شعريّة الغياب وسلطة الصبر: تفكيك أنسلة الفقد في منجز الباحثة والشاعرة التونسية د.آمال بوحرب"
ألوذ بصبري
لم أعرف وجهَ أمّي…
وُلدتُ،وعلى كتفي وشاحُ فَقدٍ لا يُخلع
جئتُ من رحمٍ يسكنُه الغياب
ومن صدرٍ يتلو على لساني
تراتيلَ لا يسمعها أحد
ورثتُ الحنينَ قبل أن أتعلّمَ البكاء
وضوءا مشكاته تلوح من بعيد
كظلِّ وردةٍ على جدارِ المساءِ
أمّي
لم أرافقها إلى الحقول
لم تُلقّني أسماءَ الطّيور
لم تعلّمني
كيف أزرعُ وردةً على شرفات الغيوم
ولم تُعلّمني الصّلاة
لكنّي صلّيتُ
حين توضّأ الحنينِ بدمي
وتلوّتُ الكتابَ
من همسِ الغيمِ في شفتيها
من صمتٍ يقيمُ في نخاعِ الرّوح
أمّي
كلُّ المنافي
كلُّ البلادِ التي تسكنني
وحين أُسأل عن حزني
أقول:
صمتٍ يتجذّر في الضلوع
كفرعٍ يتيمٍ
يشتدّ بي وجعي
ألملم شظايا صدري
أجبر كسري
وأعوذ بصبري
من اغتراب
ينحرني
من الوريدِ إلى الوريد.
د. آمال بوحرب-تونس
كنت أشرت في مقاربات سابقة إلى أن الكتابة الشعريّة عند الدكتورة آمال بوحرب تظلّ واحدة من أكثر التجارب التونسية المعاصرة إثارة للتأويل،ليس فقط لما تحفل به من كثافة دلاليّة وانزياحات لغوية محكمة،بل لأنها تؤسس لفضاء معرفي نادر يتقاطع فيه البعد الأنثروبولوجي مع التأمل الوجودي والفلسفي،في انسجام نادر مع أدوات النقد الحديث.وحين نقترب من نصّ "ألوذ بصبري"،لا نقترب من قصيدة بالمعنى التقليدي فحسب،بل من متون شعريّة تعيد صياغة علاقة الذات بأصولها الأولى،وتتفلسف الغياب لا بصفته فراغا،بل بصفته حضورا بديلاةيمتح من طاقة الحنين ما يعيد تشكيل معالم الهويّة.
ومعتمدين في قراءتنا على مناهج النقد الحديثة-من تفكيكيّة تستنطق مثاقيل اللغة،وتأويلية تتعقّب طبقات المعنى،وظاهراتيّة تقترب من تجربة الذات الشعريّة في صيرورتها-فإننا نتعامل مع نصوص الدكتورة بوحرب بكل موضوعية،بوصفها نصوصا قائمة بذاتها،تخضع لمحكّ النقد كما تخضع له أيّ نصوص أخرى،بعيدا عن أي مجاملة أو محاباة،ومدركين أن قيمة هذه النصوص لا تحتاج إلى تضخيم بقدر ما تحتاج إلى قراءة تشقّ طريقها إلى طبقاتها المتخفية.
إن ما يميّز هذه التجربة أنها لا تكتفي بالبوح الشعوري،بل ترتقي إلى مستوى "الأنسلة"-أي جعل الألم بنية حيّة تتكاثر وتتفرّع-حيث يصير الفقد أداة معرفة،والحنين منهجا للوجود،والصبر سلطة وجوديّة توازي سلطة الغياب.
وفي نصّ "ألوذ بصبري"،الذي اخترناه أنموذجا، تتجلى هذه الخصائص في بناء أسطوري خاص للأمومة،ليس كعلاقة بيولوجية بقدر ما هي علاقة وجودية،أمومة تتأسّس على الغياب لتخلق نوعا فريدا من التديّن الشعري والحنين المؤسّس.
وبعد هذا التمحيص في بنيات النصّ وأساليب اشتغاله،لا نخرج بنتيجة مفادها أن النصّ "جميل" أو "مؤثّر" فحسب،فهذه أحكام تذوقية تبقى في دائرة الانطباع،بل نخرج بتفكيك لآليات إنتاج الدلالة في تجربة الدكتورة آمال بوحرب،التي تثبت أن الحداثة الشعريّة في السياق التونسي والعربي لا تقاس بجرأة اللغة أو انفلات الإيقاع وحدهما،بل بقدرة النصّ على تأسيس أنطولوجيا خاصّة به،وعالما من المفاهيم والأضداد يعيد ترتيب علاقتنا بالثنائيات الكبرى: الحضور/الغياب، الأم/الابنة،الصلاة/التديّن،الصبر/الاغتراب.
لقد كشفت لنا المقاربة الموضوعية،المنسجمة مع مناهج النقد الحديث،أن ما يسمّى في الظاهر "قصيدة رثاء" يتجاوز بكثير هذا التصنيف ليقترب من مشروع فكري جمالي متكامل.فالغياب عند بوحرب ليس عجزا عن الحضور،بل هو نمط وجود بديل أكثر كثافة،والأمومة ليست علاقة طبيعية محكومة بالحضور المادي،بل هي علاقة روحانيّة تتأسّس على التوارث اللاواعي للجروح والحنين واللغة نفسها.والصبر-الذي جعلته الشاعرة عنوانا للنصّ-لا يُقرأ هنا بوصفه استسلاما سلبيا،بل بصفته "سلطة مضادّة" للاغتراب،ومقاومة وجودية تنهض من داخـل الجرح لتصنع من الألم وعاء للمعرفة.
إن أعمق ما في هذه التجربة أنها تُخرج "اليتيم" من دائرته الاجتماعية الضيقة-يتيم الأم-إلى دائرة وجودية كونية،حيث يصير اليتيم رمزا للإنسان المعاصر بامتياز: الإنسان الذي يولد محمّلا بوشاح الفقد،ويتعلّم البكاء قبل أن يتعلّم الحروف، ويصلّي بلغة لم يعلمها أحد،ويكتب نصّه من صمت يقيم في نخاع الروح.
ومن هنا،فالنصّ لا يقدّم فقط إبداعا شعريا رفيعا، بل يقدّم أنثروبولوجيا شعريّة للحداثة المتأخرة، إنسانيات مؤلمة تصوغ من رحم الغياب حضورا لغويا لا يُقهر.
وفي خضمّ هذه الموضوعية التي التزمنا بها،لا يسعنا إلا أن نشير إلى أن ما حقّقته الدكتورة آمال بوحرب في هذا النصّ وغيره هو إنجاز نادر: الجمع بين الشفافية الشعورية والبناء الفكري المحكم، بين الانفعال المتّقد والتحكم في إيقاعات اللغة، بين التراثي والمعاصر في سبك لا يتكلّف حداثة زائفة ولا يستجدي عاطفة رخيصة.إنها شاعريّة التكوين-كما نراها-شاعريّة لا تكتب القصيدة بقدر ما تكتب كينونة جديدة للقصيدة نفسها،حيث يصبح النصّ وطنا بديلا،والصبر هوية،واللغة هي الأمّ التي لم تُعرف يوما ولكنها تبوح في كلّ كلمة.
وهكذا،وبعد هذا التمحيص،نؤكّد أن التعامل مع نصوص د.آمال بوحرب بموضوعية ومناهج نقدية حديثة لا ينتقص من قيمتها،بل على العكس، يضعها في موقعها الحقيقي: نصوص تستحق أن تُقرأ مرارا،لا لأنها تُبكي،بل لأنها تُفكّر وتجعلنا نُفكّر في مقولاتنا عن الفقد والحنين والأمومة واللغة، مقدّمة نموذجا للشعر الذي لا يستنفد في القراءة الأولى،بل يبدأ فيها.
وختاما،وبعد هذا التمحيص الذي التزم فيه قراءتنا بمناهج النقد الحديث في موضوعيتها،لا يسعنا إلا أن نؤكد أن تجربة الدكتورة آمال بوحرب الشعريّة، في نصّ "ألوذ بصبري" وغيره،تمثّل علامة فارقة في المشهد الثقافي التونسي والعربي،بما تؤسّس له من أنطولوجيا شعريّة خاصّة تعيد صياغة علاقة الذات بالغياب والأمومة واللغة.
وإذ تستحق هذه النصوص أن تُقرأ مرارا وتُفكّر في طبقاتها المتخفية،فإنّ إثراء المكتبة العالمية يستدعي ترجمتها إلى لغات أجنبية،لتكون شاهدة على قدرة الإبداع التونسي على الإمساك بالكوني عبر أنقى صور الشعري.كما ندعو النقاد والباحثين إلى الإقبال على دراسة منجزاتها الإبداعية وفق مناهج نقدية رصينة،تكشف عن آليات اشتغالها وتُسهم في ترسيخ حضورها داخل الخطاب النقدي المعاصر.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق