السبت، 4 أبريل 2026

سندان الأرق وقلم النبوءة: تأملات في معمعة نجيب محفوظ الإبداعية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 سندان الأرق وقلم النبوءة: تأملات في معمعة نجيب محفوظ الإبداعية

لم تكن ساعات الصباح الأولى عند نجيب محفوظ مجرد وقت للكتابة،بل كانت موعداً مع نوع من النبوءة الذاتية التي كان يمليها على الورق بصوت لا يسمعه غيره.في تلك الفترة التي تتشظى فيها الحدود بين الحلم واليقظة،كان الأديب الراحل يمارس طقوسا لا تقل تعقيدا عن عالمه الروائي: يكتب في الضحى،ويُسهر الليل على عرش الأرق، متخذا من قلة النوم سلاحا لم يختره بقدر ما ابتلاه به الزمن.

هنا،لا يمكن قراءة علاقة محفوظ بالنوم كمجرد عادة يومية عابرة،بل كمرآة تعكس جوهر صراعه الوجودي مع الإبداع.فالأرق،ذلك الضيف الثقيل الذي لا يغادر رأسه إلا بعد منتصف الليل،لم يكن عجزا عن النوم بقدر ما كان يقظة قسرية لعقلٍ يرفض أن يتوقف عن صوغ الأسئلة. 

كان ينام أربع ساعات متقطعة فقط،وكأن جسده يمنح نفسه كفاف ما يكفي لاستعادة عافيته،بينما كان عقله يُتمّم ما بدأه على الورق في صباح اليوم التالي.

اللافت أن محفوظ وضع فاصلا حاسما بين لحظة الإبداع ولحظة الإرهاق: فالكتابة في الصباح، والنوم بعده مباشرة قد يكون حاجة،لكن الأرق المسائي كان بمثابة فضاء تأملي خاص،يتشكل فيه وعيه بالشخوص والأحداث دون أن يكتب حرفا واحدا.كان يقرأ قبل أن يغفو،تلك القراءة التي سماها هو نفسه "الفاصل" بين الأرق والكتابة،كأنه يودع عقله في حضارة الآخرين ليستريح قليلا من ضجيج أبطاله الذين يصرخون داخله.

هذا الارتجال المنظّم بين النهار والليل جعل من نجيب محفوظ حالة استثنائية:راهبا لا يؤمن بدير غير الرواية،وفيلسوفا يمارس فلسفته بالصمت قبل أن يفصح عنها في حوارات شخوصه. 

لقد حوّل الأرق إلى معملٍ سريّ لا تطفأ أنواره أبدا، والصباح إلى ساحة معركة يُدحر فيها هذا الكمّ من الأحلام المتشظية إلى كلمات وروايات.

وإذن ؟

ليس غريبا إذا،أن يخلد نجيب محفوظ في ذاكرة الأدب العالمي،فالخلود لا يُمنح لمن ينامون طويلا، بل لمن يدفعون من عمرهم ثمنا لليقظة.والأرق الذي لازمه عقودا لم يكن نقمة جسدية،بل كان-في حسٍّ أعمق-شكلا من أشكال التضحية اليومية التي يقدّمها الكاتب على مذبح السرد.

 أربع ساعات من النوم لا تكفي لإنسان،لكنها تكفي لعبقري يرى في الأحلام القليلة فرصة لصنع أحلام أكبر تخص أمة بأكملها.وكلما أظلمت الدنيا على جفنيه،أشرقت الدنيا في سطوره،وهكذا عوّض محفوظ غياب النوم بحضور أبدي بين ضفاف النيل وزحام الحسين وجدران الزقاق. 

والسؤال؟

من قال إن الأرق عدوّ؟!

 عند محفوظ،كان صديقا خفيا يهمس في أذنه أسرار البشر الذين لا ينامون أبدا.

وهكذا،لم يكن نجيب محفوظ يكتب رواياته فقط، بل كان يعيشها في جسده قبل أن تدخل إلى الورق.كان الأرق ميثاقه مع المجهول،والصباح طقس فدائه المستمر.وفي عالم يقدّس الراحة، اختار هو أن يكون ساهرا على حافة الأسئلة الكبرى،حارسا لبوابة لا يدخلها إلا من هجعه الخوف من الضياع أكثر من تعبه الجسدي.لقد حوّل العجز عن النوم إلى قدرة مطلقة على الحلم، وجعل من ساعات السهد مساحة للخلود،حيث لا يموت من يكتب وهو شبه غائب عن وعيه القابع بين الأرق والإشراق.وربما كان السر الأعمق في عبقريته أنه أدرك متأخرا ما لم يفهمه أحد غيره: أن النوم الحقيقي ليس غفوة العينين،بل يقظة الروح التي لا تنتهي،وأن الخلود ليس راحة أبدية، بل سهر لا يعرف الاستسلام.

 رحم الله من أهدانا يقظته،وأورثنا من أرقِه عالما لا ينام.


محمد المحسن


*ملحوظة :

كاتب هذا المقال حاصل على درجة الماجستير في أدب نجيب محفوظ،وكان عنوان رسالته: "تمثّلات المكان المقدّس والمدنّس في ثلاثية نجيب محفوظ: من الحسين إلى قصر الشوق".



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق