الثلاثاء، 5 مايو 2026

"طائرٌ لا يُكَلَّفُ.. وعَرَبٌ تَغَيَّبوا.." قراءة فنية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 "طائرٌ لا يُكَلَّفُ.. وعَرَبٌ تَغَيَّبوا.." قراءة فنية في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير


تصدير:

قبل أن تبدأ القصيدة،توقف أمام هذه الصورة الصاعقة: نمرودٌ يُحرِقُ خليلَ الله في نارٍ عظيمة، وطيرٌ صغير يملأ منقاره ماءً يُلقي به على النار.. قطرةً قطرةً.لم يكن يظن أنه سيُطفئها،لكنه كان يعلم أنه لن يسكت!

 ها هو الطير يفعل ما يقدر،بينما المكلفون يتفرجون..فإذا كنت في زحمة الخذلان العربي، وتحت سماء صامتة لا تُغيث غزة إلا بالكلمات الباردة،فاقرأ هذه القصيدة كجرح يفضح الصمت، وكصوت طائر يريد أن يوقظ أمة تغفو على لهيب نار.


"بعد أن قذف النّمرودُ سيّدَنا إبراهيم عليهِ السّلامُ في النار كان طيرٌ يملأ مِنقارَهُ ماء ويُلقي بهِ على النار فهل يَعتقدُ أنَه سيُطفئُها ؟ لا ولكن لِيعملَ شيئاً يقدرُ عليه لإنقاذه!

 ألطّيْرُ فكّرَ أن يُساعِدَ مُبتَلًى

يَصْلى بِنارٍ علّهُ...يتَقرّبُ!


كيفَ السبيلُ ويعرُبٌ ملءُ الفضا

والنّار تعصِفُ والدّماءُ...تُخَضِّبُ ؟!


كلٌّ  (بغزّةَ) يستغيثُ  لِنجْدَةٍ

والدّمُّ يُسفَكُ والأسارَى...تُعَذَّبُ 


مَن لمْ يمُتْ بالسيْفِ ماتَ لِجوعِهِ

 والعُرْبُ ترقُبُ،مسلِمونَ...تَغيّبوا


لا أُذنَ تسمعُ،لا عيونَ بصيرَةٌ

لا ماءَ يُطفئُ،لا حمِيّةَ...تُرْعِبُ


ألطّيرُ  فكّر  وهوَ  غيرُ  مُكَلَّفٍ 

ليتَ العُروبةَ تقتَدي بِهِ...تغلِبُ


وتُساعِدُ الغزّيَّ ، تُنقِذُ أهلَهُ

وتَدُُكُّ صَرْحاً للعدُوِّ…وَتضرِبُ!


       عزيزة بشير


في زمن تداخلت فيه الأصوات حتى تكاد تفقد هويتها،وانفصمت العرى بين الأقوال والأفعال،تبرز قصيدة "الطير والنمرود" للشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير كجرح نابض في ضمير الأمة،تضرب على وتر أليم يرن في أعماق الوجدان: وتر ذلك الصراع الأبدي بين الفعل الفردي الصادق والصمت الجماعي المخزي. تستلهم الشاعرة مشهدا قرآنيا خالدا،مشهد سيدنا إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار،فإذا بطير صغير يحمل في منقاره قطرة ماء لا ليدّعي إطفاء النار،بل ليقول للوجود كله: "ها أنا أفعل ما أقدر عليه".هذه اللحظة العارية من كل منطق نفعي هي مفتاح القصيدة،حيث تصبح ثنائية الطير والنمرود استعارة كبرى للصراع الأزلي بين إرادة ضعيفة لكنها صادقة،وسلطة جبارة لكنها خاوية من كل قيمة.فليس الطير هنا رمزا للعجز،بل للشجاعة الأخلاقية التي لا تحسب الأمور بميزان الربح والخسارة،بل بميزان التكليف الوجداني الذي يسبق كل تكليف شرعي.

 وفي هذا السياق،تقول الشاعرة: "ألطّيْرُ فكّرَ وهوَ غيرُ مُكَلَّفٍ / ليتَ العروبةَ تقتَدي بِهِ...تغلِبُ"،وهذه المفارقة النقدية الحادة تشبه صفعة مدوية: طير لا يكلفه أحد يتقدم إلى الفعل،بينما العرب والمسلمون-وهم المكلفون'يقفون متفرجين وقد "تغيّبوا" عن أسمى صفاتهم الجامعة.!

 إنها ليست صفعة في وجه النظريات السياسية فقط،بل في روح كل من يبرر الصمت بحساب الموازين البارد.

وتجيد الشاعرة انتقاء مفردات تحمل شحنات درامية عالية،ففي كلمة "تَغَيَّبوا" ليس المقصود غياب الجسد،بل غياب الروح والهوية والضمير، غياب العروبة الحقيقية التي يفترض أن تكون فعلا حيا لا اسما جامدا.وفي عبارة "لا حَمِيَّةَ تُرْعِبُ" نفقد ذلك الغضب الشريف الذي يخيف العدو،فلا يبقى في المشهد إلا الدم الفلسطيني المسفوح،الذي تُخَضِّبُ به الأيدي،أي تلوّنها بالحمرة السوداوية للجريمة المتواصلة.ثم تأتي كلمة "يَصْلى" لتمد فعل الاحتراق من الجسد إلى الروح، ليشمل الإهانة والعذاب النفسي قبل الجسدي، حتى كأن الاحتلال نار تعصف،ونمرود جديد، والمقهورون إبراهيم يُحرق في كل يوم،والطير الوحيد الذي يقطر الماء هو فلسطين نفسها أو غزة بالتحديد،أو أولئك الشرفاء الذين لا يطيقون رؤية العار.ومن هنا تبرز تقنية الاستفهام التوبيخي العالية التوتر،كقولها: "كيفَ السبيلُ ويعرُبٌ ملءُ الفضا...والنّار تعصِفُ؟!"، فـ"يَعْرُبٌ" هنا ليست مجرد تسمية جغرافية،بل صفة للقوة والعزة تحولت إلى ضجيج فارغ في الفضاء،عرب يملؤون الخريطة لكنهم لا يملؤون الموقف،كثرة لا تعني شيئا أمام نار واحدة يشعلها عدو صغير،وهذا هو الاستنكار السقراطي بعينه: كيف نكون بهذه الكثرة وذلك الذل؟!

والجميل أن الشاعرة عزيزة بشير،التي تكتب من ديار الغربة ( الإمارات العربية المتحدة)،بعيدا عن ساحات القتال،تثبت أن الغربة الجغرافية لا تعني غربة الوجدان،فصوتها يظل صارخا لأنه لم يحترق ببرود المنافي،بل ظل ملتهبا بالقضية كأنها تعيش فصولها لحظة بلحظة.إنها تمارس دور الطير ذاته: منقارها ممتلئ بالقصيدة التي قد لا تطفئ نار غزة، لكنها تشعل نارا أخرى،نار الخجل في ضمير المتفرجين.وفي مشهد نقدي لافت، تقول: "مَن لمْ يمُتْ بالسيْفِ ماتَ لِجوعِهِ"،فتنعى عربا ماتوا جوعا وهم في أوطانهم المترفة،بينما غزة تموت بالسيف والحصار معا،وهذه المعادلة المؤلمة تفضح كل الحسابات الإنسانية والعروبية المزيفة.

 القصيدة،وإن بدت في ظاهرها رثاء لغزة وتأبينا للضمير الغائب،إلا أنها في صميمها دعوة للصحو الفردي قبل الجماعي،وتذكير بأن النصر يبدأ من منقار طير واحد لا يريد إلا أن يكون مع الحق ولو كان عدوه نمرودا بكل جبروته.وهنا نرفع القبعة إجلالا لهذه الشاعرة الفلسطينية المغتربة،الأستاذة عزيزة بشير،التي ظل صوتها المناضل مدويا من أرض الإمارات العربية كجسر من كلمات لا تهتز، يحوّل القصيدة إلى وثيقة مقاومة،والطير إلى أيقونة عز،والنمرود إلى حفنة رماد تذروه رياح الصمت العربي المخزي..إنها لا تكتب فقط حزنا على فلسطين،بل تكتب استنفارا للعروبة المنسية، وإعلانا أن لا تحرير بلا نار داخل النفوس أولا.

 فلها منا كل التقدير،فهي بينما يغرّد الآخرون للمجد الفارغ،تغرّد هي بالكرامة الحقيقية: كرامة الطير الذي يفعل ما يقدر..راجين أن يكفي الله العذاب عن غزة،ويعيد للأمة عقلها وعروبتها وإنسانيتها.

والله من وراء القصد.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق