قراءة في مرايا التعب: حين يتحول الشيب إلى سيرة وجع
قراءة -عجولة- للوحة النثرية للكاتب التونسي الأستاذ الطاهر عسيسيلة
(حكاية الانكسارات التي لا تموت..)
"حكاية تعب في ملامح العمر:
عندما ترى الشيب قد غطّى رأسي،لا تسألني عن عمري…
فالعمر لم يعد يُقاس بعدد السنوات،بل بعدد الانكسارات التي سكنت القلب،وعدد الليالي التي مرّت ثقيلة كأنها أعمار كاملة.لا تسألني كم بلغتُ،
بل اسألني كم مرةً سقطتُ ولم يجدني أحد،كم مرةً ابتسمتُ وأنا أخفي وراء ابتسامتي وجعًا لا يُروى،كم مرةً ودّعتُ أشياء لم أكن مستعدًا لفقدها.هذا الشيب ليس زمنًا مرّ،إنه حكاية تعبٍ تراكم في الروح،هو غبار الطرق الطويلة التي مشيتها وحدي،هو أثر الخيبات حين تأتي من حيث لا تنتظر.كنتُ أظنّ أن الشباب إقامةٌ دائمة،
وأن القلب لا يشيخ مهما اشتدّت عليه الرياح،
لكنني اكتشفتُ متأخرًا…
أن بعض الأوجاع تُسرق من العمر أكثر مما تأخذه السنين.
اليوم،لم أعد أحنّ إلى شبابي لأنه كان أجمل،بل لأنني كنتُ أخفّ…أقل وجعًا،أقل حذرًا،كنتُ أؤمن كثيرًا،وأخاف قليلًا،أما الآن،فقد صار الخوف يسكن التفاصيل.فإن رأيت الشيب في رأسي،
لا تراه علامة كِبر،بل اقرأ فيه سيرة قلبٍ أُنهك،
وحلمٍ تأخّر،وروحٍ ما زالت تحاول… رغم كل شيء."
(الطاهر عسيسيلة)
الأستاذ الطاهر عسيسيلة يمنحنا هنا نصا لا يُقرأ، بل يُعاش.إنه يكتب بلغة الجسد قبل لغة الحروف، حيث تتحول الملامح إلى نصوص،والشيب إلى علامات ترقيم في كتاب العمر المفتوح على جراحه.
ما أبهرني في هذا النص هو قدرته الفائقة على قلب المفاهيم:فالشباب لم يعد زمنا بيولوجيا،بل "إقامة دائمة" وهمية،والشيب لم يعد علامة كبر،بل"حكاية تعب تراكم في الروح".والعمر لم يعد سنوات،بل "عدد الانكسارات التي سكنت القلب".
إنها استعارة كونية تخلع ثوب المادية عن الزمن، وتلبسه ثوب الوجع الإنساني الأكثر صدقا.
-التدرج الدرامي من الظن إلى الاكتشاف:
يبدأ النص بنهي ("لا تسألني")،ثم ينتقل إلى سؤال وجودي مزدوج ("بل اسألني كم مرةً سقطتُ..كم مرةً ابتسمتُ")، ليصل إلى ذروة اكتشافه المؤلم:
"أن بعض الأوجاع تُسرق من العمر أكثر مما تأخذه السنين."
هذه العبارة وحدها تكفي لأن تكون ديوانا كاملا. فكرة أن الألم له قدرة على السرقة أفظع من قدرة الزمن على المرور-هذه فلسفة وجودية تجعل القارئ يصمت طويلا أمامها.والجميل أن النص يخلو من النحيب أو البكائيات المبتذلة.إنه حزين بكرامة.فحين يقول:
"كنتُ أؤمن كثيرًا،وأخاف قليلًا،أما الآن..فقد صار الخوف يسكن التفاصيل."
هنا تتراءى أمامنا صورة إنسان تعلم أن الإيمان الجميل كان ابن سذاجة مقدسة،وأن الخوف لم يعد عدوا خارجيا بل ساكنا في حميمية التفاصيل اليومية.
أيها القارئ الذي مرّت بك هذه الكلمات،لا تنظر إلى الشيب في رأس غيرك كي تترحم على شبابه،بل انظر إليه كي تعرف أنك لست وحدك في هذه المعركة الصامتة.فالطاهر عسيسيلة لم يكتب قصيدته النثرية هذه ليرثي نفسه،بل ليمنحك مرآة شفافة: كل شيب حكاية تعب،وكل تجعد خريطة سقوط،وكل عينين تدمعان في العتمة هي مقاومة صامتة ضد فكرة أن الحياة كانت يوما سهلة.
أعمق ما في النص ليس أنه يعلمك كيف تحزن،بل كيف تعترف: تعترف بأنك تعبت،بأنك خِفت،بأنك شيختَ من الداخل قبل الخارج.وهذا الاعتراف هو أول درجات الشفاء.
تحية لهذا القلم التونسي الذي لا يكتب الحروف، بل يكتب النبض.وتحية لروح لا تزال "تحاول... رغم كل شيء".ففي هذه المحاولة وحدها يكمن معنى البطولة الإنسانية الحقيقية.لأن الإنسان الحقيقي ليس من لم يسقط،بل من أصبح شيب رأسه حكاية تعب لا زال يرويها...وهو واقف.
على سبيل الخاتمة :
في الختام،أيها القارئ الذي لم يعد كما كان، اعترف أنك حين فرغت من هذه السطور،لم تعد تحمل نفس النظرة إلى الشيب في رأسك أو في رؤوس أحبابك.فهذا النص للطاهر عسيسيلة ليس مجرد كتابة،بل هو طقس من طقوس الاعتراف الإنساني،حيث يتحول الكاتب إلى كاهن يقرأ في ملامحنا ما لا نجرؤ على البوح به.لقد أذهلتني قدرة هذا القلم التونسي الفذ على انتزاع الحكمة من رحم الألم،وعلى جعلنا نرى في التعب مادة للبطولة،لا للانكسار.
إن ما فعله الطاهر عسيسيلة هنا هو أنه أعاد تعريف القوة ذاتها: فالقوة ليست في ألا تشيخ،بل في أن تشيخ وتحمل شيبك كراية راياتها "حكاية تعب" لا "علامة كبر".لقد شدّ القارئ إلى نصه ليس بحيلة بلاغية،بل بصدق جراحي يكاد يلمسها كل واحد منا في خلوته مع نفسه.وهذا النص سيبقى في الذاكرة ليس لأنه جميل،بل لأنه ضروري، ضروري لكل من شعر أن عمره الحقيقي لا يُحصى بالسنين،بل بالليالي التي سهرها ساهرا على جروح لا تندمل.
تحية لكاتب جعل من حروفه مرايا شفافة،ومن شيب رأسه فلسفة وجودية.إنه لم يمنحنا نصا نقرأه،بل منحنا غطاء نلتف به في ليالي الخوف، وشهادة بأن "المحاولة رغم كل شيء" هي الانتصار الوحيد الذي لا يسرقه الزمن.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق