الاثنين، 18 مايو 2026

مفارقة ثنائية القسوة والحنين في نص الشاعرة سهى الجربي بقلم الشاعر طاهر مشي

 مفارقة ثنائية القسوة والحنين في نص الشاعرة سهى الجربي 

اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا 

تقوم التجربة الشعرية في نص سهى الجربي على مفارقة شعورية عميقة تتأسس على ثنائية القسوة والحنين، وهي مفارقة تجعل الذات تتحرك بين نقيضين: الرغبة في التماسك والانغلاق، والانجذاب الخفي نحو الانكسار العاطفي. فالشاعرة لا تقدم الحب بوصفه حالة استقرار، بل تصوره قوة قادرة على تفكيك البنية النفسية الصلبة للذات، وتحويلها من حالة المقاومة إلى حالة الاستسلام الوجداني.


منذ البداية، تخلق الشاعرة فضاءً شعريًا قائمًا على التوتر بين الرقة والعنف، إذ تقول:


أقترب كما تقترب سماء من زهرة


فالاقتراب هنا يبدو ناعمًا وشفافًا، لكنه يخفي داخله توترًا عاطفيًا عميقًا. فالسماء بما ترمز إليه من علو واتساع تقترب من زهرة هشة صغيرة، وكأن الشاعرة تمهد منذ المطلع لعلاقة تقوم على اختلال التوازن بين القوة والرقة. ثم تتطور الصورة حين تجعل «النجوم شوكًا» رشقته الزهرة في ظهر السماء، لتتحول عناصر الجمال الكوني إلى أدوات ألم، في مفارقة تكشف أن الحب يحمل في داخله اللذة والوجع معًا.


وتبلغ ثنائية القسوة والحنين ذروتها في قولها:


كنت امرأة بملامح جدار صلد


فالجدار هنا ليس مجرد صورة عابرة، بل رمز نفسي كثيف الدلالة؛ فهو يعكس ذاتًا احتمت بالقسوة لتتفادى الخيبة والانكسار. إن ملامح الجدار توحي بالجمود والانغلاق والبرودة العاطفية، وكأن الذات أقامت حول نفسها حصنًا يمنع تسلل المشاعر. كما أن وصف المرأة بالجدار يشي بفقدان الليونة الإنسانية، حتى غدت الذات أشبه ببناء صامت لا تهزه العواطف.


غير أن المفارقة تتجلى في أن هذا الجدار الصلب لا يسقط أمام قوة مادية، بل أمام أثر رقيق وعابر:


فكيف لرائحة ما

هذه الأصابع الحديدية

تطيح جدراني

وتذرني رملاً حذو نوافذك


هنا تبلغ الصورة الشعرية مستوى عالٍ من الإدهاش؛ إذ يتحول ما هو حديدي وصلب إلى كيان هش قابل للتفتت. والرائحة، بما تحمله من خفة ولامرئية، تصبح أقوى من “الأصابع الحديدية”. وهذه المفارقة تكشف أن الحنين لا يعمل بالعنف، بل بالتسلل الهادئ إلى أعماق الذات حتى يفتتها من الداخل. فالقوة الظاهرة تنهزم أمام أثر عاطفي خفي، والجدار الذي أوحى بالثبات ينتهي إلى “رمل”، أي إلى مادة رخوة متبعثرة فاقدة للتماسك.


كما تتسع هذه الثنائية عبر صور أخرى مشبعة بالإيحاء، مثل قولها:


بعناقات مهرّبة من جمارك الوقت


فالاحتضان هنا ليس فعلًا عاديًا، بل فعل مقاومة للزمن وللقيود. واستخدام لفظة “مهرّبة” يمنح العناق بعدًا سريًا وممنوعًا، وكأن الحنين يعيش خارج القوانين. كذلك فإن عبارة:


وقطيع من الانتظارات


تحوّل الانتظار من إحساس فردي إلى كائن ثقيل متكاثر يرافق الذات ويثقل خطاها. فالحنين هنا ليس لحظة عابرة، بل عبء دائم يستوطن الداخل.


ومن ثمّ، فإن النص يقوم على شبكة من التقابلات:


* الصلابة / الهشاشة

* الحديد / الرمل

* الجدار / النافذة

* القسوة / العناق

* الانغلاق / الاقتراب


ومن خلال هذه التقابلات تؤكد الشاعرة أن الحب لا يقتحم الذات بالقوة، بل يعيد تشكيلها بهدوء. فكل ما بدا صلبًا يتهاوى أمام الحنين، وكل ما بدا مغلقًا ينفتح على هشاشته الإنسانية. وهكذا تتحول القسوة في النص من علامة قوة إلى قناع تخفي وراءه الذات خوفها العميق من الحب، بينما يصبح الحنين القوة الحقيقية القادرة 

على كشف هشاشة الإنسان مهما بدا متماسكًا.


النص 

ااااااااا

أقترب كما تقترب سماء من زهرة 

لا أحد يقول أن قطرة ندى 

 هي آخر ما تبقّى من قبلة غيمة على وجنة وردة 

وأن النجوم شوك رشقته زهرة في ظهر السماء

وهي بين ذراعيها تمارس آخر طقوس الحب. 

لا أحد يشفق على السماء ويلعن الورد. 

ثم أعود منك 

بظهر مقوّس مثقل بعناقات مهرّبة من جمارك الوقت.

أقدام تجرّ عربة من النظرات 

 وقطيع من الانتظارات لا يسعها الدخول من باب غرفتي. 

كنت امرأة بملامح جدار صلد

أكتب عن الحب كنجم فالت من تلسكوب  فلكيّ

أعلّق على أضلاعه أمنيات بعيدة 

فكيف لرائحة ما  هذه الأصابع الحديدية 

تطيح جدراني وتذرني رملا حذو نوافذك.

سهى الجربي

الوجدان الثقافية 

طاهر مشي



السبت، 9 مايو 2026

ميثم الخزرجي: فلسفة الغياب والنزوح في السرد العراقي المعاصر د.آمال بوحرب باحثة و ناقدة

 ميثم الخزرجي: فلسفة الغياب والنزوح في السرد العراقي المعاصر

د.آمال بوحرب

باحثة و ناقدة 

في زمن يغرق فيه المجتمع العربي تحت وطأة الاضطرابات والكثرة الإعلامية من واجب أدبي وإعلامي نسلط الضوء على الأقلام الهادفة التي تحول الكتابة إلى فعل فكري يواجه هشاشة الوجود وينتج معنى من فوضى اللامعنى. ميثم الخزرجي القاص والصحفي العراقي من النجف مواليد 1987 نموذجًا لهذه الأقلام حيث يجمع بين تكوين علمي في الذكاء الاصطناعي ووعي أدبي فلسفي يعالج جروح الإنسان العربي في زمن الغياب والنزوح مستعيدًا مقولة هيوم: “لا يمكن أن يحدث أو يظهر إلى عالم الوجود شيء من غير سبب” وكأن السرد عنده بحث دائم عن سبب الغياب الإلهي والإنساني في عالم فقد يقينه.

يأتي الاهتمام بهذه الأقلام من ضرورة أدبية وإعلامية في مجتمع يعج بالكثرة الكتابية غير الهادفة حيث يصبح السرد أداة للتأمل الفلسفي في حدود الوجود. الخزرجي بماجستيره في علوم الحاسوب يقارن بين الخوارزمية العلمية والبناء السردي محولًا القصة إلى مستطيل فكري ينتج إمكانيات من الفوضى كما في فلسفة هيدغر للدازاين الذي يتحقق في مواجهة العدم. هذا الهدف يجعل أقلامه شهادة على الإنسانية في المجتمع العربي الذي يحتاج إلى أصوات تتجاوز الحدث اليومي لتعالج الخراب الوجودي.


في بريد الآلهة 2019 الفائز بمسابقة الاتحاد العام للأدباء العراقيين يستحضر نيتشه في فكرة موت الإله حيث يصبح البريد رسالة من غيب المتعالي إلى الإنسان المحنون بالشك الديكارتي. القصص هنا تقارن بين الفينومين الواقع المنتج والنومين الغائب المطلق مبينة كيف ينتج الإنسان آلهته ليبرر الألم اليومي في سياق الحصار العراقي فالسرد فلسفة وحي منحسرة تكشف عن الفراغ الذي يملأه الخيال البشري كبديل عن اليقين الضائع.

ثم النزوح نحو الممكن 2020 يستمد من أرسطو وليفيناس حيث يتحول النزوح من هرب جسدي من الحرب والحصار إلى حركة أخلاقية تفتح الآخر كمجال للمسؤولية. يقلب الخزرجي مفهوم الدوناميس الإمكان ليبين أن الحرية السارتيرية تتحقق في الانتقال من الفعل إلى الممكن مقارنًا بين النزوح النفسي والجغرافي كطريقة لنجاة الوجود من اللامعنى. هنا يصبح السرد حركة تأسيسية تشبه فلسفة ميرلو بونتي في جسد العالم حيث الجسد المنزوح هو الوعي الذي يبني العالم من خلال حركته ويقترب من رؤية هيجل حين قال: “الوعي بالذات يتطلب وجود رغبة والرغبة والوعي بالذات شيء واحد” إذ يتحقق الوعي الذاتي عبر رغبة الاعتراف والحركة الوجودية.

وفي متنزه الغائبين 2024 تبلغ الفلسفة السردية ذروتها بتجسيد الغياب كمكان بيكلوي حيث يصبح المتنزه سجنًا مفتوحًا للذكرى. مستحضرًا دريدا يحول الخزرجي الغائب إلى أثر ينتج الحاضر مقارنًا بين غائبي الحرب وغائب المعنى في الحياة اليومية فالقصة تحليل للخراب الوجودي يتجاوز الحزن الجمالي ليصبح استكشافًا للعدم كمبدأ بناء. ويشبه ذلك مفهوم لاكان للرغبة كرغبة في الشيء المفقود حيث يتحول الغائبون إلى محركات للسرد الذي يحاول استعادتهم عبر الكلمات.

الجدل الهيجلي

يظهر الجدل الهيجلي (أطروحة-نقيض-تركيب) في أعمال ميثم الخزرجي كحركة سردية ديالكتيكية عميقة تُحاكي صراع الروح في فنومينولوجيا الروح حيث يتحول الغياب في بريد الآلهة كيقين متعالٍ منهار أمام الشك الهيومي إلى نقيض حركي في النزوح نحو الممكن يصارع اللامعنى عبر رغبة الوعي الذاتي ليصل في متنزه الغائبين إلى تركيب لامكاني يجعل الغائب أثراً ينتج الحاضر. فالسرد يصبح تاريخاً مطلقاً يتجاوز الألم العراقي نحو تحقق الكينونة كما قال هيجل: “الروح تدرك نفسها كروح من خلال تاريخها” و“التناقض هو المحرك الحقيقي للحركة والحياة” لذلك تبدو شخصيات الخزرجي وكأنها تعيش داخل صراع دائم بين الحضور والغياب وبين الألم والرغبة في النجاة.ولقد احتفل نادي السرد في اتحاد الأدباء العراقيين بمجموعة متنزه الغائبين عام 2025 حيث قدم النقاد د. جاسم الخالدي ورنا صباح وأشواق النعيمي ود. أحمد الظفيري أوراقًا نقدية أشارت إلى تكرار اليوميات في المجموعة وأن العنوان يعكس دائرة مغلقة للحوارات الداخلية المليئة بالرموز التي تؤثر نفسيًا على القارئ عبر الاشتغال على اللاوعي رغم معاناة الشخصيات من اضطرابات نفسية حادة. كما تمحورت المداخلات حول الفضاء العام للمجموعة بتحولاتها الفنية والسردية ومرجعياتها العلمية والفلسفية مما يبرز عمق الاشتغال الفكري في نصوصه. وفي نقد بريد الآلهة وصفها البعض قصصًا مأزومة قلقة تعبر عن واقع المجتمع العراقي خاصة الجنوب حيث تظهر الخرافات والأساطير كدليل على البعد عن العلم والحرية مع انتقاد خفيف لعدم الدهشة وافتقار التفسير الزائد.

الألم والغوص في اللاوعي

ألم الكاتب عند الخزرجي غوص عميق في طبقات اللاوعي ينبع من تجربته الشخصية التي وصفها بمخاض حيث يعود إلى بيته كمكتبة فخمة شكلت تكوينه الثقافي والشعري والفكري. يدخل المشهد الأدبي باحثًا عن الحقيقة وسكب كل معرفته بالفلسفة والنقد والثقافة والذكاء الاصطناعي في قصصه مما يجعل الألم وجوديًا يعكس معاناة الشخصيات من اضطرابات نفسية حادة وتكرار يوميات تشكل دائرة مغلقة. هذا الغوص يشبه حفر الناقد في أعماله كبريد الآلهة والنزوح نحو الممكن حيث يجد تجليات الانبعاث الإنسي والأنا وسط الألم الذي يحول السرد إلى استكشاف للجرح الجماعي في المجتمع العراقي.

اما البعد الوجودي في كتاباته يتجلى في الاغتراب والسؤال الحائر عن الكينونة كما في بريد الآلهة حيث يرتحل الراوي مغتربًا في عالمه المقهور يبحث عن قدسية الرسالة والمحتوى وسط الفراغ الإلهي والاجتماعي. في متنزه الغائبين يصبح الغياب مكانًا لمخاض الوجود حيث العنوان جملة اسمية تسأل عن سبب الغياب وتغوص في الأبعاد السايكولوجية للأنا المنفية مما يعكس سعيًا هيدغريًا نحو الدازاين في مواجهة العدم. كما في النزوح نحو الممكن تتحول الحركة الوجودية من الفعلي إلى الممكن لتعبر عن هموم الناس وواقعهم اليومي دون قيود مما يجعل السرد شهادة على نجاة الوجود من اللامعنى عبر الغوص في الألم والرموز.

ولعل علاقة الخزرجي مع هيوم عند قوله «لا يمكن أن يحدث أو يظهر إلى عالم الوجود شيء من غير سبب» تمثل نقطة التحوّل الفلسفي الحاسم في تجربته حيث يتحوّل شك هيوم السببي من مجرّد إبستمولوجيا إلى أطروحة سردية في بريد الآلهة تُفتح أبواب الغياب الإلهي والإنساني فالبريد ليس مجرد رسائل بل استعارة للبحث عن السببية المفقودة في فراغ الحصار العراقي محولًا السؤال الهيومي إلى صراع وجودي يُنجز نفسه في حركة النزوح الهيجلية . 

أخيرا  يجوز القول إن الكتابة عند ميثم الخزرجي تحول النزوح إلى إمكان والغياب إلى أثر بناء والألم إلى وعي ديالكتيكي. في زمن الخراب العراقي والعربي يقدم الخزرجي سردًا فلسفيًا يعيد بناء المعنى ويشهد على قدرة الإنسان على مواجهة العدم ويحول الكتابة إلى فعل وجودي مقاوم يفتح أفقًا للنجاة النسبية وكما شكك هيوم في كل يقين سببي يقدم الخزرجي الكتابة كعادة وجودية جديدة قادرة على مواجهة اللامعنى دون أوهام اليقين المطلق متسائلًا إلى أي حد تنجينا الكتابة من الحياة نفسها .



الثلاثاء، 5 مايو 2026

"طائرٌ لا يُكَلَّفُ.. وعَرَبٌ تَغَيَّبوا.." قراءة فنية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 "طائرٌ لا يُكَلَّفُ.. وعَرَبٌ تَغَيَّبوا.." قراءة فنية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير


تصدير:

قبل أن تبدأ القصيدة،توقف أمام هذه الصورة الصاعقة: نمرودٌ يُحرِقُ خليلَ الله في نارٍ عظيمة، وطيرٌ صغير يملأ منقاره ماءً يُلقي به على النار.. قطرةً قطرةً.لم يكن يظن أنه سيُطفئها،لكنه كان يعلم أنه لن يسكت!

 ها هو الطير يفعل ما يقدر،بينما المكلفون يتفرجون..فإذا كنت في زحمة الخذلان العربي، وتحت سماء صامتة لا تُغيث غزة إلا بالكلمات الباردة،فاقرأ هذه القصيدة كجرح يفضح الصمت، وكصوت طائر يريد أن يوقظ أمة تغفو على لهيب نار.


"بعد أن قذف النّمرودُ سيّدَنا إبراهيم عليهِ السّلامُ في النار كان طيرٌ يملأ مِنقارَهُ ماء ويُلقي بهِ على النار فهل يَعتقدُ أنَه سيُطفئُها ؟ لا ولكن لِيعملَ شيئاً يقدرُ عليه لإنقاذه!

 ألطّيْرُ فكّرَ أن يُساعِدَ مُبتَلًى

يَصْلى بِنارٍ علّهُ...يتَقرّبُ!


كيفَ السبيلُ ويعرُبٌ ملءُ الفضا

والنّار تعصِفُ والدّماءُ...تُخَضِّبُ ؟!


كلٌّ  (بغزّةَ) يستغيثُ  لِنجْدَةٍ

والدّمُّ يُسفَكُ والأسارَى...تُعَذَّبُ 


مَن لمْ يمُتْ بالسيْفِ ماتَ لِجوعِهِ

 والعُرْبُ ترقُبُ،مسلِمونَ...تَغيّبوا


لا أُذنَ تسمعُ،لا عيونَ بصيرَةٌ

لا ماءَ يُطفئُ،لا حمِيّةَ...تُرْعِبُ


ألطّيرُ  فكّر  وهوَ  غيرُ  مُكَلَّفٍ 

ليتَ العُروبةَ تقتَدي بِهِ...تغلِبُ


وتُساعِدُ الغزّيَّ ، تُنقِذُ أهلَهُ

وتَدُُكُّ صَرْحاً للعدُوِّ…وَتضرِبُ!


       عزيزة بشير


في زمن تداخلت فيه الأصوات حتى تكاد تفقد هويتها،وانفصمت العرى بين الأقوال والأفعال،تبرز قصيدة "الطير والنمرود" للشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير كجرح نابض في ضمير الأمة،تضرب على وتر أليم يرن في أعماق الوجدان: وتر ذلك الصراع الأبدي بين الفعل الفردي الصادق والصمت الجماعي المخزي. تستلهم الشاعرة مشهدا قرآنيا خالدا،مشهد سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار،فإذا بطير صغير يحمل في منقاره قطرة ماء لا ليدّعي إطفاء النار،بل ليقول للوجود كله: "ها أنا أفعل ما أقدر عليه".هذه اللحظة العارية من كل منطق نفعي هي مفتاح القصيدة،حيث تصبح ثنائية الطير والنمرود استعارة كبرى للصراع الأزلي بين إرادة ضعيفة لكنها صادقة،وسلطة جبارة لكنها خاوية من كل قيمة.فليس الطير هنا رمزا للعجز،بل للشجاعة الأخلاقية التي لا تحسب الأمور بميزان الربح والخسارة،بل بميزان التكليف الوجداني الذي يسبق كل تكليف شرعي.

 وفي هذا السياق،تقول الشاعرة: "ألطّيْرُ فكّرَ وهوَ غيرُ مُكَلَّفٍ / ليتَ العروبةَ تقتَدي بِهِ...تغلِبُ"،وهذه المفارقة النقدية الحادة تشبه صفعة مدوية: طير لا يكلفه أحد يتقدم إلى الفعل،بينما العرب والمسلمون-وهم المكلفون'يقفون متفرجين وقد "تغيّبوا" عن أسمى صفاتهم الجامعة.!

 إنها ليست صفعة في وجه النظريات السياسية فقط،بل في روح كل من يبرر الصمت بحساب الموازين البارد.

وتجيد الشاعرة انتقاء مفردات تحمل شحنات درامية عالية،ففي كلمة "تَغَيَّبوا" ليس المقصود غياب الجسد،بل غياب الروح والهوية والضمير، غياب العروبة الحقيقية التي يفترض أن تكون فعلا حيا لا اسما جامدا.وفي عبارة "لا حَمِيَّةَ تُرْعِبُ" نفقد ذلك الغضب الشريف الذي يخيف العدو،فلا يبقى في المشهد إلا الدم الفلسطيني المسفوح،الذي تُخَضِّبُ به الأيدي،أي تلوّنها بالحمرة السوداوية للجريمة المتواصلة.ثم تأتي كلمة "يَصْلى" لتمد فعل الاحتراق من الجسد إلى الروح، ليشمل الإهانة والعذاب النفسي قبل الجسدي، حتى كأن الاحتلال نار تعصف،ونمرود جديد، والمقهورون إبراهيم يُحرق في كل يوم،والطير الوحيد الذي يقطر الماء هو فلسطين نفسها أو غزة بالتحديد،أو أولئك الشرفاء الذين لا يطيقون رؤية العار.ومن هنا تبرز تقنية الاستفهام التوبيخي العالية التوتر،كقولها: "كيفَ السبيلُ ويعرُبٌ ملءُ الفضا...والنّار تعصِفُ؟!"، فـ"يَعْرُبٌ" هنا ليست مجرد تسمية جغرافية،بل صفة للقوة والعزة تحولت إلى ضجيج فارغ في الفضاء،عرب يملؤون الخريطة لكنهم لا يملؤون الموقف،كثرة لا تعني شيئا أمام نار واحدة يشعلها عدو صغير،وهذا هو الاستنكار السقراطي بعينه: كيف نكون بهذه الكثرة وذلك الذل؟!

والجميل أن الشاعرة عزيزة بشير،التي تكتب من ديار الغربة ( الإمارات العربية المتحدة)،بعيدا عن ساحات القتال،تثبت أن الغربة الجغرافية لا تعني غربة الوجدان،فصوتها يظل صارخا لأنه لم يحترق ببرود المنافي،بل ظل ملتهبا بالقضية كأنها تعيش فصولها لحظة بلحظة.إنها تمارس دور الطير ذاته: منقارها ممتلئ بالقصيدة التي قد لا تطفئ نار غزة، لكنها تشعل نارا أخرى،نار الخجل في ضمير المتفرجين.وفي مشهد نقدي لافت، تقول: "مَن لمْ يمُتْ بالسيْفِ ماتَ لِجوعِهِ"،فتنعى عربا ماتوا جوعا وهم في أوطانهم المترفة،بينما غزة تموت بالسيف والحصار معا،وهذه المعادلة المؤلمة تفضح كل الحسابات الإنسانية والعروبية المزيفة.

 القصيدة،وإن بدت في ظاهرها رثاء لغزة وتأبينا للضمير الغائب،إلا أنها في صميمها دعوة للصحو الفردي قبل الجماعي،وتذكير بأن النصر يبدأ من منقار طير واحد لا يريد إلا أن يكون مع الحق ولو كان عدوه نمرودا بكل جبروته.وهنا نرفع القبعة إجلالا لهذه الشاعرة الفلسطينية المغتربة،الأستاذة عزيزة بشير،التي ظل صوتها المناضل مدويا من أرض الإمارات العربية كجسر من كلمات لا تهتز، يحوّل القصيدة إلى وثيقة مقاومة،والطير إلى أيقونة عز،والنمرود إلى حفنة رماد تذروه رياح الصمت العربي المخزي..إنها لا تكتب فقط حزنا على فلسطين،بل تكتب استنفارا للعروبة المنسية، وإعلانا أن لا تحرير بلا نار داخل النفوس أولا.

 فلها منا كل التقدير،فهي بينما يغرّد الآخرون للمجد الفارغ،تغرّد هي بالكرامة الحقيقية: كرامة الطير الذي يفعل ما يقدر..راجين أن يكفي الله العذاب عن غزة،ويعيد للأمة عقلها وعروبتها وإنسانيتها.

والله من وراء القصد.


محمد المحسن



الاثنين، 4 مايو 2026

قراءة بعنوان: تيمة الصمت في قصيدة "هدوءٌ يشبهك" للكاتبة سكينة صادق

 **قراءة بعنوان: تيمة الصمت في قصيدة "هدوءٌ يشبهك" للكاتبة سكينة صادق**


تنهض قصيدة *"هدوءٌ يشبهك"* على تيمةٍ مركزية هي الصمت، لا بوصفه غيابًا للكلام، بل باعتباره حضورًا عميقًا ومؤثرًا يتجاوز اللغة. فالشخص العابر في النص لا يُحدث ضجيجًا، بل يمرّ *“كريحٍ خجولة”*، في صورةٍ توحي بالخفة واللطف، وتؤسس منذ البداية لعلاقة قائمة على الهدوء واللاافت.


الصمت هنا ليس فراغًا، بل فعلٌ خفيّ. يتجلى ذلك في قول الشاعرة: *“لا توقظ ضجيجًا، بل تركتَ ابتسامة”*، حيث يصبح الأثر النفسي — الابتسامة — بديلاً عن الصوت. وكأن الصمت يملك قدرةً خاصة على التسلل إلى الداخل دون مقاومة، فيترك أثرًا أعمق من الكلام.


وتبلغ تيمة الصمت ذروتها في عبارة: *“فأُصغي لصمتك”*، وهي مفارقة دلالية لافتة؛ إذ يتحول الصمت إلى شيءٍ يُسمَع. هنا، تُعيد الشاعرة تعريف التواصل، فليس كل إصغاءٍ مرتبطًا بالصوت، بل قد يكون الصمت ذاته لغةً محمّلةً بالمعاني.


كما يرتبط الصمت بفعل الترتيب الداخلي: *“رتّبتَ فوضاي، ثم اختفيت”*. فالشخص لم يحتج إلى تفسير أو إطالة حضور، بل كان صمته كافيًا لإحداث تغيير عميق. وهذا يعزز فكرة أن الصمت قد يكون قوة بنّاءة، قادرة على الترميم دون إعلان.


وفي ختام القصيدة، يعود الصمت في صورة “الهدوء” الذي “يشبهك”، ليغدو سمةً للشخص وامتدادًا لأثره. هكذا، تتحول التيمة من مجرد عنصر أسلوبي إلى هوية كاملة تحكم التجربة الشعورية للنص.


إن الصمت في هذه القصيدة ليس غيابًا، بل شكلٌ آخر من الحضور — حضورٌ خفيف، عابر، لكنه باقٍ في الذاكرة والوجدان.

النص 

"هدوءٌ يشبهك"


مررتَ بقلبي

كريحٍ خجولةٍ

في مساءٍ بارد…

لا تُوقظ ضجيجًا،

بل تركتَ

ابتسامةً

تُراودني

على حينِ غفلةٍ مني.

مضيتَ…

وبقي قلبي

يحفظُك

كأثرٍ عابرٍ…

لم يبرحني.

فأُصغي

لصمتك…

كأنك حين تسربتَ

رتّبتَ فوضاي،

ثم اختفيتَ

بهدوءٍ

يشبهك.

سكينة صادق

الشاعر طاهر مشي 

الوجدان الثقافية 



الأحد، 3 مايو 2026

قراءة بقلم الأديب صالح الصرفندي لنص "هذا حال" للشاعر طاهر مشي

 قراءة بقلم الأديب صالح الصرفندي  لنص "هذا حال"

للشاعر طاهر مشي 

هذا النص الشعري الشعبي (المجرد بلهجة تونسية) يمثل حالة من المكاشفة النفسية التي تمزج بين الوجع الذاتي والقضايا الكبرى. إليك تحليل للنص من عدة زوايا:

1. البنية الموضوعية (من الوجع الخاص إلى العام)

المعاناة الشخصية: يبدأ الشاعر بوصف حالته النفسية بعبارات قاسية ("الحال عقيم"، "متكتف أنين")، مصوراً ذاته كشخص جريح يعيش في حالة من العزلة والضياع.

خيبة الأمل في "المدينة": يبرز صراع "البادية والمدينة"؛ فالشاعر هجر حياته البسيطة طمعاً في رغد العيش، لكنه وجد "هشيم" وزرعاً ذابلاً، مما يعكس نقداً اجتماعياً مبطناً لفقدان الهوية والسكينة في صخب المدن.

الرمزية الوطنية والقومية: ينتقل النص ببراعة من "مواجع الشاعر" إلى "مواجع درنة" (بإشارته إلى الوادي وطيف درنا)، ثم إلى "فلسطين" والطوفان، ليجعل من حاله الشخصي مرآة لحال أمة تعاني من الشتات والخذلان.

2. الصور الفنية والرموز

الطبيعة القاسية: استخدم (الهشيم، الزرع الهجن، يبس ومات) ليعبر عن ذبول الأحلام وفشل المسعى.

التشخيص والمقارنة: شبه حالته بـ "مسكن الجن" للدلالة على الوحشة، وبـ "فلسطين" للدلالة على الصمود في وجه الطوفان والشتات.

المفارقة: قارن بين صبره وصبر "أيوب"، مشيراً إلى أن وجعه فاق قدرة الصبر التقليدية ("من الصبر متليع شكيت").

3. اللغة والأسلوب

اللهجة الليبية: يظهر جلياً استخدام مفردات بيئية أصيلة مثل (المكنون، نهوم، مربط، التاقزة، النيف)، مما يعطي النص هوية ومصداقية عالية.

الإيقاع الحزين: القصيدة مبنية على وزن وقافية تناسب "المجرد" أو الشعر الذي يُلقى بنبرة فيها بحة وألم، مما يعزز وصول العاطفة للمتلقي.

4. الملامح النفسية (السيكولوجية)

النص يعكس حالة من "الاغتراب"؛ فهو غريب في مدينته، وغريب في حظه، ولا يجد ملاذاً إلا في "سكن الله في قلبه" وحنين "الوالدة". ورغم كل هذا الحزن، يختم الشاعر ببريق أمل ("يلمع نورها شمس الأمن")، معتبراً أن الشفاء آتٍ مهما طال "الوقت المقيت".

الخلاصة:

النص ليس مجرد شكوى، بل هو رثاء للذات وللوطن، يستعرض فيه "طاهر مشي" قدرة الإنسان على الصمود والتحلي بالكرامة (النيف) حتى في أحلك الظروف.

هذا حال

ااااااااااااااااا 

هم الدهر في المكنون كن

ومنه جريح من وجعي المقيت 

الحال عقيم كي مسكن الجن

تعدت حالتي مخلوق ميت 

بت نهوم في مربط حزين

غير محايني شي ما لقيت

غير الله في قلبي سكن

نعد شهادتي قبل البديت 

نقول ايوب صابرها سنين

ونا من الصبر متليع شكيت

على هلحال متكتف انين

جريح الوضع وشين ما شريت

زرعت البذر واسكنت المدن

هجرت البادية ضني حضيت

لقيت هشيم و زرعي هجن

فقد حضايته عنه مشيت

يبس ومات جا ينحب كفن

رفت حالتي يوم النسيت

حضن الوالدا وماشربت حن

وفكري ضايع ياما بكيت

ووضعي وضع متقلب سفن

وياما ساقني حظي بطيت

منين احبابنا عنا تحن

ووقت الضيق ياما واسيت

وقلت الحال لابد يمن

وتشفى مواجعي بعد لصديت

ويلمع نورها شمس الامن

ويضوي دربنا وين ما مشيت 

ولكن حالتي كي فلسطين

جاطوفان منه ما سلمت

تشتت شملنا ملقيت من

يحل التاقزة مهما حكيت

في لدراك تردمت مدن

ومن لدراك قداش عديت

وجت شعوب ثارت للمحن

وتروي نظالها في كل بيت

وقالو طيف في درنا سكن

حمل الواد من هولا بليت

وياما هز في قلبه دفن

رجال النيف واعليهم بكيت

وبعد اهوالنا يجينا حزن

على فلسطين والوقت المقيت

وجت اخبارنا ف كل المدن

ذاعوا صيتنا لو كنت ريت

وقالوا الشايدة منها مكن 

جل أوطانا سجدت وريت

وهذا حال من يحمل المن

وضيع طالبه يوم الخذيت

وهذا حال 

ااااااااااااااااا 

طاهر مشي

صالح الصرفندي



في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

في حضرة التحول: الأدب بين زخم الورق وروح الرقمنة

(من ورق الذاكرة إلى بصمات الشاشة: جدلية النشر التقليدي والرقمي في تجربة "الوجدان الثقافية")


يأتي هذا البحث الموسوم بـ"المدونات الإلكترونية ومدى نجاعتها في نشر الأدب" ليشكل محطة تأملية عميقة في واحد من أخصب التحولات التي شهدها المشهد الثقافي العربي والعالمي،ذلك أن عصر الرقمنة لم يعد مجرد طارئ تقني يمرّ على جسد الثقافة من الخارج،بل صار مكونا عضويا في نسيج الإبداع نفسه.والشاعر والباحث التونسي الكبير د-طاهر مشي،وهو صاحب التجربة الثرية والمشروع الثقافي الرائد "الوجدان الثقافية"،يقف في هذا البحث على حافة سؤالية جوهرية: كيف يمكن للفضاء الرقمي،بأنساقه المفتوحة وأدواته المتجددة،أن يحتضن الأدب دون أن يذيب خصوصيته،وأن ينشره دون أن يفرط في قيمته؟

إن ما يميز هذه الدراسة أنها لا تنطلق من فراغ نظري،بل من تراكم تجريبي يمتد لأكثر من خمسة عشر عاما من العطاء المتواصل،حيث امتزجت الكتابة الإبداعية بالهم النقدي،وتلاقت المدونة الإلكترونية بالجريدة والمجلة الرقمية،وتفاعل التصميم البصري مع النص الأدبي ليخرجا معا إلى فضاء أوسع من التلقي.ولعل السؤال الأكثر إلحاحا الذي تطرحه هذه المقاربة هو: هل نجحت الوسائط الرقمية بالفعل في كسر احتكار النشر التقليدي،أم أنها خلقت أشكالا جديدة من الاحتكار القائم على الخوارزميات والإعلانات وسياسات المنصات؟

تتوزع الدراسة على محاور خمسة،تنتقل من الدواوين الإلكترونية بوصفها وريثة الديوان الورقي،إلى المدونات بوصفها فضاءات حرة للنشر والتداول،ثم التصميم في المنشورات الأدبية باعتباره لغة بصرية موازية،فالنشر الإلكتروني ودوره في إثراء المشهد الثقافي،وأخيرا النقد الأدبي الرقمي بوصفه أداة تقويم وتوجيه.وفي كل هذه المحاور،يعمل الباحث ( د-طاهر مشي) على مقاربة الموضوع من زاويتين معا: الرصد الموضوعي للظاهرة،والانحياز الواضح لقيم الإبداع والجودة والمصداقية.

إن القارئ لهذا البحث سيجد نفسه أمام أكثر من مجرد دراسة أكاديمية جافة،بل أمام شهادة حية من داخل الممارسة الثقافية الرقمية،وشهادة كاتب عاش التحول،وساهم في صنعه،وظل طوال الوقت يسائل أدواته وينقدها،حريصا على أن تظل الروح الأدبية هي الأساس،والتقنية مجرد وسيلة. ومن هنا تأتي أهمية هذه القراءة التي نقدمها اليوم،وهي محاولة لاستكشاف ما بين السطور، وتلمس خيوط الرؤية التي يبثها الشاعر والباحث التونسي د-طاهر مشي في هذا العمل،والذي يقدم نفسه كدليل عملي لمن يريد أن يجمع بين الإبداع والوعي التقني في زمن تتسارع فيه التحولات ولا تكاد تثبت على حال.

-من ورق الذاكرة إلى بصمات الشاشة: جدلية النشر التقليدي والرقمي في تجربة "الوجدان الثقافية" :

في ختام هذه الغوصة التأملية في أعماق البحث الذي أجراه الشاعر والباحث التونسي الكبير د-طاهر مشي،نخرج بنوع من الطمأنينة الممزوجة بالسؤال،طمأنينة مفادها أن الأدب ليس في مواجهة الآلة،وأن القصيدة لا تموت حين تمر عبر الشاشة،بل قد تولد من جديد في أشكال تلقي غير مسبوقة.ولكن السؤال الذي يظل ماثلا بقوة: هل كل ما ينشر رقميا هو أدب؟وهل كل مدونة تستحق أن تكون منصة للثقافة،أم أننا أمام طوفان من النصوص التي تفتقر إلى ما كان يوفره النشر التقليدي من غربلة،وإن كان غربلة قاسية أحيانا، لكنها كانت تشكل حماية ما للنوع الأدبي من انحدار إلى مجرد تدوين عابر؟!

إن ما يميز تجربة "الوجدان الثقافية" التي يستشهد بها الباحث في خاتمته،أنها استطاعت أن تتجاوز هذه الإشكالية بطريقة عملية،وذلك من خلال مزج ثلاثة عناصر: أولها الإصرار على الجودة في المحتوى رغم انفتاح الوسيط،وثانيها العناية بالتصميم والجماليات البصرية،وثالثها المزج بين الإبداع والنقد داخل المشروع الواحد. وهذه ثلاثية قد تكون المفتاح الحقيقي لنجاح المشاريع الثقافية الرقمية في المستقبل: ألا نكتفي بالنشر،بل نعمل على التميز فيه،وألا نترك النص وحيدا بل نحيطه بهالة من الجمال البصري،وألا ننشر دون أن نمارس النقد والتقويم الذاتي المستمر.

أما عن الدلالات العميقة التي يثيرها هذا البحث، فهي تتجاوز موضوع المدونات إلى جوهر فعل الكتابة في عصر الرقمنة.فالنشر الإلكتروني لم يعد مجرد وسيلة،بل صار يشكل علاقة جديدة باللغة، وبالزمن،وبالقارئ.فالكاتب اليوم لم يعد ينتظر أشهرا حتى يصدر كتابه،بل يمكنه أن ينشر في لحظة الكتابة،ويمكنه أن يعدل ويحذف ويضيف، كما يمكنه أن يرى ردود فعل قرائه فورا..!

هذه الخصائص تحمل نعمة ونقمة: نعمة الحرية والسرعة،ونقمة فقدان التروي والتراكم والتاريخية التي يوفرها العمل الورقي.

لقد أثبتت تجارب مثل تجربة "الوجدان الثقافية"، التي تمتد لأكثر من خمسة عشر عاما،أن الإصرار والعمل المستمر،حين يقترنان بالوعي بأدوات العصر،قادران على بناء مشروع ثقافي راسخ يسهم في توثيق الواقع وإثراء الذاكرة الأدبية المعاصرة.ولكن ما يبقى مطروحا بقوة هو السؤال عن مستقبل هذه المدونات نفسها،في ظل التحول المتسارع نحو منصات التواصل الاجتماعي قصيرة المحتوى،ونحو الفيديو والبودكاست، ونحو أشكال أكثر هروبا من الاستقرار.فهل ستصير المدونات يوما ما مجرد أرشيف لزمن مضى،كما صارت المخطوطات الورقية من قبل؟ أم أنها ستستمر في التحول والتكيف؟

ربما تكون الإجابة في أن الأدب،أي أدب حقيقي، يظل في حاجة إلى شيء من التثبيت والتأمل والمسافة التي تتيح للنص أن ينضج وللقارئ أن يعود إليه.وهذه المسافة ليست بالضرورة مسافة ورقية،بل مسافة روحية وجمالية ونقدية.وما أجمل أن يتعلم الكاتب الرقمي من الورق صفة التأني،وما أجمل أن يتعلم الناشر التقليدي من الرقمنة صفة الاتساع والانفتاح. 

وفي النهاية،يبقى الأثر الحقيقي للإبداع هو ما يكتب في ذاكرة الثقافة،سواء كان ذلك على ورق نخشى عليه من التلف،أو على خادم نجهل مكانه في الأرض.

إننا إذ نطوي صفحات هذه القراءة،نطويها على يقين أن الدكتور طاهر مشي،باحثا وشاعرا ومؤسسا،قد أهدى الباحثين والمبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي أداة ثمينة لفهم تحولات النشر الأدبي الرقمي،ولكنه أهداهم أيضا نموذجا حيا يمكن الاقتداء به،نموذجا يثبت أن الثقافة العربية قادرة على مواكبة العصر دون أن تفقد هويتها، وأن الإبداع الأدبي يمكن أن يمتد عبر الوسائط كلها،ليصل إلى القلوب في أي مكان،وفي أي زمان.

وبقيت الكلمة هي الكلمة،والشاشة والورق مجرد قنوات تعبر منها إلى الروح.

والله من وراء القصد.


متابعة محمد المحسن 


*ملخص البحث: المدونات الإلكترونية ومدى نجاعتها في نشر الأدب


يُحلل هذا البحث التحولات التي أحدثتها الوسائط الرقمية،خاصة المدونات الإلكترونية والدواوين الرقمية، في نشر الأدب،مقارنة بالنشر التقليدي.

الإشكالية والأهداف

يسعى البحث لتقييم مدى نجاعة هذه الوسائط في نشر الأدب، وهل يمكنها أن تكون بديلاً فعالاً للنشر الورقي، مع إبراز دور التكنولوجيا في خدمة الأدب وتوسيع المشاركة الثقافية.

أهم النتائج حول المدونات والدواوين الرقمية

· المزايا: سهولة الوصول،انخفاض التكلفة، سرعة الانتشار العالمي،دعم الأصوات الجديدة،وتعزيز التفاعل بين الكاتب والقارئ.

· التحديات: ضعف حماية الملكية الفكرية،غياب الرقابة النقدية والتحرير الاحترافي،وتكدس المحتوى متفاوت الجودة.

عناصر إضافية في النشر الرقمي

· التصميم: أصبح أساسياً لجذب القارئ (باستخدام أدوات مثل Canva)، من خلال تحسين الخطوط، الألوان، والتنظيم البصري.

· النقد الأدبي الرقمي: يتسم بالسرعة ومشاركة الجمهور، لكنه يحتاج لتأطير منهجي لتعزيز المصداقية.

· إثراء المشهد الثقافي: حقق النشر الإلكتروني دمقرطة الأدب وخلق فضاء تفاعلي،بدعم من منصات مثل YouTube لنشر المحتوى البصري.

نموذج "الوجدان الثقافية"

تُقدم الدراسة تجربة "الوجدان الثقافية" كنموذج ناجح استمر لأكثر من 15 عاماً، حيث استثمرت الفضاء الرقمي عبر:

· إصدار دواوين رقمية وجريدة ومجلة إلكترونية.

· الاهتمام بالتصميمات الأدبية الجمالية.

· توثيق المحتوى عبر YouTube.

· امتلاك مدونة للنقد الأدبي،مما يؤكد إمكانية بناء مشروع ثقافي راسخ باستخدام أدوات العصر.



السبت، 2 مايو 2026

قلم لا يُؤَجَّر: تأملات في غياب الحضور..وحضور الغياب..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قلم لا يُؤَجَّر: تأملات في غياب الحضور..وحضور الغياب..!

ليس كل من يحمل قَلَما يكون كاتبا،كما ليس كل من يقف على منصة يكون شاعرا..هناك فرق شاسع بين من يكتب بالحبر،ومن يكتب بمداد القلم وعرق الروح...أنا من هؤلاء الذين لا يفرقون بين الكتابة والتنفس،ولا يفصلون بين الإبداع ووجع الوجود.فحين أثث أمسية شعرية بقصائد صيغت من نبض الجراح ووهج الانتصارات الصغيرة،لا أطلب مالا،لأن ما يباع لا يبقى،وما يبقى لا يباع.وقلمي ليس شقة مفروشة تؤجر لمن دفع أكثر،وليس جواز سفر يمنحه صاحبه لمن رشى البواب..قلمي هو امتداد روحي،وسلاحي الأوحد في مواجهة عقل أجوف لا يتغذى إلا على التنمر والنميمة،وظل كحائط لا ينتج غير الصدى الأجوف..

ترعرعت في تطاوين،تلك الأرض التي تغرس في أبنائها عزة النفس قبل أن تغرس النخيل.وحين أغطي تظاهرة ثقافية أو مهرجانا احتفاليا هناك، فأنا لا أؤدي واجبا،بل أعيد اكتشاف نفسي في مرايا ترابها وعبق ذاكرياتها.فقلمي الحر لا يرضى بالقيود،ولا ينصاع إلا لنداء الضمير وإملاءات الوجدان...

كتبت لأثبت أنني عصي على الرضوخ،وأن من لا عمل لهم سوى الغيبة والتجريح يعيشون في صحراء الجفاف الروحي،بينما أنا أغوص في بحر الكتابة لأخرج بلآلئ قد لا تفهمها عيونهم العمياء، لكنها تضيء درب من يبحث عن الجمال.

كم تمنيت لو أثثت بحضوري تلك الأمسية الشعرية الأنيقة التي أضافت لمهرجان "لَمّة تراث ورَغْمَة" لمسات إبداعية لا تخطئ العين نورها ولا شعاعها.كنت أريد أن أكون هناك،بين كلمات تتراقص على إيقاع الشوق،وفي قلوب تعرف معنى أن يكون التراث أنفاسا وليس مجرد حكايا تُروى.لكن للحياة إكراهاتها،وللجسد في مثل عمري أوجاعا لا تُرى بالعين المجردة،والتزامات يطول شرحها كتفاصيل جرح قديم لا يندمل بالمراهم.! غيابي لم يكن تعاليا ولا تكبرا،فالتواضع يعرفني أكثر مما يعرفني الكبرياء..كان رضوخا لظروف قاهرة،كثيرا ما حرمتني من بهجة الحضور هنا أو هناك،وتركتني أتفرج من بعيد كمن يقف خلف زجاج متجر يرى المباهج واللذائذ ولا يستطيع أن يلمسها.!

لكني عاهدت ضميري أن أواصل السير على درب الكتابة بثبات،وأن أنتصر إبداعيا لكل فعل ثقافي يلامس الذائقة الفنية ويرقى إلى منصة الاحترام، على غرار مهرجان "لَمّة تراث ورَغْمَة".لأن النصر الحقيقي ليس أن تكون حاضرا بالجسد فقط،بل أن تظل روحك ساطعة في كل قصيدة تكتبها، وفي كل كلمة تهمس بها لأجيال لم تولد بعد،وفي كل مرة تثبت فيها أن القلم الحر أقوى من كل السلاسل.

في النهاية،أدرك أن الحضور ليس مجرد اقدام تخطو على أرض مكان،ولا عيون تتفرج على حدث.الحضور الحقيقي أن تكون أفكارك وكلماتك ووجدانك هناك،حتى حين تغيب ملامحك.لقد تعلمت أن الغياب قد يكون أحيانا أبلغ من الحضور،حين يكون غيابا مضطرا لا مختارا،وحين يكون خلفه قصة لا تُحكى بالكامل لأن جراحها لا تزال نازفة.وتعلمت أن المهرجان الحقيقي يقام في قلوب الذين يفهمون أن التراث ليس طقسا موسميا،بل نبض يومي،وأن الغياب أحيانا ليس حقدا على الأقدار،بل إصرارا على أن نصنع من غيابنا "لمة" وحضورا،ومن ألمنا قصيدة.. 

وسأبقى أكتب،لأن الكتابة هي موطني الذي لا يُهجر،وأمسيتي التي لا تؤجل،وانتصاري الذي لا يُوقف. 

سأظل قلما حرا،وإن لم أكن هناك،فأنا هناك.وإن غاب جسدي،فلن تغيب قصائدي.وإن أغلقت الأبواب في وجهي،فسأدخل من نوافذ الكلمات. لأن من يسكن الروح لا يغيب،ومن يكتب بدمه لا يموت،ومن ينتصر للإبداع ينتصر للخلود..وكفى..


محمد المحسن 

.