الحرافيش: سردية المهمشين بين الغلظة والحلم
قراءة في رواية "ملحمة الحرافيش"لنجيب محفوظ
في متاهات التاريخ المصري،حيث تتداخل أسماء الحكايات مع صخب الزقاق ووهج المقاهي الشعبية،يقبع لفظ "الحرافيش"كعلامة فارقة على حدود التهميش والبطش.ليس مجرد تسمية طبقية،بل هوية معقدة تختزل معنى الوجود الإنساني في أقصى حالات الضعف والقوة معا. فالحرافيش،أولئك الذين حملوا على عاتقهم وطأة العيش القاسي،لم يكونوا مجرد هامش في سردية المدينة،بل كانوا نبضها الخفي،وذاكرتها المتمردة، وحلمها الذي لا يموت.
ينحدر لفظ"حرفوش"من فعل"حرفش"الذي يحمل في جوفه معاني الغلظة وقلة الهذيان،والخروج عن المألوف اللائق.إنه الفعل الذي يوحي بخشونة الملمس،ووعورة الطبع،وعدم الانسياق وراء التزييف الاجتماعي.وحين أطلقه مؤرخو عصر المماليك على سكان القاهرة من الطبقات الشعبية، كانوا يشيرون إلى أناس يملك كل واحد منهم حرفة أو صنعة،أي أن لهم أصابع عاملة وأكفا لا تمد للصدقة،بل تبني للحياة بطينها وآجرها.غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا اللفظ،الذي بدأ وصما للغلظة،تحول مع مرور الزمن إلى راية افتخار،وشهادة على الصمود في وجه آلة التهميش.
في رواية"ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ، التي حللتها الباحثة حنان راضي في كتابها"صور التقابل"،تتجسد هذه الثنائية بشكل أخاذ.فالبطل عاشور الناجي لا يولد ولادة عادية،بل يُعثر عليه رضيعا وسط المقابر،على يد الشيخ "عفرة زيدان". هذا المنشأ المقبري ليس مجرد تفصيلة درامية،بل هو تأسيس لأسطورة الميلاد من رحم الموت نفسه.والمقبرة هنا رمز للهامش الأقصى،حيث تبدأ الحياة من حيث تنتهي،وحيث يُربى الطفل على أن الخشونة ليست عيبا،بل درعا.
ينمو عاشور،ويتزوج،وينجب،ثم يأتي حدث "الشوطة-الوباء الذي يجتاح الحارة،مقتلعا الأخضر واليابس،وكاشفا عن هشاشة الحياة التي يعيشها المهمشون.لكن عاشور ينجو هو وزوجته وابنه،في حلم تحول به مصيره،فيُلقب بـ"الناجي".
هذه النجاة ليست مجرد حظ،بل هي كرامة تُمنح لمن كان قريبا من الموت بما يكفي ليعرف قيمته الحقيقية.ومنذ تلك اللحظة،يصبح اسمه عنوانا للأمل في جسد حارة غارقة في اليأس.
ما يميز -ملحمة الحرافيش-أنها ليست سيرة فرد واحد،بل سلسلة من الأبطال الموروثين: من عاشور الناجي الجد،مرورا بالفتوات الذين ساروا على نهجه،وصولا إلى عاشور الحفيد.كل جيل يحلم بأن يملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت ظلما،وكل جيل يكتشف أن العدالة ليست حالة تتحقق مرة واحدة، بل هي صراع متجدد مع سلطة الفتوات الجدد، ومع قسوة القلب التي تصيب حتى المظلوم إذا طال به الزمان في موقع القوة.
وهنا تكمن عبقرية محفوظ: الحرافيش ليسوا ملائكة،بل بشر يحملون في أعماقهم غلظة المعيشة التي صاغتهم.وخشونتهم ليست انحرافا، بل استجابة لبيئة لا تمنح الضعيف فرصة للبقاء. ومع ذلك،فإن الحلم بالعدالة يظل ملتصقا بهم كظلهم،يذكرهم أنهم أكثر من مجرد أجساد كادحة.
تلفت الباحثة حنان راضي إلى سمة فنية لافتة: معظم حكايات الحرافيش تنتهي بنهايات حزينة ذات طابع مأساوي،حيث الموت قدر محتوم.وفي الحكاية الثالثة"شمس الدين"،يُلقب البطل بـ"قاهر الشيخوخة" لأنه عاش خائفا من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه،وهذه مفارقة عميقة: من يخاف من الحياة أكثر من الموت،يتحول موته إلى انتصار أخير.وفي الحكاية السادسة "شهد الملائكة"،تُقتل "زهيرة»"على يد طليقها في مشهد صادم،وكأن الحارة لا تستطيع أن تمنح نسائها خلاصا إلا عبر العنف.
هذه النهايات المأساوية ليست تشاؤما مجانيا بل هي انعكاس للاتجاه الرومانسي الذي يغلب عليه مشاعر الحزن والقلق.لكنها في العمق احتفاء بالضعف الإنساني كقوة: حين يعرف المرء أنه فان، يصبح كل يوم يعيشه انتصارا.والموت في هذه الحكايات ليس هزيمة،بل هو الفصل الأخير في ملحمة الصمود،حيث يتحول الجسد المغلظ إلى ذكرى لا تموت.
إن سردية الحرافيش ليست مجرد حكاية عن طبقة اجتماعية معينة في زمن مضى،بل هي مرآة تعكس صراعا إنسانيا كونيا: صراع الضعفاء مع قسوة العالم،وصراع الحلم مع الواقع،وصياغة الكرامة من طين الغلظة.فالحرافيش،في دلالتهم العميقة،هم كل من سُحق تحت أحذية التاريخ لكنه رفض أن يتحول إلى غبار.هم صوت من لا صوت لهم،وحلم من حُرم من مقومات الحلم، وإصرار على أن الهامش يمكن أن يكون مركزا للروح حين يتعذر أن يكون مركزا للسلطة.
نجيب محفوظ،بعبقريته،لم يمنح الحرافيش بطلا خارقا ينقذهم من فوق،بل منحهم القدرة على تخليق أبطالهم من رحم المعاناة ذاتها.وعاشور الناجي لم يأت من السماء،بل خرج من المقابر. شمس الدين لم يقهر الموت،بل قهر الخوف منه. زهيرة لم تنجُ من القتل،لكن اسمها صار "شهد الملائكة".وهكذا،تتحول الغلظة إلى نبل،وتصير الخشونة طقسا من طقوس القداسة،ويصبح الحرفوش-بكل ما يحمله اللفظ من تناقضات- أيقونة للإرادة البشرية التي لا تلين.
في النهاية،يبقى السؤال مفتوحا: ألسنا جميعا،في لحظات صدقنا مع أنفسنا،حرفوشا يبحث عن خلاص لا يأتي إلا بعد أن يعترف بضعفه؟
وربما كان هذا هو السر الأبدي لملحمة الحرافيش: أنها تحكي عنا،نحن الذين نعيش على حافة الحلم والخوف،ونحاول أن ننجو من شوطة الحياة بقليل من الكرامة،وكثير من الحكايات.
على سبيل الخاتمة:
في هذه الملحمة الخالدة،لا يكون الموت مجرد نهاية بيولوجية،بل مرآة تعكس هشاشة الحلم الإنساني وسط قسوة واقع لا يرحم.فالحرافيش، بأسمائهم المتوارثة ونهاياتهم المأساوية،ليسوا مجرد شخصيات روائية،إنهم رمز لكل من سُحقت أحلامهم تحت أرصفة الفقر والظلم،ومع ذلك لم يفقدوا القدرة على النهوض من رماد المقابر.
إن تعدد النهايات الحزينة في حكاياتهم لا يدل على يأس مؤلفهم،بل على إصراره على أن الكرامة الحقيقية تكمن في المواجهة،حتى لو كان المصير محتوما.فـ"عاشور الناجي"الذي ينجو من الوباء ليبدأ حياة جديدة،و"قاهر الشيخوخة"الذي يهزم الخوف،و"زهيرة"التي تموت لكنها تبقى شاهدة على الظلم-كلهم يؤكدون أن البطل الملحمي لا يُعرف بعدد انتصاراته،بل بعمق جراحه وقدرته على أن يظل حلمه بالعدالة ممدّدا كالظل خلف جدران الحارة الضيقة.
وهكذا تتحول"الحرافيش"من مجرد تهميش لغوي إلى أفق مفتوح على سؤال الوجود الإنساني:
هل يمكن لخشونة الفقر أن تمحو نعومة الحلم؟ أم أن الإنسان،حتى وهو يرتدي ثوب المهمش،يبقى قادرا على كتابة ملحمته الخاصة ولو بدمه؟!
إنها خلاصة عميقة تليق بملحمة لم تكتمل نهاياتها لأنها-في جوهرها-لا تنتهي..!
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق