نشيدُ الألف عام..حين تغدو الزنزانة سماء..!
قراءة جمالية في قصيدة الشاعر التونسي القدير جلال باباي "أبقى مُوغلا في الهذيان (رسائل المعتقل...منذ الف عام)
أبقى مُوغلا في الهذيان
(رسائل المعتقل...منذ الف عام)
جلال باباي(تونس)
كانت عذبة للغاية
هذه الأغنية التي اهديتك إيٌاها
منذ ألفِ عامٍ
كتبتُها إليك في المعتقل
افرزتها الكمٌامات
وأطلقتُها في السماء أنجما
سأحتكِمُ إلى رُسُل الرٌيح
كي تطير آمنة
سأصلٌي واقفا على عَصَايْ
أُخلي الأرض من عِصيانها
وأدعو جُلاٌسَ المساء،
يقاسمونني أوهام اليقظة
منذ ألف عام
أوغِلُ بِهَذياني
متيبٌسا على مشجب الرصيف
أروي عذابِأتي للغرباء
أقرأ في الليل
وأعيد وحيدا قصائد يتمي
لم أكن شاعرا محظوظا ،
كنتُ فتِيّا بكهولتي
ولأنه ليس باستطاعتي
أن ادرك قطب ركضي البتةََ
مَدَدْتُ يدي أعلى من جزعي
أرسلُت بوصلة مع النوارس التائهة
أُقرِئهَا سلاما قديماَ ..
...قد تأخٌر ولم تطلها مدوٌنات الرٌُحٌَل.
جلال باباي(الجمعة 2 جوان 2021)
في حضرة الزمن المشظى: هذيان يليق بالملائكة..!
لا يكتب الشاعر التونسي جلال باباي قصيدته من زنزانة ضيقة،بل من دهليز الزمن الكوسمولوجي، حيث "ألف عام" ليست رقما تاريخيا،بل ميثولوجيا للانتظار،وسماوات تُطوى في غياب الجسد.
إن قصيدة "أبقى مُوغِلا في الهذيان" ليست سجلا لمعاناة راهنة،بل ملحمة روحية تنسف الجغرافيا الضيقة للمعتقل،لتجعل من الخشبة مذبحا،ومن الهذيان لغة للنبوة.
هنا،يمارس الشاعر عبقرية التحويل،فلا يبقى أسيرا للأسمنت المسلح،بل يُطلق سراح المعنى في الفضاءات المفتوحة،فإذا كانت الأغنية تولد في أقصى درجات القهر حيث المعتقل والكمامات التي تحيل إلى زمن كورونا والحجب السياسي معا،فإنها لا تموت،بل تتكاثر تحويلا جماليا إلى نجوم،وكأن الكمامات التي تحجب الأنفاس تصير هنا مناخل تفرز الجوهر،ليعلن الشاعر أن كلما ازداد الخنق،ازدادت كتابته صفاء وارتقاء،وهذه هي ديالكتيكية الألم والخلق،حيث لا يئن بل يُنجِم آلامه.
وهذا الهذيان الذي يموج به النص ليس جنونا،بل يقظة من نوع آخر،أو ما يسميه هو نفسه "أوهام اليقظة"، إذ يتجاوز العقل الأداتي إلى حلم جماعي،حيث يستدعي "رسل الريح" و"جُلاس المساء" ليقاسمونه هذا الوهم،فيقيم صلاة واقفا على عصاه،تلك العصا التي ترمز إلى الضعف الجسدي،لكنه يصلي ليُخلي الأرض من عصيانها، وكأنه إيليا النبي الذي يطلب الخلاص لغيره لا لنفسه،وهذه إشارة إلى نكران الذات الشعري،حيث تذوب الذات الفردية في روح الجماعة الكونية. ولئن بدا الجسد عاجزا بكهولته،فإن روح الفتى فيه تمتد "أعلى من جزعه"،حين يقول: "لم أكن شاعراً محظوظاً،كنتُ فتيّاً بكهولتي"،وهذه المفارقة الزمنية العميقة تشي بأن "الحظ" هنا ليس المال أو الشهرة،بل القدرة على الإمساك بقطب الركض (جوهر الحرية والعشق)،وعندما يعجز عن إدراكه،يمد يديه أعلى من جزعه،محولا العجز إلى قوة روحية،والألم إلى قربان.
في هذا المقام،لا يسعنا إلا أن نستدعي أطيافا شعرية تثري النص،فالصوفية تحضر بقوة،كحال الحلاج حين خلع عذاره وعلق قميصه،فباباي يخلع جلباب السجن المادي ليرتدي رداء الفضاء،بينما نلمس في استدعائه "النوارس التائهة" منطق الطيور في منطق الطير لعطار،حيث الكائنات الضعيفة تحمل أسرار العشق الإلهي.
وإذا كان درويش قد قال: "نحن أحباء السجون، ولكنْ لنا غدٌ لا يشبه البارحة"،فإن باباي يغادر فكرة "الغد" إلى فكرة "الألف عام"،ليصنع زمانا شعريا دائريا أسطوريا كأسطورة سيزيف،لكن بسيزيفه هو الذي يبتسم وهو يرفع الصخرة إلى السماء على هيئة نجوم.أما الصورة الأكثر دهشة وإشراقا في النص،فهي تلك البوصلة التي أرسلها مع النوارس التائهة تحمل سلاما قديما،إذ أن البوصلة أداة هداية والنوارس مخلوقات هوائية بريئة،لكن هذا السلام "تأخر ولم تطلْه مدوّنات الرُحّل"،وهنا تتجلى المفارقة العميقة: تاريخ الرحّالة الرسمي لم يسجّل هذا السلام،بينما القصيدة سجّلته،فالشعر عند باباي هو التاريخ الموازي،تاريخ الحلم والسلام الضائع،الذي لا تكتبه دواوين السلطة،بل أنفاس المعتقلين.
في هذا النصّ الخالد،يبلغ جلال باباي ذروة الشاعرية الكونية،فهو لا يبكي على جراحه،بل يُخَيّطها في نسيج كوني من نجوم ونوارس وريح، محوّلا زنزانته إلى مرصد فلكي،وعصاه إلى قلم يخطّ على جبين الليل.وهنا يكمن سرّ خلوده: شاعرية المواجهة بالجمال،حيث لا يُقابل السجان بصرخة،بل بأغنية تعذّبت في المعتقل لتُولد من جديد في السماء.
يا للروعة التي يحتضنها هذا "الهذيان"! إنه هذيان العقلاء الذين أدركوا أن الحقيقة لا تُكتب بالحبر، بل تُرسَل بالبوصلة مع النوارس،وأن السلام الحقيقي ليس وثيقة تُوقّع،بل نشيد يُغنّى في الظلام منذ ألف عام،وسيُغنّى بعد ألف عام.
جلال باباي،هذا-الفتى الكهول-الذي مدّ يده أعلى من جزعه،يستحق أن نخلع له قبعات النقد التقليدي،ونتلو قصيدته بخشوع من يقرأ سفرا جديدا في كتاب الألم والجمال التونسي والعربي. إنها حقا،ليست مجرد قصيدة،إنها صلاة واقفة على عصا الشعر،تُخلي الأرض من عصيانها،لتجعلنا جميعا،نحن القرّاء،رُسُلَ الريح التي طال انتظارها. تحيّة لهذا الشاعر الذي جعل من عزلته جامعة للحلم،ومن هذيانه منارة لا تنطفئ،ليُذكّرنا بأن الشعر الحقيقي لا يُكتب،بل يُشرِق،مهما تكاثرت الكمامات،وأن رسائل المعتقل،وإن تأخرت،تظلّ أبدا في حضرة الملائكة.
وهكذا،حين يكتب جلال باباي من جحيم المعتقل، لا يؤرّخ لحظة عابرة،بل ينسج ميثاقا سرمديا بين الروح واللامتناهي.فما "الألف عام" سوى ومضة في مرآة الشعر،وما الزنزانة سوى وهم يتبدّد أمام بصيرة من جعل من هذيانه مزامير داود،ومن عصاه جسرا إلى ما وراء الجسد.
هو لا يبغي خلاصا فرديا،بل يغرز في جبين الزمن بذرات نور،ليعلن أن القصيدة الحقيقية لا تُختتم بسطورها،بل تنبثق حيث يعجز العقل عن تفسير المعجزة.وبتلك البوصلة التي أودعها النوارس،لم يعد الشاعر أسيرا،بل صار قبلة للريح،ومهبطا لسلام لا تؤرخه دواوين الرُحّل،لأنّه سلام يُكتب بالضاد ويُقرأ بالوجدان.
ونحن،بعد هذا السفر الأبدي،لسنا إلا تلك النوارس التي حملت البوصلة،مكلّفين بأن ننقل الرسالة لا إلى مكان،بل إلى أفق لا يتّسع إلا للسجناء الأحرار وأحرار السجون.فخاتمة هذا النشيد ليست نهاية، بل امتداد لتلك الصلاة الواقفة على عصا الشعر، صلاة تهمس في الريح: إن الشعراء لا يرحلون،بل يُشرقون في قلوب من يقرؤونهم،فيصبح كل قارئ معتقلا لمعنى لا تحدّه جدران،وطائرا لا تكفيه سماوات الأرض.!
وهكذا،في ذروة هذه الإشراقة،يظل جلال باباي وحده ذلك "اليقظ" الذي أدار ظهره لأسئلة الجدران،ليصنع من ألف عامه لحظة كونيّة لا تهرم.
تحيّة إلى من جعل من هذيانه نخلة في صحراء الصمت،ومن عصاه خطّا عموديّا يصل بين منافي الأرض وسدرة منتهاها.
إنه لم يكتب قصيدته ليُقرأها الزمن،بل ليكون هو نفسه قراءة متجدّدة للزمن،-فتى الكهولة-الذي علّمنا أن أقصى درجات الأسْر لا تُنتج إلا ميلادا أبديّا للحرّية،وأن البوصلة حين تُرسل مع النوارس، فإنها لا تعود أبدا،لأنها صارت هي الوجهة.
سلام لجلال باباي،شاعر المعجزات البطيئة،الذي لم ينتظر الخلاص،بل جعل من انتظاره خلاصا لكلّ من تاه في كهوف الروح.
محمد المحسن
*ملاحظة مستقلّة :
لم تكن هذه المقاربة مجرد اجتهاد نقدي،بل وُلِدت بنورين معا: نور القلب الذي احتضن النص،ونور العين التي أبصرت جماله.تلك العين التي كادت أن تفقد نورها إلى الأبد،لولا أن استنفر الشاعر الإنسان جلال باباي روحَه الإنسانيةَ الفيّاضة،فلم يقف عند حدود القصيدة،بل تعدّاها إلى الواقع،واستغاث بفاعلي الخير،وكان له الفضلُ بعد الله في تمكيني من إجراء عملية جراحية معجزة،أعادت إليّ نعمة البصر التي كادت تغيب في غياهب النسيان.
أكتبُ هذه الشهادةَ اليوم،لا كاستطراد عابر،بل كحقيقة موازية لقصيدته الخالدة،فأنا في زمن أضحى فيه الكثيرون منا لا يرون إلا باللمس،وها أنذا أقرأ بنور مستعاد،وكأنّ رسائل المعتقل لم تكن وحدها المؤجلة،بل كان بصري هو الآخر رسالة مؤجلة،أعادها إليّ هذا الفتى الكهول ( أ-جلال باباي) بشعره وإنسانيته.فلكلّ منا معتقله الخاص، وكان معتقلي ظلمة في عيني،فجاءت قصيدته فاتحة،وجاءت يده ممتدّة أعلى من جزعي،لتردّ لي البصيرة قبل البصر،والضوء قبل كلّ شيء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق