:

- لقد سجلت "بربرا" باعتبارها عضوا في منظمة "حق الغجر في الحياة" اندماج معظم الغجر بالمجتمع المصري. يقول الكاتب ص(133):

- "رصدت بربرا حال "الغجر " بمصر معظمهم أقلع عن الحياة في الخيام أصبحوا يعيشون في البيوت ألحقوا أبناءهم بالتعليم يندمجون بالمجتمع تدريجيا يمارسون الحِرَف المختلفة للعيش منها.."

ب - الايمان بوجودهم الواقعي:

لقد جعل الكاتب كل شخصيات القصص الفرعية ينتمون الى الغجر ايمانا منه أنهم ضحايا مهمشون وليسوا جناة كما يعتبرهم من في المركز :جابر محارب/ بسيوني/ جميل ابو الذهب/ خوسيه وحتى صادق الجندي وكذلك الشخصيات النسوية زهرة/ نوارة/ عزيزة/ قمر بربرا ... "

ب- تلميع صورة الغجر على المستوى العلمي والاقتصادي والاجتماعي والوجداني والاخلاقي:

 وما وردمن أحداث بالرواية يدعم ذلك:

- زهرة الغجرية أصبحت طبيبة وأكثر من ذلك فهي تقوم بندوات تثقيفية في مجال طب العيون بنادي " "الماسة الزرقاء" بمساعدة الملياردار جميل ابو الذهب.

- زهرة بفضل علمها وأخلاقها استطاعت ان تردّ حق طارق من أبيه والذي احتال عليه جابر محارب

- طارق مهندس واخته طبيبة.

- صادق الجندي محام وذو أموال طائلة.

- جميل أبو الذهب وهو من جذور غجرية أصبح ملياردارا.

- جابر محارب  رغم احتياله فهو محام وذو نفوذ بماله.

- زهرة باخلاقها ترفض كل اغراءات جميل ابو الذهب المادية. فيقول الكاتب على لسانه ص(69/ 70):

" لماذا لم يفتح المال قلب زهرة هل في حياتها ما هو اقوى من كل هذه الاغراءات؟"

- زواج نوارة والدة زهرة من صادق الجندي المتكتم عن هويته.ص(51).

- الغجر ذوو أخلاق فاضلة: يقول الكاتب عن صادق الجندي في نفس الصفحة (51):

- "تيقنت زهرة ان الرجولة تكمن في عدم خداع المرأة .الرجال النبلاء لا يستغلون النساء الضعيفات"

تقول زهرة لطارق الذي أراد ممارسة الجنس معها رغم حبها له:

لا تذبحني يا طارق لا تقتلني بالحب.

يردّ طارق مرتبكا وهو يرفع سرواله في خجل: "أعدك يا زهرة بأن هذه الغلطة لن تتكرر"

- زهرة المتعففة تسعى الى انتشال صديقتها قمر من رذيلة بيع الجسد ص(120)

- ان الكاتب جعل للغجر مجتمعا قائم الذات متحملا مسؤولية تواجده السلمي واندماجه بالمجتمع المصري الى درجة عدم التمييز بين هذا غجري وذاك غير غجري .

بيْد ان الكاتب قد استطاع بامتياز ان يكشف عن هوية الغجر المُتكتمين عنها.

انه انتماء كل شخصيات الرواية الى الغجر بمن كان منهم محسوبا من النبلاء كصادق الجندي وعزيزة ام طارق وغيرهم وبالتالي ان طارق هو الآخر غجري فالغجر يتكتمون على انتمائهم واصولهم الغجرية ص(149).

ان الكاتب استخدم الحوار المباشر ليكشف الهوية الغجرية المتكتم عليها : حديث طارق مع أمه (140)

- لقد كرهت كل الغجر بسبب جابر الكلب يا أمّي.

استنكرت أمه عزيزة هذه الجملة وقالت:

- الجريمة لا علاقة لها باصل الانسان يا ولدي

- لكن سمعة الغجر سيئة.

- لا تقل ذلك ألا تعرف أن أباك من الغجر؟

عقدت الدهشة لسانه نظر الى أمه بذهول:

-أبي من الغجر؟ لم يخبرني أحد بذلك.

- ربما لأن الأمر غير مفيد.

ويواصل الكاتب استخدام الحوار لكشف الهوية الغجرية لعزيزة أم طارق :

- هل زواجك من غجري تمّ بسهولة؟

أنا مثل أبيك من الغجر يا ولدي .

وتقول كاميلا لخوسيه ص(162/ 163/ 164/ 165):

- معلوماتي ان أصحاب البشرة السوداء أقل ذكاء

رد على الإهانة بهدوء:

من يفكر بعقله يتفوّق بغض النظر عن لونه.

ثم قال معتدا بنفسه:

-ألم أتفوق على زوجك الأبيض في تجارة القطن ألم أحقق ضعف ما يحققه من أرباح ؟

- ربما خلقتم للعمل فقط.

- وخلقنا للحب أيضا.

ردت عليه:

-لا..لا أريدك أن تدنسني يجب أن أحافظ على نقاء العرق الأبيض لا يجب لمثلك أن يدنسه.

- ما هذا التناقض برأسك؟ زوجك الداعر يغرس الآن الجينات البيضاء في أحشاء امرأة سوداء بالاستراحة..أتنكرين أنه ترك فراشك من اجل امرأة سوداء..إنك مغيبة ككل النساء البيضاوات.

الحقيقة ان سحر المرأة السوداء التي هناك هو الذي جذب زوجك اليها.

يقول الكاتب :"بدأت (كاميلا) تقارن  بين فتاها الأسود بنبله وبين زوجها الأبيض بخسّته تأكدت أن" مارك " زوجها هو عبد العرق و المال والغرور".

وخلاصة القول فان الكاتب صلاح شعير:

1- بقدر ما انتشل المرأة من لعنة الجسد وشهوة الرجل لجسدها  فتدخل  ليجعل مصير أصحاب الشهوات بالرواية الموت الجسدي اوالعقلي (بسيوني/ جابر محارب/ جميل ابوالذهب..) بقدر ما ارتقى بالمرأة الى قيمة الحب الراقي ليختم روايته بجعل زهرة تختار مصيرها بنفسها و تفوز بحبها مع طارق الذي فضلها على كل المغريات التي عاشها بالغرب.

والكاتب  صلاح شعير هنا يتقاطع مع رافعة لواء الأدب النسوي "سيمون دي بوفوار" حين تقول في كتابها" الجنس الآخر":

" الحرية هي جوهر الإنسان, والمرأة لا تحقق ذاتها الا عندما ترفض أن تكون مجرد موضوع للآخر(الرجل أو المجتمع) , وتبدأ في اختيار مصيرها بنفسها".(وزهرة اختارت مصيرها بنفسها).

2- بقدر ما اعتبر الكاتب صلاح شعير ان  بعض الغجر جناة (بسيوني/ جابر محارب/ جميل ابو الذهب ..) بقدر ما اعتبر الغجر ضحايا ومهمشين وحاول أن ينتشلهم من هذا التهميش بأن جعلهم مندمجين بالمجتمع وقد افتكوا حقهم في الحياة علميا واقتصاديا واجتماعيا ووجدانيا واخلاقيا ...

والكاتب هنا يعانق المناضل والمفكر العظيم ارنستو شي جيفارا الذي يقول في سياسة التهميش:

حين يهمش الانسان (سواء بلونه او بعرقه او بجنسه..)

لا يُسلب صوته فقط

بل يقنعونه أن الصمت أمان

وأن القبول بالقليل حكمة

وأن المطالبة بالعدل وقاحة

التهميش ليس قدرًا

بل اختيارٌ سياسي

وثمنه يُدفع من أعمار الناس

ومن مستقبل الأوطان

لأن العدالة لا تمنح لساكتين عنها.

وبالتالي فلا زهرة سكتت عن انتهاك جسدها كشهوة عابرة بل انتصرت للحب وفازت به ولا الغجر طالبوا بحقهم في الحياة من الساسة بل افتكوه افتكاكا مكنهم من الاندماج في المجتمع دون فضل من أحد.

وفي هذا الاطار سلم قلم الكاتب صلاح شعير الذي ارتقى بروايته "زهرة من حي الغجر" نحو العالمية.

بتاريخ :11/ 04/ 2026

المراجع:

(1) أدب نسوي- ويكيبيديا

(2) النظرية النسوية | موسوعة التعديل الاول-7 اوت 2023.

(3) كليلة ودمنة - ويكيبيديا

(4) ألف ليلة وليلة – ويكيبيديا

(5) مهند حبيب السماوي صحيفة المثقف- 23/ سبتمبر 2012 -الفرق بين الحب والشهوة-.

 



تأملات في لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة " للشاعرة التونسية سنيا فرجاني بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

 تأملات في لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة "  للشاعرة التونسية سنيا فرجاني 

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 


لأول مرة يراودني سؤال حول عنوان ديوان شعر " أعود من القيامة " و علاقته بلوحة الغلاف .

سأنطلق منه كعتبة أولى للقراءة: العنوان فيه من الإقرار و الإصرار بالعودة من عالم آخر إلى العالم المتداول / فأي قيامة سترجع منها الشاعرة سنيا الفرجاني ؟ 

لنُعرف بماهية القيامة : ( حسب مركز الدراسات الدينية لموقع 

(https://rsc-byu-edu.translate.goog/jesus-christ-son-god-savior/resurrection-ultimate-triumph?)

و بعيدا عن البعث و يوم الحشر ، القيامة هي الإنتصار الأسمى ، و هي بحث في القدرة على التفاعل والنمو الأبدي، والكمال الشخصي، والرضا العاطفي التام. فهو النهوض مرة أخرى للجسد بقوة. و في التأملات سنجد الجواب عن السؤال أعلاه بأكثر عمق و تشريح .

هل من هذه المعاني سنجده في غلاف الديوان !؟

++ النظرة الأولى للوحة : مجموعة من النسوة يعتلين منبرا ، تفرقت بعض السلالم و صور شبحية على كامل اللوحة ، غلبة اللون الأحمر و علامتين لحرف X اللاتيني .

++ القراءة التفصيلية : حين يبدأ المبصر للوحة و يتأملها من أسفل يناديه أعلاها و جماعة النسوة اللاتي يعتلينها ، فيصر المتلقي إلى التمعن أسفلها حتى يصل معهن إلى " القمة" .

تعددت النوافذ أسفل اللوحة ، و بعض السلالم التي وصل بعضها و بعض منها كان مآله السقوط ، غياب تام للشخوص أو ظلالها ، عدى لمسات الريشة التي لعبت بالألون فأضاءت الشق الأيمن قبالة المتأمل ،ألوان فاتحة مشتقة من " الضوء" ألوان الطيف السبعة كلما تحولنا إلى اليسار إلا و ازدادت قتامة.

يطرح السؤال على أطياف النسوة السبعة ( المحور الرئيس في اللوحة ) و كأنهن يلدن من بعضهن كالطيف أو الظل، أين توقفت إحداهن بلباسها الأزرق أمام مرآة  ! هل هي وقفة تأمل للشاعرة !؟ و اختيارها هذا اللون !؟ هل هي وقفة بحث عن حقيقة ضائعة !؟ يرمز اللون الأزرق عالمياً إلى الهدوء، السلام، الثقة، والإستقرار، كونه مستوحى من السماء والبحر. يعكس هذا اللون العمق، الحكمة، والإحترافية، ويُستخدم لتعزيز التركيز والإبداع. نفسياً، يجلب الأزرق الراحة ويقلل التوتر، لكنه قد يرتبط أحياناً بالحزن أو البرود العاطفي. ليستقر الطيف السابع و يجلس متكأ على يده اليمنى . و هو آخر المطاف للأطياف .

يحيلني هذا التبصر إلى نتاج الشاعرة و هو دواوين شعرها السابقة و عددها ستة يلحق بهم السابع تحت عنوان " أعود من القيامة" . فما هي رمزية رقم سبعة : يعد الرقم 7 رمزاً عالمياً للكمال، الروحانية، والشمولية في مختلف الثقافات والديانات. يرتبط بقوة بالسماوات السبع ، الطواف والسعي، وألوان الطيف السبعة، ويمثل في علم الأعداد التوازن والحكمة. كما يشير إلى اكتمال الدورات الزمنية والطبيعية (أيام الأسبوع). أما ما ظهر من علامة X فهو عبارة عن حدود بين عالمين أو زمنين ( من بعض دلالاته السلبية و الرفض  وبعض الدلالات التعبيرية : يشير إلى الاختراق، الحدة، أو حتى "الدرع" والتمسك) : سفلي و علوي .اعتلته النسوة بعد أن ارتقين إلى الأعلى ، و لو تمعنا أكثر في أسفل اللوحة و ما وُجد فيها : حطام لنوافذ و سلالم ربما استعملنها للصعود و رمين بها حتى لا يلحقن بهن و لا أحد : و كأنهن في مفازة من قاع إمتلأ صخبا و ضجيجا و معارضة و ظلما و قهرا و استغلالا للمرأة ، فالسمو هذا ما هو إلا " هروبا" و إعطاء قيمة  لحالة وجودية كاملة للمرأة حين تخلصت من أثقال العالم السفلي.

بالرجوع إلى العنوان و ملامح اللوحة و العدد يجعل هذه العناصر مرتبطة فيما بينها ارتباطا وثيقا في حلقة محكمة الإغلاق : السمو : كونها شاعرة / الخلاص عن طريق اللغة و الشعر و الكلمة 

الإرتقاء : بالمرأة و تغيير صورة المرأة من جسد إلى فاعل في الكون 

المفازة الكبرى : باستقلالها ذاتيا و إثبات وجودها بكسر القيود التي تكبلها 

++الخلاصة و حزم القراءة و الرأي الشخصي: 

تُعتبر سنية الفرجاني من الشاعرات البارزات في تونس و الوطن العربي ، مائزة في اقتناء و تجميع باقات شعرها من بحور اللغة و بساتينها ،فاختيارها " أعود من القيامة" عنوانا لديوانها القادم ليس من عبث ، فبالرجوع إلى التأملات أعلاه يتضح جليا أن العودة ليست من عالم الآخر بل هي عودة بعد وقفة تأمل غاصت في ذاتها حين ملأت الأسئلة وجدانها : هل للشاعر رسالة يمكن أن يقدمها للمرأة ؟ 

مازال للشعر أنبياء و فرسان و مخلصين للكلمة النبيلة تجاه المرأة ، سنيا الفرجاني أخذت معها أطيافها السبعة و دلالاتهم لتسمو بالمرأة عن طريق الشعر و تخلصها من فكرة أنها جسد فقط ، حطمت ما وراءها و رمت به في القاع .كانت اللوحة بمثابة تجربة خاصة ، لعلنا نجد ترجمانها في محتوى الديوان .فاللوحة غابت منها الظلال كما غاب منها العنصر الذكوري ، وكأنها تريد تأسيس كوكب يستدرج الإنسانية تغير فيه معاملة الآخر للمرأة حتى لا تلتجأ لتحطيم ما قد مضى .. فقيامة سنيا هي انتصار أسمى يرتكز على الحكمة و الاستقرار النفسي والاستقلال الذاتي للمرأة .

تاملات لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة" للرسام الفنان عنيات عطار

بقلمي  سعيدة بركاتي/تونس