الأحد، 28 يونيو 2026

قراءة في قصيدة "في الشظايا" للشاعرة التونسية القديرة أحلام بن حورية مرايا تتشطر لتكشف..كاهنة النص التي لا تنحني بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قراءة في قصيدة "في الشظايا" للشاعرة التونسية القديرة  أحلام بن حورية

مرايا تتشطر لتكشف..كاهنة النص التي لا تنحني


في الشظايا

عندما تأتي المساءات..

تتشابك أوتاري في لحظة الغياب

تتحطّم على فردوسها نواظيري

تنبت الحكايات على جدار الصّمت 

تتأهّب المرايا للحكي...للسؤال...

ويصعب في حلقي الجواب

تتسارع أزاهيري لتنساب من الصّوَر 

آهٍ من الصّوَر!

أستدعي جدّاتِي من أقاصيها..

من عيون تكره التغميض.. 

تزغرد علّيسة قرب النار

تقف الكاهنة في شموخ...

هي لا تنحني..

ولن تنحني..

يكبّر حسّان ..ويسجد عبد الله..

يخزر حنبعل للجبال باسما...

هناك ...هناك..

تنشطر مرايا السنين البعيدة

تخرج التانيت خضراء...خضراء..

ترفع جداتي أكاليل الصّعتر 

ومشاميم الياسمين..

فتنتشي المساءات.... 

ونلتقي..


أحلام بن حورية


تتشكل القصيدة عند أحلام بن حورية كفضاء وجودي يتجاوز حدود النص المكتوب،لينفتح على أسئلة الهوية والذاكرة والتجربة الأنثوية في سياقها التونسي والعربي.إنها لا تكتب الشعر بقدر ما تنحت روحها فيه،فإذا كانت الكتابة عند غيرها انفعالا عابرا،فهي عندها فعل كينونة يتجذر في عمق التاريخ والأسطورة،ليمنح حضورها الشعري فخامة لافتة وتوقيعا خاصا لا يُشبه إلاّ هي.ففي ديوانها الشعري،وبخاصة في قصيدة "في الشظايا"،تنسج الشاعرة فضاء شعريا يتقاطع فيه الذاتي بالجمعي،والفردي بالأسطوري،والتونسي بالكوني،لترسم لوحة هوية متعددة الأبعاد،تستلهم فيها من جذورها القرطاجية والإسلامية والشعبية ما يعيد تشكيل الراهن على ضوء الماضي، والمستقبل على ضوء الرغبة في الخلق والتجدد.

يحمل عنوان "في الشظايا" دلالة التكسّر والبعثرة، لكنه في العمق يشير إلى إمكانية التجميع،إلى قدرة الشاعرة على التقاط أجزاء الهوية المبعثرة وصوغها في لوحة مكتملة.إنه وعي بوضعية الذات والوطن في زمن التفتت،لكنه أيضا إيمان بقدرة الشعر على إعادة التركيب والبعث.فالشظية هنا ليست نهاية،بل بداية لرحلة جمع وتجميع، صياغة وتشكيل.

وتأتي المساءات في النص لا بوصفها وقتا فحسب،بل فضاء طقوسيا تتشابك فيه الأوتار وتتحطم النواظير،وهذا التوتر بين الغياب والتشابك يخلق مفارقة درامية عميقة،فالغياب لا يعني الانفصال بل هو شرط للاتصال الأعمق بالجذور والأصول.وكأن الشاعرة تريد القول إن الحضور الحقيقي لا يتحقق إلاّ بعد المرور بمحطات الفقد والغياب،وإن العودة إلى الذات تستلزم اجتياز متاهات الانكسار.

وتتوزع القصيدة على إيقاع داخلي يعتمد التكرار والتنويع،إذ تضفي الجُمل الفعلية المتتالية حركة تصاعدية تعيد تشكيل العالم من تحت رماده،بينما تمنح المقاطع القصيرة النص تنفسا دراميا يجعل الوقفات الشعرية محطات تأمل لا مجرد فواصل. هذا البناء الإيقاعي المحكم يمنح النص قدرة على السمع الداخلي،حيث تتردد الأصداء وتتناغم النغمات كما في مقامات موسيقية تونسية عتيقة، وكأن الشاعرة تعيد إنتاج روح الأغنية التونسية في ثنايا قصيدتها الحديثة.

توظف الشاعرة الشخصيات الأسطورية والتاريخية التونسية في سياق أنثوي واضح، حيث تبرز الجدات حاملات الحكاية ومنبع الزغاريد،والكاهنة رمز المعرفة الصامدة التي لا تنحني،فيما تخرج التانيت خضراء في حالة خصب وبعث، تستعيد به الأنثى المقدس،وتأتي الرموز الذكورية مكملة غير مهيمنة في مشهد يعيد الاعتبار للتعدد الثقافي التونسي بامتداداته الإسلامية والقرطاجية والشعبية.هذا الاختيار الأنثوي ليس اعتباطيا،بل هو إعادة كتابة للتاريخ من منظور مغاير،حيث تصير الأنثى حاملة النص وراوية الأسطورة،لا مجرد موضوع فيها.

إن استحضار الكاهنة التي "لا تنحني" يحمل دلالة واضحة على رفض الانكسار،ليس كبرياء فارغا بل إيمانا بقدسية المقام الأنثوي في الثقافة التونسية والعربية.والكاهنة في التراث التونسي ليست مجرد عرّافة،بل هي حافظة المعرفة وموزّعة الحكمة،وهي التي تقف على حدود العالمين المرئي واللامرئي.وحين تختارها الشاعرة رمزا، فإنها تختار لنفسها موقعا شعريا مشابها،موقع الكاهنة التي ترى ما لا يراه الآخرون،وتقرأ ما بين السطور،وتنطق بما هو مسكوت عنه.

وأما التانيت،الإلهة الأم في الميثولوجيا القرطاجية،فتخرج خضراء في القصيدة،حاملة معها الخصب والبعث.وخضرتها ليست مجرد لون، بل هي علامة الحياة والنماء،ورفض الجفاف واليباس.وهكذا تستعيد الشاعرة قداسة الأنثى في أقدم تجلياتها التونسية،فتمزج بين الأصالة القرطاجية والروح الإسلامية والمعتقدات الشعبية في توليفة فريدة تؤكد أن الهوية التونسية ليست أحادية البعد،بل هي نتاج تزاوج حضارات وأديان ولغات.

تنمو الصور في "في الشظايا" من الحسي إلى الرمزي،فتنبت الحكايات على جدار الصمت لتجعل للحكايات وجودا ماديا وللصمت أرضا خصبة،وتتشطر مرايا السنين ليصبح انكسار الزمن شرطا لظهور الحقيقة المدفونة،فيما يمزج أكليل الزعتر ومشاميم الياسمين بين العطر والنبات ليوحي بأن الذاكرة ليست مجرد استرجاع بل استنشاق للهوية ذاتها.

هذه القدرة على تحويل الحسي إلى رمزي، والمادي إلى روحاني،هي ما يميز شعر أحلام بن حورية.فالياسمين ليس مجرد نبات عطري،بل هو روح المدن التونسية العتيقة،والزعتر ليس مجرد نبت بري،بل هو رمز الجبال والصلابة والجذور. وحين ترفع الجدات أكاليل الزعتر ومشاميم الياسمين،فإنهن يقدمن طقسا هوائيا،ونفحة تعبق بالهوية،حيث تتشابك رائحة التراب برائحة الذاكرة، وعطر الماضي بنسمة المستقبل.

وتقف القصيدة على عتبة زمنية مفارقة،فالماضي مستدعى عبر الجدات والأساطير لكنه حاضر في راهنية المساءات،ويأتي فعل "ونلتقي" في الختام حاملا أفقا مستقبليا،وكأن اللقاء مع الذات والجذور لم يتحقق بعد بل هو في طور التشكل بفعل الكتابة ذاتها.هذا التمفصل الزمني يمنح النص ديناميكية خاصة،حيث يتشابك الماضي بالحاضر ويتجهان معا نحو مستقبل مفتوح،وكأن الكتابة هي تلك الرحلة الدائمة بين الأزمنة الثلاثة، تعيد تركيبها في كل مرة.

وهذه المفارقة الزمنية تجعل القصيدة نصا مفتوحا على كل زمان،لا تحكي عن تونس وحدها، بل عن كل ذات تسعى إلى جمع ما تبعثر فيها من أزمنة وأمكنة وأساطير.إنها تجعل من التجربة التونسية نموذجا لتجربة إنسانية أوسع،حيث يعاني الجميع من التفتت ويتوقون إلى الائتلاف، وحيث يفقد الجميع جزءا من هويتهم في زمن العولمة ويتطلعون إلى استعادته عبر الحكي والكتابة.

وشواهد النص تتدفق لتؤكد هذا البناء المحكم، فقولها "تتشابك أوتاري في لحظة الغياب" يحيل إلى مفارقة حضور الغياب ذاتها،حيث يتشكل الوجود الشعري من رحم الفقد،والأوتار المتشابكة تصور حالة من التلاحم العميق مع الجذور رغم غيابها الظاهري،وكأن الغياب هو الفضاء الأرحب للاتصال بالكينونة الحقيقية.

أما "تنبت الحكايات على جدار الصمت" فترسم أرضا خصبة حيث يستحيل السكوت حكاية، فالصمت هنا ليس فراغا،بل هو تربة تنتظر البذور، والحكايات نباتات تنمو منها،وكأن الشاعرة تريد القول إن الحكاية تولد من رحم الصمت العميق، وإن الإصغاء للصمت هو شرط إنتاج النص.

وتأتي "المرايا تتأهب للحكي.. للسؤال" لتجعل الرؤية نفسها في حالة ترقب واستفهام،فلا شيء نهائيا ولا مرآة صامتة،فالمرآة التي كانت في التقليد الشعري أداة للانعكاس الخادع،تصير عند بن حورية أداة للتساؤل والبحث،فالحقيقة ليست جاهزة،بل هي ما يُبنى عبر السؤال والحكي،في تفاعل دائم بين الذات والآخر،بين الرائي والمرئي.

وفي مشهد الكاهنة التي "لا تنحني.. ولن تنحني" يتجسد رفض الانكسار الأنثوي،ليس غرورا أو تحديا،بل إيمانا عميقا بأن الوقوف منتصبا هو حالة الأنثى الطبيعية،وهو أيضا حالة النص الشعري الذي يرفض الخنوع للزمن أو للذاكرة المتآكلة،ويمضي في دربه صامدا كالصخر الذي لا تلينه الرياح.

وعندما "تخرج التانيت خضراء" تعود الإلهة الأم لتخصب الأرض والذاكرة معا،وحين "ترفع جداتي أكاليل الصعتر ومشاميم الياسمين" تصير العطور علامات هوية،والزعتر نبت الجبال التونسية رمزا للصلابة،والياسمين عطر المدن القديمة رمزا للرقة، في امتزاج مثالي بين خشونة الأرض ونعيم الذاكرة.إنها هوية لا تنفصل عن طبيعتها،ولا تتجرد من رائحتها الخاصة،مهما حاولت تغيير الزمن أو تبديل المكان.

وفي خاتمة التأمل،تظل قصيدة "في الشظايا" نصا مفتوحا على كل زمان،لأنها لا تحكي عن تونس وحدها،بل عن كل ذات تسعى إلى جمع ما تبعثر فيها من أزمنة وأمكنة وأساطير.وأحلام بن حورية،بهذا النص،تمنح القارئ ليس مجرد قصيدة، بل طقس عبور من التفتت إلى الائتلاف،ومن الصمت إلى الحكي،ومن الغياب إلى اللقاء.إنها تكتب بمداد الذاكرة وتنفس التراب،فتصير الكلمات عندها قبورا تنبض،ومرايا تتشطر لتكشف لا لتخفي،وكأنها تقول لنا إن الهوية ليست ما نمتلكه بل ما نستعيده في كل مرة ننشد فيها النبض الأول.

وهكذا تثبت الشاعرة أن الشعر ليس انفعالا عابرا، بل هو فعل كينونة،وكهانة نص لا تنحني،واحتفاء بالحياة في حضرة الشظايا،حيث يتعذر السقوط لأن الجذور تغرس في الصخر،ويتعذر النسيان لأن الياسمين يفوح وإن تدثر بالغبار.

إن حضور أحلام بن حورية في المشهد الشعري التونسي والعربي ليس مجرد حضور عابر أو إضافة عددية،بل هو حضور نوعي فاخر،يضرب بجذوره في عمق الثقافة التونسية،ويتفتح على آفاق الشعرية العربية في أبهى تجلياتها.إنها شاعرة استطاعت أن تجعل من تجربتها الخاصة نافذة على تجربة جمعية،ومن حكايتها الفردية أسطورة تونسية جديدة،ومن انكسارها الشخصي لحظة بعث وخلق.

ففي زمن تكثر فيه الأصوات وتتضارب النغمات، تظل أحلام بن حورية صوتا مميزا،له نبرته الخاصة التي لا تخطئها الأذن العربية.إنها شاعرة الذاكرة الحية،التي تستعيد الحكايات القديمة بلسان حديث،وتعيد تشكيل الأساطير الخالدة في قوالب شعرية مبتكرة،متجاوزة بذلك كل الثنائيات التقليدية بين الأصالة والمعاصرة،بين التراث والحداثة،بين الأنثوي والذكوري،بين المحلي والعالمي.

وما يميز تجربتها أيضا،أنها تجربة مركبة،لا تقف عند حدود الشعر المكتوب،بل تمتد إلى تجارب ثقافية متعددة،تجعل منها واحدة من أبرز الأسماء النسائية في الثقافة التونسية المعاصرة.إنها وبكل جدارة،كاهنة النص التي لا تنحني،حارسة الذاكرة التي لا تنسى،وشاعرة الحضور المتجذر في الغياب،التي تزرع الياسمين في صحراء النسيان وتفتح للنغمات التونسية العتيقة أبوابا في حداثتها،مؤكدة أنها ليست مجرد صوت في المشهد الشعري بل ذاكرة نابضة،وكائن ثقافي فاخر لا يُشبه إلاّ نفسه،ولا ينتمي إلاّ إلى هذا التراب الذي أنجبه وجعله ينبض شعرا وحياة.

والحمد لله الذي جعل في هذه الأرض من يزرع الياسمين في صحراء النسيان،ويكتب النبض الأول في دفاتر الغياب،ويرفع أكاليل الزعتر ومشاميم الياسمين عطرا يظل يفوح،وذاكرة لا تنحني.


متابعة محمد المحسن



السبت، 27 يونيو 2026

الوعي والإرادة: جدلية الأمل في زمن الإحباط..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الوعي والإرادة: جدلية الأمل في زمن الإحباط..!

-نحن اليوم،جيل يتيم بين ماض مجيد وحاضر معقد.نرث من أولئك الأجداد عزيمتهم،لكننا نعيش في ظل انتكاساتهم أيضا..( الكاتب)


بين جمود الواقع ووهج الطموح،بين قراءة العقل الباردة لخرائط الألم واندفاعة القلب المتقدة نحو التغيير،تقف الأمة العربية اليوم على مفترق طرق مصيري.إنها لحظة تتجلى فيها أعمق ثنائيات الوجود الإنساني: ثنائية الوعي والإرادة،ثنائية التحليل الموضوعي والعزيمة المتجددة،ثنائية رؤية الحقيقة كما هي والإصرار على صنع حقيقة أخرى.وفي هذا التفاعل الجدلي بين ما يراه العقل وما تريده النفس،تتشكل ملامح نهوضنا أو سقوطنا.

الوعي،ذلك الفعل العقلي الرصين،يأبى إلا أن يكون صادقا مع ذاته.إنه مرآة الواقع التي لا تُجمّل، وميزان الحقائق الذي لا يزيغ.وحين يشرع العقل في تحليل الأوضاع العربية الراهنة،يقف مبهورا أمام تراكم الإخفاقات: أنظمة متصلبة،اقتصادات مترهلة،مجتمعات ممزقة،هويات مهددة،وتابعية مقنّعة تلبس ثوب الاستقلال. 

يقرأ العقل المؤشرات ببرود الطبيب وهو يشخص مرضا عضالا،فينطق بحكمه القاسي: إن الأوضاع في تدهور مطرد،وإن الإحباط العام يخيم كالسحاب الأسود،وإن الطريق إلى الأمام محفوف بعوائق تبدو أحيانا عصية على التجاوز.

وهنا،في هذه اللحظة بالذات،يكمن الفخ.لأن التشاؤم،مهما كان مبررا منطقيا،يتحول إلى سم قاتل حين يتحول من قراءة للواقع إلى موقف منه،وحين يتخذ من العقلانية غطاء لليأس،ومن التحليل ذريعة للجمود.

لكن النفس البشرية،في أعماقها،ليست مرآة باردة تعكس ما تراه فحسب،إنها نار تولد من رمادها، وشمعة تضيء في أحلك الليالي.إنها الإرادة التي لا تعترف باستحالة،والتي تجعل من التفاؤل ليس أمنية عابرة،بل خيارا وجوديا ومنهج حياة.

 الإرادة ليست سذاجة تغض الطرف عن الحقائق، بل هي عبقرية ترى ما وراءها،إنها القدرة على استنطاق الممكن في قلب المستحيل،واستخلاص الأمل من ينابيع الألم.

لقد كانت إرادة الأجيال السابقة أقوى من مدافع الاستعمار،وأصلب من إرادات المحتلين.وحين وقف العرب في وجه الهيمنة الغربية،لم يكن لديهم من أسباب الظهور ما يعادل ثقل الإمبراطوريات التي تواجههم.كانت إمكاناتهم المادية محدودة،وخبراتهم العسكرية متواضعة، وتحالفاتهم الدولية هزيلة.لكن إرادتهم كانت أعلى من كل الموازين..استجمعوا قواهم الروحية أولا، ثم حولوها إلى حراك جماهيري عارم،وإلى تضحيات جسام،وإلى كفاح متواصل،حتى تحقق الاستقلال في النصف الثاني من القرن الماضي. كان درسهم الأكبر أن الإرادة،حين تصبح جماعية، تحول الجبال رملا،وتجعل من المستحيل واقعا يتنفس.

وها نحن اليوم،جيل يتيم بين ماض مجيد وحاضر معقد.نرث من أولئك الأجداد عزيمتهم،لكننا نعيش في ظل انتكاساتهم أيضا. 

بعض دولنا استُبيح استقلالها،وبعضها أُفرغ من محتواه حتى باتت قراراته تُصنع في عواصم بعيدة.آخرون تفاقمت مشكلاتهم الداخلية حتى كادت تلتهم وجودهم،وفئة ثالثة تترنح بين مطرقة التخلف التنموي وسندان التكفيري المدمر، في معادلة موت بطيء أو سريع.

هذا المشهد،بكل مأساويته،لا يبرر الوقوف متفرجا. لأنه إذا كانت الأجيال السابقة قد انتصرت على استعمار أقوى منها،فما بالنا بنحن اليوم؟!

 أليس تخلفنا أهون من استعمارهم؟! أليس تكفيريونا أقل قوة من جيوشهم؟! أليست إمكاناتنا المادية والبشرية أكبر بأضعاف مضاعفة؟!

الجواب منطقيا: نعم.لكن الفارق الجوهري،هو أن تلك الأجيال آمنت بقدرتها على التغيير،بينما نحن نعاني من أزمة ثقة في الذات هي أعتى أعدائنا.

إن مسؤولية هذا الجيل ليست ترفا أخلاقيا،ولا شعارا يرفع في المناسبات.إنها واجب وجودي، وضرورة تاريخية،وأمانة في الأعناق.وهذه المسؤولية تتدرج في مستوياتها:

في حدها الأدنى،هي وقف النزيف،وكفّ اليد عن التدمير الذاتي،وإيقاف مسلسل التردي الذي يجرنا إلى الهاوية.إنها مهمة "الإسعاف الأولي" لأمة على شفا انهيار.وفي حدها الأوسط،هي إعادة بناء ما تهدم،وتصحيح المسارات،وإصلاح المؤسسات، واستعادة الثقة المهدورة،وترميم الجسور بين الشعوب والأنظمة،وبين المواطن والدولة.

أما في حدها الأقصى،فهي حلم النهضة الكبرى: تسليم الوطن العربي للأجيال القادمة وهو مزدهر، متّحد،قوي،فاعل في محيطه الإقليمي والدولي، مساهم في الحضارة الإنسانية،لا مجرد متلق لها أو هامش فيها.

وهذه المهمة،في كل مستوياتها،ليست مستحيلة. ليست فوق طاقة البشر.ليست خارج حدود إمكاناتنا المادية والبشرية المتاحة.إنها تحتاج فقط إلى شيء واحد: الإرادة التي تؤمن بأن التغيير ممكن،والوعي الذي يعرف كيف يبدأ،والشجاعة التي تخوض المعركة وإن بدت خاسرة.

في النهاية،تبقى الحياة رحلة بين ما نعرفه وما نفعله،بين واقعنا المرسوم وأفقنا المفتوح.

إن الوعي الحقيقي ليس ذلك الذي يجعلك ترى الحفرة فتقف عند حافتها،بل الذي يجعلك تراها وتبحث عن جسر يعبرك إلى الضفة الأخرى. والإرادة ليست تلك الاندفاعة العمياء التي تسير في الظلام،بل البصيرة التي تضيء الطريق وهي تسير فيه.

لقد أثبتت الأجيال السابقة أن الشعوب حين تؤمن بقضيتها،وتستجمع إرادتها،وتوحّد صفوفها، وتستنفر طاقاتها،تستطيع أن تحقق ما يبدو خارج نطاق الممكن.وإن كنا اليوم نعيش في زمن أعقد، وأوضاع أكثر تشابكا،وتحديات أكثر تنوعا،إلا أن جوهر المعادلة لم يتغير: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".فالتغيير يبدأ من الداخل، من الوعي الجديد الذي يرتقي فوق الإحباط،ومن الإرادة التي تتجاوز الجمود.

دعونا إذا نرفع رؤوسنا عاليا،لا لأننا نملك كل الحلول،بل لأننا نملك العزيمة على البحث عنها. دعونا نؤمن بأن غدا يمكن أن يكون أفضل،ليس لأن الأمل رخيص،بل لأن العمل الجاد يجعل الأمل حقيقة.دعونا نكون جيلا يعيد تعريف المستحيل، جيلا يضع حجر الأساس لدولة عربية جديدة، جيلا يقول للتاريخ: كنا هنا،ولم نكن مجرد عابرين، كنا بناة،كنا ثوارا على اليأس،كنا أحفاد الذين صنعوا النصر بأيديهم،وسنمضي نحن أيضا،لأن الإرادة لا تعرف الشيخوخة،والأمل لا يعرف الاستسلام.

اللهم اجعلنا من الذين إذا اشتدت بهم المحن، ازدادوا إيمانا،وإذا تكاثرت عليهم التحديات، تضاعفت عزيمتهم،وإذا خيّم اليأس،أشرقوا بأنوار الأمل.

 إنها مسيرتنا،وسنمضي فيها حتى النهاية.


محمد المحسن



قراءة نقدية: "المرأة من الموضوع الى الذات ومن الوجداني الى الوجودي" (الشاعر يخلع جلباب السائد ويرتدي رداء جديدا) القصيدة : مطلع القصيدة: "وحين حدثتها.." الشاعر التونسي : كمال الدريدي الناقدة التونسية : جليلة المازني

 قراءة نقدية: "المرأة من الموضوع الى الذات ومن الوجداني الى الوجودي". 

              (الشاعر يخلع جلباب السائد ويرتدي رداء جديدا)

القصيدة : مطلع القصيدة: "وحين حدثتها.."

الشاعر التونسي : كمال الدريدي

الناقدة  التونسية : جليلة المازني


 القراءة النقدية: "المرأة من الموضوع الى الذات ومن الوجداني الى الوجودي":


ان الشاعر كمال الدريدي لم يسند عنوانا لقصيدته وقد يكون ذلك ايمانا منه بعدم حصر تأويل القارئ في زاوية نظر معينة باعتبار ان العنوان هو محتوى مصغّر لمتن القصيدة


 والشاعر اعتمادا على نظرية التلقي الحديثة لياوس و لآيزر جعل قصيدته بلا عنوان ليمنح القارئ حقه في ممارسة التأويل.


وفي هذا الاطار استهل الشاعر قصيدته بمقطع غزلي يقول فيه:


وحين حدثتها بالذي أهمّني


 وقلتُ انّ بي صبابةً


وأنّ الشوقَ لا محالة قاتلِي


إهتزّ القلب خفقًا


ومن ثِقَلِ الوجد صار مائلا


وناحت من حزني الحمائم


. وبلّلتْ بالدمع أوراق الخمائلِ


من خلال هذا المقطع يبوح الشاعر الى هذه المخاطبة بمشاعره التي توزعت بين الصبابة والشوق والوجد لتتحول هذه المشاعر الى حزن وبكاء بدموع غزيرة.


ان الشاعر كان جريئا بإقدامه على التحدث معها للبوح بمشاعره المزدوجة بين الوجد والحزن.


ولئن كان الوجد يشي بالوجداني فالحزن يشي بالوجودي.


وبالتالي فالشاعر بين الوجداني والوجودي يعيش صراعا في انتظار ردها ومدى استجابتها اليه.


والقارئ مع هذا الحبيب ينتظر ردّ الحبيبة .


وبالتالي فان القارئ بفضوله المعهود قد يمارس حقه في التأويل متسائلا:


- هل ان هذه الحبيبة ستستجيب لبوح الحبيب والصبابة تنهشه والشوق يهزّ قلبه والوجد يثقل كيانه والحزن يستبدّ به والبكاء يغمره؟


- هل ان هذه الحبيبة ستهتمّ لمشاعر الحب لهذا الحبيب الذي يبدو متيّما بعشقها؟


 وفي هذا الاطار يتحوّل الشاعر (الحبيب) الى الجانب الآخر من هذه المرأة فيقول:


ايا صاحبة البعد كفّي..


 ولا تزيدي


فماعاد العقلُ يَعقلُ


ولا الفؤاد عارفا بالسّبلِ


لك عقل مجيبٌ مذهل


لكل سؤال حقٌّ وفيصلُ


ضاع فيك عقلي فهو حابسٌ


معقولّ كما تُعقلُ الإبلِ .


يتوجه الحبيب الى هذه الحبيبة بخطاب مختلف عن المقطع الأول وكأني بالشاعر قد جعل من المقطع الأول يتعلق بما يصطلح عليه عند الشعراء القدامى ب"النسيب" الذي يسبق المدح .


والممدوحة هي نفسها الحبيبة التي باح لها بصبابته وشوقه ووجده  وحزنه.


كأني به يستجدي كرمها الإنساني بمدحها.


ان الشاعر الحبيب يترفع عن الوجداني ليمتدح العقلاني والفكري.


باستخدام أسلوب انزياحي تركيبي قائم على النداء(أيا صاحبة البعد..) وأسلوب انزياحي دلالي قائم على الكناية فكنّى عنها بصاحبة البعد وكأن البعد يتماهى مع اسمها ويتحدان معا ولا مجال للقرب معها.


ان الشاعر أمام استحالة القرب وباستخدام أسلوب انزياحي تركيبي قائم على الامر والنهي(كفي/ لا تزيدي) يلتمس لديها الرحمة  ليتحول البعد قرْبا لأن عقلها قد سلبه عقله.


وفي هذا الاطار فان الشاعر قد لعب على المعجمية من مادة ع-ق-ل العقل يعقل/ لها عقل مجيب ومذهل/ ضاع فيك عقلي/ معقول كما تُعقل الابل).


ان هذه المرأة عاقلة  وهو المعقول .انها عقلتْ عقله..انها الفاعلة وهو المفعول به...انها الهازمة وهو المهزوم ..انها المنتصرة وهو المنتصر عليه..


انه يعترف بانه انهزم امام رجاحة عقلها (عقل مجيب ومذهل/ لكل سؤال حق وفيصل ).


ان عقلها أذهله وأدهشه الى درجة ان عقله لا يعقله ولا يكبح مدى اعجابه بعقلها.


وهنا قد يتدخل القارئ مندهشا من ناحية  ليخلع عن الشاعر جبة  الشاعر التقليدي الذي يتغزّل بجسد المرأة ليلبسه رداء الشاعر المفكر ومتسائلا من ناحية اخرى:


- هل ان الشاعر قد شذّ في تغزله بالحبيبة عن بقية شعراء الغزل؟


- هل ان الشاعر يرى في هذه المرأة الحبيبة مالم يره بقية الشعراء (العقل المذهل)؟


- هل ان الشاعر يُمجّد الحبيبة التي عقلتْ عقله ويمتدحها كانسان وكوجود؟


- هل ان هذا الحب هو ما يصطلح عليه بالحب الوجودي للمرأة من طرف الرجل؟


- هل ان الشاعر الحبيب يتحول من شاعر وجداني الى مفكر وجودي؟


لعل القارئ هنا يستحضر ما قاله النقاد في الحب الوجودي  لدعم صفة المفكر على الشاعر الذي خلع جبة القديم السائد لينظّر للجديد في الحب:


فالحب الوجودي للرجل حسب بعض النقاد هو "ارتباط يتجاوز المشاعر العابرة ليصبح فيه وجود المرأة ملازما لمعنى الحياة نفسها.. يرى الرجل في حبيبته مرآة تعكس ذاته ويسعى معها لتحقيق الكمال الإنساني والنفسي مما يجعلها امتدادا لوجوده ووطنا يلجأ اليه.."


*المظاهر العميقة للحب الوجودي:


- الاندماج النفسي: يتجاوز الاعجاب بالشكل وبالجسد الى التقاء العقول حيث يجد الرجل في المرأة راحته المطلوبة واكتماله الفكري والعاطفي معها.


- الأولوية المطلقة: تصبح المرأة المحور الأساسي في تخطيطه لمستقبله واحلامه.


- الأمان والاستقرار: يمثل هذا الحب الوجودي ترياقا للقلق والضغوط فهو يعود اليها لتهدأ نفسه وتطمئن روحه.(الجزيرة نت) .


وفي هذا الاطار هل ان الشاعرباعتباره مفكرا يتقاطع مع الحب الوجودي الذي نادت به المفكرة الفيلسوفة سيمون دي بوفوار؟


ان في فلسفة سيمون دي بوفوار الوجودية وخاصة في كتابها الشهير "الجنس الآخر" المبادئ التالية:


* المبادئ التي يقوم عليها الحب الوجودي عند سيمون دي بوفوار:


- رفض الحب التبعي: تنتقد دي بوفوار الاعتقاد التقليدي الذي يجعل الرجل هو "الذات " الأساسية والمرأة مجرد "موضوع" تابع حيث تحصر المرأة نفسها في دائرة التبعية العاطفية وتنتظر خلاصها من الرجل.


- اللقاء بين كائنين حُرّيْن: تؤمن بان الحب الوجودي يجب ان يكون احتفالا بالحرية فالعلاقة السليمة هي التقاء" ذات " حرة "بذات" حرة أخرى مما يمنح الحبيبين القدرة على تجاوز ذواتهم نحو العالم.


- نقد الحب الشغوف او العاطفي (المرأة العاشقة) تحذر سيمون من الحب المفرط الذي يُلغي ذات المرأة وحياتها لتتمحور حول الرجل .


وتعتبر ان هذا النوع من الحب "غير أصيل" لأنه يحول المرأة الى كائن سلبي يعتمد وجوده على الآخر.


- المشروع الإنساني المشترك: ترى أن الحب يجب أن يكون دافعا للابداع والتطور ويتعاون الرجل والمرأة في مشاريع وجودية تخدم حرية كل منهما بدلا من أن يسيطر أحدهما على الاخر.


ولعل دي بوفوار تدعم رأي المحلل النفسي "فرويد" في ان الشعوب العربية لن تتطور لان مشكلتها الجنس.


وفي هذا الاطار من تقاطع الشاعر كمال الدريدي مع الحب الوجودي البوفواري يقف القارئ على ان الشاعر كمال الدريدي باعتباره مفكرا:


+ ينفي ان تكون هذه المرأة عاشقة لتتحول الى كائن سلبي يعتمد وجوده على الاخر فخاطبها بلغة العقل واضعا امامها فرضيتين ولغة العقل والفرضيات تدعم ارتقاءه من مجرد الشاعر الى المفكر والمنظّر:


- فرضية القبول به :" فان شئت فاقبلي.."


- فرضية الرفض: "وان أبيت فاقتلي..


+ يرفض الحب التبعي حين يُخيّرها بين أمرين وفي الاختيار حرية بين القبول والرفض.


+ حرية كل ذات منهما:


وكل فرضية تقتضي مشروعا إنسانيا :


-ان هي قبلت فالقلب سَكنُها ومسكنها


- ان هي رفضت فهو يحمّلها مسؤولية قتله بسبب الهجر والفراق وهو أعزل.


وهي في المقابل ترتع حرّة وقد كنىّ عنها ب "ريم" كناية عن جمالها ورشاقتها وحقها ان تعيش حرّة سعيدة فيقول:


ماطيب الحياة وانت


بالصحراء ريمٌ طيفك يرتع


كلما قفزت اهتزّ الفؤاد هزًّا


فهو موجعي


باللهِ


ارحمي قلبا بلا عتاد


 دونك ياريمُ واقفا


   أعزلِ


وبالتالي فالحب الوجودي حرية ومسؤولية وهي ثنائية يدعمها الشاعر كمال الدريدي باعتباره مفكرا.


ولعل الشاعر أيضا يلتقي مع المفكرة نوال السعداوي التي ترى أن الحب الحقيقي الوجودي:


- مرتبط بالحرية ووثيق الارتباط  بين تحرر الذات الإنسانية والقدرة على منح العطاء الخالص .


- لا يمكن للحب الحقيقي  ان ينشأ في ظل الخوف أو القمع


- يزدهر في بيئة يسودها التحرر الفكري والاجتماعي.


- هو مشروع انساني يتطلب الوعي والنقاش والإرادة.


ولعل هذا التقاطع مع د. نوال السعداوي هوما جعل الشاعر الحبيب يتيح للحبيبة الحرية في اختيارها بين قبوله ورفضه وهو راض بذلك دون قمع لها (وهو أعزل) إيمانا منه بان هذا الحب الوجودي هو مشروع انساني يتطلب منهما وعيا ونقاشا وإرادة.


ان الشاعر كمال الدريدي قد طالعنا بثقافة في الغزل بالمرأة مختلفة وبعقلية متمردة عن السائد الذي يعتبر المرأة جسدا واذا به يرتقي من الحب الوجداني الجسدي الى الحب الوجودي المتغزل بعقلها والى المرأة الانسان.


ان تقاطع الشاعر مع المفكرة دي بوفوار والمفكرة نوال السعداوي قد جعله كمفكر يرتقي بالمرأة المهمشة بجسدها ليجعلها في مركز العقل والفكر.


ولدعم ذلك استخدم أسلوبا انزياحيا تركيبيا ودلاليا يتناغم وهذا الحب غير المألوف.


كما التجأ الشاعر الى استخدام البحر الكامل باعتباره من أكثر بحور الشعر مرونة حيث يوحي ايقاعه المتدفق بالحيوية والحماس والفخر.


انها حيوية الحبيب المفكرالذي خلع جلباب السائد وحماس الحبيب الواعي والمتمرد على الحب الجسدي التقليدي للمرأة  وفخر الحبيب المفكر الذي يُمجّد عقل هذه المرأة "المجيب المذهل" والذي عقَل عقله وسلبه إياه.


ان تمجيد الشاعر لعقل المرأة هو ضمنيا تمجيد لتفكيره الذي قاده الى الترفع عن السائد المبتذل في التغزل بجسد المرأة الذي كان موضوع الغزل من الجاهلية الى عصر نزار قباني شاعر المرأة.


سلم قلم الشاعر كمال الدريدي الذي ارتقى بجمال المرأة نحو الجمال الفكري ومن الموضوع الى الذات وارتقى بنفسه من الشاعر الوجداني الى المفكر الوجودي..


بتاريخ 25/ 06/ 2026


================= القصيدة ======================


 


وحين حدثتها بالذي اهمّني


 وقلتُ انّ بي صبابةً


وأنّ الشوقَ لا محالة قاتلِي


إهتزّ القلب خفقًا


ومن ثِقَلِ الوجد صار مائلًا


وناحت من حزني الحمائم


. وبلّلتْ بالدمع أوراق الخمائلِ


أيا صاحبة البعد كفّي...


 ولا تزيدي


فماعاد العقلُ يَعقلُ


ولا الفؤاد عارفا بالسّبلِ


لك عقل مجيبٌ مذهل


لكل سؤال حقٌّ وفيصلِ


ضاع فيك عقلي فهو حابسٌ


 معقولّ كما تُعقلُ الإبلِ


 


وزاد فى النفس لوعة


كلّما قليتُ ذكراك هام بالي


ودقّ باب الفؤادَ


 طوارقُ الأملِ


فإن شئت أقْبِلي


 فداك روحي واسلكي


 مجرى العروق ولا تبخلي


 بالقلب سكنُكِ فٱنزلي


هو لك مسكن من قبلُ ومنزلِ


 


وإن أبيْتِ فٱقتُلي


 بالهجر شهيد الأطلال


 لم يبرح ولم  يزلِ


سقيم الهوى زاده الفراق


علّة فوق العللِ


 


ماطيب الحياة وانت


بالصحراء ريمٌ طيفك يرتع


كلما قفزت اهتزّ الفؤاد هزًّا


فهو موجعي


باللهِ


ارحمي قلبا بلا عتاد


 دونك ياريمُ واقفا


   أعزلَ



صرخة في جدار الغياب: تأملات في مرايا الموت عند الشاعرة التونسية سعيدة الفرشيشي.قصيدتها "أيها الموت خذني..ولا تسَل عني" نموذجا بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 صرخة في جدار الغياب:

تأملات في مرايا الموت عند الشاعرة التونسية سعيدة الفرشيشي.قصيدتها "أيها الموت خذني..ولا تسَل عني" نموذجا


-الموت لا يوجع الموتى..لكنه يدمي الحضور بذاكرة الفقد..


تصدير : كنت أخشى رسائل الوداع..فصار الوداع بلا رسائل-محمود درويش-


-دعنا نتبادل الأدوار..أنت تنتظر..وأنا لا أعود..! م-درويش


تاخذني حيرتي

فٱغرق في ذكرياتي

ٱضيع بين مرارة الفراق

وكثرة ٱحزاني

فيا موت

فيا موت خذني..خذني

فما ٱشفاني

بعد ٱن دمرتني

وبعثرت ٱوراقي

وٱخذت مني ٱبي

دون تقبيل

ولا عناق

فهزني إليه

فالحياة لم تعد لي

حلوة المذاق


سعيد ة طاهر الفرشيشي


حين يملك الموت قدرة الكلام،لا يخاطبنا بلغة النهايات،بل يعيد تشكيل الحياة في مرآة مقلوبة. والقصيدة عند الشاعرة التونسية الفذة أ-سعيدة الفرشيشي ليست رثاء ذاتيا ولا تأملا فلسفيا جافا، إنها ولادة ثانية في حضرة الغياب،حيث يتكسر اليقين وتتفتق الأسئلة عن جروح ترفض الالتئام.

في قصيدتها الصاخبة بالرحيل،لا تختار الشاعرة الموت هروبا،بل مواجهة مكشوفة مع آلهة الفقد، وكأنها تمتحن في إيمانها بالحياة ذاتها.فحديثها عن الموت ليس انتحارا رمزيا،بل صرخة مولود جديد يعي أن أمه الأرض لن تحتضنه إلا إذا تجرأ على خلع جلده الأول.

ما يميز قصيدة "أيها الموت خذني..ولا تسَل عني" 

هو وقوعها خارج سياق التأمل الفلسفي البارد،إنها لحظة انفجار وجداني نابع من رحم زمن تآكلت فيه المعاني،وتشظت القيم تحت وقع الفقد المتواصل.فالشاعرة لا تطلب الموت رغبة في العدم،بل عطشا إلى استعادة الحضور المغتصب:

"فيا موت.. خذني"

"فما أشفاني"

إن التكرار هنا ليس تعبيرا عن يأس ساذج،بل إلحاح طفل يبحث عن حجر دفء في ليل عاصف. فالموت في قراءتها ليس سوى امتداد للعلاقة المقطوعة مع الأب،وهو جسر يعبر به الغائب إلى صدر الحاضرة التي أنهكها البعد.

لعل المفارقة الأعمق تكمن في أن الشاعرة تستدعي الموت لتحيي الحياة التي سلبت منها، وكأنها تضرب على وتر الانفصال لتصغي إلى نغم الوصال المسروق.!

تتجلى ثنائية "الأنا" و"الآخر" في القصيدة بشكل دراماتيكي،حيث يصبح الموت كائنا مخاطبا له حضور صارم وحنون في آن معا.والخطاب هنا لا يحاكي غائبا،بل يناجي شريكا في الصراع الوجودي،وكأنهما يتبادلان الأدوار في لعبة الحضور والغياب.

والأب في معجم القصيدة ليس مجرد جسد رحل، بل عتبة انهارت منها بوابات الطفولة والأمان، فتحولت الحياة إلى صحراء قاحلة لا تطاق حرارتها إلا بالرحيل نحو ظل الذاكرة المقتول.

"وبعثرت أوراقي"

"وأخذت مني أبي دون تقبيل ولا عناق"

هنا يتكشف البعد الإنساني الأكثر إيلاما: لم يمت والدها فقط،بل ماتت معه طقوس الوداع،وضاع معه حق التعبير عن الحب في لحظته الأخيرة، فصار الموت ظلما مزدوجا: ظلم الفقد،وظلم الصمت الذي رافقه.

ورغم وطأة الحزن في النص،ثمة تمرد خفي على منطق الموت كفناء مطلق.فالشاعرة لم تختر الموت لينهي حياتها،بل اختارته كحاضنة تأويه في غياب الأب،وكفضاء آخر يعيد تشكيل العلاقة معه. وهذا يضع القصيدة في سياق الإيمان الخفي بالخلود العاطفي،حيث الموت ليس نهاية،بل مدخل إلى عالم تعاد فيه هندسة المشاعر المعلقة.

وهنا تبرز عبقرية الصورة الشعرية عندما تصف الشاعرة نفسها بأنها "تاهت بين مرارة الفراق وكثرة الأحزان"، فالتيه ليس ضياعا،بل طريق وعر نحو استيعاب الفقد وتحويله إلى لغة تصمد أمام صمت القبور.

ليس غريبا أن تتحول قصيدة الموت إلى نافذة تطل على الضوء المعتم في داخل الشاعرة.فكل نداء للموت هو في الحقيقة استنجاد بالحياة ذاتها من خلال استدعاء عكسها.إنها لعبة المرايا التي تجعل من الرحيل بوابة للكتابة،والكتابة بدورها تخليد للغائب وزرع لأشجار الحضور في تربة النسيان.

لقد نجحت الفرشيشي في أن تجعل من القصيدة ضريحا للحزن ومهدا للأمل في آن واحد،فهي تودع الحياة لتستعيدها في كل سطر،وتتعثر في درب اليأس كي تقوم على قدميها كامرأة تعي أن الخلود ليس في البقاء الجسدي،بل في أثر يظل يهدي العابرين إلى معنى الضياع الجميل.

ارتبط النظر إلى قضية الحياة والموت عند الشعراء المعاصرين بتجارب عاشوها،فتركت أثرها الدفين في دواخلهم،واتخذوها جسرا عبروا عن همهم الفردي والجمعي معا..

إن قصيدة سعيدة الفرشيشي ليست مجرد بكائية عابرة،بل ملحمة صغرى عن إنسانية الانكسار وجبروته،حيث الموت يصبح لغة مشتركة بين الأحياء الذين لم يعودوا يجدون في الحياة سوى امتداد لموت يومي بطيء،فيقررون استعجال النهاية كي تبدأ البدايات من جديد.

غير أن الجمال المخيف في هذه القصيدة يكمن في أنها،رغم ندائها الحار للموت،تبقى شاهدا على الحياة بقوة لغتها وجرأة جرحها،وكأن الشاعرة تهمس لنا: "أنا أكتب كي لا أموت،لكنني أدعو الموت كي أكتب..."

إنها مفارقة المبدع الحقيقي: يتوسل الغياب ليؤكد حضوره،ويلوذ بالصمت ليعلن عن صوته الأكثر صدقا.

 وفي النهاية،لا يبقى سوى هذا السؤال المفتوح على جرح الوجود:

"هل كان الموت هروبا من الحياة،أم كانت الحياة هروبا من موت أبطأ؟"

في انحيازي المتواضع لهذا النص الموجع،أرى فيه صرخة امرأة قررت ألا ترحل قبل أن تكتب رحيلها بأحرف من دم وضوء،لتظل القصيدة وريثة الأب وحارسة الذاكرة،وشاهدة على أن الحب لا يموت، بل يتحول إلى لغة تنير دروب الفاقدين في زمن تاه فيه البشر بين دفء الحضور وبرودة الغياب.

وهكذا،حين تغادر الكلمات جسد القصيدة إلى روح القارئ،تظل سعيدة الفرشيشي واقفة على عتبة الموت لا كمنتظر له،بل كمن تلاعب بحدوده لتصنع منه فضاء للحياة الأكثر اتساعا.ففي كلِّ "خذني" صرخة "أنا هنا"،وفي كلِّ نداء للغياب إعلان عن حضور لا تمحوه السنون.وقصيدتها ليست رثاء لآب راحل،بل ولادة لأب جديد في لغة لا تعرف الموت،وجسرٌ يصل ما انقطع،ونافذة يُطلّ منها الأبد على لحظة عابرة،ليقول للفقدان: مهما طال رحيلك،ستبقى الكلمات أدف من حضن ضاع، وأبقى من جسد انطفأ.

 وفي النهاية،تبقى هذه القصيدة شهادة حيّة على أن الإنسان حين يكتب موته،إنما يكتب خلودَه، وحين يناجي العدم،إنما يستدرج المعنى ليولد من رحم السؤالِ الأبدي: هل نموت لأننا أحببنا،أم نحب لأننا سنموت؟!

ويظل السؤال حافيا،عاريا ينخر شفيف الروح..

رحم الله كل من رحل،وألهم كل من بقي أن يحول الفقد إلى ضوء،والألم إلى قصيدة،والموت إلى نافذة تطل على أبدية الحب الذي لا يموت.


محمد المحسن



الخميس، 25 يونيو 2026

قراءة في قصيدة الشاعر طاهر مشي التي تمثل ملحمة شعرية و وجدانية تحتفي بالذكرى السبعين لتأسيس الجيش الوطني التونسي، بقلم الأديب صالح الصرفندي

 قراءة في قصيدة الشاعر طاهر مشي التي تمثل ملحمة شعرية و وجدانية تحتفي بالذكرى السبعين لتأسيس الجيش الوطني التونسي، بقلم الأديب صالح الصرفندي 


تتلاقى مشاعر الفخر والاعتزاز في حياة الأمام لتصنع محطات تاريخية خالدة، وتأتي الذكرى السبعين لتأسيس الجيش الوطني التونسي كعنوان عريض لمسيرة حافلة بالعطاء، والتضحية، والوفاء. فالمؤسسة العسكرية التونسية لم تكن يوماً مجرد درع لحماية الحدود، بل كانت وما زالت مدرسة في حب الوطن، و حصناً منيعاً تتكسر على أعتابه المؤامرات، و صرحاً تبنى بسواعد رجاله معالم الحضارة والاستقرار.وفي هذا السياق الاحتفائي المهيب، يترجم النص الأدبي والقصيدة الشعرية للشاعر المبدع طاهر مشي  نبض الشارع التونسي بكلمات تصدح بالحماس؛ حيث يمتزج فيها رصاص البطولة بعطر دماء الشهداء الأبرار. إنها وقفة إجلال وإكبار لا تحتفي بالزمن وقيمته الرقمية فحسب، بل تمجد عقيدة الفداء التي توارثتها الأجيال، لتظل راية تونس خفاقة شامخة في علياء المجد والكبرياء.


هذا النص والقصيدة للشاعر طاهر مشي يمثلان ملحمة شعرية و وجدانية تحتفي بالذكرى السبعين لتأسيس الجيش الوطني التونسي، وهو نص يفيض بمشاعر الوطنية، والاعتزاز، والوفاء.

إليك تحليل شامل ومكثف للنص من حيث البنية، والمضمون، والخصائص الفنية:

1. البنية الهيكلية و النمط النوع الأدبي: شعر وطني حماسي.البحر الروي: التزام قافية الهمزة الممدودة و المضمومة/المجرورة (نداءُ، شهداءُ، الإباءُ، الكبرياءِ)، مما يعطي القصيدة نغمة موسيقية جهورية تناسب الأجواء العسكرية والحماسية.النمط المهيمن: النمط الوصفي التعبيري المدعوم بالحجج التاريخية (عطاء 70 عاماً).

2. التحليل الموضوعي (المضمون)ينقسم النص إلى أربعة محاور رئيسية:الاستهلال بالفداء والتضحية: تبدأ القصيدة بلازمة "فداءٌ فداءٌ فداء" لتأكيد عقيدة الجيش القائمة على التضحية بالدم من أجل الوطن، وربط مجد تونس بدم الشهداء.العمق التاريخي (السبعون عاماً): يبرز النص رمزية الرقم (70) كدليل على عراقة المؤسسة العسكرية، واستمراريتها في العطاء والبطولة دون انقطاع.دور الجيش في حماية الوطن: ينتقل الشاعر لوصف المهام الميدانية للجيش؛ من السهر على الحدود، وحماية الثغور، وردع المعتدين ("ويرد كيد العابثين").الخاتمة والدعاء: ينتهي النص بالترحم على الشهداء الأبرار، معتبراً أن ذكراهم هي منارة العلياء التي تضيء طريق الأجيال.

3. الجماليات والأسلوب الفني تكرار الحماسي: تكرار كلمة "فداء" في البداية والنهاية يعمل كوقود عاطفي يشحن النص بالقوة والالتزام.الصور البيانية المستوحاة من الطبيعة والنور:"فأنبت مجدها شهداء" (استعارة مكنية تشبه المجد بنبتة تسقى بدم الشهداء)."فأشرقت في أفقنا الأنوار" (تعبير عن الأمن والأمان بالنور والضياء)."متوشحاً بالعزم" (استعارة تشبه العزم برداء يرتديه المقاتل).المعجم اللغوي: هيمنة ألفاظ القوة، والسيادة، والشرف مثل: (البطولة، عزائم، إباء، الكرامة، العزة الشماء، حصون، الكبرياء).

4. الأبعاد الثقافية والوطنية الهوية التونسية: النص يرسخ قيم الانتماء إلى "تونس الغراء"، ويربط بين الجيش كمؤسسة وبين ديمومة الدولة وحضارتها ("يبني مع الأحرار صرح حضارة").التحية النثرية الختامية: جاءت الخاتمة النثرية المرفقة بالإيموجي (العلم التونسي والوردة) لتقريب النص من الوجدان المعاصر، وتأكيد رسالة الإجلال و الإكبار الموجهة مباشرة إلى أفراد القوات المسلحة وعائلات الشهداء.

النص

بمناسبة الذكرى السبعين (70) لعيد الجيش التونسي


فداءٌ فداءٌ فداء

اااااااااااااااااااااا

فداءٌ فداءٌ فداءُ

لِتونسَ الغرّاءِ إذ تسمو نداءُ

فذي الأرضُ قد سُقِيَتْ من دمِ الأُلى

فأنبتَ مجدَها شهداءُ

سبعونَ عامًا والبطولةُ رايةٌ

خُفّاقةٌ، وعزائمٌ وإباءُ

جيشُ الوفاءِ، حمى الديارَ بعزمِهِ

فلهُ المكارمُ والثناءُ

في كلِّ ثغرٍ للكرامةِ موقفٌ

وبه تُشادُ العزّةُ الشمّاءُ

سهرَ الرجالُ على الحدودِ فأشرقتْ

في أفقِنا الأنوارُ والآلاءُ

هم أبناءُ تونسَ، لا يهابونَ الردى

وعهودُهم صدقٌ بها ووفاءُ

إن نادى الوطنُ المفدّى لبّوا

فالمجدُ دربُهمُ، ونعمَ الفداءُ

يا جيشَ تونسَ، يا حصونَ كرامةٍ

بك يزدهرُ التاريخُ والأنحاءُ

تبقى على مرِّ السنينَ منارةً

ويظلُّ ذكركَ في القلوبِ ضياءُ

وعلى ثرى الأوطانِ يمضي جيشُنا

متوشِّحًا بالعزمِ والكبرياءِ

يبني مع الأحرارِ صرحَ حضارةٍ

ويردُّ كيدَ العابثينَ بلاءُ

سبعونَ عامًا من عطاءٍ خالدٍ

زانتْ سجلَّ المجدِ والأسماءُ

في كلِّ ميدانٍ له بصماتُهُ

وعلى جبينِ الدهرِ منه سناءُ

فداءٌ فداءٌ فداءُ لتونسَ

وللأبطالِ ما بقيَ البقاءُ

رحمَ الإلهُ شهداءَها الأبرارَ

فهمُ الخلودُ وهمْ لنا العلياءُ

اااااااااااااااااااااااااااااااااااا

طاهر مشي


🌹 تحية إجلال وإكبار إلى الجيش التونسي في عيده السبعين، وإلى أرواح شهدائه الأبرار الذين كتبوا بدمائهم صفحات المجد والكرامة.🇹🇳



الأربعاء، 24 يونيو 2026

مقال أدبي نقدي: "محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة وغربال النقد والميتانقد". بقلم الناقدة التونسية: جليلة المازني.

  مقال أدبي نقدي:

"محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة وغربال النقد والميتانقد"

الموضوع : " كيف يمكن للشعر ان يحافظ  على هويته الثقافية في عصر العولمة ؟"

(المحور الرابع المبرمج بمنتدى آفاق الفكر والثقافة):

(ندوة "قصيدة القرن القادم": الجزء الثاني)

الناقدة التونسية: جليلة المازني.

المقال: "محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة وغربال النقد والميتانقد"

1- في شرح المصطلحات:

أ-  الهوية الثقافية للشعر:

يعد الشعر حسب بعض النقاد " الوعاء اللغوي الذي يحمل التاريخ والعادات والمعتقدات محولا المفاهيم المجردة الى مشاعر حية تترسخ في الوجدان".

وتتجلى الهوية الثقافية في الشعر حسب النقاد عبر عدة عناصر وابعاد أساسية:

- اللغة والبيان

- تمثلات المكان

- الرمز والتراث

- التعبير عن الذات والآخر

ب- عصر العولمة:

* يُعدُّ عصر العولمة حسب المختصين المرحلة التاريخية الي يشهدها العالم وتتميز بالتداخل والترابط العميق بين الدول اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتكنولوجيا..

يرمز هذا العصر الى تحول كوكب الأرض الى ما يشبه القرية الصغيرة بفضل ثورة الاتصالات وسهولة تدفق المعلومات.

* ابرز ملامح عصر العولمة:

- الثورة التكنولوجية والاتصالية: انتشار الانترنات و شبكات التواصل الاجتماعي والتقدم الهائل في وسائل النقل مما أدى الى الغاء الحواجز المكانية والزمانية. (الجزيرة نت)

- العولمة الثقافية: تداخل الثقافات وانتشار الأفكار وانماط الحياة والقيم بشكل عابر للحدود الوطنية وهو ما يثير أحيانا مخاوف بشان فقدان الهويات المحلية والخصوصية الثقافية. (الجزيرة نت).

2- تجليات محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة:

أ- المحافظة على اللغة والبيان من خلال:

- المجاز والانزياح الدلالي: يتمرد الشعر على الاستخدام المعياري والمألوف للغة مستخدما لغة مجازية تنقل المفردات من معناها الضيق الى فضاء ارحب وأكثر عمقا.(سياقات اللغة والدراسات الشعرية)

- الإيقاع والموسيقى: يعتمد الشعر على بحور الخليل والتقفية مما يمنح الكلام جرسا موسيقيا يعزز من ثراء العبارة(مجلة المثال حول لغة الشعر).

-  التكثيف والتصوير: يدمج الشاعر العواطف والتجارب الإنسانية داخل بنية لغوية محكمة مستعيضا بالايجاز عن الاطناب مما يعطي البيان قوة تأثيرية تتجاوز لغة التواصل اليومي   

.(Internet Archive)

- التعبير عن الثقافة والبيئة: يعدّ الشعر "ديوان العرب" فهو الحافظ الأمين لتاريخ الامة وهويتها وتراكيبها اللغوية الاصلية من خلال الاستدلال بقواعدها والمحافظة على فصاحتها العليا (مجلة المجتمع).

ب- محافظة الشعر على تمثلات المكان (1):واستحضار معالم الطريق وربط المشاعر(مشاعر الفراق /الشوق/ الذكريات..) بالبيئة الجغرافية لتخليد الأماكن وتقديمها كفضاء خيالي ووجداني يتجاوز حدودها الفيزيائية.

يرتبط الشعر ارتباطا وثيقا بالمكان فهو يعكس أبعاده الحسية والنفسية والتاريخية.

يحافظ الشعر على هذه التمثلات عبر الوصف الدقيق.

ج- محافظة الشعر على الرمز والتراث (1*):

+ دور الشعر في المحافظة على التراث من خلال:

- التوثيق التاريخي: يعد الشعر وعاء ناقلا لتفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والبيئية التي شكلت الهوية عبر العصور.

- التناص والاستدعاء: يوظف الشعراء نصوصا واحداثا من التراث(مثل القصص التاريخية والاساطير)لاثراء القصيدة المعاصرة وخلق جسر يربط بين الماضي والحاضر.

- ترسيخ الانتماء : يتمّ تعزيز الارتباط  بالثقافة والعرف السائد من خلال ممارسة الشعر باللغة الاصلية والاحتفال به في الندوات والمهرجانات .

+ كيفية توظيف الشعر للرموز:

- التكثيف والدلالة: يستخدم الشاع الرمز لشحن النص بطاقات دلالية عميقة تتيح للمتلقي مساحة للتفكير والتاويل والتامل  بعيدا عن المعاني الحرفية.

- أنواع الرموز:دينية / تاريخية/ طبيعية / شعبية واسطورية.

- التخفي والتعبير الامن: استخدام الرمز ك"قناع" ادبي للتعبير عن الام الواقع السياسي والاجتماعي  بحرية والتحايل على الرقابة او التعبير عن معاناة حياة جمعية.

د- محافظة الشعر على التعبير عن الذات والأخر(2):

يحافظ الشعر على التوازن بين التعبير عن الذات والأخر من خلال:

- تفريغ العواطف الذاتية: الشعر وسيلة للبوح والتنفيس عن الانفعالات الداخلية ,المخاوف   والطموحات مما يساعد الشاعر على فهم أعماق نفسه.

- التواصل مع الاخر الإنساني: يكتب الشاعر لنفسه أوّلا لكنه يشارك تجاربه الوجدانية مع القارئ مما يخلق تعاطفا يزيل الشعور بالوحدة حيث يعتبره النقاد مرآة تعكس مشاعر العشق, الفخر, او التضامن مع الجماعة.

- توظيف الخيال والصور الفنية: يستخدم الشاعر أدوات  مثل الاستعارة والتشبيه لتجسيد الحالات النفسية مما يتيح للمتلقي  معايشة تجربة الشاعر وكانها تجربته الخاصة.

- الموسيقى والايقاع: تؤثر الاوزان والموسيقى الشعرية في اللاشعور مما يخلق حالة من التناغم والتعاطف المشترك بين صوت الشاعر ( الأنا ) وصدى المتلقي (الآخر).

وفي هذا الاطار لا بد من اثارة المسكوت عنه في هذا الموضوع المطروح الذي يقتضي التساؤلات التالية:  

أ- من سيقيم مدى محافظة الشعر على هويته الثقافية ويُغربل المعايير التالية ؟ :

- مدى تمرد اللغة على المألوف واستخدام غير المألوف لاضفاء الجمالية على الشعر؟

- مدى ارتباط الشعر ارتباطا وثيقا بالمكان الذي يعكس أبعاده الحسية والنفسية والتاريخية؟

- مدى محافظة الشعر على الرمز والتراث؟

- مدى محافظة الشعر على التعبير عن الذات والأخر؟

ب - من سيقيم مدى محافظة الشعر على هويته الثقافية في زمن العولمة الثقافية ويُغربلها ازاء:

- تداخل الثقافات؟

- انتشار الأفكار وأنماط الحياة والقيم بشكل عابر للحدود الوطنية وهو ما يثير أحيانا مخاوف بشأن فقدان الهويات المحلية والخصوصية الثقافية؟

في هذا الاطار يتدخل غربال النقد الأدبي و الميتانقد (نقد النقد)

3- النقد الادبي والميتانقد والذكاء الاصطناعي:

+النقد الادبي (3):

النقد الادبي هو" الفن المتعلق بدراسة الأنماط الأدبية ويعتمد ذلك على الشرح  والتحليل والتفسير والحكم عليه بأسلوب حيادي"..وقد عرفه البعض بانه :"كشف النقاب عن المواطن الجمالية او القبيحة في الاعمال الأدبية ومقارنتها بغيرها من الاعمال وقياسها وبيان القيمة"

والموضوعية في النقد تقتضي ان يكون الناقد بعيدا عن التعصب والتحيز والمجاملة خدمة للارتقاء بالعمل الادبي بعيدا عن العاطفة

+ وظائف النقد الادبي  (4) :

يؤدي وظيفة عملية متكاملة الأركان في خدمة الاديب والقارئ والحياة الأدبية:

- الاديب: يساعد النقد الادبي الاديب على:

* التوجيه والتقويم: اكتشاف مواطن القوة والضعف في نصوصه مما يصحح مساره الإبداعي.

* شحذ الهمم: يعد النقد مرآة تعكس جهود الاديب مما يساهم في ابراز ابداعه وانتشار نتاجه الادبي ودفعه نحو الابتكار والتجديد.

- القارئ : يساعد النقد الادبي على:

* تيسير الفهم والاستيعاب: يفكك النقد رموز النصوص المعقدة ويقرب معانيها الى ذهن القارئ

* تنمية الذائقة وبناء الوعي: النقد يدرب القارئ على التمييز بين النصوص الراقية والرديئة

مما يعينه على حسن الاختيار والتفاعل الذكي مع ما يقرأ.

- الحياة الأدبية:

* الحفاظ على التراث : يدرس النقد الاعمال الأدبية التاريخية والمعاصرة ويقومها لتظل حيّة  وفاعلة في وجدان الامة.

* حارس القِيَم: يحمي النقد الحياة الأدبية من الانحرافات او الاستغلال الهابط مما يساهم في رقي مستوى الادب واللغة والمجتمع.

وفي هذا الاطار ما علاقة النقد الادبي بالذكاء الاصطناعي؟:

يرى بعض الدارسين ان الذكاء الاصطناعي يمثل ثورة تكنولوجية في مجال النقد الادبي

أ- دور الذكاء الاصطناعي في النقد الادبي:

يقدم الذكاء الاصطناعي أدوات تحليلية بالغة التطور تغير من طبيعة الممارسة النقدية الكلاسيكية من خلال:

- التحليل الكمي والاحصائي: يمكن للنماذج الذكية معالجة الاف النصوص في ثوان واستخراج التيمات المتكررة ورصد التراكيب اللغوية والاسلوبية بدقة متناهية.

- الكشف عن الأنماط: يساعد الذكاء الاصطناعي في تتبع تطور مفردات معينة عبر حقب زمنية محددة او في اعمال مؤلف بعينه.

- إدارة البيانات: تحويل النصوص الى بيانات قابلة للقياس وهذا في خدمة الدراسات الأدبية المقارنة.

ب- حدود الذكاء الاصطناعي في النقد الادبي:

رغم تفوق الآلة في الرصد والتتبع الا ان هناك حدودا جوهرية تقف امام قدرتها على إتمام العملية النقدية:

- غياب الروح والسياق: يفتقر الذكاء الاصطناعي الى الوعي الإنساني بالخلفيات الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي أنتجت النصّ.

- عجز التأويل: لا يستطيع تقييم الجانب العاطفي او الدلالات العميقة والرمزية وراء الكلمات فالنقد الادبي يمتلك ذائقة حسية لا تملكها الآلة.

- الهلوسة المعلوماتية: قد يختلق الذكاء الاصطناعي معلومات او يحلل النص بناء على معطيات خاطئة.

وفي هذا الصدد والنقد الادبي في علاقته بالذكاء الاصطناعي بين ايجابياته  وسلبياته / بين قدرته وحدوده / بين الشك واليقين يمكن طرح الأسئلة التالية:

- هل يمكن ان يستغني الابداع عن النقد؟

- هل سيصبح المبدع بواسطة الذكاء الاصطناعي هو نفسه الناقد لابداعه؟

- هل اننا في عصر الذكاء الاصطناعي نعيش انحطاط الادب الحقيقي ابداعا ونقدا؟

هنا يتدخل نقد النقد(ما يصطلح عليه بالميتا نقد) في علاقته بالذكاء الاصطناعي:

وفي هذا المجال تتداخل تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم بعمق في مجال "نقد النقد"(أي قراءة وتقييم الخطابات النقدية نفسها).

ورغم تفوق الالة في معالجة البيانات الكبيرة واستخراج المؤشرات الإحصائية للنصوص الا ان الحس النقدي البشري والحدس والذوق الادبي تظل عناصر جوهرية لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها بشكل اصيل.

وبالتالي هل العلاقة بينهما علاقة تكامل ام إحلال؟(5).

ج- التكامل بين الانسان والآلة: بين الناقد البشري والذكاء الاصطناعي:

يتجه الفكر الاكاديمي والنقد الحديث نحو نموذج تكاملي ونحو النقد المشترك الذي يجمع  بين أفضل ما في العالمين من ايجابيات:

- استخدام الناقد تقنيات الذكاء الاصطناعي ك"مساعد بحثي" يقوم بمهام الفرز وجمع المؤشرات(التحليل الكمي).

- تفرّغ الناقد البشري للتحليل الكيفي: استنباط المعاني وتقييم القيمة الجمالية والفنية للعمل الادبي  وفهم السياقات الثقافية والسياسية والتاريخية حتى يحافظ الشعر على هويته الثقافية بالنسبة لموضوعنا المطروح اليوم.

فيكون بذلك الذكاء الاصطناعي فرصة لدعم النقد الادبي وتطويره وليس تهديدا لهويته وسحقا لخصوصيته.

وبالتالي فالالة هنا أداة مساعدة متطورة وليست بديلا للناقد...

 بتاريخ:20/ 06/ 2026

 

 

 

 

 

المراجع:

   (1/ 1*) تجليات الهوية الثقافية-ابعاد أساسية-  

ASJP

(2) الذات والأخر..لمن يكتب الشعراء المغاربة؟ -اخبار ثقافة- الجزيرة نت

18جوان 2019

(3) النقد الادبي- موقع مبتعث-

(4) وظائف النقد الادبي- ملتقى دار السرد الروائي- مارس 2021

(5) نقد النقد في عصر الذكاء الاصطناعي: جدل الفاعلية والتاويل والمسؤولية- مجلة الانسان- 15/ 12/ 2025.

ASJP.

 



(نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين) مرآة الغياب: استعادة الوجه في تراب الذاكرة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين)

مرآة الغياب: استعادة الوجه في تراب الذاكرة


تقديم قصيدة الكاتب والشاعر التونسي فتحي فرهود* الموسومة ب"حنين..جاء فجأة"


حنين جاء فجأة 

أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن

أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن،  

هناك… حيث كانت البذرة الأولى،  

في مسقط رأسي، الرهاش،  

حيث لم يكن للوجود اسمٌ  

غير همس التراب حين يتنفس الحياة.

هناك،  

اختبأ التراب حياءً تحت الحصى،  

كأنه يخشى أن يُفشي سرّ البداية،  

وسرى عبق الماضي السحيق  

بين الصخور والشعاب،  

عطرٌ لا يُشمّ بالحواس  

بل يُدرك بالقلب إذا صفا.

مساربُ ضيقة،  

لكنها كانت أوسع من الزمن،  

تحكي لناظرها حكايات الأحياء  

الذين مرّوا من هنا،  

تركوا ظلالهم على الجدران،  

وأودعوا أسماءهم في صمت المكان.

اليوم…  

لم يعد كما كان.  

تبدّلت الملامح،  

وصارت الموت حاضرة  

في كل ركن، في كل شعب،  

في كل كوخٍ تعب من الانتظار.

وذاك البيت الهرِم،  

الذي أبى إلا أن يصمد،  

يقف كشيخٍ ناسك  

يعدّ أنفاس الزمن،  

كأنه ينتظر…  

لا من سيعود،  

بل من سيتذكر.

أولئك الذين رحلوا  

دون استئذان،  

أغرتهم المدينة  

بوعدٍ من سراب،  

فأكلت الغربةُ شبابهم،  

وتقاسمت الشقاء مع أرواحهم.

وأنا…  

أعود إليهم حلماً،  

أفتّش عن وجهي بينهم،  

في حجارةٍ حفظت خطاي الأولى،  

وفي ترابٍ ما زال يعرف اسمي.

أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن،  

فإن وجدته،  

علمتُ أني لم أغب،  

وأن كل هذا البعد  

لم يكن إلا طريقًا  

يعلّمني كيف أعود.


فتحي فرهود 


هذه القصيدة ليست مجرد نصّ شعري،بل هي رحلة روح تفتّش عن جذورها في متاهات الغياب، وصوت ضمير يستجوب مسافة البعد التي طالت بين الإنسان وأول أرضٍ عرفته. 

إنها مرثية للزمن الضائع،واستنطاقٌ للتراب الذي يحمل في صمته أسرارَ البدايات.

 حين يقول الشاعر "أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن"، فهو لا يطلب رؤيةً بصريّة،بل يبحث عن هويّة تآكلت تحت وطأة الغربة،وعن مرآة لا تعكس الوجه فحسب،بل تعيد تركيب الروح من شظايا الذاكرة. 

في هذه القصيدة،يصير الوطن سؤالا وجوديا، والمرآة حكاية ترويها الحجارة،والحنين نبعازلا ينضب من المعنى.

هكذا تنتهي القصيدة حيث بدأت: بالحلم ذاته، ولكن بعد أن تحوّل إلى معرفة.فالعودة ليست حدثا جغرافيا،بل هي إدراكٌ أن البعد كلّه لم يكن سوى طريق طويل نحو الذات. 

إن "مرآة الوطن" التي يبحث عنها الشاعر ليست شيئا خارجيا يُرى بالعين،بل هي تلك اللحظة الشفيفة التي يلتقي فيها الماضي بالحاضر،فيُدرك الإنسان أن وجهه لم يغب أبدا،لأنه ظلّ محفوظا في ترابٍ يعرف اسمه،وفي حجارةٍ حفظت خطاه. وهكذا،تبقى القصيدة شاهدا على أن الغربة قد تكون أقصى درجات القرب،حين يتعلّم القلب كيف يرى بعين الذاكرة،ويعود إلى جذوره ليس ليقيم فيها،بل ليعرف أنّه منها وإليها،مهما تطاولت المسافات.

وهكذا،حين يبلغ الحنين ذروته،يكتشف الإنسان أن الوطن ليس مكانا يُرى،بل مرآة تُصنع من الذاكرة. فالعودة الحقيقية ليست في أن تطأ القدم التراب، بل في أن تعرف الروح أنها لم تغادرْه قطّ.فكلّ خطوة في طريق الغربة كانت درسا في العودة، وكلّ بعد كان همسا يردّد: "أنت هنا،في كلّ حجر يعرف اسمك،وفي كلّ صمتٍ ينتظرك".فإذا وجدت وجهك في مرآة الوطن،فاعلم أنك لم تغبْ لحظة واحدة،لأن الوطن الحقيقي يسكن من يحملونه في قلوبهم،لا من يلجونه بأقدامهم.


تقديم محمد المحسن 


*فتحي فرهود: شاعر وكاتب تونسي أصيل جهة تطاوين مقيم بفرنسا.



جمالية العنوان في متاهات النص الإبداعي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 جمالية العنوان في متاهات النص الإبداعي

في زمن تزاحمت فيه المدونات وتناثرت الحروف كرذاذ المطر على صفحات الورق،يبرز العنوان كأيقونة ضوئية تتصدر المشهد الثقافي،محتلا موضع القدسية في جسد العمل الأدبي. 

لقد تضاعفت مكانته مع تزاحم الأبحاث والدراسات التي سعت إلى مقاربة إشكاليته، متلمسة أبعاده النظرية والتطبيقية،إذ أن لحظة عبور القارئ عتبة العنوان تمثل منعطفا حاسما في رحلة التلقي،وبوابته السرية إلى دهاليز النص ومناطقه الخفية.

إن التغاضي عن قدسية تلك اللحظة الأولى، والانسياب فوق العنوان دون توقف تأملي،يشبه إهمال مفتاح كنز ثمين،ذلك أن إغفال قراءة العنوان بحضور ذهني كامل وشغف معرفي متقد، قد يفضي بنا إلى متاهات التأويل الخاطئ، فتضيع منا خيوط المعنى وتتبدد جواهر النص. من هنا،اتجهت الدراسات الحداثية إلى التعامل مع العنوان ككيان قائم بذاته،نص صغير يحمل في طياته أسرار أخيه الأكبر،وهو ما ذهب إليه ليو هوك في دراستيه البارزتين "نوعية العنوان" و"سيميولوجيا العنوان"،إضافة إلى ما طرحه جيرار جينيث في كتابه الرائد "معمار النص"، معتبرا إياه جزيئا لغويا مكثفا يختزل الكون النصي بأكمله.

يتبدى العنوان الشعري خصوصا كبنية لغوية مترعة بالإيحاءات،مركبة من مفردات تتطلب غوصا تركيبيا ودلاليا،لاستنطاق ما يرمي إليه الشاعر من مرامي وأغراض.إنه يتجلى عبر سطور كالغرافيتي البصري،يمكن تأويلها سيميائيا على مستوى الخط الكاليغرافي،كما يحيل إلى فضاءات ثقافية واجتماعية وإيديولوجية تشكل مرجعياته الخفية،ليكون بؤرة استقطاب تختزل النص بكامله،كمرآة صغيرة تعكس أفقا لا متناهيا من المعاني.

ليست المسألة مجرد تسمية عابرة،بل هي-كما يرى ليو هوك-عنصر سلطوي ينظم عملية القراءة، ويفرض هيمنته على أي تأويل محتمل للنص.وهنا تبرز إغرائية العنوان كوظيفة جوهرية،حيث يسعى المبدع -عبر اختياراته المحسوبة-إلى استفزاز فضول القارئ،وإجباره على ولوج عوالم النص، لاكتناه خفاياه،فتتولد لديه متعة الاكتشاف، مرد ذلك إلى الانزياح العنواني الذي يطرح تساؤلات عدة،عاكسا براعة المؤلف في التلميح من خلال تركيبه اللغوي البسيط المعقد في آن.

لا ينبت العنوان اعتباطا من تربة الصدفة،بل يولد من رحم التفاعل العميق بين المبدع ومتواليات نصه،فهو يحمل هوية المجموعة الإبداعية،معبرا عن أكثر الأعمال قربا إلى نفس صانعها،وأعلاها تعبيرا عن مكنوناته النفسية والثقافية،وأوسعها شمولية لتمثلات القصص المشاركة.

 إنه اختيار وجودي ينبئ عن رؤية المؤلف للعالم، ويعكس منظوره الجمالي،ويتطلب حوارا مطولا بين الفكر والورق،بين الذات المبدعة ومنجزها الإبداعي.

يشكل العنوان منصة انطلاق الرحلة القرائية، حيث تتشظى من خلاله رؤى القارئ،ليكتشف جمالية الترابط بينه وبين تلاحق الإنساق في متاهات الأحداث المتشظية.إنه ذلك النسيج العنكبوتي الدقيق الذي يربط بين إشارات النص وقرائنه،واضعا المتلقي أمام تجربة تفاعلية تبدأ من العتبة وتنتهي في خاتمة العمل،لينبثق عن هذه المغامرة التأويلية رؤية إنتاجية هجينة،تمتزج فيها معطيات النص بثقافة القارئ،ليكتمل بذلك الدائرة الإبداعية بين منتج النص ومتلقيه.

في خاتمة المطاف،يظل العنوان تلك الأيقونة السيميائية،والنافذة السحرية لعوالم النص الداخلية،ذا وظيفة تأثيرية توجب أن يكون مثيرا جاذبا،ملغزا في آن،فلا يبوح بكل أسراره دفعة واحدة،ولا يغلق بابه على المتلقي.ولعل حادثة الشاعر محمود درويش مع ديوانه الشهير "لماذا تركت الحصان وحيداً"،حيث أقر بأن الناشر هو من اختار العنوان،تكشف عن حيرة الكتاب العرب في تسمية مؤلفاتهم،وتفتح بابا للتأمل في خصوصية هذه العلاقة الجدلية بين المبدع ومتنه الإبداعي، مستبقين العودة إلى هذه المسألة عبر مقاربة مستفيضة في مناسبة أخرى.

وهكذا،يبقى العنوان تلك الواحة النصية التي تتكثف فيها روح الإبداع،وتتجلّى عبر بوابتها الأولى رؤية المؤلف للكون والوجود.هو ليس مجرد لافتة عابرة،بل لحظة تأسيسية تسبق القراءة وتُهيئ لها،وتحكم تأويلها،إنه المعادل الموضوعي لشغف الكاتب وهاجس القارئ، والجسر الذي يصل بين نيّات النص وفضاءات التأويل.وإذ تزدحم اليوم عناوينُنا في فضاءات النشر الرقمي،تعود بنا المسألة إلى ضرورة التوقف المديد أمام تلك العتبة،ذلك أن كل قراءة واعية تبدأ بإعادة اكتشاف حكمة العنوان،وكل نصٍّ يُكتب في شغف يظل مدينا لتلك اللحظة الأولى التي يلتقي فيها القلم بالعين.


محمد المحسن



الأحد، 21 يونيو 2026

مقال حول: "الجهل المعرفي وفخّ اليقين" بقلم الناقدة التونسية: جليلة المازني.

 مقال حول: "الجهل المعرفي وفخّ اليقين"

بقلم الناقدة التونسية: جليلة المازني.


1- مفهوم الجهل المعرفي:


يرى بعض الدارسين  حسب المركز الديمقراطي العربي ان" الجهل المعرفي هو حالة يظن فيها الفرد انه يمتلك فهما عميقا لموضوع ما بناء على معلومات سطحية. يعرف هذا ب:


"وهم المعرفة" او "الجهل المركب"


حيث يعجز الجاهل عن ادراك مدى نقصه وهو ما يؤدي لاتخاذ قرارات خاطئة تضر به وبمن حوله .


2- ملامح الشخص المصاب بالجهل المعرفي:


- رفض النقد وعدم الاعتراف بالخطإ


- التعصب للرأي.


- ادعاء الخبرة.


3- الجهل المعرفي من وجهات نظر مختلفة:


أ- من وجهة نظر علم النفس:


يرى علماء النفس كما ورد في الموسوعة العلمية ويكيبيديا ان " الجهل المعرفي او الوهم بالمعرفة كنتيجة لقصور في العمليات العقلية والقدرة على التقييم الذاتي.


ويعدّ "تأثير دانينغ – كروجر " اشهر النظريات التي تشرح هذه الظاهرة"


* تأثير نظرية دانينغ - كروجر :


لقد اكتشف عالما النفس "ديفيد دانينغ" و" غاستون كروجر"في جامعة كورنيل عام1999 هذا الانحياز المعرفي الذي يصف كيف يبالغ الافراد من ذوي المعرفة البسيطة والسطحية في تقدير معارفهم من خلال:


*الوهم المزدوج: يعاني الجاهل معرفيا من عبء مزدوج:


- التوصل الى استنتاجات خاطئة بسبب جهله المعرفي.


- عدم ادراكه لخطئه لان معرفته السطحية تمنعه من ذلك. وهو ما يسمى ب"الجهل المركب".


- غياب ما وراء المعرفة : ان الجاهل معرفيا عاجز عن تقييم أدائه بشكل موضوعي فهو يفتقر الى القدرة على ادراك واكتشاف مواطن النقص.


- مراحل الثقة والمعرفة : في المراحل الأولى تتولد لدى الجاهل المعرفي "ثقة مزيفة" لاعتقاده انه فهم الأساسيات البسيطة وكلما تعمق في المعرفة انخفضت ثقته بنفسه نتيجة ادراكه لحجم الجهل لديه لكنه يصر على عدم الاعتراف بجهله.


* أسباب الجهل المعرفي في علم النفس:


- الانحياز التاكيدي: العقل البشري يميل لاشعوريا الى البحث عن المعلومات التي تؤيد أفكاره وتفند كل ما يتعارض معها.


- غياب التغذية الراجعة : غياب النقد الموضوعي كمرآة تعكس قصور معرفته من البيئة المحيطة وتجعله أسير وهمه المعرفي .


- الجهل المكتسب: يتمسك الجاهل المعرفي بحقائق مشوهة  وموروثات  دون اخضاعها للتحليل المنطقي.


ب- الجهل المعرفي من وجهة نظر الفلاسفة:


*يميز الفلاسفة بين :


-" الجهل البسيط "(ادراك الفرد لجهله وهو بداية الحكمة)


- "الجهل المركب" او الوهم المعرفي (اعتقاد الفرد الخاطئ بانه يعلم ما لا يعلم)


*نظريات الفلاسفة حول الجهل المعرفي:


- سقراط والوعي المعرفي:


أسس الفيلسوف سقراط للتواضع المعرفي  واكتساب الحكمة الحقيقية بالمبدإ القائل:


" كل ما أعرف انني لا اعرف شيئا".


- افلاطون وكهف الوهم:


يمثل افلاطون الجاهلَ المعرفي  في اسطورة الكهف بالإنسان المقيد داخل كهف مظلم والذي يظن ان الظلال الباهتة  على الجدران هي الحقيقة المطلقة. فالجهل هنا هو الانغلاق داخل القناعات المسبقة والرضا بالوهم.


- رينيه ديكارك والشك (الوهم المعرفي) استخدم ديكارت الشك المنهجي كاداة منهجية  لهدم الافتراضات  والجهل المتأصل للوصول الى اليقين.


ج- الجهل المعرفي من وجهة نظر المفكرين والادباء العرب:


* الجاحظ: وهو من رواد النقد المعرفي والعقلي في التراث العربي وتتلخص رؤيته في المحاور التالية:


+ الجهل ليس فراغا بل "عاهة عقلية" تتمثل في الجمود وعدم اعمال العقل والتفكير في الحجة والبرهان.


+ العقل هو معيار الحقيقة من خلال:


- تقديم العقل على الحواس في قولته:" ولا تذهب الى ما تريك العين واذهب الى ما يريك العقل" فالحواس قد تخدع الانسان والعقل هو الحكم الباطن القاطع.


- التشكيك المنهجي : اتخذ الجاحظ من الشك العلمي أداة لهدم الخرافات والاساطير الشائعة في عصره وقد جسد ذلك في كتابه العلمي الحيوان .


ومن أقواله الشهيرة :"تعلم الشك في المشكوك فيه تعلما"/ "الشك طريق لليقين" .


وبهذا فان الجاحظ له افضلية السبق في طرح  "التشكيك المنهجي "على ديكارت.


* المعري الاديب المفكر والذي شك في كل شيء وتوصل في النهاية الى قوله:


لا امام سوى العقل// مشيرا في صبحه والمساء.


* الشاعر أبو نواس الذي لخص الجهل المعرفي في قوله:


قل لمن يدعي في العلم معرفة// علمت شيئا وغابت عنك أشياء.


د- الجهل المعرفي والذكاء الاصطناعي:


+ لقد ورد ب "صحيفة المثقف" بان "الجهل المعرفي "  في عصر الذكاء الاصطناعي يشير الى "ظاهرة خطيرة تتجاوز مجرد نقص المعلومات فهي تعني :"التواكل المعرفي" أي الثقة العمياء في كل مخرجات الالة دون القدرة على تقييمها نقديا مما يؤدي  الى تراجع في مهارات التفكير البشري .


+ ابعاد العلاقة المعقدة بين الجهل المعرفي والذكاء الاصطناعي من خلال:


- وهم المعرفة : تولد النماذج التوليدية(شات جي بي تي) نصوصا لغوية تبدو مقنعة تماما مما يوقع المستخدم في "فخ اليقين".


- خوارزميات التحيز : تحصر شبكات التواصل الاجتماعي المستخدم  في "غرف صدى" تعرض له فقط ما يوافق تحيزاته.


- استسهال التفكير : الاعتماد المفرط على الالة في كتابة النصوص مما يؤدي الى تراجع القدرات الإبداعية للإنسان.


- الادراك مقابل المعرفة:   يبرز الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات واللغة الا انه يفتقر الى الفهم الحقيقي والوعي والادراك العاطفي مما يجعل اعتباره مصدرا نهائيا  للحقيقة  نوعا من الجهل الاصطناعي.


وخلاصة القول فلعل الجهل المعرفي من هكذا وجهات نظر متعددة قد ساهم في سيادة التفاهة الفكرية بسبب "وهم المعرفة" و"فخ اليقين" في عصرنا الحالي.


بتاريخ:21/ 06 2026



الثلاثاء، 16 يونيو 2026

حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة قراءة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي" مرثية الوجع" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يبكي الشاعر..بمداد الروح ودم القصيدة

قراءة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي" مرثية الوجع" 


 (القصيدة التي أربكتني،أبكت قلمي..ونشرتها صحف عربية ودولية)


هذه القصيدة للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي صاغها على هامش الحادث الأليم الذي شهدته معتمدية المزونة من ولاية سيدي بوزيد،صباح يوم الجمعة 12 جوان 2026،والمتمثل في انقلاب شاحنة خفيفة من نوع “إيسوزو” كانت تُقلّ حوالي 15 راكبا،أغلبهم من العاملات الفلاحيات اللواتي كنّ في طريقهنّ إلى كسب قوتهنّ اليومي.وأسفر عن وفاة عاملتين وإصابة عشرة أشخاص بجروح متفاوتة الخطورة.


مرثية الوجع


أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا

بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ


فكم فجعتْ ربوعُكَ كلَّ يومٍ

وكم نُكِئَتْ من الآلامِ عودُ


خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ

سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ


مضينَ على دروبِ الكدحِ صبرًا

ويحدوهنَّ للأملِ البعيدُ


إذا اشتدَّ الزمانُ عليهنَّ قهرًا

فصبرُ الصالحاتِ هو الصمودُ


حملنَ الهمَّ في صمتٍ نبيلٍ

وفي كفَّيْهِنَّ الخبزُ السعيدُ


فما بلغَ المسيرُ بهنَّ أفقًا

ولا اكتملَ الرجاءُ ولا الوعودُ


أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي

وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ


هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني

وضجَّ من المصيبةِ كلُّ عودُ


كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي

وخفَّ بريقُها وخبا الوقودُ


بكتْهُنَّ السنابلُ في الحقولِ

وما اعتادتْ مآتمَها الورودُ


وأبصرَ كلُّ طفلٍ بابَ دارٍ

وليسَ يجيبُه الوجهُ الودودُ


ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي

ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ


سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ

فأنتنَّ الشهائدُ والشهودُ


فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا

وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ


طاهر مشي


هذه القصيدة ليست مجرد كلمات على ورق،بل هي نزيف روحاني على جرح تونسي غائر.إنها صرخة شاعر انكسرت أوتار قلبه قبل قريحته، حين رأى الموت يخطف من أرضه زهرات لا ذنب لهن سوى أنهن خرجن ليقتلن الفقر بالكدح،فقتلهن القدر على طريق الأمل.

يبدأ الشاعر بمخاطبة الوطن نفسه،في مشهد مهيب يختزل فيه تاريخا من الألم:

أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا

بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ

إنه وطن تحول إلى جسد نازف،وقلب الشاعر أصبح موقدا يحرقه هذا الحزن.ثم يصف الشاعر خروج هؤلاء الفلاحات مع الضياء،ولم يردن سوى عيشٍ كريم..تأملوا هذا المشهد المؤثر:

خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ

سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ

هؤلاء النسوة لم يخرجن للمعصية،خرجن للعبادة الأسمى: عبادة العمل الشريف.إنهن "الصالحات" اللواتي "حملن الهم في صمت نبيل"،وفي أيديهن الخبز السعيد.صورة متقنة: الخبز السعيد في كفيهن،مقابل الموت الذي يتربص بهن.

ثم تأتي اللحظة القاتلة:

أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي

وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ

المنايا تأتي متخفية،غادرة،بينما الأمل كان يحدوهن.وهنا يصور الشاعر انقلاب الشاحنة كأنها "هوى الركب المثقّل بالأماني". أماني ثقيلة جدا على شاحنة خفيفة!

قلت،الأماني كانت ثقيلة جدا على شاحنة خفيفة. ثقيلة لدرجة أن الأرض رفضت حملها فابتلعتها. هؤلاء النسوة لم يحملن حقائب سفر،بل كن يحملن على أكتافهن حلم أمة بأكملها في الخلاص من الفقر بالعمل.وعندما سقطن،سقط معهن جزء من روح تونس التي كانت تؤمن بأن الطريق إلى الحرية يمر عبر الكرامة اليومية.

لكن الأبيات الأكثر قسوة في القصيدة هي تلك التي تتحدث عن الطفل:

ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي

ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ

أي مشهد هذا؟ طفل يبحث عن أمه بين الأنقاض، والألم يخنق صوته فلا يجد من يجيبه.الوجه الودود الذي كان ينتظره عند باب الدار،صار غائبا إلى الأبد،وتوارى-سهوا عنا-خلف الغيوم..

إن هذه المرثية ليست رثاء لامرأتين فحسب،بل هي رثاء لكرامة وطن يسفك على قارعة الطريق، ورثاء لحلم عربي يموت كل صباح وهو يحاول أن يولد.والشاعر طاهر مشي لم يكتب قصيدة،بل كتب وصية لكل تونسي: أن هؤلاء العاملات "لم يَمُتْنَ"، بل تحولن إلى شهائد وأيقونات، وسواعدُهن لا تزال حية في كل سنبلة تنبت من دمائهن،وفي كل طفل يكبر يتيما فيصبح من أعتى الرجال..

فما ماتتْ سواعدُكُنَّ يومًا

وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ

نعم،صعود.هذا هو التحدي: أن نرتقي من رحم هذه المأساة إلى وعي جديد،إلى عدالة اجتماعية حقيقية،إلى طريق آمن لكل عاملة فلاحية تخرج مع الضياء..وإلى كل فجر بهي ينبجس من ضلوع الظلم والظلمات.. 

ليست هذه القصيدة كتابة،بل جرح يتنفس.إنها محاولة شاعر لأن يلملم أشلاء حزنه على بياض ورق،بعد أن عجزت الأماكن كلها عن استيعاب مأساة تهز جذور الأرض التونسية.و-الطاهر-هنا ليس شاعرا يصف موتا،بل شاهدا على اغتيال الأمل،يكتب بريشة من دم قلبه،وبكسرات لا تعرف كيف تلتئم.!

وكلما شقّت شاحنة طريقها على ممر وعر،توقفت الطيورعن الغناء كأنما تحدث فجوة في روح المكان وفي سطوح الروح.وكلما انبثقت عاملة فلاحية مع أول الضياء،تَهمس الريح بأسمائهنّ،وكأنها تذر ذكراهن على وجع الصباح.لأن الموتى العظماء وحدهم من يَبعثون في الأحياء وعيا مرّا بجمال الحياة،وغضبا سافرا،كافرا وأعمق من تلطيخها بدماء الأبرياء..

على سبيل الخاتمة :

إذا كانت هذه القصيدة جرحا يتنفس،فإن هذه القراءة كانت محاولة لوقف نزيفه بالكلام.غير أن الكلام،حين يصطدم بمثل هذا الوجع،يخرج مهزوزا،مرتبكا،عاجزا،مثل طفل يبحث عن أمه بين الأنقاض ولا يجد سوى الصمت المخيف..!

لقد ماتت النساء على طريق الكرامة،لكن الكرامة لم تمت.تحولن إلى سؤال قاس يلاحق كل صباح: لماذا لا يزال الطريق إلى الأمل ممهدا بالدماء؟! لماذا تبتلع الأرض أمانينا الثقيلة،وتترك الشاحنات الخفيفة تمضي..؟!

ربما تكمن المواجع الحقيقية في أننا لن نعرف كيف نكرم هؤلاء الفلاحات إلا بأن نجعل من كل سنبلة تنبت من ترابهنّ...وعدا لا يُخلف.أو بأن نعلّم كل طفل فقد أمه أن وجهها لم يغب خلف الغيوم، بل صار ضياء ينتظرنا في منعطفات الدروب..

نعم،صعود.لكن الصعود لا يبدأ بأقدامنا،بل بجثث من سبقونا.وهؤلاء النسوة هن الآن الأرض التي نمشي عليها،والصوت الذي يخنقنا كلما ترددنا..

أيها الشاعر الفذ : من أعماق الجرح الذي خلفته عجلات "الإيسوزو" على تراب سيدي بوزيد،ومن عمق الألم الذي نزفته أبياتك،نتقدم إليك بأصدق التعازي وأحر المواساة.

أنت لست هنا شاعرا فقط،أنت ابن هذه الأرض الجريحة،وابن سيدي بوزيد التي لم تتوقف عن تقديم الشهداء،سواء كانوا ببنادقهم أو بمعاولهم. هاتان الفلاحتان هما شهيدتا الكرامة والعمل،وأنت بقصيدتك جعلتهما خالدتين.

إن هذا المصاب الجلل ليس مصابك وحدك،بل مصاب كل تونسي أحب تراب هذا الوطن.

 نسأل الله أن يرحم الفقيدتين،ويلهم أهلهما وذويهما الصبر والسلوان،وأن يمنحك يا أبا الكلمة الصادقة القوة لمواصلة الكتابة للحياة،لا للموت.

إنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد المحسن



نشيدُ الرماد الذي أزهرَ فوقَ الأقصى حديث..حول الشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير* بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 نشيدُ الرماد الذي أزهرَ فوقَ الأقصى

حديث..حول الشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير*


"أرَى نصْرَ( غزّةَ) قادِماً..وستَنْجَلي

أرَى نصرَ غزّةَ والهزيمةُ لِلعِدا

والنِّتنُ يُقهَرُ  والبِلادُ..تعودُ لي..( الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير )


"صمدت لأنها آمنت أن الغربة ليست مكانا تُقام فيه،بل حالةٌ تُعاش،وأن المستعمر حين يسرق الأرض،فإنه لا يسرق الذاكرة،وأن الكلمة إذا نُطقت بصدق،فإنها تصبح وطنا بديلا لا يُطرد منه صاحبه،بل يُقام عليه عرش المجد الذي لا يزول..(الكاتب)


ثمة جراح لا يُحيلها الزمنُ ندوبا،بل تبقى ينابيع تغلي في أعماق الروح،وثمة غربة لا تُقاس بالمسافات،بل بثقل المدى الذي يفصل بين النبضِ وأصله.

 في خضمّ هذا الانهيار الكبير،حيث تتساقط الحجارة وتترنّح الهويّات،تبرز شاعرة جعلت من نار الاغتراب معراجا،ومن وهج الألم رداء. 

هي ليست مجرد من تسكن الغربة،بل من جعلت الغربةَ تسكنُها لتنصبغ بها،ثم تفجّرها قصائدَ لا تشبه إلا فلسطين. 

الأستاذة عزيزة بشير،تلك التي لم تَنَلْ منها المنافي لأنها حملتْ وطنها في محاجر عينيها قبل أن تحمله في ذاكرتها،تقف اليوم في وجه الإمبراطورياتِ المتوحشة عارية إلا من حروفها،مجرّدة إلا من إيمانها،لتكتبَ درسا في البقاء أقسى من صخر القدس،وأعذب من ندى الصباحات الفلسطينيةِ الأولى.

وفي زمن صار فيه الكلام رفاهية،والصمت خيانة، اختارت الأستاذة عزيزة بشير أن تخوض المعركةَ الأكثرَ وحشية في التاريخ البشري: معركة الكلمة في وجه نعيق المدافع ونباح الرشاشات.

لم تقابل الاحتلال السافر بصخب الثوارِ فقط،بل بهدير القصيدة التي تزلزل العروش قبل أن تزلزل الأرض.هي تدركُ أن المدافعَ تسحقُ الحجرَ،لكنها لا تسحق النبضَ المختبئَ في قافيةٍ،وأن الطائراتِ تحرق المزارعَ،لكنها لا تشوي حروفا تكتب بمداد القلب على سطوح الروح..

إنها شاعرة صاغتْ من فوهاتِ الرصاص أنغاما، ومن قسوةِ المنفى رحما تنجب فيه قصائد لا تموت،لأنها استلهمتْ روح الشهداء والذين يرفضون القبور،واختارت أن تكون صوتَهم الجهير في جلسات الغياب الطويلة.

ما أشدّ مرارةَ المشهد وهي تنظر من بعيد إلى قبة الأقصى،تلك القبة التي تسكن وجدانها كما تسكن الروح الجسد.كل حرف تكتبه هو خطوة نحوها، وكلّ قصيدة تنشدها هي ركعة في محرابها. 

إنها تخلعُ حذاء اليأسِ عند عتبة البيتِ المقدّس، وتصعد بقصيدتها عاريّة من كلّ شيءٍ إلا من الوطنية،حافية على جمر الدروب القصية،لتجلس في منصة الشهداء الأبرار،حيث المقام لا يُقاسُ بالسنتيمترات بل بعمق التضحية وعُلو الروح.ثم لا تلبث أن تحلّقَ عاليا،تتجاوز الأسوار والجدران الفاصلة،كأنها طير سُرِقت أجنحته لكنه يتعلّم الطيران على حافة الألم،لتحط أخيرا على تلك القبةِ المباركة،فتضمخَها بعطر النضال،وتُعيد إليها رونقها الذي سرقه الغبار والعدوان.

لكن الأعمق في مسيرتها أنها لم تكتب وطنها على أنه فكرة مجردة،بل عاشته روحا على ضلوع، وحزنا على وجدان،وشوقا ينبجس من شقوق المرايا،ويتقاطر كالمطر على صحراءِ القلب الملتاع. كلّ كلمة في دواوينها هي شهيد لم يُدفن بعد، وكل قصيدة هي انتفاضة لا تهدأ،وكلّ همسة منها هي صرخة مدوّية في وجهِ الصمت العالميِّ المخزي.إنها تنسج خيوط قصيدتها من خيوط العنكبوتِ التي تبقى عالقة في زوايا المعتقلات، ومن أنفاسِ الأسيراتِ اللواتي يسرقن الحروف من بين القضبان،ومن بكاء الأمهات اللواتي يرتدين سواد الفقد صباحا،ويخلعنَه مساء ليرتدين رداء الانتصارِ الجديد..

هي لا تكتب شعرا،بل تشييدا لمجد لا ينقرض،وإعلانا أن الجسد الفلسطينيَّ وإن تفتّت،تبقى قصيدتُه مسمار جَلَد في جدار العالم الأخرس.

وفي لحظاتِ الضعف الجماعيّ،حين يتساءل المرء عن جدوى الكلمة في عالم تتحكّم به القنبلة والترسانة العسكرية،تأتي سيرة الشاعرة الكبيرة عزيزة بشير لتقول إن الفلسطينيَ حين يُجرّد من أرضه،يزرع كلمته في القلبِ،وحين تُسرَق ذاكرتُه،يكتب ذاكرة جديدة لا تُسرق،وحين يُمنَع من الحج إلى أقصاه،يجعل من قصيدته مسرىً إلهيا.!

 صمودها ليس معجزة سماوية،بل هو قرار إنسانيّ بالبقاء رغمَ إرادة الفناء،هو عناد النخلة التي تشقّق الصخرَ بجذورها،لا بقوّتها الظاهرة،بل بإصرارها الخفيّ على الحياة.

أيها القارىء الكريم،إن وقفتَ أمام هذا النموذج الفذ،فلا تظن أنك تقرأُ سيرة امرأة فقط،بل أنت تقرأُ خلاصة أمة اختارت الكلمة سلاحا،والقصيدة هوية،والأقصى قبلَة لا تُبدّل. 

إن الأستاذة عزيزة بشير تعلمُ،كما نعلم جميعا،أن الاحتلال قد يمحو القرى،ويُشوّه الخرائط،ويهدمُ البيوت،لكنه لا يمحو قصيدة كُتبت بدم الشهيد ونبض الثكلى.هي تجسّد تلك اللحظةَ الفلسفية العجيبة التي يتحوّل فيها الألم إلى جمال،وتتبدّل الغربة إلى حضن،ويصير الموت ذاته بداية لولادة أبدية في وجدان الأجيال القادمة.

لقد كانت كلماتها قنديلا في دهاليز النسيان،ونبعا في صحراءِ الخذلان،وصوتا لا يشبه سوى هديل الحمام فوقَ قباب القدسِ،حين يغرد رغمَ كل الطلقات النازفة.

 إنها تتركُ لنا إرثا ليس مجردَ دواوين شعريةٍ،بل منهج حياة يعلمنا أن النصر لا يُستلب منا،وأن الكرامة ليست هبة تُعطى،بل قضية تُحتضَن وتُحمى وتُحلق بها الكلمات إلى حيث لا تصل آلات الموت ولا عُتاة الطغيان.

فليعلم كل من يظن أن الأرض هي آخر المكاسبِ، أن عزيزة بشيرَ انتزعت من جبروتِ المحتلّ أغلى ما يملكه: الخوف من المعنى.فقد جعلت من جرح فلسطينَ قُبّة لا تنهار،ومن غربتها مئذنة لا تسقط، ومن حروفها طوفانا يغرق أسرابَ الغُزاة حين يأتي يوم الحساب الشعري. 

وليست القصيدة انعكاسا للواقع المرير،بل هي تخطيط لواقع أجمل،حيث يسكن الشهداء في البيوت التي لم يُبن لها سقف،وحيث ترفرف أرواح الأحرار على قبة الأقصى،ويصرخون للعالم بأن فلسطين ليست أرضا تُغتصب،بل قصيدة تُكتب للأبد،وكفى بالقصيدة وطنا لمن لا وطنَ له،وكفى بالكلمة سلاحا لمن لا سلاح له،سوى الله والدم والمداد..

سلام هي فلسطين..إذ تقول وجودنا،تقول وجودها الخاص حصرا..فلا بهجة لأبنائها خارج فضائها..

وهي مقامنا أنّى حللنا...وهي السفر..


محمد المحسن 


*الأستاذة عزيزة بشير هي شاعرة وكاتبة فلسطينية مغتربة،وُلدت في مدينة جنين وتعيش حاليا في دولة الإمارات العربية المتحدة.تُعرف بلقب "شاعرة التحدي والصمود" وتتميز قصائدها بتوثيق المعاناة والأمل،حيث تحظى أعمالها بمتابعة وتفاعل واسع.

تُعد قصائدها شكلا من أشكال المقاومة الثقافية التي تهدف إلى توثيق عدالة القضية الفلسطينية والتمسك بالهوية.



قراءة نقدية : "الرواية بين سلطة الدين ولعبة الفانتازيا" (التناص والابداع) نادي " الساردون يغردون" الرواية "علي بابا والاربعون حبيبة" الكاتب الجزائري :عز الدين جلاوجي الناقدة التونسية: جليلة المازني.

 قراءة نقدية : "الرواية بين سلطة الدين ولعبة الفانتازيا"

(التناص والابداع)

نادي " الساردون يغردون"

الرواية "علي بابا والاربعون حبيبة"

الكاتب الجزائري :عز الدين جلاوجي

الناقدة التونسية: جليلة المازني.


لئن لعب الكاتب عز الدين جلاوجي على سلطة الدين وخيال الفانتازيا فاستخدم  نوعين من التناص فانه طبع روايته في المقابل بالإبداع و التجديد:


1- ظاهرة التناص بالرواية:


أ- التناص الديني : لقد صدر الكاتب كل فصل من فصول الرواية الستة بآية قرآنية والتصدير هو في خدمة التناص :


- الفصل الأول: لقد استدعى الاية "ان سعيكم لشتى" (سورة الليل الاية 4)


في هذا الاطار تبدا الرواية بين دنيازاد واختها شهرزاد وتبدا حكايتها عن علي بابا ومغامراته مع رفاقه وكيف انهم عصوْا قيم المجتمع وخرجوا عنهم واتخذوا من الكهوف مسكنا لهم وانهم اصبحوا كقطاع طرق لكن علي بابا في الرواية ليس ذاك الرجل الصعلوك


الذي تمرد على مجتمعه بل باعتباره رمزا للقوة والشجاعة والوفاء.


- الفصل الثاني : آية البعث :"وهو الذي يخرج الخبء" ( سورة النمل الاية 25):


هنا تكتمل رحلة علي بابا بعد عثوره على الجمجمة لتكتسي بعدها لحما وملامح بشرية ويتخذ معها الحديث وسرد وقائع حياتها قبل الممات.


- الفصل الثالث: تحت عنوان آية الغيب :"قال عفريت من الجن"(سورة النمل الاية 39):


 هنا تداخل بين عالم البشر والجن الذي يتطابق مع ما جاء في الف ليلة وليلة الاصلية عندما تختطف ملكة الجن علي بابا وتاخذ منه العقد الذي هو ملك لحبيبته فتشترط عليه لاعادة عقده ان يتزوج منها حيث يبدا العدد من ان يتخذ أربعين زوجة ومن ثم شرعية العنوان "اربعون حبيبة".


- الفصل الرابع : اية العودة: "ثم جئت على قدر يا موسى" (سورة طه الاية 40):


هنا تبدأ قصة بدر البدور تلك الاميرة الحسناء التي وقعت في حب علي بابا وهربت معه من الغدر الذي لحق والدها لتجد نفسها في مدينة أخرى ويتخذها الأمير قاضيا معادلا له بعد ان تناولت جرعة سحرية وتحولت الى رجل فيذيع صيتها بحكمها العادل بين الناس.


- الفصل الخامس آية الكشف:" تلك آية أخرى" ( سورة النحل الاية 25) :


هنا تبدا القصة المعقدة بين علي بابا و الجوهري ويخبر زوجته ليتخذه مساعدا لبنيته الجسدية  القوية ولكن عندما يتفطن للعِقد السحري الذي معه يحتال عليه من اجل اخذ ه منه  وتكتشف بدر البدور مكيدة الجوهري وتحل المشكلة وتكشف عن نفسها للأمير وتخبره بالحقيقة وتعود مع علي بابا الى قصر والدها.


- الفصل السادس: آية الدخول: "فاخلع نعليك"( سورة طه الاية 11):


 هنا يعود علي بابا مع حبيبته بدر البدور الى قصر والدها الذي أنهكه المرض والإهمال وتعمّ الفوضى المكان لكن الأمير يطلب من علي بابا ان يجد حلا لهذه الفوضى لانه رجل ذو شهامة وشجاعة وفي النهاية يتزوج علي بابا وبدر البدور ويعيشان في سعادة.


ب - التناص الادبي:


* مع علي بابا والاربعون لصا(العنوان)


*  مع ادب الصعلكة ومع الشعراء الصعاليك الذين يتقاطعون مع على بابا في تشبعهم بالقيم الإنسانية.


 * مع أدب الفانتازيا  و الحكايات الشعبية  التي هي الجذور الأولى للفانتازيا مثل حكايات الف ليلة وليلة .


وفي هذا الاطار لعل الروائي عز الدين الجلاوجي قد لعب على سلطة الدين وخيال الفانتازيا هروبا من مواجهة السلطة وهذا ما يصطلح عليه ب"التقية " ليتقي شرّ السياسيين فالرواية لا تخفي عن القارئ انها تجمع بين الظاهر والباطن وبين الوجه والقفا.


2-الابداع والتجديد بالرواية:


 تتميز الرواية عند الكاتب جلاوجي بالابداع شكلا ومضمونا:


أ-الشكل:


- تبدأ رواية  "علي بابا والاربعون لصا "من حيث انتهت قصة الف ليلة وليلة (من الليلة الثانية بعد الالف)


- التعالق الاجناسي:


+ أدب الصعلكة والتمرد على السائد من قيم ظالمة.


+ أدب الفانتازيا بما فيه من عوالم موازية وسحر واسطورة وصراع ملحمي غالبا ما يتضمن صراعا كبيرا بين قوى الخير والشر ورحلة بطولية للتصدي لقوة ظالمة.


ب- المضمون:


 - الرواية مفتوحة على العديد من التأويلات فالأسلوب العجائبي عند الكاتب ينطلق بالذات المهمومة التي يحملها الانسان وبذلك فان الرواية ترتقي الى الادب الإنساني.


- تعكس رؤية الكون وما فيه من عجائب فهو لا يقدمها جاهزة وقد تبدو مبتذلة لدى القارئ العادي لكنها هي أقنعة في باطنها وعلى القارئ الجيد ان يمارس بشيء من الشك والوعي


ليصل الى يقين الكاتب الذي يبذره في العتبات النصية وفي متن النص.


- علاقة الرواية بالتحليل النفسي *:


 تتجلى أبعاد التحليل النفسي فيها بشكل عميق من خلال:


*تفكيك عقدة "الأنا والآخر".


* اسقاطات اللاوعي الجمعي المتمثلة في الكهوف و الكنوز المخبأة.


* رمزية تحول "اللصوص " الى "حبيبات" كدلالة على ترويض الغرائز من غريزة الشر المتأصّلة في اللص الى غريزة الخير التي يجسدها الحب والحبيبة.


* ميثاق الصعلكة (التمرد النفسي والبحث عن الحرية) :


ان البطل علي بابا قد تمرّد على القيم السائدة وأسس مجتمعا خاصا رفقة أتباعه عبر ما يسمى" ميثاق الصعلكة" وهو يمثل من وجهة نظر التحليل النفسي الفرويدي تمردا وخروجا عن سلطة "الانا الأعلى"(المجتمع والقيم القمعية) وتحريرا ل "الهو"(الغرايز الحبيسة والبحث عن الذات الحرة) مما يعكس صراعا نفسيا بين الفرد والمؤسسات التقليدية.


وهو تمرد من وجهة نظر اجتماعية على "العقد الاجتماعي " لروسو".


وبالتالي فان الروائي قد قلب الطاولة على المركز بان جعل المهمشين (علي بابا واتباعه) يرتقون الى المركز بسنّ قوانين خاصة بهم (ميثاق الصعلكة).


*دلالة الانثى والتوق الى التوازن النفسي:


وجود المراة كقوة محورية(سواء بدورها في الرواية ك"حبيبات " او حتى في الحوار   بين شهرزاد ودنيا زاد في الاطار السردي يشير للنصف المكمل للذات


وهو يمثل في علم النفس التحليلي محاولة الشخصية الرئيسية تحقيق التوازن النفسي والتكامل الداخلي (الاتحاد بين عنصري الذكورة والانوثة).


وخلاصة القول فان الكاتب عز الدين جلاوجي قد جمع في روايته بين سلطة الدين ولعبة الفانتازيا عبر ثنائية التناص والابداع وبذلك قد ارتقى بروايته نحو العالمية.


شكرا له تناصا وابداعا تمرّدا وتفردا.


بتاريخ 16/ 06/ 2026


المرجع:


  *ASJP * *التحليل النفسي في رواية "علي بابا والاربعون حبيبة"



الأحد، 14 يونيو 2026

قراءة نقدية في قصيدة مرثية الوجع للشاعر : طاهر مشي / تونس بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

 قراءة نقدية في قصيدة مرثية الوجع للشاعر : طاهر مشي / تونس

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

من وقود الحزن إلى صعود الشهادة : المرثية الوطنية في شعر الشاعر التونسي طاهر مشي

قراءة في بنية الألم وتحولاته 


#القراءة: 

من وقود الحزن إلى صعود الشهادة  :  المرثية الوطنية في شعر طاهر مشي

قراءة في بنية الألم وتحولاته

++  عتبة الدخول

يُعدّ العنوان عند الناقد جيرار جينيت "عتبة" العبور إلى المتن ، هو أول ما يتلقاه القارئ فيشكّل أفق انتظاره ويوجّه قراءته . وعنوان هذه القراءة مركّب تركيباً غائياً قائماً على أداة الغاية "من... إلى" ، فيرسم مساراً دلالياً كاملاً قبل الولوج في الأبيات .

+  "من وقود الحزن" : نقطة الانطلاق والقاع الوجداني

مستلّة من قول الشاعر : " بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ " . والوقود مادة قابلة للاشتعال تولّد الطاقة . لكن الشاعر قلب  الدلالة المعجمية ؛ فالحزن في المألوف نارٌ مُحرقة تُفني صاحبها ،  لكنه هنا غدا وقوداً مُشغّلاً لنص القصيدة . فالنص لا يبتدئ من السكون ، بل من ذروة الاشتعال . ولفظة "وقود" تبشّر بأن هذا الحزن لن يبقى كامناً ، بل سيُستهلك ويتحوّل إلى فعلٍ شعري .

+  "إلى صعود الشهادة" :  نقطة الغاية والقمة المعنوية

مقتبسة من خاتمة النص : "وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ" .  والصعود عكس الهبوط والسقوط ،  وقد ورد في النص "هوى الركبُ المثقَّلُ" : فإذا كان الموت هبوطاً مادياً ، فإن الشهادة صعود روحي ؛ ولفظة "الشهادة" نقلة نوعية من الحزن الوجداني إلى المقام العقائدي . فالشاعر يأبى أن يختم نصه عند موت الأجساد ، فيسمو بالضحايا إلى مرتبة "الشهداء والشهود" .

+ أداة "من... إلى" :  بنية التحول والارتقاء

تصنع هذه الأداة حركة درامية داخلية . فالعنوان بذاته قصيدة مصغّرة ، يختصر بنية النص على النحو الآتي :

الحزن الكامن /  الحزن المشتعل وقوداً /  الفجيعة والموت /  الأثر الباقي /  الصعود والشهادة

فكأن العنوان يوجّه خطاباً ضمنياً : "لا تقف عند سواد البداية ، فإن الغاية بيضاء" ، وهو ما يميّز هذه المرثية عن مراثي اليأس المطلق .

#مقدمة:

المرثية في الشعر العربي وثيقة وجدانية و وطنية  ومنذ الخنساء وهي ترثي أخاها صخراً بقولها :  " أَعَينَيَّ جودا وَلا تَجمُدا / أَلا تَبكِيانِ لِصَخرِ النَدى "، إلى شعراء العصر الحديث وهم يرثون الأوطان ، ظلّ الحزن وقوداً للقصيدة . وفي "مرثية الوجع" لطاهر مشي ، يتحول الحزن من لوعة شخصية إلى صراخ وطن ، ومن رثاء فردي إلى تأبين جماعي ، لينتهي النص بمقام الشهادة والصعود . 


#التحليل: 

يفتتح الشاعر قصيدته بنداء استنكاري :  " أيا وطنَ الجراحِ أما كفاك  " : "وطن الجراح" إضافة عميقة جعلت الجرح هوية لا عارضاً . ويقترب هذا من خطاب نزار قباني في "قصيدة القدس" :  " قدس ، يا مدينة الأحزان / يا دمعةً كبيرةً تجول في الأجفان / لكن طاهر مشي يحاسب وطنه عتاباً مرّاً ، لا يعتذر له .

حين نتقدم في القراءة نكتشف أن الشاعر طاهر مشي يعلن عن  سرّ قصيدته :  "الحزنَ في صدري وقودُ" : نقلة بلاغية ؛ تشبه قول أبي فراس الحمداني في الأسر :  "أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر"، فالحزن عنده وقود للصمود . لكن  يجعله وقوداً للشهادة الجماعية لا للفخر الفردي  : وقود الحزن كطاقة سردية .

حين نقرأ النص تزامنا مع الحادثة فسنقر جميعنا دون استثناء عن قوته  في واقعيته : "خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ"، و "وفي كفّيهنَّ الخبزُ السعيدُ" :  ينزع الشاعر هالة البطولة الأسطورية ليُعيدهن إلى بساطة الحياة . " كادحات هن ، صديقات الفجر و شروق الشمس ، قوتهن كسرة خبز و ما تيسر ...  وهذا قريب من تصوير محمود درويش لشهداء الانتفاضة :  "على هذه الأرض ما يستحق الحياة ... رغيف يجزّئه اثنان". درويش يمجّد التفاصيل ، وطاهر مشي يبكيها حين تُسلب . يوم مقدس لصور الضحايا .

حين "هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني" لا يبكي البشر وحدهم : "كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي... بكتْهُنَّ السنابلُ" . هذا "تشخيص الكون" سمة أصيلة في المرثية عموما : قالت الخنساء : "وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار". وإيليا أبو ماضي

أتراك والأيام من أعدائي؟ يا ليل مالك لا ترق لحالتي

. طاهر يسير على الدرب نفسه : موت الأم يعني إغلاق الشمس لعينيها  : بكاء الكون : أسطرة الفاجعة .

العظيم في المرثية  أنها لا تنتهي عند "ينادي :  أينَ أمّي؟". بعد القاع يأتي التحوّل : "سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ... فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ". يخرج من جنس الرثاء إلى جنس الحماسة ، كما فعل المتنبي : "هو الموت فاختر ما لك الصبر أو جَزَع"، وسميح القاسم : "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى". الموت عندهم ليس نهاية ، بل بداية الأثر : من البكاء إلى الصعود : الشهادة .

#الخاتمة: 

"مرثية وجع" لطاهر مشي تتجاوز كونها نصاً حزينا إلى أن تكون شهادةً شعريةً على زمنٍ مثقل بالفقد . فقد نجح الشاعر في تحويل الوجع من انفعالٍ فرديٍّ عابر إلى معنى جمعي راسخ ، فجعل من الألم مادة للخلق ،  ومن الدمع وزناً للقصيدة ، ومن الفقد طريقاً إلى المعنى .

بدأ قصيدته بوصف القاع : وطنٌ جريح ، وقلوبٌ عليلة ، ومراكبُ تغرق ... ثم ارتقى به رويداً حتى حوّله إلى قمةٍ معنوية ، إذ ختمه بنداء الصبر والنهوض : "فالحق يعلو والباطل يزول". فالقصيدة بذلك ليست رثاء استسلام ، بل رثاء مقاومة ؛ تبكي الميت كي توقظ الحي .

وبذلك تلتحق "مرثية وجع" بركب المراثي الخالدة التي لا تبكي على الأطلال، بل تبني من الأطلال منارة . وكما قال المتنبي: "وما الدهر إلا من رواة قصائدي" .

يتضح جليا مما تقدم ذكره ، أن "مرثية الوجع" قصيدة عبور ، عبرت من الحزن الفردي إلى الوجع الجماعي ، ومن وصف الموت إلى صناعة المعنى . نجح الشاعر طاهر مشي في أن يجعل "الخبز السعيد" أيقونة ، وأن يجعل "صعود الشهادة" خاتمة . فالحزن عنده لم يكن وقود احتراق ، بل وقود ارتفاع . وبذلك التحق النص بقافلة المرثيات الخالدة التي بدأتها الخنساء ، وجدّدها نزار ودرويش وسميح ، ليكون راوي وجع أمة ، ليقول : نحن نموت ، لكن آثارنا سُلّم ، و ستبقى القصيدة تُقرأ ما دام الوجع فينا ، وما دام فينا من يحول الوجع إلى صعود .

#النص: 

مرثية الوجع

ااااااااااااااااا

أيا وطنَ الجراحِ أما كفاكا

بأنَّ الحزنَ في صدري وقودُ 


فكم فجعتْ ربوعُكَ كلَّ يومٍ

وكم نُكِئَتْ من الآلامِ عودُ 


خرجنَ مع الضياءِ ولم يُرِدْنَ

سوى عيشٍ به الشرفُ المشيدُ 


مضينَ على دروبِ الكدحِ صبرًا

ويحدوهنَّ للأملِ البعيدُ 


إذا اشتدَّ الزمانُ عليهنَّ قهرًا

فصبرُ الصالحاتِ هو الصمودُ 


حملنَ الهمَّ في صمتٍ نبيلٍ

وفي كفَّيْهِنَّ الخبزُ السعيدُ 


فما بلغَ المسيرُ بهنَّ أفقًا

ولا اكتملَ الرجاءُ ولا الوعودُ 


أتتهنَّ المنايا وهي تُخفي

وراءَ الغيبِ ما اللهُ يريدُ 


هوى الركبُ المثقَّلُ بالأماني

وضجَّ من المصيبةِ كلُّ عودُ 


كأنَّ الشمسَ أغمضتِ المآقي

وخفَّ بريقُها وخبا الوقودُ 


بكتْهُنَّ السنابلُ في الحقولِ

وما اعتادتْ مآتمَها الورودُ 


وأبصرَ كلُّ طفلٍ بابَ دارٍ

وليسَ يجيبُه الوجهُ الودودُ 


ينادي: أينَ أمّي؟ ثم يمضي

ويخنقُ صوتَه الألمُ الشديدُ 


سلامًا أيّتُها الأرواحُ طِبْنَ

فأنتنَّ الشهائدُ والشهودُ 


فما ماتتْ سواعدُكنَّ يومًا

وفي آثارِكُنَّ لنا صعودُ

اااااااااااااااااااااااااااااا

طاهر مشي