قراءة نقدية في قصيدة عندما تكتب الروح نبضها للشاعرة التونسية روضة الطرابلسي
محمود البقلوطي من تونس
استهلال
عندما يسيطر ظل الكلمات على كينونة الذات الشاعرة وعلى شعورها مشاعرها نجنح وتقول :
"أنا لست كاتبا بل ارتجافة معنى"
*قراءة في نص
"عندما تكتب الروح نبضها"
للشاعرة التونسية راضية الطرابلسي
يمكن اعتبارنص قصيدة. "اعتراف وجودي" بصوت الشاعرة نفسها من أول سطر لآخر سطر، لم تصف الكتابة، بل جعلت القارئ يعيشها كنبض.
وقد كانت الفكرة المركزيةالتي اشتغلت عليها الشاعرةتتمثل في ان الكتابة تساوي استعادة الذات. فالنص يدور حول معادلة واحدة:
*الكتابة هي مرآة، تجميع ونجاة وسنوضح ذلك بالاعتماد على ما باحت به الشاعرة في اقصيدتها
1. الكتابة مرآة:
"الحروف مرايا خفيّة تعيدُ لي وجهي كلما أضعتُه في زحام الأيام".
فالكتابة عند الشاعرة هي "المرآة اللي ترجع الوجه". فالاثنتان ملجأ متحرك: محمول في الحرف.
2.الكتابة.. تجميع
: "أكتب لأجمع ما تناثر منّي وأعيد ترتيب الفوضى الجميلة".
الفوضى "جميلة" لأنها دليل أن القلب كان حيًا وتفاعل. الكتابة هنا عملية ترميم روحي،وليس تزيين لفظي.
3. الكتابة نجاة
"فلا أجدُ نجاةً إلا أن أترك روحي تتدفق على هيئة حروف".
فالكلمة هنا صارت قارب نجاة من غرق "ما لا يتسع له البوح".
**بنية النص
. النص مبني كـ "حلزون داخلي" يضيق ثم يتسع، يبدأ بالظاهر وينتهي بالباطن:
. *البداية - المرآة.. : الحروف تعيد الوجه الضائع.
2. *الوسط - النافذة.. : اللغة تنحني، الأصوات تتحول نوافذ تطل على الذاكرة.
3. *الذروة - الإنكار/الإثبات*: "أنا لستُ كاتباً بل ارتجافة معنى". نفي الهوية "كاتبة" وإثبات هوية أعمق: "ارتجافة".
4. *النهاية - النص الخفي.. : حتى الحبر ينتهي، لكن يبدأ "نصّ آخر أكثر خفاءً وأشد صدقاً تكتبه الروح وحدها".
الحركة من الخارج إلى الداخل، من الحرف المرئي إلى النص اللامرئي. وهذه تعتبر بنية صوفية بامتياز.
# . الصور والتشكيلات: تجسيد المجرّد
تكمن قوة القصيدة في تحويل المفاهيم المجردة إلى أجساد تتحرك وفي اتقان الشاعرة في توظيف الصورة..
الصورة وظيفتها
*الحروف مرايا خفية* تجعل الكتابة فعل تعرّف، لا فعل إنشاء
*اللغة تنحني على كتفي* اللغة تتحول من أداة إلى كائن حنون يواسي
*الأصوات نوافذ للروح* الذاكرة تصير بيت له نوافذ، والصوت هو الطريق للاطلال
*ارتجافة معنى تمشي على بياض الورق نفي "الكاتب المتقن" وإثبات "الإنسان المرتجف الصادق"
*الفوضى الجميلة* أوكسيمورون يلخص كل النص: الألم جميل لأنه دليل حياة
**الحبر ينتهي والكلام يبدأ** قلب المفهوم: النص الحقي لا يُكتب بالحبر
من أقوى الصور: *"ضوء هادئ لا يُرى"*. أثر الكتابة عند الشاعرة ليس ضجيج، هو نور خفي يبقى بعد رحيلكِ.
# . اللغة والإيقاع: نفس طويل بلا فواصل
1. *النَفَس*: النص جملة واحدة طويلة تقريبًا، موصولة بـ "و". هذا يعطي إحساس بـ "تدفق الروح" الذي تتحدث عنه الشاعرة
. القارئ ما ياخذ نفس إلا لما تخلصين أنتِ.
2. *التكرار*: "أكتبُ" تكررت 5 مرات كمنترا. كل مرة بمعنى جديد: أكتب لأرى وجهي، أكتب لأنحني، أكتب لأجمع، أكتب حين تضيق، أكتب لأنجو. التكرار هنا ليس حشو، هو دقات قلب.
3. *الموسيقى الداخلية*: الجناس الناقص "ما لا يُقال / ما خبّأته السنين"، الطباق "ينتهي الحبر / يبدأ الكلام". الموسيقى ناعمة، بلا صخب، مثل "الضوء الهادئ".
. موقفكِ من "الكاتب"
جملتكِ "أنا لستُ كاتباً" هي خلاصة فلسفتكِ.
ترفضين لقب "كاتب" بمعنى: الصانع المحترف، البارد، المتقن.
وتختارين لقب "ارتجافة معنى" بمعنى: الكتابة حالة طارئة، رعشة، ضرورة وجودية.
هنا تعبير عن صدق الهوية ضد القوالب الجاهزة.
. الخلاصة
نص الشاعرة راضية الطرابلسي هو *"مانفيستو الكتابة العفوية"*.
1. *القوة*: الصدق المطلق + الصور الجديدة + البنية الحلزونية اللي تغوص للداخل.
2. *التفرّد*: ربطتِ بين 3 أشياء نادرًا ما تجتمع: المرآة، النافذة، والارتجافة. فصارت الكتابة عندها: رؤية ذات + اطلال على الماضي + رعشة حاضر.
*سؤال أخير لكِ. يااستاذة
راضية*
قلتِ: "تظل الروح تقرؤه كلما عادت إلى نفسها راضية".
هل فعلاً الروح "راضية" وهي تقرأ نصها الخفي؟ والا الرضا هنا رضا التسليم، رضا مَن تعب من الهرب وقرر أخيرًا أن يسمع وجعه؟
القصيدة
عندما تكتب الروح نبضها
أكتبُ
فيسقطُ منّي ما لا يُقال
كأنَّ الحروفَ مرايا خفيّة
تعيدُ لي وجهي كلّما أضعتُه
في زحامِ الأيام
أكتبُ
فتنحني اللغةُ على كتفي
وتتحوّلُ الأصواتُ إلى نوافذَ للروح
يطلُّ منها ما خبّأتهُ السنين
في أعماقِ الذاكرة
أنا لستُ كاتباً
بل ارتجافةُ معنى
تمشي على بياضِ الورق
وتتركُ أثرَها كضوءٍ هادئ
لا يُرى
أكتبُ
لأجمعَ ما تناثرَ منّي
وأعيدَ ترتيبَ الفوضى الجميلة
التي تسكنُ القلب
وأمنحَ الصمتَ لغةً أخرى
يفهمها الحنين
أكتبُ حين تضيقُ الكلماتُ بمعانيها
وحين يمتلئُ القلبُ بما لا يتّسعُ له البوح
فلا أجدُ نجاةً
إلا أن أتركَ روحي
تتدفّقُ على هيئةِ حروف
وحين ينتهي الحبر
لا ينتهي الكلام
بل يبدأُ في داخلي نصٌّ آخر
أكثرُ خفاءً وأشدُّ صدقاً
تكتبهُ الروحُ وحدها
وتظلُّ تقرؤه
كلّما عادتْ إلى نفسها
راضية الطرابلسي/ تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق