السبت، 4 يوليو 2026

قراءة نقدية في نص الشاعر و القاص أحمد اسماعيل / سوريا بقلم الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس

 قراءة نقدية في نص الشاعر و القاص أحمد اسماعيل / سوريا

بقلم الأستاذة الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس

"تأرجح العشق: بين ذنب الغياب ومراهقة اللقاء"

قراءة في شعرية الاستثناء

القراءة :


العتبة: قانون الكسر عند المرآة

ينطلق النص من عتبة فارقة : "وأنت تقفين أمام المرآة". فمنذ هذه اللحظة يتأسس قانون النص كله على كسر شيئين معاً : الزمن والتصنع . المرآة هنا ليست مرآة تجميل، بل مرآة حقيقة وقضاء عادل : يتجلى ذلك في سيل الأوامر النافية : "لا تسرحي شعرك... لا تغيري من محيا وجهك... لا تهمسي للصدى".

فبانقلاب دور المرأة من تزويق الوجه إلى تعرية الروح ، تطلب صورتها قبل أن يتدخل الزمن . وكما قالت سيلفيا بلاث: "I am silver and exact. I have no preconceptions" أي "أنا فضية ودقيقة بلا تحيز"، كذلك تكون المرآة هنا . وفي نفي الصدى نفي للعالم كله وشهادته ، فالعتبة تؤسس لمثلث مقدس : أنتِ، وأنا، والمرآة فقط.

وعلى رأي مولانا جلال الدين الرومي: "اصمت، فالكون كله يهمس بأسراره لك"، فالصدق يبدأ بالصمت عن الضجيج. وهكذا تكون العتبة بذرة "قانون الكسر" كلّه : إذا كسرنا الزمن عند المرآة بـ "دون أزيز التجاعيد"، فسنكسّره بعدها في الصباح والحر والبرد بـ "الحب كسر قواعد الزوال". فالعتبة شهادة ميلاد الفكرة الرئيسة: ابدئي من "أنتِ" لا من "عمركِ"، ومنها انطلق النص ليكسر كل زوال بعده.

أولاً: تشريع "ذنب الغياب"

في العرف الأخلاقي، الذنب فعل نقوم به. أما في قاموس العشق فيتحول الذنب إلى "مسافة". فمجرد ابتعاد ثانية عن محيط العين يصبح خطيئة تستوجب التوبة. هنا يحدث انزياح دلالي خطير : يتحول المحبوب من شخص إلى قِبلة، ومن حبيبة إلى محراب، فيصبح الغياب عنه معصية وجودية.

وهذه الفكرة هي نبض الشعر الصوفي والعذري معاً. يقول ابن الفارض بلسان كل عاشق: "وفيك عن كل شيء شُغلت... فحاشاك أن تكون بقلبي غائباً"، أي أن وجودك في القلب فرض، وغيابك بدعة. ويقول قيس بن الملوح: "أقضي الزمان ولا أقضي مودتها... كلا ولا أستطيع الصبر عن شجنِ"، فالزمن نفسه صار ذنباً لأنه يُقضى بعيداً عنها.

الدلالة واضحة: العاشق يسلّم ميزان الحلال والحرام ليد محبوبه، فما أقرّه الحضور صار حلالاً، وما أنكره الغياب صار حراماً.

ثانياً: معجزة "مراهقة اللقاء"

والعجيب أن التوبة من ذنب الغياب لا تعيد العاشق راشداً حكيماً، بل تعيده طفلاً. فالحضور لا يعالج الشيخوخة بالحكمة، بل يمحوها بالدهشة، فيعود الشاعر "مراهقاً يغذي الوقت بلهفة القصيد". والمراهقة هنا ليست طيشاً، بل هي قدرة القلب على أن يرتجف من جديد رغم كل ما مرّ به. هي انتصار النبض على الخبرة. فكل لقاء ينسف تراكم السنين ويعيد العاشق إلى الصفر، إلى أول ارتباك وأول سؤال: "هل تحبني؟". وقد لخص نزار قباني هذه الحالة بقوله: "أنا لا أكتب الشعر إلا عن عينيك... وعندما ألقاكِ أنسى كل ما كتبت"، فاللقاء يلغي ما كتب ويعيدنا إلى الأبجدية الأولى للحب. ويوافقه قول ابن عربي: "القلب قادر على أن يصير مرعى للغزلان"، أي أن القلب يتحول بمحض العشق من صحراء شيخوخة إلى مرعى خصب.

ثالثاً: قانون حركة العشق

تتضح الآن البنية الكاملة للنص: إن شعر العشق الحقيقي لا يسير في خط مستقيم، بل يتأرجح بين طرفين لا ثالث لهما:

الغياب / يولّد الذنب / فيستدعي التوبة

الحضور / يولّد المراهقة / فيفجّر القصيد

فلا مراهقة صادقة بلا ذنب سابق يؤلم، ولا ذنب يغفره القلب إلا بعودة طفولية إلى الدهشة. لذلك يصبح "العمر" كله وقفاً على هذا العشق، فلا يملك العاشق من الحياة إلا أن يذنب بالشوق، ثم يتوب باللقاء، فيعود مراهقاً.

وهذا ما يفسر نفي الشاعر كل شيء في البداية: "الصباح زائل، الضوء زائل، الحر والبرد زائلان"، ليبني خلفية سوداء يبرز منها الاستثناء الوحيد: "الحب كسر قواعد الزوال". والشاهد الفلسفي على ذلك قول أفلاطون في "المأدبة" إن الحب هو "ولادة في الجمال"، والولادة فعل ضد الزمن وضد الموت وضد الزوال. فالحب عنده ليس حالة، بل خرق لناموس الفناء، تماماً كما يعلن النص( اقرار بان النص فلسفي ).

رابعاً: بلاغة "الإلحاح" : وظيفة التكرار في تشريع القانون

ولا يتحقق هذا التأرجح إلا بلغة تعيد إنتاج الاختناق ذاته. فقد وظّف الشاعر التكرار بوصفه نبض النص الخفي وأداته الفنية. فتكرار لفظة "زائل" في قوله: "الصباح زائل... الحر زائل... البرد زائل" يشرّع قانون الفناء الشامل، ليظهر منه الاستثناء الوحيد وهو الحب. وتكرار صيغ النهي "لا تسرحي... لا تغيري... لا ترهقي" يرسخ فكرة كسر التصنع عند عتبة المرآة، ليبقى الحضور وحده كافياً دون تزويق .

أما سلسلة "ذنب... توبة... عجز" في قوله: "كل ثانية أبتعد... تسبب ذنبا وكل ذنب يكلفني توبة"، فهي المحاكاة اللفظية للدائرة المغلقة التي لا يخرج منها العاشق. وهكذا لم يكن التكرار زخرفاً صوتياً، بل كان هو نفسه فعل "كسر القواعد" على مستوى الإيقاع، لأن الهذيان العاشق لا يستبدل الكلمات، بل يتشبث بالكلمة ذاتها حتى تتشقق صدقاً.

فماذا تقول الخاتمة ؟

يتضح مما تقدم أن هذا النص هو  " نص فلسفي لا غزلي فحسب " ، و أن هذه القراءة ليست عن نص بعينه، بل عن سرّ في كل قصائد العشق الكبرى. فالعاشق الحقيقي هو من يجمع المتناقضين: قلبٌ شيخٌ في وعيه، يعرف أن الغياب ذنبٌ لا يغتفر، وقلبٌ طفلٌ في نبضه، يعود مراهقاً كلما ابتسم الحضور.

فإذا وجدت نفسك يوماً مذنباً بغيابك عن أحد، ثم مراهقاً بحضوره، فاعلم أنك دخلت دائرة العشق الكامل؛ دائرة لا تعرف الشيخوخة، لأن التوبة فيها تعيدك دائماً إلى أول نبضة. فالحب إذن ليس عمراً نعيشه، بل عمراً يعيد خلقنا كل مرة.

بقلمي: سعيدة بركاتي/ تونس

النص

و أنت تقفين أمام المرآة

لا تسرحي شعرك

و لا تغيري من محيا وجهك

و لا تهمسي بشيء للصدى

ثقي

مع الاستفاقة الأولى

سيحلو للمرآة عكس صورتك

دون أن تصغي لأزيز التجاعيد


وحين تأخذك بعض المسافة

إلى سحر الشاي

لا ترهقي قلبه بالسكر

و لا تركني نفسك إلى القليل من العسل المدلوق فوق حسن القشطة

يكفي أن تسقي أي جلسة من ماء حضورك

ليتذكر الحلا أين سره


هل أخبرك بسر

في عبث الليل

تصنع لحظات النوم

نوعاً خفيا من الألم

فكل ثانية أبتعد فيها عن محيط عينيك

تسبب ذنبا

وكل ذنب يكلفني توبة

وكل توبة

لا يكفيها ما في شراهة المعنى

من سحر أو معجزات


أتساءل


من ألهم

الكلمات أن تصبح عاجزة

من علمها أن تهجر مقلتيك

وتسكن في القوافي و الورق

من

أجبر القلم على نسيان اسمه

وهو يمضي إلى الغرق الأول في حبر شفتيك


يا قلب

أخبر الصباح أنه زائل

و أن ضوءه زائل

و أن الحر زائل

وأن البرد زائل

و أن الحب كسر قواعد الزوال

و طابت له الحياة عند الولادة الأولى


يا قلب

ما لي في حضورك

إلا عمر

و كثير حب و هيام

و نشوة

نسي حدها الشيب

و تركها تطغى

حتى أعادتني مراهقا

يغذي الوقت بلهفة القصيد

أحمد إسماعيل/ سوريا




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق