مفارقة ثنائية القسوة والحنين في نص الشاعرة سهى الجربي
اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
تقوم التجربة الشعرية في نص سهى الجربي على مفارقة شعورية عميقة تتأسس على ثنائية القسوة والحنين، وهي مفارقة تجعل الذات تتحرك بين نقيضين: الرغبة في التماسك والانغلاق، والانجذاب الخفي نحو الانكسار العاطفي. فالشاعرة لا تقدم الحب بوصفه حالة استقرار، بل تصوره قوة قادرة على تفكيك البنية النفسية الصلبة للذات، وتحويلها من حالة المقاومة إلى حالة الاستسلام الوجداني.
منذ البداية، تخلق الشاعرة فضاءً شعريًا قائمًا على التوتر بين الرقة والعنف، إذ تقول:
أقترب كما تقترب سماء من زهرة
فالاقتراب هنا يبدو ناعمًا وشفافًا، لكنه يخفي داخله توترًا عاطفيًا عميقًا. فالسماء بما ترمز إليه من علو واتساع تقترب من زهرة هشة صغيرة، وكأن الشاعرة تمهد منذ المطلع لعلاقة تقوم على اختلال التوازن بين القوة والرقة. ثم تتطور الصورة حين تجعل «النجوم شوكًا» رشقته الزهرة في ظهر السماء، لتتحول عناصر الجمال الكوني إلى أدوات ألم، في مفارقة تكشف أن الحب يحمل في داخله اللذة والوجع معًا.
وتبلغ ثنائية القسوة والحنين ذروتها في قولها:
كنت امرأة بملامح جدار صلد
فالجدار هنا ليس مجرد صورة عابرة، بل رمز نفسي كثيف الدلالة؛ فهو يعكس ذاتًا احتمت بالقسوة لتتفادى الخيبة والانكسار. إن ملامح الجدار توحي بالجمود والانغلاق والبرودة العاطفية، وكأن الذات أقامت حول نفسها حصنًا يمنع تسلل المشاعر. كما أن وصف المرأة بالجدار يشي بفقدان الليونة الإنسانية، حتى غدت الذات أشبه ببناء صامت لا تهزه العواطف.
غير أن المفارقة تتجلى في أن هذا الجدار الصلب لا يسقط أمام قوة مادية، بل أمام أثر رقيق وعابر:
فكيف لرائحة ما
هذه الأصابع الحديدية
تطيح جدراني
وتذرني رملاً حذو نوافذك
هنا تبلغ الصورة الشعرية مستوى عالٍ من الإدهاش؛ إذ يتحول ما هو حديدي وصلب إلى كيان هش قابل للتفتت. والرائحة، بما تحمله من خفة ولامرئية، تصبح أقوى من “الأصابع الحديدية”. وهذه المفارقة تكشف أن الحنين لا يعمل بالعنف، بل بالتسلل الهادئ إلى أعماق الذات حتى يفتتها من الداخل. فالقوة الظاهرة تنهزم أمام أثر عاطفي خفي، والجدار الذي أوحى بالثبات ينتهي إلى “رمل”، أي إلى مادة رخوة متبعثرة فاقدة للتماسك.
كما تتسع هذه الثنائية عبر صور أخرى مشبعة بالإيحاء، مثل قولها:
بعناقات مهرّبة من جمارك الوقت
فالاحتضان هنا ليس فعلًا عاديًا، بل فعل مقاومة للزمن وللقيود. واستخدام لفظة “مهرّبة” يمنح العناق بعدًا سريًا وممنوعًا، وكأن الحنين يعيش خارج القوانين. كذلك فإن عبارة:
وقطيع من الانتظارات
تحوّل الانتظار من إحساس فردي إلى كائن ثقيل متكاثر يرافق الذات ويثقل خطاها. فالحنين هنا ليس لحظة عابرة، بل عبء دائم يستوطن الداخل.
ومن ثمّ، فإن النص يقوم على شبكة من التقابلات:
* الصلابة / الهشاشة
* الحديد / الرمل
* الجدار / النافذة
* القسوة / العناق
* الانغلاق / الاقتراب
ومن خلال هذه التقابلات تؤكد الشاعرة أن الحب لا يقتحم الذات بالقوة، بل يعيد تشكيلها بهدوء. فكل ما بدا صلبًا يتهاوى أمام الحنين، وكل ما بدا مغلقًا ينفتح على هشاشته الإنسانية. وهكذا تتحول القسوة في النص من علامة قوة إلى قناع تخفي وراءه الذات خوفها العميق من الحب، بينما يصبح الحنين القوة الحقيقية القادرة
على كشف هشاشة الإنسان مهما بدا متماسكًا.
النص
ااااااااا
أقترب كما تقترب سماء من زهرة
لا أحد يقول أن قطرة ندى
هي آخر ما تبقّى من قبلة غيمة على وجنة وردة
وأن النجوم شوك رشقته زهرة في ظهر السماء
وهي بين ذراعيها تمارس آخر طقوس الحب.
لا أحد يشفق على السماء ويلعن الورد.
ثم أعود منك
بظهر مقوّس مثقل بعناقات مهرّبة من جمارك الوقت.
أقدام تجرّ عربة من النظرات
وقطيع من الانتظارات لا يسعها الدخول من باب غرفتي.
كنت امرأة بملامح جدار صلد
أكتب عن الحب كنجم فالت من تلسكوب فلكيّ
أعلّق على أضلاعه أمنيات بعيدة
فكيف لرائحة ما هذه الأصابع الحديدية
تطيح جدراني وتذرني رملا حذو نوافذك.
سهى الجربي
الوجدان الثقافية
طاهر مشي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق