الأربعاء، 1 أبريل 2026

تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير -الطاهر مشي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير -الطاهر مشي

لا يزال سؤال الإبداع الشعري في الثقافة العربية المعاصرة أحد الأسئلة المفتوحة على احتمالات التأويل،خاصة حين يتعلق الأمر بتجربة شعرية عميقة ومتعددة المنافذ كتجربة الشاعر التونسي الكبير الدكتور الطاهر مشي.فالإبداع هنا ليس مجرد نزعة فردية تعبر عن ذاتية شاعرة بقدر ما هو رؤية للعالم تُشيد لغة خاصة تنبثق من تفاعل المنجز الشعري مع سياقاته الثقافية والتاريخية والإنسانية. 

-في متاهة اللغة والرؤيا:

في الثقافة العربية المعاصرة،يظل سؤال الإبداع الشعري أحد الأسئلة المفتوحة على مصراعيه، كأفق يتسع باستمرار أمام احتمالات التأويل التي لا تنضب.غير أن هذا السؤال يكتسب حدة استثنائية ووهجا خاصا حين يصادف تجربة شعرية غائرة في العمق،متشعبة المنافذ،كتجربة الشاعر التونسي -الطاهر مشي.فالإبداع في هذا السياق لا يُختزل في نزعة فردية تبوح بوحا ذاتيا،ولا يُحصر في لحظة انفعال عابرة،بل هو رؤيا للعالم تقوم على تخوم الرؤية والوجود.إنها رؤيا لا تكتمل إلا بتشييد لغة خاصة،لغة تولد من رحم التفاعل الخصب بين المنجز الشعري وسياقاته الثقافية المتراكمة،وتجاعيده التاريخية النابضة،وأسئلته الإنسانية الممتدة في الجسد والذاكرة.

إن الغوص في تجربة الشاعر الفذ -الطاهر مشي لا يقودنا إلى مجرد استكشاف خصوصية أسلوبية أو تفرد لغوي،بل يكشف عن كون شعري قائم بذاته،كون يتداخل فيه الذاتي والموضوعي، والخاص والعام،المحلي والإنساني،في انسيابية تجعل من القصيدة حدثا وجوديا لا مجرد نص.فما يمنح هذه التجربة سحرها وجدتها هو قدرتها على أن تظل سؤالا مفتوحا: سؤالا عن اللغة التي لا ترتاح إلى اليقين، وعن العالم الذي لا ينفك يتشكل عبر المرايا المكسرة للكلمات.وفي زمن تتسارع فيه ردود الأفعال وتتقلص فيه مساحات التأمل،تأتي تجربة كهذه لتذكرنا بأن الشعر الحقيقي ليس إجابة،بل هو سؤال يصبح شكلا من أشكال المعرفة الأعلى،وأسلوبا في الوجود لا ينتهي بانتهاء القصيدة،بل يبدأ حيث تظن أن الكلام قد انتهى.

يقول الشاعر الطاهر مشي:

"ها أنا شارد..في تفاصيل الغياب

كل الأحلام رسمتها

في خارطة النسيان

يؤرقني ذلك الشرخ

مازال ينزف من ذاكرتي.."

يتجسد في هذه الأبيات ما أشارت إليه قراءتنا من تشييد لغة خاصة تنبثق من رؤيا للعالم قائمة على تخوم الوجود،فالشرخ الذي لا يزال ينزف من الذاكرة ليس مجرد وجع فردي،بل يصير حدثا وجوديا تعبر عنه القصيدة بوصفها سؤالا مفتوحا على احتمالات التأويل،حيث تتحول تفاصيل الغياب وخارطة النسيان إلى مرايا مكسرة للكلمات،تعيد تشكيل العالم في فضاء شعري لا ينتهي بانتهاء النص.

ويقول أيضا :

"فتك الغياب

ملامحك

وبات الحنين مشتتا

بين الماضي والأمس القريب

تفتت نبضي

قربانا.."

يتجلّى هنا ما أشارنا من تداخل الخاص والعام في "الكون الشعري" القائم بذاته،ف"تفتت النبض قربانا" ليس لحظة انفعال عابرة،بل هو تجسيد للرؤيا التي لا تكتمل إلا باللغة التي تنبثق من أسئلة الذاكرة والجسد،لتبقى القصيدة حيث يبدأ الكلام بعد أن يظن القارئ أن المعنى قد انتهى.

وفي لوحة إبداعية أخرى يقول:

"أحبّكِ والقلبُ شاخَ الحنينُ

وفي الروحِ جرحٌ يبوحُ السكونُ


أطوفُ بليلي وأحسبُ خطوي

فيسبقني الشوقُ حيثُ تكونُ

يؤسس هذا النص لما ورد عن "لغة خاصة تنبثق من تفاعل المنجز الشعري مع سياقاته"،فشيخوخة القلب مع استمرار الحنين،وسبق الشوق للخطو، يكشفان عن لغة لا تتبع التجربة بل تسبقها،لتجعل من القصيدة "أسلوبا في الوجود لا ينتهي-أيضا-بانتهاء القصيدة".

هكذا تظهر شواهد الطاهر مشي معادلا موضوعيا لما ذكرنا من أن شعريته كون قائم بذاته،لا ينغلق على إجابات جاهزة،بل يفتح أفقا للتأمل حيث يتقاطع الذاتي بالموضوعي،واللغوي بالوجودي.إن قراءة هذه الشواهد في ضوء النص تكشف أن الشاعر لم يكتب قصائد،بل بنى عوالم قائمة على السؤال،متخذا من اللغة مرآة مكسرة لا تعكس الأشياء بل تعيد تشكيلها،تاركا للقارئ أن يعيد بناء المعنى كل مرة،في فعل قراءة لا ينتهي-كما أسلفت- بانتهاء القصيدة.

وإذا كان الإبداع الشعري يبدأ من حيث تنتهي اللغة اليومية،فإن تجربة الطاهر مشي تمثل نموذجا بارزا في التعامل مع اللغة باعتبارها مادة قابلة للانصهار والتشكيل.فالشاعر لا يقف من اللغة موقف المستخدم العادي،بل يتعامل معها ككيان حي يتفاعل مع تحولات الذات والعالم.وتتجلى هذه الرؤية في قدرته على استنطاق التراث اللغوي العربي دون الوقوع في فخ التكرار أو الاستهلاك الجاهز للصور البلاغية الموروثة.

إن الإبداع في هذا السياق يعني القدرة على خلق مسافة بين الكلمة ومعناها السائد،بحيث تكتسب الدلالات أبعادا جديدة كلما أعاد الشاعر تركيبها في سياقات مغايرة.وهذه الخاصية-أي توليد المعنى من هدم الأنساق اللغوية المستقرة-تعد من أبرز سمات الشعرية الحديثة التي وظفها -الطاهر مشي بمهارة فائقة.

في ختام هذه المقاربة،يتبين أن الإبداع في منجز -الطاهر مشي ليس مجرد تقنيات بلاغية أو مهارات في صياغة النصوص،بل هو رؤية متكاملة للعالم والشعر واللغة.إنها رؤية تجعل من الشعر فعالية وجودية تلامس أسئلة الإنسان العميقة، ومن اللغة عالما ممكنا يتسع لاحتمالات التأويل.

وما يبقى من تجربة هذا الشاعر التونسي الكبير - الطاهر مشي بعد كل تحليل هو ذلك الإحساس بأن النص الشعري لديه لا ينغلق على ذاته،بل يظل مفتوحا على قارئه،داعيا إياه إلى المشاركة في إنتاج المعنى.وهذه الخاصية وحدها كافية لجعل هذه التجربة واحدة من أكثر التجارب الشعرية قدرة على تجديد أسئلة الشعر والإبداع في الثقافة العربية المعاصرة.

ختاما،أؤكد أن ما قُدِّم في هذه المقاربة لم يكن سوى قراءة نقدية تحاول أن تنزل عند أمانة المنهج،وتلتزم بموضوعية التحليل بعيدا عن أي محاباة أو مجاملات،إذ كان الإبداع الشعري للشاعر التونسي الكبير الطاهر مشي هو الأصل والحضور،والناقد ليس سوى قارئ يخضع النص لمناهج النقد الحديثة،ساعيا إلى تفكيك آلياته لا إلى إنشائه،وراصدا لتجلياته لا إلى تزيينها.فإن كان المنجز الشعري قد ظل مفتوحا على التأويل،فإن هذه القراءة أرادت أن تكون وفية لانفتاحه،غير متجاوزة حدود ما يمليه الالتزام النقدي من إنصاف ورؤية متجردة.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق