رسالة إلى سيدة الضوء: الشاعرة والباحثة التونسية د-آمال بوحرب
(حين يصير الحبر..أقوى من لعلعة الرصاص)
تحت سماء تلبّدت بالغيوم،وأرض ترتج تحت وطأة صواريخ انفلتت من عقالها،أوصيك باليقظة والحذر الذي لا ينقلب هوانا،بل يقينا يثبّت الجذور حيث تحاول العواصف اقتلاعها.فالساحة الشعرية بكل رهاناتها،والجامعات الشامخة التي جعلت من العلم حصنا،ومراكز البحث التي تنتظر عقلك المتقد،جميعها تنتظرك.اثبتي كمن يعلم أن النخلة لا تنحني إلا لتعود أقوى،وانتصري بحبر الروح لوطن احتضنكِ وفتح جامعاته ليبقى العلم بوابة سلام.فما هذا البلد الشقيق إلا نموذج حيّ على أن الإخاء قد يكون أعمق من راجمات الصواريخ وال"ب52"
وفي زمن تتكسر فيه الكلمات على بوابات الصمت، وتتوارى القصيدة خلف ستائر الخوف،تظلين أنتِ النافذة التي لا تُغلق،والضوء الذي لا يخفت. فالإبداع الحقيقي ليس ترفا فكريا،بل مقاومة وجودية،وشهادة أن الحياة تستحق أن تُعاش والجمال أن يُخلق رغم التشظي،لأن الخلق فعل تحدٍّ للفوضى.
لطالما حملتِ في قصائدك ( يا دكتورة آمال بوحرب) هموم هذا الوطن الكبير الذي لا يتسع للحدود بل للحلم،ونبضتِ في أبحاثك لغة تجمع الشتات،وأضاءتِ في محاضراتك شموعا لا تخشى الريح.ولم تكوني يوما مجرد اسم في سجلات المجد الأكاديمي،بل فكرة تمشي على الأرض، وروحا تأبى الانكسار،وقلبا لا ينبض إلا لمن يستحقون الحياة.
وها نحن في لحظة فارقة،حيث تتحول الجامعات إلى حصون لا تقهرها الراجمات،وتصبح الكلمة أشد وطأة من الرصاص لأنها تصيب الوعي.
إن حضورك في قاعات الدرس انتصار صامت على قوى الظلام التي تريد للأمة أن تبقى أسيرة الجهل.وما تقومين به ليس مجرد عمل أكاديمي، بل مشروع نهضوي: غرس للوعي في تربة متعبة، وسقاية للأمل في زمن العطش.فحين تمسكين بالقلم كأنك تمسكين بغصن زيتون في وجه الأعاصير،وحين تتربعين على منابر العلم،تثبتين أن الدفاع بالحبر أبقى أثرا لأنه يخترق الزمن.
وفي خضم هذه اللحظة التاريخية،تتجلى ضرورة أن نكون حراسا للكلمة،سفراء للجمال في مواجهة القبح،لأنه المعنى الذي يجعل من الحياة شيئا يُقاتل من أجله.وما تفعلينه يجعلك سفيرة الإبداع في وطننا العربي الفسيح،بجوهر الروح وإخلاص العمل.
وفي النهاية،أبقي عند يقين راسخ: أنك لست وحدك في الميدان.فخلفك طابور من عشاق الكلمة الذين آمنوا بأن الثقافة وقود الحضارة،ومن طلبة تلقفوا سرّ البهاء،ومن قراء وجدوا في قصائدك ما يسكّن غليل الروح.
إن ما تزرعينه من حروف في أرض متعبة سيكون غدا غابة لا تخاف الجفاف،وما تشعلينه من قنديل في زمن العتمة سيبقى منارة.فامضي قدما، فطريق الإبداع لا يعرف المستحيل،ورسالة الثقافة لا تموت لأنها تورث القدرة على التساؤل والشجاعة على الحلم.وسيبقى الحبر أقوى من الرصاص المنفلت من العقال،لأن الرصاص يمحو الجسد،والحبر يخلق روحا لا تموت.وستبقين أنتِ تلك المرأة التي علمتنا أن المجد يُصنع بحبات الرمل وقبسات الروح،وأن الوطن الحقيقي يُقاس بمن يضيئونه بالعطاء.فمن يضيء نورا في ظلام، لا يعود الظلام كما كان أبدا.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق