قلم لا يُؤَجَّر: تأملات في غياب الحضور..وحضور الغياب..!
ليس كل من يحمل قَلَما يكون كاتبا،كما ليس كل من يقف على منصة يكون شاعرا..هناك فرق شاسع بين من يكتب بالحبر،ومن يكتب بمداد القلم وعرق الروح...أنا من هؤلاء الذين لا يفرقون بين الكتابة والتنفس،ولا يفصلون بين الإبداع ووجع الوجود.فحين أثث أمسية شعرية بقصائد صيغت من نبض الجراح ووهج الانتصارات الصغيرة،لا أطلب مالا،لأن ما يباع لا يبقى،وما يبقى لا يباع.وقلمي ليس شقة مفروشة تؤجر لمن دفع أكثر،وليس جواز سفر يمنحه صاحبه لمن رشى البواب..قلمي هو امتداد روحي،وسلاحي الأوحد في مواجهة عقل أجوف لا يتغذى إلا على التنمر والنميمة،وظل كحائط لا ينتج غير الصدى الأجوف..
ترعرعت في تطاوين،تلك الأرض التي تغرس في أبنائها عزة النفس قبل أن تغرس النخيل.وحين أغطي تظاهرة ثقافية أو مهرجانا احتفاليا هناك، فأنا لا أؤدي واجبا،بل أعيد اكتشاف نفسي في مرايا ترابها وعبق ذاكرياتها.فقلمي الحر لا يرضى بالقيود،ولا ينصاع إلا لنداء الضمير وإملاءات الوجدان...
كتبت لأثبت أنني عصي على الرضوخ،وأن من لا عمل لهم سوى الغيبة والتجريح يعيشون في صحراء الجفاف الروحي،بينما أنا أغوص في بحر الكتابة لأخرج بلآلئ قد لا تفهمها عيونهم العمياء، لكنها تضيء درب من يبحث عن الجمال.
كم تمنيت لو أثثت بحضوري تلك الأمسية الشعرية الأنيقة التي أضافت لمهرجان "لَمّة تراث ورَغْمَة" لمسات إبداعية لا تخطئ العين نورها ولا شعاعها.كنت أريد أن أكون هناك،بين كلمات تتراقص على إيقاع الشوق،وفي قلوب تعرف معنى أن يكون التراث أنفاسا وليس مجرد حكايا تُروى.لكن للحياة إكراهاتها،وللجسد في مثل عمري أوجاعا لا تُرى بالعين المجردة،والتزامات يطول شرحها كتفاصيل جرح قديم لا يندمل بالمراهم.! غيابي لم يكن تعاليا ولا تكبرا،فالتواضع يعرفني أكثر مما يعرفني الكبرياء..كان رضوخا لظروف قاهرة،كثيرا ما حرمتني من بهجة الحضور هنا أو هناك،وتركتني أتفرج من بعيد كمن يقف خلف زجاج متجر يرى المباهج واللذائذ ولا يستطيع أن يلمسها.!
لكني عاهدت ضميري أن أواصل السير على درب الكتابة بثبات،وأن أنتصر إبداعيا لكل فعل ثقافي يلامس الذائقة الفنية ويرقى إلى منصة الاحترام، على غرار مهرجان "لَمّة تراث ورَغْمَة".لأن النصر الحقيقي ليس أن تكون حاضرا بالجسد فقط،بل أن تظل روحك ساطعة في كل قصيدة تكتبها، وفي كل كلمة تهمس بها لأجيال لم تولد بعد،وفي كل مرة تثبت فيها أن القلم الحر أقوى من كل السلاسل.
في النهاية،أدرك أن الحضور ليس مجرد اقدام تخطو على أرض مكان،ولا عيون تتفرج على حدث.الحضور الحقيقي أن تكون أفكارك وكلماتك ووجدانك هناك،حتى حين تغيب ملامحك.لقد تعلمت أن الغياب قد يكون أحيانا أبلغ من الحضور،حين يكون غيابا مضطرا لا مختارا،وحين يكون خلفه قصة لا تُحكى بالكامل لأن جراحها لا تزال نازفة.وتعلمت أن المهرجان الحقيقي يقام في قلوب الذين يفهمون أن التراث ليس طقسا موسميا،بل نبض يومي،وأن الغياب أحيانا ليس حقدا على الأقدار،بل إصرارا على أن نصنع من غيابنا "لمة" وحضورا،ومن ألمنا قصيدة..
وسأبقى أكتب،لأن الكتابة هي موطني الذي لا يُهجر،وأمسيتي التي لا تؤجل،وانتصاري الذي لا يُوقف.
سأظل قلما حرا،وإن لم أكن هناك،فأنا هناك.وإن غاب جسدي،فلن تغيب قصائدي.وإن أغلقت الأبواب في وجهي،فسأدخل من نوافذ الكلمات. لأن من يسكن الروح لا يغيب،ومن يكتب بدمه لا يموت،ومن ينتصر للإبداع ينتصر للخلود..وكفى..
محمد المحسن
.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق