قراءة جمالية في قصيدة "أبي" للشاعر التونسي الكبير -طاهر مشي
في مرايا الغياب: تشكيل الحضور بالغياب..
أبي
أرودُ الدروبَ
لعلّي أعي
دروسَ الحياةِ التي كان يزرعُها في دمي،
حين يروي الحكايا القديمةَ
عن خبزِ أمِّه،
وعن تعبِ الحقلِ،
وعن شرفِ الكادحين.
وأمضي على خُطوهِ واثقًا...
ثم أسقطُ
حين ألتفتُ،
فلا أجدُ الظلَّ يمشي أمامي.
فخيرُ الرجالِ أبي،
وكان إذا ضاقَ صدري
ببسمةِ فجرٍ،أتاني
فأشرقَ في الروحِ نورُ الرضا،
وتكسَّرتِ العتمةُ المستحيلة.
ولكنَّه...
مضى.
ومنذُ مضى
وأنا أعاقرُ فقدَهُ
مثلَ شيخٍ يداوي جراحَ السنينِ
بكأسِ الحنين.
أقلِّبُ صوتَهُ في الوسائد،
وأشمُّ بقايا يديه
على مقبضِ الباب،
وأحادثُ صمتَ المساءِ،
فيخذلني الصمتُ،
وأبكي.
كأنّي خُلقتُ أسيرَ غدي،
أجرُّ خطايَ إلى المجهول،
والوقتُ يجلدُ ظهري،
وأحملُ قلبي
كطفلٍ أضاعَ أباهُ
على أوَّلِ الدرب.
أيا أبي،
كيف أمشي
وقد كنتَ ساقيَّ؟
وكيف أرى
وقد كنتَ عينيَّ؟
وكيف أصدُّ الرياحَ
ولم يبقَ في البيتِ
إلَّا الفراغُ الكبير؟
أفتِّشُ في الناسِ عنكَ،
فلا أجدُ غيرَ وجهِ الغياب.
وأعرفُ أنَّ الرجالَ كثيرون،
لكنَّ مثلك لا يتكرَّر.
فاليُتمُ
ليس غيابَ الجسد،
ولكنَّهُ
أن يضيقَ العالمُ كلُّه
حين يغيبُ أبي.
أُحدِّقُ خلفَ المرايا،
وأناشدُ نورًا
سبتْهُ الرزايا،
أناشدُهُ،
ما يجيبُ ندايا.
فهل من سبيلٍ
تعودُ الحكايا؟
طاهر مشي
تنساب القصيدة كأنين ممتد في فضاء الذاكرة، حيث يبني الشاعرُ عالمه على توتر خصب بين الحضور والغياب.إنها مرثية لا تبكي الموتَ بقدر ما تحتفي بالحياة التي تركها الأب بصمات في دم الابن.
تبدأ القصيدة بحركةٍ أفقية (أرود الدروب) ثم تتحول إلى سقوط عمودي (ثم أسقط)،وكأن المشي على خطى الأب ليس مجرد سير في الأرض،بل سقوط في أعماق الذات.
أما الصور الشعرية فتنهض على تناقضات بليغة: الظل الذي يمشي أمام الابن ثم يختفي،النور الذي يشرق في الروح ثم يُستلب،الصوت الذي يقلبه الابن في الوسائد ثم يخونه الصمت.وهذا البناء الجدلي يمنح النص عمقا دراميا يجعل الفقدان تجربة كونية لا فردية.
واللافت أن الشاعر لا يصور الأب ككائن بشري فحسب،بل يؤلّهه بامتياز: "فخير الرجال أبي"،ثم يمنحه صفات إلهية: "كنت ساقيَّ..كنت عينيَّ".
هذا التقديس ليس مبالغة عاطفية،بل رؤية وجودية تجعل الأب مركزَ العالم ومعنى الحياة، فغيابه ليس غياب جسد،بل "أن يضيق العالم كله".
ينحت الشاعر القدير - طاهر مشي لوحته الشعرية،فيقول "حين يروي الحكايا القديمة / عن خبز أمّه / وعن تعب الحقل":هنا يتجلى البُعد الأسطوري للحياة البسيطة،حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى ملاحم،فالخبز ليس خبزا،والحقل ليس حقلا،بل رموز للكرامة والعطاء.
· "أقلِّب صوتَه في الوسائد / وأشمُّ بقايا يديه / على مقبض الباب": استعارات حسّية تمنح الغياب جسَدا،فالصوت يُقلب كشيء ماديّ،والرائحة تنبعث من الجماد.هذا التجسيد للذاكرة يجعل الفقدان ملموسا.
تتناوب القصيدة بين جمل قصيرة خاطفة ("مضى") وأخرى ممتدة تفيض بالتفاصيل،وكأنها تحاكي نبضات القلب بين الخفقان والانقطاع.كما أن تكرار الاستفهام ("كيف أمشي..كيف أرى..كيف أصدّ") يخلق إيقاعاً تراتيليا يضفي على النص طابعا ابتهاليا.
ثم يوغل الشاعر في الفلسفة الوجودية،فيقول :
· "فاليُتمُ / ليس غياب الجسد / ولكنّه / أن يضيق العالم كلّه / حين يغيب أبي": هذا البيت يُعتبر ذروة القصيدة،إذ يعيد تعريف اليتم فلسفيا: إنه ليس حدثا بيولوجيا،بل انهيار للكون في عين الابن.إنها رؤية وجودية تجعل الأب مرادفا للكون.
تقف قصيدة "أبي"للشاعر الفذ طاهر مشي شاهدة على قدرة الشعر على تحويل الألم الشخصي إلى كون لغويٍّ يتسع لكل من عرف فاجعة الفقد.إنها ليست مجرد رثاء لأب،بل هي مرثية للزمن الذي يمر،وللطفولة التي تضيع، ولليقين الذي يتهاوى حين يغيب من كان "ساقيَّ" و"عينيَّ".
لقد نجح الشاعر في أن يمنح الموت حياة جديدة، إذ جعل من الأب حضورا يقيم في اللغة،وفي تفاصيل البيت الصغيرة،وفي "مرايا" الذاكرة التي يحدّق فيها الابن طلبا للنور.
وما أجمل تلك المفارقة التي يبنيها النص: الابن يبحث عن الأب في الناس،في المرايا،في الصمت، بينما الأب حاضر في كلِّ كلمة كُتبت،وفي كلِّ دمعة تسربلت شعرا..
إنها شاعرية تونسية أصيلة،تمتزج فيها رهافة الصوفيّ بقسوة الواقعيّ،وحنين البدوي إلى فضاءات الحقل والخبز،بسؤال المثقّف الوجوديّ عن معنى اليُتم في عصر ضاعت فيه السَّواقي. والطاهر مشي،بهذا النص،لا يبني نصبا لأبيه فحسب،بل يبني جسرا بين الأجيال،يصرخ فينا: إن الرجال العظام لا يموتون،لأنهم يظلون "دررا في دمِ من يحبون".
في الختام،نُشيد بهذه الشاعرية الفذة التي تجعل من الحزن عزفا،ومن الفقدان ولادة،ومن البكاء شعرا يخلد في الذاكرة الجمعية.والطاهر مشي يُثبت مرة أخرى أن الشعر التونسي الحديث يمتلك من العمق والجمال ما يجعله قادرا على مرافقة الروح في أعمق منعرجاتها.
هكذا ينتصر الشعر على الفناء: الأب في قصيدة -طاهر مشي ليس ميتا،بل صار لغة تسكن الفم، وصوتا يُقلَّب في الوسائد،ونورا يُناشد خلف المرايا.واليُتم هنا ليس غيابا،بل انزياح كوني يضيق فيه العالم،والحنين ليس ضعفا،بل مقاومة للزمن بسلاح الذاكرة.
أما الشاعر،فهو ذلك الطفل الذي يكبر وفي قلبه أب لم يَرحل،لأنه صار دربا،وصار ساقيا،وصار عينين يرى بهما الوجود.
إنها شاعرية تونسية أصيلة،ترفع الألم إلى مصاف الجمال،وتجعل من الفقدان ولادة متجددة للكلمة.
رحم الله الأب،وأدام الله على الشاعر التونسي الكبير -طاهر مشي( الإبن البار لجهة سيدي بوزيد الشامخة،مهد الثورة التونسية المجيدة) هذا الفيض الإبداعي الذي يحوِّل الحزن إلى ضوء، والغياب إلى حضور لا يُمحى.
ختاما،أقول :ليس اليتم أن تفقد أباك..بل أن تفقد القدرة على البكاء عليه شعرا..
محمد المحسن
تنويه:
بصفتي-المتواضعة-كناقد أكاديمي،وبعد تأملي العميق في هذه القصيدة التي أرقتني وأبكتني، أجدني مضطرا لدعوة المترجمين والمؤسسات الثقافية إلى ترجمة هذه التحفة الشعرية إلى أبرز اللغات الحية.فالقصيدة،بما حفلت به من تكثيف لغوي مذهل،وترميز عميق،وصور شعرية تلامس اللاوعي،تمثل نقلة نوعية في الشعر العربي الحديث،إذ ترتقي به إلى مصاف الإبهار العالمي.
لقد منحت هذه القصيدة الأب مكانة وجدانية سامية،جعلت منه رمزا كونيا للحضور والغياب، وجسّدت الفقد بأسلوب لم تعهده الكتابات الرثائية. إن تكثيفها الاستثنائي يجعل كل كلمة فيها عالما مستقلا،وترميزها يحيل النص إلى متاهة من التأويلات التي تثري الخطاب النقدي العالمي.
أما جماليتها الصورية والموضوعية فتجعلها نصا مفتوحا على كل الثقافات،وقادرا على مخاطبة الإنسانية في أعمق تجاربها الوجودية.
إنني،بوصفي أكاديميا،أرى في هذه القصيدة مادة خصبة للدراسات المقارنة والترجمات الإبداعية، فهي تستحق أن تُقرأ بالإنكليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية وغيرها،لتُبهر العالم بقدرة الشعر العربي على تجاوز حدود اللغة،والوصول إلى جوهر الإنسانية المشترك.كما أدعو دور النشر والجامعات ومراكز الترجمة إلى تبني هذا المشروع،لتكون هذه القصيدة جسرا للحوار الثقافي،وشاهدا على أن الشعر الجيد لا يعرف وطنا واحدا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق