محمود البقلوطي تونس
(قراءة في رواية تاج الرصاص
وركعة لعينيها
للكاتبة الرواية مفيدة بن علي
*رواية "تاج الرصاص وركعة لعينيها" للشاعرة. الأديبة
الأستاذة مفيدة بن علي*
نص ينوس بين الرواية التاريخية، السيرة الشفوية، والملحمة القروية. هي ليست مجرد استعادة لمرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، بل محاولة لإعادة كتابة الذاكرة الجمعية لقرية زرمدين من زاوية الأرض والمرأة.
1 قراءة في عتبة. العنوان:
الرمزية المزدوجة
"تاج الرصاص" جمع بين صورتين متناقضتين: التاج رمز المجد والسلطة، والرصاص رمز الموت والعنف. توضح كلمات ااعنوان إن مجد هذه القرية لم يُنسج بالذهب، بل بدماء رجالها ونسائها.
وإضافة "وركعة لعينيها" تكشف المنحى الغزلي/الإنساني للرواية. التاج للوطن، والركعة للمرأة. هذه إشارة بائنة ان البطولة ليست ذكرية فقط، بل تقوم على عفة الحرائر وحضورهن.
2. البنية السردية:
من الأسطورة إلى التاريخ
الرواية تنطلق من حادثة عشق شفوية متداولة في زرمدين: "بيّة بنت العرش الكبير" والوصيف "الزنجي"
. الكاتبة تلتقط هذه الشذرة الشعبية وتعيد صياغتها على نحو روائي:
تحوّل العاشق إلى جندي ألماني هام بجمال بيّة.
اعتناقه الإسلام وانخراطه في القضية.
امتداد هذه العلاقة إلى أسطورة "انحدار جيل الاستقلال من صلب الألمان الذين مروا بشعاب معان".
هذا التحول مهم: من حكاية غرامية إلى أسطورة تأسيسية. الروائية مفيدة بن علي لا تكتب تاريخًا وثائقيًا، بل تصنع ميثولوجيا محلية تربط بين الغريب والأصيل، وتقول إن الهوية التونسية تشكلت أيضًا من التقاءات غير متوقعة.
3. قيمةالمكان وفاعليته:
الهضبة كشخصية
هضبة سيدي إسماعيل وقرية زرمدين ليست خلفية، بل فاعل رئيسي.
"عمق التراب التونسي" و"مسرى الحنين" عبارات تكشف أن الأرض أم، شاهدة، وحاضنة للذاكرة. النضال المسلح لا يحدث في فراغ، بل في أزقة القرية، بين البيوت الطينية، وسط أمثال اللهجة التونسية. الرواية تستعيد التراث الشعبي ليس كزينة، بل كسلاح سردي يمنح الشخصيات صوتًا أصيلًا.
4. الشخصيات: ثورة ووفاء
الشخصيات تنبض بـ"الثورة والوفاء" لأنها ليست فردية بقدر ما هي نماذج:
بيّة: الأنثى التي تخرج من التهميش لتكون محور الأسطورة. جمالها ليس للاستهلاك، بل سبب لالتحام الغريب بالقضية.
الجندي الألماني: شخصية "الآخر" الذي يختار الإنسانية على الانتماء العسكري. اعتناقه الإسلام وانحيازه للمقاومة يكسر ثنائية المستعمر/المستعمَر.
رجال القرية وحرائرها: يمثلون الجماعة المقاومة. تصر الكاتبة على ذكر "عفة الحرائر" لأن معركة الشرف عندها ليست فقط بالرصاص، بل بصون الكرامة.
5. اللغة والأسلوب
اللغة "سلسة وسرد ملهم" الكاتبة متجذرة في اللهجة التونسية وأمثالها. وهذا مكنها ان تخلق توازنًا بين الفصحى الروائية والشفوية الشعبية. النتيجة: نص يقرأه المثقف بسهولة، ويجد فيه ابن القرية صوته.
الأسلوب يميل إلى الخطابية الاحتفالية، خصوصًا في ختام المقطع:
"تاج الرصاص رواية الأرض ورواية الأنثى الكاتبة ومرآة البطلة الثائرة". الرواية صارت مرآة مزدوجة: تعكس البطلة وتكشف الكاتبة.
6. الثيمة الكبرى: كتابة التاريخ من الهامش
الكاتبة مفيدة بن علي لا تذهب إلى باريس أو قصر قرطاج لتروي المقاومة. هي تنزل إلى "القرية الريفية"، إلى نساء مجهولات، إلى قصص عشق لم تُدوّن. بهذا تقلب معادلة التاريخ الرسمي:
البطولة ليست للزعماء فقط، بل للفلاحين والعاشقين.
النسب لا يحدده الدم النقي، بل الاختيار الأخلاقي.
التاج الحقي يُصنع من الرصاص، أي من التضحية، لا من السلطة.
7. ملاحظات نقدية عامة-
تكمن قوة الرواية في طابعها الشفوي الملحمي، لكن هذا قد يجعلها أقرب إلى الحكاية الممجدّة منها إلى الرواية التحليلية. العلاقات النفسية للشخصيات أقل تعقيدًا من الميثولوجيا التي تحيط بهن.
توظيف قصة الجندي الألماني جريء لأنه يكسر الصورة النمطية للعدو، لكنه يحتاج لمعالجة سردية دقيقة حتى لا ينزلق إلى الرومانسية التبسيطية.
اللغة المتجذرة في الأمثال قوة، لكنها أحيانًا تثقل الإيقاع وتجعل السرد أقرب للخطاب الاحتفالي.
الخلاصة
"تاج الرصاص" رواية استعادة. الأستاذة الكاتبة مفيدة بن علي تقف كشاهدة بحرفها لتتويج نضالات قرية منسية، وتعيد للمرأة والتراب مكانهما في ذاكرة النضال من أجل الاستقلال. هي رواية الأرض والأنثى، حيث الحب والرصاص يصنعان معًا تاجًا للقرية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق