الأحد، 12 أبريل 2026

قراءة نقدية: "السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة" التفريغ النصي: "انتصار الحب على الشهوة واثبات الغجر لوجودهم" الرواية :"زهرة من حي الغجر" الكاتب المصري: صلاح شعير الناقدة التونسية : جليلة المازني.

  قراءة نقدية: "السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة"

التفريغ النصي: "انتصار الحب على الشهوة واثبات الغجر لوجودهم"

الرواية :"زهرة من حي الغجر"

الكاتب المصري: صلاح شعير

الناقدة التونسية : جليلة المازني.

المقدمة :

لقد امتدت رواية "زهرة من حي الغجر" في طبعتها الأولى المنقحة 2025 على مئة وستّ وثمانين صفحة ضمن ثمانية فصول وكل فصل يشمل عدة مقاطع.

تتربع رواية "زهرة من حي الغجر" بين الأدب النسوي  وأدب المهمشين.

والادب النسوي  ويطلق عليه أيضا أدب الأنثى أو أدب المرأة وهو يشير الى: "الأدب الذي يكون النص الابداعي فيه مرتبطا بطرح قضية المرأة والدفاع عن حقوقها دون أن يكون الكاتب امرأة بالضرورة"(1).

وتاريخ النظرية النسوية الغربية "يبدأ عادة بأعمال ماري وولستونكرافت(1797-1759 ) وهي واحدة من أوائل الكاتبات النسويات في التقاليد اللبرالية" (2).

وفي هذا الاطار لعل الكاتب صلاح شعير كان مسكونا بقضايا المرأة لينخرط في الأدب النسوي.

 لقد سلّل الكاتب الى القارئ في هذا السياق أدب المهمشين بالحديث عن الغجر كأقلية مهمشة. ولعل المرأة في هذه الرواية قد كانت معاناتها مضاعفة بين مطرقة التهميش وخطاب الكراهية باعتبارها المرأة الجسد.

ويُعتبر الغجر (الروما, الدومر, الكالو) حسب النقاد "أقلية عرقية كبرى منتشرة عالميا, وتواجه تهميشا اجتماعيا واقتصاديا وتاريخيا ومستمرّا. يعيشون غالبا على هامش المجتمعات ويعانون من الفقر, التمييز, ضعف الوصول الى التعليم, ونقص الهوية الرسمية مما يجعلهم من أكثر الفئات ضعفا, حيث يواجهون أحكاما نمطية سلبية, خاصة في أروبا والشرق".

الدراسة النقدية : السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر  في الحياة "

1- السرد داخل السرد والمرأة الجسد :

أ- مفهوم السرد داخل السرد:

السرد داخل السرد أو ما يعرف عند النقاد ب"الحكاية الإطارية" وهو تقنية أدبية يروي فيها الكاتب داخل القصة قصة أخرى لتصبح القصة الداخلية جزءا من النص الأصلي.. يُستخدم هذا الأسلوب لإضافة

طبقات من المعنى ولتعزيز التشويق".

ويعدّ كتاب" كليلة ودمنة" لابن المقفع نموذجا كلاسيكيا لأسلوب "السرد داخل السرد"(الحكاية الاطارية)

حيث يروي الفيلسوف "بيدبا" للملك "دبشليم" قصصا و حكما على ألسنة الحيوانات وتتضمن هذه القصص حكايات فرعية أخرى"(3).

انه السرد المركب في الأدب العربي الذي تميزت به أيضا "الف ليلة وليلة" ويعرف بالمتوايات السردية او تداخل القصص (4).

ولئن كان هذا الهيكل السردي في كليلة ودمنة يهدف لايصال الحكمة والمشورة بشكل غير مباشر عبر التداخل السردي الممتع  ويهدف في "ألف ليلة وليلة" إلى تعميق الحبكة وتقديم خلفيات درامية أو خلق تشويق. فإلى ما يهدف هذا السرد داخل السرد في رواية "زهرة من حي الغجر"؟

ب- تجليات السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة بالرواية"

لعل هذا الأسلوب الذي توخاه الكاتب صلاح شعير في روايته يعتبر أداة فنية معقدة تُستخدم لتعليق القصة الرئيسية وتقديم منظور جديد للأحداث.

1- السرد داخل السرد والمرأة الجسد:

استهل الكاتب صلاح شعير روايته بالقصة الرئيسية المتمثلة في علاقة زهرة الغجرية مع جابر وكيف حركت شهوته حين رآها لأول مرة في أمسية علمية بنادي الماسة الزرقاء .

لقد برع الكاتب في وصف جمال زهرة الجسدي والذي حرك شهوة جابر ص (19):

أما عن زهرة فانها نفرت منه بمجرد أن سمعت اسمه حتى أنها انسحبت وقتها من المحاضرة العلمية ص(19) مما أثار دهشة جابر محارب .

ان الكاتب استخدم أداة المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص والمسافة الجمالية هي من عناصر نظرية التلقي الحديثة الالمانية لزعيميْها ياوس وآيزر.

ان القارئ كان يتوقع أن جابر محارب المحامي الناجح ورجل الاعمال سيلقى استجابة من زهرة بيْد أن أفق النص كسر أفق توقع القارئ لتنفر زهرة منه.

هذا النفور منه جعله يبحث عن هويتها ص(20).

اما زهرة فقد ساعدها الراوي العليم بواسطة اقلامه (الذهبي والعربي..) على معرفة هوية جابر محارب

وفي هذا الاطار يستهل الكاتب السرد داخل السرد فيبدأ بالقصة  الاطارية  وهي :

لقاء زهرة مع جابر ص (18/ 19..) ليجعل منها قصصا داخلية كما يلي :

+ قصة  محارب الكبير (جد جابر) ص(30).

+ قصة زهرة مع بسيوني واغتصابها وهي طفلة لا تعرف من الدنيا شيئاص(32/ 33/..)

+ قصة زواج نوارة (ام زهرة) من صادق الجندي الذي احتال على أملاكه المحامي جابر محارب

+ قصة زهرة مع طارق (أخ صديقتها سحر وابن صادق الجندي) ص(52).

+ قصة سلسال السنيورة ص(60)

+ قصة زهرة مع جميل ابو الذهب" ص (65/ 66/ 67)

+ قصة جذورجميل ابو الذهب ص(73/ 74/ 75) .

+قصة طارق حبيب زهرة  مع بربرا ص(78/ 79/ 80/ 81)

+حكاية بربرا صديقة طارق باعتبارها عضوا في منظمة" حق الغجر في الحياة".

+ توقيع زهرة بين جابر محارب وجميل أبو الذهب للتخلص منهما معا.

+ فوز زهرة بحبيبها طارق.

في هذا الاطار من القصص التي ضمّنها الكاتب صلاح شعير داخل القصة الاطارية الامّ قد جسّد فيها انتهاك المرأة الجسد الذي جعله شهوة كل شخصيات القصص الفرعية ما عدا قصة "زهرة وطارق " التي انبنت على الحب النقي الصادق .

ولانتهاك حرمة المرأة الجسد استخدم الكاتب بامتياز وصفا يثير شهوة الرجل لجسد المرأة مبرزا حيوانيته باعتماد معجمية  تصل الى حدّ الإباحية التي تثير حتى شهوة القارئ ليتعاطف مع شهوة جابر محارب في شهوته ومن  ذلك وصف جسد زهرة عند أول لقاء مع جابر محارب فيقول في ص (19):

" يا لها من امرأة كاملة النضج من ينجو من عينيها السوداوين يتلقفه نداء صدرها النافر , استدارت بجسدها الممشوق لتصعد فوق المنصة فاذا بها من الخلف أشدّ فتكا من الأمام, تلاشت قدرته على المقاومة, لن يرتوي الا اذا شرب من مائها الذي يبرئ الأسقام..."

وهكذا كان جسد المرأة منتهكا في كل القصص الفرعية تقريبا

بيْد ان الكاتب قد استثنى هذا الانتهاك الجسدي للمرأة في قصة "زهرة مع طارق" كأني به أراد أن ينتشل زهرة من بؤرة الشهوة الحيوانية  للرجل والارتقاء بها الى قيمة الحب الصادق فيقول على لسان زهرة التي تريد المحافظة على عذريتها المقدسة بالشرق وطارق الذي يستجيب لرغبتها ص(52)" قالت بصوت منكسر امتزج فيه الشبق بدموع الخوف والرجاء:

-لا تذبحني يا طارق لا تقتلني بالحب.

يردّ طارق وهو يرفع سرواله في خجل وقال مرتبكا:

-أعدك يا زهرة بأن هذه الغلطة لن تتكرّر.

لعل الكاتب في هذا السياق ينتصر للحب على حساب الشهوة الحيوانية العابرة.

ولئن كان الحب ارتباطا عاطفيا وروحيا عميقا يتطور ببطء ويركز على العطاء, قبول الآخر, والاستمرارية فان الشهوة  هي رغبة جسدية سطحية تشتعل بسرعة و تتركز حول الجسد والامتلاك وغالبا ما تنتهي بانتهاء الغرض منها.

 الحب يبني ويستمرّ بينما الشهوة قد تكون مؤقتة"(5).

ان الكاتب حتى في حديثه عن الغجر نجده يتحدث عن المرأة الجسد وهو في ذلك يستخدم أداة المسافة الجمالية بين افق توقع القارئ وأفق النص:

ان القارئ يتوقع ان الكاتب سيتحدث عن الغجر واذا به يعود الى الحديث عن المرأة الجسد ص (109)/(115).

وفي هذا الاطار ومن وجهة نظر ميتاروائية فان الكاتب يرفض ويدعم :

- يرفض ان تكون المرأة جسدا وشهوة عابرة.

- يدعم و ينتصر للحب على حساب الشهوة.

2- السرد داخل السرد و"حق الغجر في الحياة" :

ان القارئ من خلال أسلوب السرد داخل السرد الذي استخدمه الكاتب يكتشف ان الرواية تشي بمحاولة انتشال هذه الفئة المهمشة من الغجر من الاضطهاد والظلم الذي قد يلحقها من المركز.

لقد حاول الكاتب من وجهة نظر انسانية أن يدعم "حق الغجر في الحياة" من خلال:

أ- ايجاد منظمة للدفاع عنهم وهي منظمة "حق الغجر في الحياة" :

هذه المنظمة التي أوجد بها "بربرا " كعضو فيها لتهتمّ بشؤونهم في كل بقاع العالم:

- لقد سجلت "بربرا" باعتبارها عضوا في منظمة "حق الغجر في الحياة" اندماج معظم الغجر بالمجتمع المصري. يقول الكاتب ص(133):

- "رصدت بربرا حال "الغجر " بمصر معظمهم أقلع عن الحياة في الخيام أصبحوا يعيشون في البيوت ألحقوا أبناءهم بالتعليم يندمجون بالمجتمع تدريجيا يمارسون الحِرَف المختلفة للعيش منها.."

ب - الايمان بوجودهم الواقعي:

لقد جعل الكاتب كل شخصيات القصص الفرعية ينتمون الى الغجر ايمانا منه أنهم ضحايا مهمشون وليسوا جناة كما يعتبرهم من في المركز :جابر محارب/ بسيوني/ جميل ابو الذهب/ خوسيه وحتى صادق الجندي وكذلك الشخصيات النسوية زهرة/ نوارة/ عزيزة/ قمر بربرا ... "

ب- تلميع صورة الغجر على المستوى العلمي والاقتصادي والاجتماعي والوجداني والاخلاقي:

 وما وردمن أحداث بالرواية يدعم ذلك:

- زهرة الغجرية أصبحت طبيبة وأكثر من ذلك فهي تقوم بندوات تثقيفية في مجال طب العيون بنادي " "الماسة الزرقاء" بمساعدة الملياردار جميل ابو الذهب.

- زهرة بفضل علمها وأخلاقها استطاعت ان تردّ حق طارق من أبيه والذي احتال عليه جابر محارب

- طارق مهندس واخته طبيبة.

- صادق الجندي محام وذو أموال طائلة.

- جميل أبو الذهب وهو من جذور غجرية أصبح ملياردارا.

- جابر محارب  رغم احتياله فهو محام وذو نفوذ بماله.

- زهرة باخلاقها ترفض كل اغراءات جميل ابو الذهب المادية. فيقول الكاتب على لسانه ص(69/ 70):

" لماذا لم يفتح المال قلب زهرة هل في حياتها ما هو اقوى من كل هذه الاغراءات؟"

- زواج نوارة والدة زهرة من صادق الجندي المتكتم عن هويته.ص(51).

- الغجر ذوو أخلاق فاضلة: يقول الكاتب عن صادق الجندي في نفس الصفحة (51):

- "تيقنت زهرة ان الرجولة تكمن في عدم خداع المرأة .الرجال النبلاء لا يستغلون النساء الضعيفات"

تقول زهرة لطارق الذي أراد ممارسة الجنس معها رغم حبها له:

لا تذبحني يا طارق لا تقتلني بالحب.

يردّ طارق مرتبكا وهو يرفع سرواله في خجل: "أعدك يا زهرة بأن هذه الغلطة لن تتكرر"

- زهرة المتعففة تسعى الى انتشال صديقتها قمر من رذيلة بيع الجسد ص(120)

- ان الكاتب جعل للغجر مجتمعا قائم الذات متحملا مسؤولية تواجده السلمي واندماجه بالمجتمع المصري الى درجة عدم التمييز بين هذا غجري وذاك غير غجري .

بيْد ان الكاتب قد استطاع بامتياز ان يكشف عن هوية الغجر المُتكتمين عنها.

انه انتماء كل شخصيات الرواية الى الغجر بمن كان منهم محسوبا من النبلاء كصادق الجندي وعزيزة ام طارق وغيرهم وبالتالي ان طارق هو الآخر غجري فالغجر يتكتمون على انتمائهم واصولهم الغجرية ص(149).

ان الكاتب استخدم الحوار المباشر ليكشف الهوية الغجرية المتكتم عليها : حديث طارق مع أمه (140)

- لقد كرهت كل الغجر بسبب جابر الكلب يا أمّي.

استنكرت أمه عزيزة هذه الجملة وقالت:

- الجريمة لا علاقة لها باصل الانسان يا ولدي

- لكن سمعة الغجر سيئة.

- لا تقل ذلك ألا تعرف أن أباك من الغجر؟

عقدت الدهشة لسانه نظر الى أمه بذهول:

-أبي من الغجر؟ لم يخبرني أحد بذلك.

- ربما لأن الأمر غير مفيد.

ويواصل الكاتب استخدام الحوار لكشف الهوية الغجرية لعزيزة أم طارق :

- هل زواجك من غجري تمّ بسهولة؟

أنا مثل أبيك من الغجر يا ولدي .

وتقول كاميلا لخوسيه ص(162/ 163/ 164/ 165):

- معلوماتي ان أصحاب البشرة السوداء أقل ذكاء

رد على الإهانة بهدوء:

من يفكر بعقله يتفوّق بغض النظر عن لونه.

ثم قال معتدا بنفسه:

-ألم أتفوق على زوجك الأبيض في تجارة القطن ألم أحقق ضعف ما يحققه من أرباح ؟

- ربما خلقتم للعمل فقط.

- وخلقنا للحب أيضا.

ردت عليه:

-لا..لا أريدك أن تدنسني يجب أن أحافظ على نقاء العرق الأبيض لا يجب لمثلك أن يدنسه.

- ما هذا التناقض برأسك؟ زوجك الداعر يغرس الآن الجينات البيضاء في أحشاء امرأة سوداء بالاستراحة..أتنكرين أنه ترك فراشك من اجل امرأة سوداء..إنك مغيبة ككل النساء البيضاوات.

الحقيقة ان سحر المرأة السوداء التي هناك هو الذي جذب زوجك اليها.

يقول الكاتب :"بدأت (كاميلا) تقارن  بين فتاها الأسود بنبله وبين زوجها الأبيض بخسّته تأكدت أن" مارك " زوجها هو عبد العرق و المال والغرور".

وخلاصة القول فان الكاتب صلاح شعير:

1- بقدر ما انتشل المرأة من لعنة الجسد وشهوة الرجل لجسدها  فتدخل  ليجعل مصير أصحاب الشهوات بالرواية الموت الجسدي اوالعقلي (بسيوني/ جابر محارب/ جميل ابوالذهب..) بقدر ما ارتقى بالمرأة الى قيمة الحب الراقي ليختم روايته بجعل زهرة تختار مصيرها بنفسها و تفوز بحبها مع طارق الذي فضلها على كل المغريات التي عاشها بالغرب.

والكاتب  صلاح شعير هنا يتقاطع مع رافعة لواء الأدب النسوي "سيمون دي بوفوار" حين تقول في كتابها" الجنس الآخر":

" الحرية هي جوهر الإنسان, والمرأة لا تحقق ذاتها الا عندما ترفض أن تكون مجرد موضوع للآخر(الرجل أو المجتمع) , وتبدأ في اختيار مصيرها بنفسها".(وزهرة اختارت مصيرها بنفسها).

2- بقدر ما اعتبر الكاتب صلاح شعير ان  بعض الغجر جناة (بسيوني/ جابر محارب/ جميل ابو الذهب ..) بقدر ما اعتبر الغجر ضحايا ومهمشين وحاول أن ينتشلهم من هذا التهميش بأن جعلهم مندمجين بالمجتمع وقد افتكوا حقهم في الحياة علميا واقتصاديا واجتماعيا ووجدانيا واخلاقيا ...

والكاتب هنا يعانق المناضل والمفكر العظيم ارنستو شي جيفارا الذي يقول في سياسة التهميش:

حين يهمش الانسان (سواء بلونه او بعرقه او بجنسه..)

لا يُسلب صوته فقط

بل يقنعونه أن الصمت أمان

وأن القبول بالقليل حكمة

وأن المطالبة بالعدل وقاحة

التهميش ليس قدرًا

بل اختيارٌ سياسي

وثمنه يُدفع من أعمار الناس

ومن مستقبل الأوطان

لأن العدالة لا تمنح لساكتين عنها.

وبالتالي فلا زهرة سكتت عن انتهاك جسدها كشهوة عابرة بل انتصرت للحب وفازت به ولا الغجر طالبوا بحقهم في الحياة من الساسة بل افتكوه افتكاكا مكنهم من الاندماج في المجتمع دون فضل من أحد.

وفي هذا الاطار سلم قلم الكاتب صلاح شعير الذي ارتقى بروايته "زهرة من حي الغجر" نحو العالمية.

بتاريخ :11/ 04/ 2026

المراجع:

(1) أدب نسوي- ويكيبيديا

(2) النظرية النسوية | موسوعة التعديل الاول-7 اوت 2023.

(3) كليلة ودمنة - ويكيبيديا

(4) ألف ليلة وليلة – ويكيبيديا

(5) مهند حبيب السماوي صحيفة المثقف- 23/ سبتمبر 2012 -الفرق بين الحب والشهوة-.

 



تأملات في لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة " للشاعرة التونسية سنيا فرجاني بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

 تأملات في لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة "  للشاعرة التونسية سنيا فرجاني 

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 


لأول مرة يراودني سؤال حول عنوان ديوان شعر " أعود من القيامة " و علاقته بلوحة الغلاف .

سأنطلق منه كعتبة أولى للقراءة: العنوان فيه من الإقرار و الإصرار بالعودة من عالم آخر إلى العالم المتداول / فأي قيامة سترجع منها الشاعرة سنيا الفرجاني ؟ 

لنُعرف بماهية القيامة : ( حسب مركز الدراسات الدينية لموقع 

(https://rsc-byu-edu.translate.goog/jesus-christ-son-god-savior/resurrection-ultimate-triumph?)

و بعيدا عن البعث و يوم الحشر ، القيامة هي الإنتصار الأسمى ، و هي بحث في القدرة على التفاعل والنمو الأبدي، والكمال الشخصي، والرضا العاطفي التام. فهو النهوض مرة أخرى للجسد بقوة. و في التأملات سنجد الجواب عن السؤال أعلاه بأكثر عمق و تشريح .

هل من هذه المعاني سنجده في غلاف الديوان !؟

++ النظرة الأولى للوحة : مجموعة من النسوة يعتلين منبرا ، تفرقت بعض السلالم و صور شبحية على كامل اللوحة ، غلبة اللون الأحمر و علامتين لحرف X اللاتيني .

++ القراءة التفصيلية : حين يبدأ المبصر للوحة و يتأملها من أسفل يناديه أعلاها و جماعة النسوة اللاتي يعتلينها ، فيصر المتلقي إلى التمعن أسفلها حتى يصل معهن إلى " القمة" .

تعددت النوافذ أسفل اللوحة ، و بعض السلالم التي وصل بعضها و بعض منها كان مآله السقوط ، غياب تام للشخوص أو ظلالها ، عدى لمسات الريشة التي لعبت بالألون فأضاءت الشق الأيمن قبالة المتأمل ،ألوان فاتحة مشتقة من " الضوء" ألوان الطيف السبعة كلما تحولنا إلى اليسار إلا و ازدادت قتامة.

يطرح السؤال على أطياف النسوة السبعة ( المحور الرئيس في اللوحة ) و كأنهن يلدن من بعضهن كالطيف أو الظل، أين توقفت إحداهن بلباسها الأزرق أمام مرآة  ! هل هي وقفة تأمل للشاعرة !؟ و اختيارها هذا اللون !؟ هل هي وقفة بحث عن حقيقة ضائعة !؟ يرمز اللون الأزرق عالمياً إلى الهدوء، السلام، الثقة، والإستقرار، كونه مستوحى من السماء والبحر. يعكس هذا اللون العمق، الحكمة، والإحترافية، ويُستخدم لتعزيز التركيز والإبداع. نفسياً، يجلب الأزرق الراحة ويقلل التوتر، لكنه قد يرتبط أحياناً بالحزن أو البرود العاطفي. ليستقر الطيف السابع و يجلس متكأ على يده اليمنى . و هو آخر المطاف للأطياف .

يحيلني هذا التبصر إلى نتاج الشاعرة و هو دواوين شعرها السابقة و عددها ستة يلحق بهم السابع تحت عنوان " أعود من القيامة" . فما هي رمزية رقم سبعة : يعد الرقم 7 رمزاً عالمياً للكمال، الروحانية، والشمولية في مختلف الثقافات والديانات. يرتبط بقوة بالسماوات السبع ، الطواف والسعي، وألوان الطيف السبعة، ويمثل في علم الأعداد التوازن والحكمة. كما يشير إلى اكتمال الدورات الزمنية والطبيعية (أيام الأسبوع). أما ما ظهر من علامة X فهو عبارة عن حدود بين عالمين أو زمنين ( من بعض دلالاته السلبية و الرفض  وبعض الدلالات التعبيرية : يشير إلى الاختراق، الحدة، أو حتى "الدرع" والتمسك) : سفلي و علوي .اعتلته النسوة بعد أن ارتقين إلى الأعلى ، و لو تمعنا أكثر في أسفل اللوحة و ما وُجد فيها : حطام لنوافذ و سلالم ربما استعملنها للصعود و رمين بها حتى لا يلحقن بهن و لا أحد : و كأنهن في مفازة من قاع إمتلأ صخبا و ضجيجا و معارضة و ظلما و قهرا و استغلالا للمرأة ، فالسمو هذا ما هو إلا " هروبا" و إعطاء قيمة  لحالة وجودية كاملة للمرأة حين تخلصت من أثقال العالم السفلي.

بالرجوع إلى العنوان و ملامح اللوحة و العدد يجعل هذه العناصر مرتبطة فيما بينها ارتباطا وثيقا في حلقة محكمة الإغلاق : السمو : كونها شاعرة / الخلاص عن طريق اللغة و الشعر و الكلمة 

الإرتقاء : بالمرأة و تغيير صورة المرأة من جسد إلى فاعل في الكون 

المفازة الكبرى : باستقلالها ذاتيا و إثبات وجودها بكسر القيود التي تكبلها 

++الخلاصة و حزم القراءة و الرأي الشخصي: 

تُعتبر سنية الفرجاني من الشاعرات البارزات في تونس و الوطن العربي ، مائزة في اقتناء و تجميع باقات شعرها من بحور اللغة و بساتينها ،فاختيارها " أعود من القيامة" عنوانا لديوانها القادم ليس من عبث ، فبالرجوع إلى التأملات أعلاه يتضح جليا أن العودة ليست من عالم الآخر بل هي عودة بعد وقفة تأمل غاصت في ذاتها حين ملأت الأسئلة وجدانها : هل للشاعر رسالة يمكن أن يقدمها للمرأة ؟ 

مازال للشعر أنبياء و فرسان و مخلصين للكلمة النبيلة تجاه المرأة ، سنيا الفرجاني أخذت معها أطيافها السبعة و دلالاتهم لتسمو بالمرأة عن طريق الشعر و تخلصها من فكرة أنها جسد فقط ، حطمت ما وراءها و رمت به في القاع .كانت اللوحة بمثابة تجربة خاصة ، لعلنا نجد ترجمانها في محتوى الديوان .فاللوحة غابت منها الظلال كما غاب منها العنصر الذكوري ، وكأنها تريد تأسيس كوكب يستدرج الإنسانية تغير فيه معاملة الآخر للمرأة حتى لا تلتجأ لتحطيم ما قد مضى .. فقيامة سنيا هي انتصار أسمى يرتكز على الحكمة و الاستقرار النفسي والاستقلال الذاتي للمرأة .

تاملات لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة" للرسام الفنان عنيات عطار

بقلمي  سعيدة بركاتي/تونس



الخميس، 9 أبريل 2026

قراءة وتعليق في قصيدة يا شاعري ياساحري" للشاعرة صفاء محمد بقلم الكاتب محمود البقلوطي

 Mahmoud Baklouti   محمود البقلوطي

قراءة وتعليق في قصيدة


 يا شاعري ياساحري" للشاعرة صفاء محمد Safaa Muhammad  


*تصدير واستهلال


تفاعلا مع ما تضمنته كلمات القصيدة من معنى ودلالة


قلت :


المسني برفق وادفني انفاسك في الأحضان واتركي أصابعك تستمتع باكتشافي وتلامس مساحات مملكتي بكل عنفوان وانثري عطر شهقاتك فوق جوعي وارخي جدائل شعرك فوقي بحنان واتركي للبراكين فرحة الانفجار. 


تعالي حبيبتي بصوتك بوح


للدفء للهفة للاحتضان.


**قراءة وتعليق


كلما هبت نسائم الشوق العاطرات على نوافذ العشاق المشرعةعلى البوح ونثرت الحروف الفائحة العطرة بروائح الوجدوالحنين


. ،الشوق يستعر في  داخل الكلمات،لا يخبو ابدا ولا ينام


قصيدة غزلية جميلة. دندنات حرف على أوتار الهوى ملأها الحب والوجدان والحنين عبرت عن أحاسيس الشاعرة التي حبرت كلمات لحبيبها الشاعر  الذي نثر على لحاف قلبها زخات حب ملأ كيانها


 واضاء عتمة دنياها وادخل في روحها البهجة والفرح.


دام نبض قلبك معبرا عن أحاسيسك ومشاعرك فتنثرينها في كلمات شعرية معبرة عن نفسية امرأة شاعرة تتقن طرز الحروف وتلوين الكلمات لتعطينا صورا جميلة في العشق و الغزل..


تحياتي وباقة ورد وود لشخصك الكريم ولحرفك البديع صديقتي الشاعرة المبدعة صفاء محمد.


القصيد


يا شاعري  يا ساحري..


منذ متى والحب يسكن اضلعي ..


همت بك وبحبك..


 قيدتني بعشقك..


وسلبت مني مشاعري..


قلت  لك احببتك..


فلما تكابر سيدي..


والعشق يملا قلبك..


انت الضياء في ظلمتي..


يا قمرا يملا دنيتي..


مزقت كل دفاتري..


وكتب حبك بدمي..


اقترب مني اقترب..


واياك لمس ضفائري..


يا شاعري كتبت فيك قصائدي..


وحببت منك المرتجل..


يا سماء قلبي المشرقة..


إني غرمت بشعرك..


متي اللقاء يضمنا..


عذراً حبيبي انني احبك..


شربت من كاس الهوى..


حتى هواك هزاني..


بقلمي صفاء محمد



الحرافيش: سردية المهمشين بين الغلظة والحلم قراءة في رواية "ملحمة الحرافيش"لنجيب محفوظ بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الحرافيش: سردية المهمشين بين الغلظة والحلم

قراءة في رواية "ملحمة الحرافيش"لنجيب محفوظ


في متاهات التاريخ المصري،حيث تتداخل أسماء الحكايات مع صخب الزقاق ووهج المقاهي الشعبية،يقبع لفظ "الحرافيش"كعلامة فارقة على حدود التهميش والبطش.ليس مجرد تسمية طبقية،بل هوية معقدة تختزل معنى الوجود الإنساني في أقصى حالات الضعف والقوة معا. فالحرافيش،أولئك الذين حملوا على عاتقهم وطأة العيش القاسي،لم يكونوا مجرد هامش في سردية المدينة،بل كانوا نبضها الخفي،وذاكرتها المتمردة، وحلمها الذي لا يموت.

ينحدر لفظ"حرفوش"من فعل"حرفش"الذي يحمل في جوفه معاني الغلظة وقلة الهذيان،والخروج عن المألوف اللائق.إنه الفعل الذي يوحي بخشونة الملمس،ووعورة الطبع،وعدم الانسياق وراء التزييف الاجتماعي.وحين أطلقه مؤرخو عصر المماليك على سكان القاهرة من الطبقات الشعبية، كانوا يشيرون إلى أناس يملك كل واحد منهم حرفة أو صنعة،أي أن لهم أصابع عاملة وأكفا لا تمد للصدقة،بل تبني للحياة بطينها وآجرها.غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا اللفظ،الذي بدأ وصما للغلظة،تحول مع مرور الزمن إلى راية افتخار،وشهادة على الصمود في وجه آلة التهميش.

في رواية"ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ، التي حللتها الباحثة حنان راضي في كتابها"صور التقابل"،تتجسد هذه الثنائية بشكل أخاذ.فالبطل عاشور الناجي لا يولد ولادة عادية،بل يُعثر عليه رضيعا وسط المقابر،على يد الشيخ "عفرة زيدان". هذا المنشأ المقبري ليس مجرد تفصيلة درامية،بل هو تأسيس لأسطورة الميلاد من رحم الموت نفسه.والمقبرة هنا رمز للهامش الأقصى،حيث تبدأ الحياة من حيث تنتهي،وحيث يُربى الطفل على أن الخشونة ليست عيبا،بل درعا.

ينمو عاشور،ويتزوج،وينجب،ثم يأتي حدث "الشوطة-الوباء الذي يجتاح الحارة،مقتلعا الأخضر واليابس،وكاشفا عن هشاشة الحياة التي يعيشها المهمشون.لكن عاشور ينجو هو وزوجته وابنه،في حلم تحول به مصيره،فيُلقب بـ"الناجي".

 هذه النجاة ليست مجرد حظ،بل هي كرامة تُمنح لمن كان قريبا من الموت بما يكفي ليعرف قيمته الحقيقية.ومنذ تلك اللحظة،يصبح اسمه عنوانا للأمل في جسد حارة غارقة في اليأس.

ما يميز -ملحمة الحرافيش-أنها ليست سيرة فرد واحد،بل سلسلة من الأبطال الموروثين: من عاشور الناجي الجد،مرورا بالفتوات الذين ساروا على نهجه،وصولا إلى عاشور الحفيد.كل جيل يحلم بأن يملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت ظلما،وكل جيل يكتشف أن العدالة ليست حالة تتحقق مرة واحدة، بل هي صراع متجدد مع سلطة الفتوات الجدد، ومع قسوة القلب التي تصيب حتى المظلوم إذا طال به الزمان في موقع القوة.

وهنا تكمن عبقرية محفوظ: الحرافيش ليسوا ملائكة،بل بشر يحملون في أعماقهم غلظة المعيشة التي صاغتهم.وخشونتهم ليست انحرافا، بل استجابة لبيئة لا تمنح الضعيف فرصة للبقاء. ومع ذلك،فإن الحلم بالعدالة يظل ملتصقا بهم كظلهم،يذكرهم أنهم أكثر من مجرد أجساد كادحة.

تلفت الباحثة حنان راضي إلى سمة فنية لافتة: معظم حكايات الحرافيش تنتهي بنهايات حزينة ذات طابع مأساوي،حيث الموت قدر محتوم.وفي الحكاية الثالثة"شمس الدين"،يُلقب البطل بـ"قاهر الشيخوخة" لأنه عاش خائفا من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه،وهذه مفارقة عميقة: من يخاف من الحياة أكثر من الموت،يتحول موته إلى انتصار أخير.وفي الحكاية السادسة "شهد الملائكة"،تُقتل "زهيرة»"على يد طليقها في مشهد صادم،وكأن الحارة لا تستطيع أن تمنح نسائها خلاصا إلا عبر العنف.

هذه النهايات المأساوية ليست تشاؤما مجانيا بل هي انعكاس للاتجاه الرومانسي الذي يغلب عليه مشاعر الحزن والقلق.لكنها في العمق احتفاء بالضعف الإنساني كقوة: حين يعرف المرء أنه فان، يصبح كل يوم يعيشه انتصارا.والموت في هذه الحكايات ليس هزيمة،بل هو الفصل الأخير في ملحمة الصمود،حيث يتحول الجسد المغلظ إلى ذكرى لا تموت.

إن سردية الحرافيش ليست مجرد حكاية عن طبقة اجتماعية معينة في زمن مضى،بل هي مرآة تعكس صراعا إنسانيا كونيا: صراع الضعفاء مع قسوة العالم،وصراع الحلم مع الواقع،وصياغة الكرامة من طين الغلظة.فالحرافيش،في دلالتهم العميقة،هم كل من سُحق تحت أحذية التاريخ لكنه رفض أن يتحول إلى غبار.هم صوت من لا صوت لهم،وحلم من حُرم من مقومات الحلم، وإصرار على أن الهامش يمكن أن يكون مركزا للروح حين يتعذر أن يكون مركزا للسلطة.

نجيب محفوظ،بعبقريته،لم يمنح الحرافيش بطلا خارقا ينقذهم من فوق،بل منحهم القدرة على تخليق أبطالهم من رحم المعاناة ذاتها.وعاشور الناجي لم يأت من السماء،بل خرج من المقابر. شمس الدين لم يقهر الموت،بل قهر الخوف منه. زهيرة لم تنجُ من القتل،لكن اسمها صار "شهد الملائكة".وهكذا،تتحول الغلظة إلى نبل،وتصير الخشونة طقسا من طقوس القداسة،ويصبح الحرفوش-بكل ما يحمله اللفظ من تناقضات- أيقونة للإرادة البشرية التي لا تلين.

في النهاية،يبقى السؤال مفتوحا: ألسنا جميعا،في لحظات صدقنا مع أنفسنا،حرفوشا يبحث عن خلاص لا يأتي إلا بعد أن يعترف بضعفه؟

 وربما كان هذا هو السر الأبدي لملحمة الحرافيش: أنها تحكي عنا،نحن الذين نعيش على حافة الحلم والخوف،ونحاول أن ننجو من شوطة الحياة بقليل من الكرامة،وكثير من الحكايات.

على سبيل الخاتمة:

في هذه الملحمة الخالدة،لا يكون الموت مجرد نهاية بيولوجية،بل مرآة تعكس هشاشة الحلم الإنساني وسط قسوة واقع لا يرحم.فالحرافيش، بأسمائهم المتوارثة ونهاياتهم المأساوية،ليسوا مجرد شخصيات روائية،إنهم رمز لكل من سُحقت أحلامهم تحت أرصفة الفقر والظلم،ومع ذلك لم يفقدوا القدرة على النهوض من رماد المقابر.

 إن تعدد النهايات الحزينة في حكاياتهم لا يدل على يأس مؤلفهم،بل على إصراره على أن الكرامة الحقيقية تكمن في المواجهة،حتى لو كان المصير محتوما.فـ"عاشور الناجي"الذي ينجو من الوباء ليبدأ حياة جديدة،و"قاهر الشيخوخة"الذي يهزم الخوف،و"زهيرة"التي تموت لكنها تبقى شاهدة على الظلم-كلهم يؤكدون أن البطل الملحمي لا يُعرف بعدد انتصاراته،بل بعمق جراحه وقدرته على أن يظل حلمه بالعدالة ممدّدا كالظل خلف جدران الحارة الضيقة.

 وهكذا تتحول"الحرافيش"من مجرد تهميش لغوي إلى أفق مفتوح على سؤال الوجود الإنساني: 

هل يمكن لخشونة الفقر أن تمحو نعومة الحلم؟ أم أن الإنسان،حتى وهو يرتدي ثوب المهمش،يبقى قادرا على كتابة ملحمته الخاصة ولو بدمه؟!

 إنها خلاصة عميقة تليق بملحمة لم تكتمل نهاياتها لأنها-في جوهرها-لا تنتهي..!


محمد المحسن



الأربعاء، 8 أبريل 2026

"عرندس"الجزيرة: حسن أحمديان أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران.. حين تفوق الفصاحة على الجنسية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 "عرندس"الجزيرة: حسن أحمديان أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران..

حين تفوق الفصاحة على الجنسية


         (زلزال إعلامي في قلب الخليج)


في مشهد إعلامي عربي تعتريه أحيانا هشاشة الخطاب وتكرار النمطية،يبرز اسم لا يحمل جنسية عربية،لكنه يتفوق على أبناء الضاد في لغتهم ذاتها.حسن أحمديان،الإعلامي والأكاديمي الإيراني الذي أصبح ظاهرة في قناة الجزيرة القطرية،لم يأتِ ليكتب فصلا في الإعلام فقط،بل ليقدم درسا في الهوية اللغوية والكاريزما الفائقة.

-الجسد الإيراني والروح العربية:

ليس غريبا أن يتقن إيراني اللغة العربية،فالتاريخ المشترك والحضارة الإسلامية جعلا من اللغة العربية وعاء للعلوم والفنون في إيران لقرون.لكن الغريب أن يأتي هذا الأستاذ البارز ليتفوق-بلا منازع-على نخبة من الإعلاميين العرب في الأستوديو نفسه،في إتقان النطق،وجزالة اللفظ، وقوة الحجة.

إنه "عرندس الجزيرة"* بامتياز،ليس لأنه إيراني يتحدث العربية،بل لأنه يمتلك قدرة استثنائية على صياغة الكلمات وكأنها سهام مصابة،تصيب الهدف بدقة لا تقل عن الصواريخ الإيرانية الأكثر تطورا،بل إن كلماته في كثير من الأحيان أشد تأثيرا.

-الكاريزما غير الطبيعية:

ما يميز حسن أحمديان هو ذلك "الحضور غير الطبيعي" الذي لا يمكن تعلمه في المعاهد الإعلامية.إنه مزيج من الثقة الهادئة،والنظرة الثاقبة،والصوت الذي يحمل في نبراته يقين المحارب القديم.فحين يتحدث،لا تشعر أنك أمام أستاذ ألمعي يحلل،بل أمام مفكر استراتيجي يقرأ الأحداث من داخلها،وكأنه يعيش تفاصيلها قبل أن تقع.!

وأكثر ما يثير الدهشة أن أحمديان يتحدث اللغة العربية الفصحى وكأنها لغته الأم،بل ويتفوق على إعلاميين عرب يعانون أحيانا من ضعف في النحو أو تكرار في الألفاظ.إنه يعيد للغة العربية هيبتها على الشاشات،فحين ينطق كلماته بتأن وبلاغة، ينصت له المشاهد وكأنه يستمع إلى خطيب قديم أو شاعر فحل.!

-عندما تصبح اللغة هوية..لا جنسية:

في زخم الصراعات الإقليمية والانقسامات الطائفية،يقدم لنا حسن أحمديان نموذجا مختلفا: أن اللغة العربية لم تعد حكرا على العرب،بل أصبحت ملكا لكل من أحسن استعمالها وعشق تفاصيلها.إن نجاحه في -الجزيرة-ليس مجرد ظاهرة إعلامية عابرة،بل هو دليل على أن "الكاريزما اللغوية" يمكن أن تتجاوز الحدود وتصنع نجوما حيث لا يتوقع أحد.

ربما يكون أحمديان هو "أفضل ما اكتشفته الجزيرة في عشرين سنة" ليس لأنه إيراني بارع، بل لأنه أعاد تعريف العلاقة بين الإعلامي واللغة والمشاهد.إنه يذكرنا بأن الفصاحة لا تُورَث،بل تُكتسب بالشغف والإتقان،وأن من يمتلك الكلمة بدقة القناص،يصبح صوته أقوى من آلة الحرب ذاتها.

في النهاية،يبقى حسن أحمديان شاهدا على أن الثقافة العربية تمتد أبعد من الحدود الجغرافية، وأن من يحمل هموم هذه الأمة بلسانها الفصيح، هو ابنها بالمعرفة قبل أن يكون ابنا بالولادة.

وفي خضم هذا المشهد الذي يكشف أن إيرانياً يتفوق على أبناء الضاد في لغتهم، تبرز حقيقة صادمة ولكنها محفزة في آنٍ معاً: أن اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية تلقن في المدارس، ولا هي إرث تاريخي يكتفى بالفخر به، بل هي سلاح ذو حدين، من أتقنه امتلك ناصية البيان، ومن أهمله خسر أعظم مفاتيح التأثير.

أيها الطلاب العرب: إن حسن أحمديان لم يأتِ ليسلبكم لغتكم، بل جاء ليذكركم بكنوزها التي أهملتموها. ففي طيات هذه اللغة بلاغة تصنع القادة، وفصاحة تخطف الألباب، وقدرة على المناورة البارعة في ساحات الحروب الفكرية والسياسية. إنها اللغة التي كانت - ولا تزال - قادرة على توجيه الضربة الخاطفة حين تشتد المعارك، لا بالصواريخ والقنابل، بل بالكلمة التي تصيب الهدف قبل أن يرتد الطرف.

لا تتركوا العربية أسيرة النمطية والهشاشة على شاشاتكم ومنابركم. أحقوا بها حقها: تعلموها، تعمقوا في أسرارها،استخرجوا كنوزها،واجعلوها عدتكم في كل مناورة وكل مواجهة.فوالله،إن من يمتلك ناصية البيان يمتلك ناصية النصر.وإن أحقيتم العربية،أعادت لكم هيبتكم ومكانتكم بين الأمم.

فهل أنتم فاعلون؟!


محمد المحسن


*العرندس في اللغة العربية تعني الشديد العظيم، وتطلق غالبا على الجمل القوي،أو الأسد،أو السيل الجارف.كما يُعرف بـ"ابن العرندس" (صالح بن عبد الوهاب الحلي) كعالم وشاعر مشهور،ويشير المصطلح أيضا في الأدب إلى الشخصية القوية.



في أنثروبولوجيا المطر وتأويلات الذات الجريحة: (تأملات سريعة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي "هطل المطر ") بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في أنثروبولوجيا المطر وتأويلات الذات الجريحة:

(تأملات سريعة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي "هطل المطر ")


ليس المطر في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي مجرد ظاهرة طبيعية تتكرر في معجمنا الشعري،بل هو حدث وجودي بامتياز، حيث يتحول الماء النازل من سماء النص إلى سائل مقدس يغسل تراكمات الزمن ويواجه بهشاشة الذات العربية المعاصرة.إنها قصيدة تكثيفية بامتياز،تجمع بين عنفوان الطبيعة ورقّة المشاعر الإنسانية،لتخلق لنا عالما شعريا فريدا، حيث تتداخل الأصوات (دوي الرعد،تناهيد الريح، انكسار الصوت) في سيمفونية وجودية تعكس مأساة الإنسان المعاصر وتطلعاته الأبدية.

في هذا النص،يقف الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي عند لحظة تحول كبرى: لحظة هطول المطر التي تمثل انفجارا للطبيعة وانفجارا للذات في آن واحد.إنها لحظة مواجهة مع الذات الجريحة،ومع الموت،ومع الزمن،ومع الأمل المتجدد الذي يمنحه الماء المنهمر.والشاعر هنا لا يصف المطر بقدر ما يختبره جسديا وروحيا،محوّلا إياه من عنصر طبيعي إلى علامة دالة في نظامه الرمزي الخاص.

ومن هذا المنطلق،سنقارب هذا النص الشعري من منظور نقدي يتسم بالنزاهة والموضوعية، متجاوزين الانطباعية والإنشائية التي غالبا ما تطغى على قراءة النصوص الشعرية،إلى مقاربة منهجية صارمة تعتمد على آليات النقد الحديث، التي تتيح لنا تفكيك البنى العميقة للنص والكشف عن أنساقه الجمالية والدلالية،بعيدا عن أي مجاملة أو محاباة،لأن النص الجدير بالقراءة هو الذي يصمد أمام أقسى اختبارات النقد.

القصيدة:


هَطَلَ المطر

هَطَلَ المَطَرُ وانشَقَّتِ الآفَاقُ

وَغَلَا دَوِيُّ الرَّعْدِ وَهْوَ خَفَّاقُ


تَهادَى الغَيْثُ في لَيْلٍ كَئيبٍ

فَأَحْيَا الأَرْضَ وابتَسَمَ السِّياقُ


تُنادي الرِّيحُ أَوْتارَ الغُصُونِ

فَيَرْتَعِشُ الفُؤادُ لَهُ اشْتِياقُ


وَيَبْرُقُ في الدُّجى وَمْضٌ عَنِيفٌ

كَأَنَّ النُّورَ في الظُّلْماتِ رَاقُ


وَيَهْطِلُ في الحَنايا حُزْنُ عُمْرٍ

فَيَغْسِلُ ما تَراكَمَ مِن وِثاقُ


أَيا قَلْبي تَمَهَّلْ لا تُنازِعْ

فَكُلُّ الجُرْحِ يَشْفِيهِ العِناقُ


فَكَمْ لَيْلٍ بَكَيْتُ بِهِ طَوِيلًا

وَكانَ الدَّمْعُ في عَيْنَيَّ رَقْراقُ


أُفَتِّشُ في انْكِسارِ الصَّوْتِ عَنِّي

فَلا صَوْتٌ يُجِيبُ ولا رِفاقُ


فَيَأْتِي المَطْرُ يَحْمِلُني بَعِيدًا

إِلى حُلْمٍ تَبَدَّدَ وَانْسِياقُ


كَأَنِّي في انْسِكابِ الماءِ طِفْلٌ

يُعانِقُ ضِحْكَةً فيها انْطِلاقُ


فَيا رَبَّ السَّماءِ إِذا دَعَوْنا

فَفَيْضُ العَفْوِ مِنكَ هُوَ المُذاقُ


وَأَحْيِ القَلْبَ إِنْ أَضْحى حُطامًا

فَأَنْتَ لِكُلِّ مُنْكَسِرٍ عِتاقُ


إن قراءة متأنية لتجربة الشاعر التونسي طاهر مشي الشعرية،كما تجلت في هذا النص،تفضي بنا إلى اكتشاف أن هذا الشاعر لا يكتب القصيدة ليقولها فقط،بل ليعيشها،ليتحول هو نفسه إلى قصيدة تمطر في داخلها الحروف وتنشق عن معان جديدة.

إن ما يميز منجز طاهر مشي الإبداعي،والذي يدعو النقاد والباحثين إلى وقفة متأنية جادة،هو قدرته الفائقة على المزاوجة بين الرؤية الحداثية والعمق الإنساني،بين الانشطار الوجودي والبحث عن كلّ جامع،بين الحزن العميق الذي لا يتحول إلى يأس،وبين الأمل الذي لا يسقط في فخ السذاجة.

وفي هذا النص بالذات،نلمس عبقرية الشاعر في توظيف ثنائيات متقابلة (السماء/الأرض،النور/الظلمات،الجرح/العناق،الطفولة/الرشد،الانكسار/العفو..) ليصنع منها نسيجا شعريا متماسكا يعكس رؤيته للوجود رؤية جدلية تقوم على التوتر والانفراج،على الموت والبعث،على الانتظار والتحقق.وهذه الثنائيات ليست مجرد تراكيب شكلية،بل هي تعبير عن رؤية كونية عميقة ترى العالم في حالة تحول دائم،حيث لا شيء ثابت إلا التغيير نفسه.

واللافت في هذه القصيدة،وغيرها من منجزات الشاعر،ذلك التحول النوعي الذي يحدث على مستوى اللغة،حيث ينتقل الشاعر من لغة الوصف التقليدي إلى لغة التكوين والإبداع،لغة تخلق عوالمها الخاصة وتفرض منطقها الداخلي.فالمطر عنده ليس مطرا فقط،بل هو "حزن عمر" و"غسل للوثاق"، وهو أيضا "طفولة متجددة" و"حلم يتبدد" و"انسياق" نحو المجهول. 

إنها قدرة نادرة على تكثيف المعاني وتشكيلها في قوالب لغوية باذخة الجمال،عميقة الدلالة.

ولعل من أبرز ما يميز تجربة طاهر مشي،والتي تستحق منا كنقاد وباحثين وقفة مطولة،ذلك التوظيف المدهش للإيقاع الداخلي والخارجي، حيث ينسجم الوزن والقافية مع الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر،فنشعر بانفعالات تتسارع وتتباطأ وفقا لحركة المطر نفسه،وكأن اللغة هنا ترقص على إيقاع الماء المنهمر.وهذا لا يأتي إلا من شاعر أتقن أدواته وأحكم صياغته،وعاش اللغة من داخلها لا من خارجها.

أما على المستوى الدلالي،فإن هذه القصيدة تقدم لنا تصورا خاصا للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، علاقة تتجاوز التأمل الفلسفي التقليدي إلى نوع من الامتزاج الوجودي،حيث يصبح المطر مرآة للذات وامتدادا لها،وحيث تنهار الحدود بين الداخل والخارج،بين الذاتي والموضوعي،ليحل محلها إحساس بالوحدة الكونية التي تتجلى في لحظة الهطل المقدسة.

وفي ختام هذه المقاربة النقدية-العجولة-،التي التزمنا فيها النزاهة والموضوعية واعتمدنا فيها على أدوات النقد الحديث في تفكيك النص وتحليل بنياته العميقة،نؤكد أن طاهر مشي يستحق أن يكون محورا لدراسات نقدية جادة ومتعمقة،تتجاوز المجاملات والانطباعات إلى كشف خريطة هذا العالم الشعري الفريد،الذي لا يزال،للأسف،بحاجة إلى من يكتشف أغواره ويبين منجزاته.إنه شاعر تونسي كبير بكل ما تحمله الكلمة من معنى،شاعر استطاع أن يضع بصمته الخاصة في خريطة الشعر العربي المعاصر،وأن يخلق لغة شعرية خاصة به،لغة تجمع بين الأصالة والمعاصرة،بين العمق الإنساني والجمالي الفني.

فيا أيها النقاد والباحثون،إن منجز طاهر مشي الإبداعي يناديكم،كما ينادي المطر في قصيدته،أن تقتربوا منه باحثين دارسين،بعيدا عن المجاملة والهوى،قريبين من العلم والموضوعية،لعلكم تكتشفون في هذا المنجز ما يستحق حقا أن يكتب بماء الذهب،أو بماء المطر الذي يغسل تراكمات السنين ويكشف عن جماليات النص الأصيل.


وختاما،لا يسعني بوصفي ناقدا إلا أن أؤكد أن تعاملي مع نصوص المبدعين-شعراء كانوا أو روائيين أو قصاصين من تونس أو من خارجها- ينطلق من زاوية نقدية بحتة،تنأى كل البعد عن المحاباة والمجاملة.فالخيط الرابط الوحيد الذي يجمعني بهؤلاء المبدعين هو النص الجيد الذي يستحق المقاربة،والكتاب الجدير بالاهتمام.وأرجو أن تُستساغ ملاحظتي هذه في سياقها الموضوعي،وألا يتم إخراجها عن قصدها،فهي من صميم الالتزام النقدي الذي يرفض تسييس الإبداع أو تحويل النقد إلى وسيلة للتربية أو المجاملة.


محمد المحسن



الثلاثاء، 7 أبريل 2026

استنشاق الغياب..بحبر الحنين تقديم قصيدة الشاعرة التونسية جميلة عبسي الموسومة ب"عدني..سيجارة وضمني" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 استنشاق الغياب..بحبر الحنين

تقديم قصيدة الشاعرة التونسية جميلة عبسي الموسومة ب"عدني..سيجارة وضمني"


عدني..سيجارة وضمني 


لم أكن لأقع في حب أحدهم..

ولا لاعشق وأجن مثلما كنت معك ...

  أبحث عن شيء منك فيهم ..

أبحث عن نفس سيجارة يعيدني إلى الحياة..

أبحث عن حضن 

يشبه دفء حضنك ..

أبحث عن عيون ترى الجنون والحزن  بداخلي ..

ترى العشق يتطاير  بين أهدابي ..

أبحث عن عيون تبكي عندما يستنزفها العشق في خلوتي .. 

وفي حزني تهدهدني كلماتك 

فتطيب نفسي وتقر عيني ..

 لم أكن لأقع في حب أحدهم ابدا ..

أنا فقط أبحث عن رسم شفتيك بين الشفاه ..

أبحث عن جمالك القرطبي.. 

وشيمك العربية ..

أبحث عن رائحة الياسمين بصدرك ..

دمك دمي، وأنا منك خلقت ..

فكيف أحب غيرك 

وأنت تملأ عيني حزنا ..

أعطني نفسا معتقا برائحة سجائرك..

أعطني سيجارة 

أجدك فيها ..

أضمها كما كنت تضمني ..

اعصرها كما كنت تعصر التوت بحلقي ..

دبي 14/ فيفري / 2025


تصدير :

-الحب يخرج من بين سطور الروايات كفرس جامح لا يوقفه احد ويخشاه كل من التقاه،فله علوٌّ وله سقطات،و يمر كرمح يحوم حول هدفه المسجى في شرايين القلب..


في قصيدة "عدني.. سيجارة وضمني" للشاعرة التونسية جميلة عبسي،لا تقرأ النصَ فقط،بل تُستنشقه.تستنشقه كما تستنشق الروحُ آخرَ أنفاس عاشقٍ يرحل.إنها قصيدة تكتبُ بحبرِ الحنينِ وتوقيعِ الرماد،حيث تتحول السيجارة من مجرد مفردة يومية إلى أيقونة للحضن الغائب،ومن ثقب صغير ينفذ منه الدخان إلى نافذة تطل على جنة مفقودة.تمتزج هنا أنوثة التونسية بروح الأندلس، ويصبح الجسد وطنا للذاكرة،والشمُ لغةً للحب. الشاعرة لا تبحث عن حبيب،بل تبحث عن "نفسٍ معتقٍ" برائحة سجائره،عن "رسم شفتيه"بين كل الشفاه،عن "جماله القرطبي" و"شيمه العربية". 

إنها ترسم لوحة حزينة بملامح من ياسمين ودم وتوت معصور،فتخلق كونا شعريا خاصا حيث العشق ليس شعورا،بل عنصرا كالهواء والماء، والموت ليس نهاية،بل بحثا أبديا عن مرآة تعكس الجنون الجميل الذي صنعه ذلك الغائب.

إن المخزون الجمالي الذي تكتنزه الشاعرة التونسية جميلة عبسي في هذا النص الشعري ليس مجرد زخرف لغوي،بل هو كيمياء عاطفية نادرة.فهي تمتلك القدرة على تحويل الأشياء الصغيرة (سيجارة،حضن،عيون،ياسمين،توت) إلى رموز كونية للفقد والعشق والبحث الأبدي.وتتفوق في بناء استعارات أصلية: "عيون تبكي عندما يستنزفها العشق في خلوتي"،و"نفس معتق برائحة سجائرك"، و"أعصرها كما كنت تعصر التوت بحلقي"-هذه الصور ليست مجرد تشبيهات،بل هي عوالم مصغرة تختزل حكايات كاملة.كما أن استدعاءها للجمال القرطبي والشيم العربية يمنح النص بعدا حضاريا أنيقا،ويؤكد أن انتماءها الشعري يمتد من أزقة تونس العتيقة إلى قصور الأندلس.إنها شاعرة الحواس الخمس،تكتب بأناملها ودمها وليس بقلمها فقط. 

في هذا النص،تثبت جميلة عبسي أن الشعر التونسي النسائي المعاصر يمتلك أدواته الخاصة ليصنع من الألم لوحة،ومن الدخان سيمفونية،ومن السيجارة قصيدة لا تُنسى.

بهذا النص الباذخ،لا تكتب جميلة عبسي القصيدةَ فحسب،بل تؤثثُ غياب الحبيبِ كغرفة معطّرة بالدخان والياسمين.إنها ترى العالم من ثقبِ السيجارة ذاته،فتصبح الأشياء مرايا مكسورة تعكس وجهَه المتواري: عصر التوت احتضانٌ، وشمُّ الرمادِ لقاءٌ،وتبكي العيونُ حين لا تجدُ سوى مرآتها القديمة.كأنّ القصيدة كلَها ليست بحثا عن حبيب،بل عن مرآة ضاعتْ ذاتَ ليلة أندلسية، فباتت الشاعرة تلملم شظاياها من دخان كلّ سيجارة تشتعل.وهنا يكمن سرُّ جمالها الموجع: أنها لا تشي بنهاية الحب،بل تعلن بداية حبٍّ آخر،أكثر غموضا وأعمقَ جرحا،هو حبُّ الذاكرةِ التي ترفض أن تموت،وتبقى تتجرّع الغياب كأنه نسمة عطر لا ينضب.

وهكذا،حين تنطفئ آخر سيجارة في متاهة العمر، وحين يتلاشى الدخان كآخر رسالة وداع،تبقى الشاعرة وحدها مع سؤال أبدي لا يجيب عنه غير الصمت: كيف للحب أن يكون بهذا الحضور المطلق في قلب الغياب؟!

 إن "عدني.. سيجارة وضمني"ليست قصيدة رثاء للحبيب،بل هي إنجيل حب جديد كُتب بلغة الجروح التي لا تلتئم،طقس خاص من التعبد للذكرى حيث تصبح السيجارة مذبحا،والرماد بخورا،والحضن المفقود سماء كاملة لا تتسع لها إلا غرفة القلب الضيقة. 

جميلة عبسي،بهذا النص،لا تقدم عزاء للعشاق،بل تمنحهم سلاحا غريبا:الشجاعة على أن يعشقوا الغياب كما يعشقون الحضور،وأن يصرخوا في وجه الفراغ: "أنت لا تستطيع أن تمحو ما زرعته الأرواح".

 في النهاية،كلنا نبحث عن سيجارتنا التي تعيدنا إلى الحياة،عن حضن يشبه دفء أول حب،عن عيون تبكينا كما نبكيها.لكن القلة فقط من تجرأ على كتابة بحثها الأبدي بهذه الأناقة الموجعة، فخلدت بذلك حبا لم يمت،بل تحول إلى نار هادئة تشتعل تحت رماد الكلمات.

قبعتي..يا جميلة..


محمد المحسن