مبدعات عربيات وتونسيات تحت خط النار:
حين تصنع الكلمات الحياة وسط الموت
في زمن تتقاتل فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتتشظى فيه الجغرافيا العربية على وقع حرب إيرانية-إسرائيلية أمريكية تحتدم في جزء منها فوق أراضي الإمارات العربية المتحدة،يظل السؤال الأعمق: ماذا تفعل الكلمة حين تخونها المدافع؟ وماذا يصنع الإبداع في حضرة الموت؟
على خط النار،حيث تتصادم الإرادات وتتساقط حمم الجحيم،تقف مبدعات عربيات وتونسيات،لا يحملن سلاحا تقليديا،بل يحملن قصيدة،أو بحثا، أو رواية،أو شهادة وجود تليق بالإنسان أولا، وبالعروبة والإسلام ثانيا.
الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير: صوت لا ينطفئ..عزيزة بشير،التي جعلت من القصيدة فلسطينا محمولة على كفّيها،تقف اليوم تحت القصف،لا تلوذ بالصمت،بل تلوذ بالحرف.وهي التي كتبت:"نُصرة لِغَزَّةَ،لرَفَح،وَسائِرِ/بِلاد العَرَب
وَالمُسلِمين/من في السَماء سَأَلتُ نُصرَة غزَة
وَرجَوتُه لِلمظلومينَ نَصيرا.."
وفي ظل هذه الحرب المشتعلة،تواصل الأستاذة عزيزة بشير إشعال الضوء بالقصيدة المقاومة،ليست مقاومة السلاح فقط،بل مقاومة النسيان،ومقاومة محو الهوية،ومقاومة تحويل الإنسان إلى رقم.
الدكتورة آمال بوحرب: تونس الضاربة في عمق الفكر..
من تونس إلى قلب الإمارات العربية المتحدة، تحمل الدكتورة آمال بوحرب،الشاعرة والباحثة، راية العقل النقدي.هي التي أمتعت المكتبة العربية بدراساتها العميقة في الشعر والصوفية والحداثة، لم تترك القلم لحظة.وفي زمن الحرب،تتحول أبحاثها إلى شهادات حيّة على أن الثقافة ليست ترفا،بل هي الوعاء الذي يحفظ الأمم من الذوبان.
تقول في إحدى قصائدها: "جئتُ من رحمٍ يسكنُه الغياب/ومن صدرٍ يتلو على لساني/تراتيلَ لا يسمعها أحد/ورثتُ الحنينَ قبل أن أتعلّمَ البكاء
وضوءا مشكاته تلوح من بعيد/كظلِّ وردةٍ على جدارِ المساءِ.."
الشاعرة التونسية جميلة عبسي: نبض تونسي في زمن الردم..
جميلة عبسي،التي جعلت من الشعر أنثى لا تخضع،تمثل اليوم صوتا تونسيا شجاعا في المشهد الثقافي الإماراتي.وفي لحظات الحرب،لم تبحث عن مخبأ،بل عن ورق أبيض.وقصائدها التي تلامس الجرح الفلسطيني،والعربي،والنسائي، تصبح أقوى حين تكتب تحت صفير الرصاص.
تكتب جميلة الآن:"ذبتُ بين الإيقاع والدوران، تلاشت الحدود،وصار الوقت دائرة واسعة أركضُ فيها بلا خوف.ابتسمتُ،لأنني أخيرا...أرقصُ كما لو أن الحبّ يسمعني.."
الكاتبة الفذة دليلة الوحيشي،التونسية المقيمة في البحرين،التي أثرت السردية العربية بإبداعاتها العميقة التي تنبش في الذاكرة والهوية،تقف اليوم شاهدة على انهيار المنطق الإنساني.هي التي كتبت عن الخذلان،والانكسار،والنهوض،والغربة والإغتراب تجد نفسها أمام واقع يكتب بدماء الأبرياء.
تقول دليلة في أحد نصوصها الأخيرة:
"ربّاه! أكلّما عششت في قلبي يمامة ناديتها، فطارت إليك تطرب حوريات الجنّة بهديلها وتذرني وحيدة؟!!ربّاه!!.."
هؤلاء المبدعات لسن مجرد أسماء في قوائم ثقافية،هنّ من أثثن المشهد التونسي والعربي بأعمال راقية:دواوين شعرية،دراسات نقدية،بحوث أكاديمية،ومشاركات دولية رفعت اسم تونس والعروبة في المحافل الثقافية الكبرى.
هنّ من جعلن من الكلمة وسيلة للحضارة،ومن البحث أداة للمقاومة الفكرية،ومن الإبداع استراتيجية للبقاء.
ونحن نتابع بقلوب مفجوعة تصاعد الحرب بين إيران والحلف الصهيو-أمريكي..حرب وصلت شظاياها إلى أرض الإمارات العربية المتحدة،لا نملك إلا أن نطلب لهن السلامة،ولجميع المبدعات والمبدعين العرب تحت خط النار.
وندعو الله أن تحط الحرب أوزارها،وأن ترتفع راية الإسلام والعروبة عالية خفاقة،لا راية إقصاء أو عنصرية،بل راية العدل،والعلم،والجمال،والإبداع.
إن النصر الذي نبغيه ليس نصر مدفع على مدفع، بل نصر كلمة على صمت،نصر قلم على سيف،نصر وعي على همجية.
وفي لحظة يصنع فيها الرجال الحروب،تصنع النساء-ولا سيما المبدعات منهن-حياة.هنّ اللواتي يذكرننا بأننا لسنا مجرد جيوش وحدود،بل حضارة،وكتب،وأشعار،وأحلام..
لعل هذه الحرب،مهما اشتد أوارها،لن تستطيع أن تمحو قصيدة كتبتها الأستاذة عزيزة بشير،أو بحثا أنجزته د-آمال بوحرب،أو قصيدة أبكتنا بها جميلة عبسي،أو قصة أسرتنا فيها دليلة الوحيشي.
سلامًا لهن،وللقلم،وللكلمة،وللعروبة،وللإنسانية.
نصر مبين بإذن الله.
وفي الختام،لا بد من التأكيد على أن معركتنا ليست مع الإمارات ولا البحرين ولا أي من الدول العربية الشقيقة،فهذه أوطاننا جميعا وتاريخنا ودماؤنا ومستقبلنا مشترك.إنما حربنا وحرب هؤلاء المبدعات التونسيات والعربيات الرابضات اليوم على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمعة،هي مع الصليبيين الجدد،أولئك الذين يتسترون خلف أقنعة الحداثة والحرية الزائفة،وهم في جوهرهم قتلة الضمير،وشذاذ الآفاق الجدد،الذين لا يترددون في دهس القيم الإنسانية والأخلاقية تحت دعاوى التحرر المزيف.إنهم من تآمر على الرسل وقتل الأنبياء بالكلمة قبل السيف،وما زالوا يواصلون حربهم على كل صوت حر يأبى الانحناء لغير الله ولغير الحق. فلتظل أصوات مبدعاتنا العربية شامخة،تفضح النوايا الخبيثة،وتقاوم بوعي وإبداع كل محاولات التغريب والتطبيع مع ثقافة الموت والاستلاب. والله من وراء القصد.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق