الأحد، 12 أبريل 2026

قراءة نقدية: "السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة" التفريغ النصي: "انتصار الحب على الشهوة واثبات الغجر لوجودهم" الرواية :"زهرة من حي الغجر" الكاتب المصري: صلاح شعير الناقدة التونسية : جليلة المازني.

  قراءة نقدية: "السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة"

التفريغ النصي: "انتصار الحب على الشهوة واثبات الغجر لوجودهم"

الرواية :"زهرة من حي الغجر"

الكاتب المصري: صلاح شعير

الناقدة التونسية : جليلة المازني.

المقدمة :

لقد امتدت رواية "زهرة من حي الغجر" في طبعتها الأولى المنقحة 2025 على مئة وستّ وثمانين صفحة ضمن ثمانية فصول وكل فصل يشمل عدة مقاطع.

تتربع رواية "زهرة من حي الغجر" بين الأدب النسوي  وأدب المهمشين.

والادب النسوي  ويطلق عليه أيضا أدب الأنثى أو أدب المرأة وهو يشير الى: "الأدب الذي يكون النص الابداعي فيه مرتبطا بطرح قضية المرأة والدفاع عن حقوقها دون أن يكون الكاتب امرأة بالضرورة"(1).

وتاريخ النظرية النسوية الغربية "يبدأ عادة بأعمال ماري وولستونكرافت(1797-1759 ) وهي واحدة من أوائل الكاتبات النسويات في التقاليد اللبرالية" (2).

وفي هذا الاطار لعل الكاتب صلاح شعير كان مسكونا بقضايا المرأة لينخرط في الأدب النسوي.

 لقد سلّل الكاتب الى القارئ في هذا السياق أدب المهمشين بالحديث عن الغجر كأقلية مهمشة. ولعل المرأة في هذه الرواية قد كانت معاناتها مضاعفة بين مطرقة التهميش وخطاب الكراهية باعتبارها المرأة الجسد.

ويُعتبر الغجر (الروما, الدومر, الكالو) حسب النقاد "أقلية عرقية كبرى منتشرة عالميا, وتواجه تهميشا اجتماعيا واقتصاديا وتاريخيا ومستمرّا. يعيشون غالبا على هامش المجتمعات ويعانون من الفقر, التمييز, ضعف الوصول الى التعليم, ونقص الهوية الرسمية مما يجعلهم من أكثر الفئات ضعفا, حيث يواجهون أحكاما نمطية سلبية, خاصة في أروبا والشرق".

الدراسة النقدية : السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر  في الحياة "

1- السرد داخل السرد والمرأة الجسد :

أ- مفهوم السرد داخل السرد:

السرد داخل السرد أو ما يعرف عند النقاد ب"الحكاية الإطارية" وهو تقنية أدبية يروي فيها الكاتب داخل القصة قصة أخرى لتصبح القصة الداخلية جزءا من النص الأصلي.. يُستخدم هذا الأسلوب لإضافة

طبقات من المعنى ولتعزيز التشويق".

ويعدّ كتاب" كليلة ودمنة" لابن المقفع نموذجا كلاسيكيا لأسلوب "السرد داخل السرد"(الحكاية الاطارية)

حيث يروي الفيلسوف "بيدبا" للملك "دبشليم" قصصا و حكما على ألسنة الحيوانات وتتضمن هذه القصص حكايات فرعية أخرى"(3).

انه السرد المركب في الأدب العربي الذي تميزت به أيضا "الف ليلة وليلة" ويعرف بالمتوايات السردية او تداخل القصص (4).

ولئن كان هذا الهيكل السردي في كليلة ودمنة يهدف لايصال الحكمة والمشورة بشكل غير مباشر عبر التداخل السردي الممتع  ويهدف في "ألف ليلة وليلة" إلى تعميق الحبكة وتقديم خلفيات درامية أو خلق تشويق. فإلى ما يهدف هذا السرد داخل السرد في رواية "زهرة من حي الغجر"؟

ب- تجليات السرد داخل السرد بين المرأة الجسد وحق الغجر في الحياة بالرواية"

لعل هذا الأسلوب الذي توخاه الكاتب صلاح شعير في روايته يعتبر أداة فنية معقدة تُستخدم لتعليق القصة الرئيسية وتقديم منظور جديد للأحداث.

1- السرد داخل السرد والمرأة الجسد:

استهل الكاتب صلاح شعير روايته بالقصة الرئيسية المتمثلة في علاقة زهرة الغجرية مع جابر وكيف حركت شهوته حين رآها لأول مرة في أمسية علمية بنادي الماسة الزرقاء .

لقد برع الكاتب في وصف جمال زهرة الجسدي والذي حرك شهوة جابر ص (19):

أما عن زهرة فانها نفرت منه بمجرد أن سمعت اسمه حتى أنها انسحبت وقتها من المحاضرة العلمية ص(19) مما أثار دهشة جابر محارب .

ان الكاتب استخدم أداة المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص والمسافة الجمالية هي من عناصر نظرية التلقي الحديثة الالمانية لزعيميْها ياوس وآيزر.

ان القارئ كان يتوقع أن جابر محارب المحامي الناجح ورجل الاعمال سيلقى استجابة من زهرة بيْد أن أفق النص كسر أفق توقع القارئ لتنفر زهرة منه.

هذا النفور منه جعله يبحث عن هويتها ص(20).

اما زهرة فقد ساعدها الراوي العليم بواسطة اقلامه (الذهبي والعربي..) على معرفة هوية جابر محارب

وفي هذا الاطار يستهل الكاتب السرد داخل السرد فيبدأ بالقصة  الاطارية  وهي :

لقاء زهرة مع جابر ص (18/ 19..) ليجعل منها قصصا داخلية كما يلي :

+ قصة  محارب الكبير (جد جابر) ص(30).

+ قصة زهرة مع بسيوني واغتصابها وهي طفلة لا تعرف من الدنيا شيئاص(32/ 33/..)

+ قصة زواج نوارة (ام زهرة) من صادق الجندي الذي احتال على أملاكه المحامي جابر محارب

+ قصة زهرة مع طارق (أخ صديقتها سحر وابن صادق الجندي) ص(52).

+ قصة سلسال السنيورة ص(60)

+ قصة زهرة مع جميل ابو الذهب" ص (65/ 66/ 67)

+ قصة جذورجميل ابو الذهب ص(73/ 74/ 75) .

+قصة طارق حبيب زهرة  مع بربرا ص(78/ 79/ 80/ 81)

+حكاية بربرا صديقة طارق باعتبارها عضوا في منظمة" حق الغجر في الحياة".

+ توقيع زهرة بين جابر محارب وجميل أبو الذهب للتخلص منهما معا.

+ فوز زهرة بحبيبها طارق.

في هذا الاطار من القصص التي ضمّنها الكاتب صلاح شعير داخل القصة الاطارية الامّ قد جسّد فيها انتهاك المرأة الجسد الذي جعله شهوة كل شخصيات القصص الفرعية ما عدا قصة "زهرة وطارق " التي انبنت على الحب النقي الصادق .

ولانتهاك حرمة المرأة الجسد استخدم الكاتب بامتياز وصفا يثير شهوة الرجل لجسد المرأة مبرزا حيوانيته باعتماد معجمية  تصل الى حدّ الإباحية التي تثير حتى شهوة القارئ ليتعاطف مع شهوة جابر محارب في شهوته ومن  ذلك وصف جسد زهرة عند أول لقاء مع جابر محارب فيقول في ص (19):

" يا لها من امرأة كاملة النضج من ينجو من عينيها السوداوين يتلقفه نداء صدرها النافر , استدارت بجسدها الممشوق لتصعد فوق المنصة فاذا بها من الخلف أشدّ فتكا من الأمام, تلاشت قدرته على المقاومة, لن يرتوي الا اذا شرب من مائها الذي يبرئ الأسقام..."

وهكذا كان جسد المرأة منتهكا في كل القصص الفرعية تقريبا

بيْد ان الكاتب قد استثنى هذا الانتهاك الجسدي للمرأة في قصة "زهرة مع طارق" كأني به أراد أن ينتشل زهرة من بؤرة الشهوة الحيوانية  للرجل والارتقاء بها الى قيمة الحب الصادق فيقول على لسان زهرة التي تريد المحافظة على عذريتها المقدسة بالشرق وطارق الذي يستجيب لرغبتها ص(52)" قالت بصوت منكسر امتزج فيه الشبق بدموع الخوف والرجاء:

-لا تذبحني يا طارق لا تقتلني بالحب.

يردّ طارق وهو يرفع سرواله في خجل وقال مرتبكا:

-أعدك يا زهرة بأن هذه الغلطة لن تتكرّر.

لعل الكاتب في هذا السياق ينتصر للحب على حساب الشهوة الحيوانية العابرة.

ولئن كان الحب ارتباطا عاطفيا وروحيا عميقا يتطور ببطء ويركز على العطاء, قبول الآخر, والاستمرارية فان الشهوة  هي رغبة جسدية سطحية تشتعل بسرعة و تتركز حول الجسد والامتلاك وغالبا ما تنتهي بانتهاء الغرض منها.

 الحب يبني ويستمرّ بينما الشهوة قد تكون مؤقتة"(5).

ان الكاتب حتى في حديثه عن الغجر نجده يتحدث عن المرأة الجسد وهو في ذلك يستخدم أداة المسافة الجمالية بين افق توقع القارئ وأفق النص:

ان القارئ يتوقع ان الكاتب سيتحدث عن الغجر واذا به يعود الى الحديث عن المرأة الجسد ص (109)/(115).

وفي هذا الاطار ومن وجهة نظر ميتاروائية فان الكاتب يرفض ويدعم :

- يرفض ان تكون المرأة جسدا وشهوة عابرة.

- يدعم و ينتصر للحب على حساب الشهوة.

2- السرد داخل السرد و"حق الغجر في الحياة" :

ان القارئ من خلال أسلوب السرد داخل السرد الذي استخدمه الكاتب يكتشف ان الرواية تشي بمحاولة انتشال هذه الفئة المهمشة من الغجر من الاضطهاد والظلم الذي قد يلحقها من المركز.

لقد حاول الكاتب من وجهة نظر انسانية أن يدعم "حق الغجر في الحياة" من خلال:

أ- ايجاد منظمة للدفاع عنهم وهي منظمة "حق الغجر في الحياة" :

هذه المنظمة التي أوجد بها "بربرا " كعضو فيها لتهتمّ بشؤونهم في كل بقاع العالم:

- لقد سجلت "بربرا" باعتبارها عضوا في منظمة "حق الغجر في الحياة" اندماج معظم الغجر بالمجتمع المصري. يقول الكاتب ص(133):

- "رصدت بربرا حال "الغجر " بمصر معظمهم أقلع عن الحياة في الخيام أصبحوا يعيشون في البيوت ألحقوا أبناءهم بالتعليم يندمجون بالمجتمع تدريجيا يمارسون الحِرَف المختلفة للعيش منها.."

ب - الايمان بوجودهم الواقعي:

لقد جعل الكاتب كل شخصيات القصص الفرعية ينتمون الى الغجر ايمانا منه أنهم ضحايا مهمشون وليسوا جناة كما يعتبرهم من في المركز :جابر محارب/ بسيوني/ جميل ابو الذهب/ خوسيه وحتى صادق الجندي وكذلك الشخصيات النسوية زهرة/ نوارة/ عزيزة/ قمر بربرا ... "

ب- تلميع صورة الغجر على المستوى العلمي والاقتصادي والاجتماعي والوجداني والاخلاقي:

 وما وردمن أحداث بالرواية يدعم ذلك:

- زهرة الغجرية أصبحت طبيبة وأكثر من ذلك فهي تقوم بندوات تثقيفية في مجال طب العيون بنادي " "الماسة الزرقاء" بمساعدة الملياردار جميل ابو الذهب.

- زهرة بفضل علمها وأخلاقها استطاعت ان تردّ حق طارق من أبيه والذي احتال عليه جابر محارب

- طارق مهندس واخته طبيبة.

- صادق الجندي محام وذو أموال طائلة.

- جميل أبو الذهب وهو من جذور غجرية أصبح ملياردارا.

- جابر محارب  رغم احتياله فهو محام وذو نفوذ بماله.

- زهرة باخلاقها ترفض كل اغراءات جميل ابو الذهب المادية. فيقول الكاتب على لسانه ص(69/ 70):

" لماذا لم يفتح المال قلب زهرة هل في حياتها ما هو اقوى من كل هذه الاغراءات؟"

- زواج نوارة والدة زهرة من صادق الجندي المتكتم عن هويته.ص(51).

- الغجر ذوو أخلاق فاضلة: يقول الكاتب عن صادق الجندي في نفس الصفحة (51):

- "تيقنت زهرة ان الرجولة تكمن في عدم خداع المرأة .الرجال النبلاء لا يستغلون النساء الضعيفات"

تقول زهرة لطارق الذي أراد ممارسة الجنس معها رغم حبها له:

لا تذبحني يا طارق لا تقتلني بالحب.

يردّ طارق مرتبكا وهو يرفع سرواله في خجل: "أعدك يا زهرة بأن هذه الغلطة لن تتكرر"

- زهرة المتعففة تسعى الى انتشال صديقتها قمر من رذيلة بيع الجسد ص(120)

- ان الكاتب جعل للغجر مجتمعا قائم الذات متحملا مسؤولية تواجده السلمي واندماجه بالمجتمع المصري الى درجة عدم التمييز بين هذا غجري وذاك غير غجري .

بيْد ان الكاتب قد استطاع بامتياز ان يكشف عن هوية الغجر المُتكتمين عنها.

انه انتماء كل شخصيات الرواية الى الغجر بمن كان منهم محسوبا من النبلاء كصادق الجندي وعزيزة ام طارق وغيرهم وبالتالي ان طارق هو الآخر غجري فالغجر يتكتمون على انتمائهم واصولهم الغجرية ص(149).

ان الكاتب استخدم الحوار المباشر ليكشف الهوية الغجرية المتكتم عليها : حديث طارق مع أمه (140)

- لقد كرهت كل الغجر بسبب جابر الكلب يا أمّي.

استنكرت أمه عزيزة هذه الجملة وقالت:

- الجريمة لا علاقة لها باصل الانسان يا ولدي

- لكن سمعة الغجر سيئة.

- لا تقل ذلك ألا تعرف أن أباك من الغجر؟

عقدت الدهشة لسانه نظر الى أمه بذهول:

-أبي من الغجر؟ لم يخبرني أحد بذلك.

- ربما لأن الأمر غير مفيد.

ويواصل الكاتب استخدام الحوار لكشف الهوية الغجرية لعزيزة أم طارق :

- هل زواجك من غجري تمّ بسهولة؟

أنا مثل أبيك من الغجر يا ولدي .

وتقول كاميلا لخوسيه ص(162/ 163/ 164/ 165):

- معلوماتي ان أصحاب البشرة السوداء أقل ذكاء

رد على الإهانة بهدوء:

من يفكر بعقله يتفوّق بغض النظر عن لونه.

ثم قال معتدا بنفسه:

-ألم أتفوق على زوجك الأبيض في تجارة القطن ألم أحقق ضعف ما يحققه من أرباح ؟

- ربما خلقتم للعمل فقط.

- وخلقنا للحب أيضا.

ردت عليه:

-لا..لا أريدك أن تدنسني يجب أن أحافظ على نقاء العرق الأبيض لا يجب لمثلك أن يدنسه.

- ما هذا التناقض برأسك؟ زوجك الداعر يغرس الآن الجينات البيضاء في أحشاء امرأة سوداء بالاستراحة..أتنكرين أنه ترك فراشك من اجل امرأة سوداء..إنك مغيبة ككل النساء البيضاوات.

الحقيقة ان سحر المرأة السوداء التي هناك هو الذي جذب زوجك اليها.

يقول الكاتب :"بدأت (كاميلا) تقارن  بين فتاها الأسود بنبله وبين زوجها الأبيض بخسّته تأكدت أن" مارك " زوجها هو عبد العرق و المال والغرور".

وخلاصة القول فان الكاتب صلاح شعير:

1- بقدر ما انتشل المرأة من لعنة الجسد وشهوة الرجل لجسدها  فتدخل  ليجعل مصير أصحاب الشهوات بالرواية الموت الجسدي اوالعقلي (بسيوني/ جابر محارب/ جميل ابوالذهب..) بقدر ما ارتقى بالمرأة الى قيمة الحب الراقي ليختم روايته بجعل زهرة تختار مصيرها بنفسها و تفوز بحبها مع طارق الذي فضلها على كل المغريات التي عاشها بالغرب.

والكاتب  صلاح شعير هنا يتقاطع مع رافعة لواء الأدب النسوي "سيمون دي بوفوار" حين تقول في كتابها" الجنس الآخر":

" الحرية هي جوهر الإنسان, والمرأة لا تحقق ذاتها الا عندما ترفض أن تكون مجرد موضوع للآخر(الرجل أو المجتمع) , وتبدأ في اختيار مصيرها بنفسها".(وزهرة اختارت مصيرها بنفسها).

2- بقدر ما اعتبر الكاتب صلاح شعير ان  بعض الغجر جناة (بسيوني/ جابر محارب/ جميل ابو الذهب ..) بقدر ما اعتبر الغجر ضحايا ومهمشين وحاول أن ينتشلهم من هذا التهميش بأن جعلهم مندمجين بالمجتمع وقد افتكوا حقهم في الحياة علميا واقتصاديا واجتماعيا ووجدانيا واخلاقيا ...

والكاتب هنا يعانق المناضل والمفكر العظيم ارنستو شي جيفارا الذي يقول في سياسة التهميش:

حين يهمش الانسان (سواء بلونه او بعرقه او بجنسه..)

لا يُسلب صوته فقط

بل يقنعونه أن الصمت أمان

وأن القبول بالقليل حكمة

وأن المطالبة بالعدل وقاحة

التهميش ليس قدرًا

بل اختيارٌ سياسي

وثمنه يُدفع من أعمار الناس

ومن مستقبل الأوطان

لأن العدالة لا تمنح لساكتين عنها.

وبالتالي فلا زهرة سكتت عن انتهاك جسدها كشهوة عابرة بل انتصرت للحب وفازت به ولا الغجر طالبوا بحقهم في الحياة من الساسة بل افتكوه افتكاكا مكنهم من الاندماج في المجتمع دون فضل من أحد.

وفي هذا الاطار سلم قلم الكاتب صلاح شعير الذي ارتقى بروايته "زهرة من حي الغجر" نحو العالمية.

بتاريخ :11/ 04/ 2026

المراجع:

(1) أدب نسوي- ويكيبيديا

(2) النظرية النسوية | موسوعة التعديل الاول-7 اوت 2023.

(3) كليلة ودمنة - ويكيبيديا

(4) ألف ليلة وليلة – ويكيبيديا

(5) مهند حبيب السماوي صحيفة المثقف- 23/ سبتمبر 2012 -الفرق بين الحب والشهوة-.

 



تأملات في لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة " للشاعرة التونسية سنيا فرجاني بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

 تأملات في لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة "  للشاعرة التونسية سنيا فرجاني 

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 


لأول مرة يراودني سؤال حول عنوان ديوان شعر " أعود من القيامة " و علاقته بلوحة الغلاف .

سأنطلق منه كعتبة أولى للقراءة: العنوان فيه من الإقرار و الإصرار بالعودة من عالم آخر إلى العالم المتداول / فأي قيامة سترجع منها الشاعرة سنيا الفرجاني ؟ 

لنُعرف بماهية القيامة : ( حسب مركز الدراسات الدينية لموقع 

(https://rsc-byu-edu.translate.goog/jesus-christ-son-god-savior/resurrection-ultimate-triumph?)

و بعيدا عن البعث و يوم الحشر ، القيامة هي الإنتصار الأسمى ، و هي بحث في القدرة على التفاعل والنمو الأبدي، والكمال الشخصي، والرضا العاطفي التام. فهو النهوض مرة أخرى للجسد بقوة. و في التأملات سنجد الجواب عن السؤال أعلاه بأكثر عمق و تشريح .

هل من هذه المعاني سنجده في غلاف الديوان !؟

++ النظرة الأولى للوحة : مجموعة من النسوة يعتلين منبرا ، تفرقت بعض السلالم و صور شبحية على كامل اللوحة ، غلبة اللون الأحمر و علامتين لحرف X اللاتيني .

++ القراءة التفصيلية : حين يبدأ المبصر للوحة و يتأملها من أسفل يناديه أعلاها و جماعة النسوة اللاتي يعتلينها ، فيصر المتلقي إلى التمعن أسفلها حتى يصل معهن إلى " القمة" .

تعددت النوافذ أسفل اللوحة ، و بعض السلالم التي وصل بعضها و بعض منها كان مآله السقوط ، غياب تام للشخوص أو ظلالها ، عدى لمسات الريشة التي لعبت بالألون فأضاءت الشق الأيمن قبالة المتأمل ،ألوان فاتحة مشتقة من " الضوء" ألوان الطيف السبعة كلما تحولنا إلى اليسار إلا و ازدادت قتامة.

يطرح السؤال على أطياف النسوة السبعة ( المحور الرئيس في اللوحة ) و كأنهن يلدن من بعضهن كالطيف أو الظل، أين توقفت إحداهن بلباسها الأزرق أمام مرآة  ! هل هي وقفة تأمل للشاعرة !؟ و اختيارها هذا اللون !؟ هل هي وقفة بحث عن حقيقة ضائعة !؟ يرمز اللون الأزرق عالمياً إلى الهدوء، السلام، الثقة، والإستقرار، كونه مستوحى من السماء والبحر. يعكس هذا اللون العمق، الحكمة، والإحترافية، ويُستخدم لتعزيز التركيز والإبداع. نفسياً، يجلب الأزرق الراحة ويقلل التوتر، لكنه قد يرتبط أحياناً بالحزن أو البرود العاطفي. ليستقر الطيف السابع و يجلس متكأ على يده اليمنى . و هو آخر المطاف للأطياف .

يحيلني هذا التبصر إلى نتاج الشاعرة و هو دواوين شعرها السابقة و عددها ستة يلحق بهم السابع تحت عنوان " أعود من القيامة" . فما هي رمزية رقم سبعة : يعد الرقم 7 رمزاً عالمياً للكمال، الروحانية، والشمولية في مختلف الثقافات والديانات. يرتبط بقوة بالسماوات السبع ، الطواف والسعي، وألوان الطيف السبعة، ويمثل في علم الأعداد التوازن والحكمة. كما يشير إلى اكتمال الدورات الزمنية والطبيعية (أيام الأسبوع). أما ما ظهر من علامة X فهو عبارة عن حدود بين عالمين أو زمنين ( من بعض دلالاته السلبية و الرفض  وبعض الدلالات التعبيرية : يشير إلى الاختراق، الحدة، أو حتى "الدرع" والتمسك) : سفلي و علوي .اعتلته النسوة بعد أن ارتقين إلى الأعلى ، و لو تمعنا أكثر في أسفل اللوحة و ما وُجد فيها : حطام لنوافذ و سلالم ربما استعملنها للصعود و رمين بها حتى لا يلحقن بهن و لا أحد : و كأنهن في مفازة من قاع إمتلأ صخبا و ضجيجا و معارضة و ظلما و قهرا و استغلالا للمرأة ، فالسمو هذا ما هو إلا " هروبا" و إعطاء قيمة  لحالة وجودية كاملة للمرأة حين تخلصت من أثقال العالم السفلي.

بالرجوع إلى العنوان و ملامح اللوحة و العدد يجعل هذه العناصر مرتبطة فيما بينها ارتباطا وثيقا في حلقة محكمة الإغلاق : السمو : كونها شاعرة / الخلاص عن طريق اللغة و الشعر و الكلمة 

الإرتقاء : بالمرأة و تغيير صورة المرأة من جسد إلى فاعل في الكون 

المفازة الكبرى : باستقلالها ذاتيا و إثبات وجودها بكسر القيود التي تكبلها 

++الخلاصة و حزم القراءة و الرأي الشخصي: 

تُعتبر سنية الفرجاني من الشاعرات البارزات في تونس و الوطن العربي ، مائزة في اقتناء و تجميع باقات شعرها من بحور اللغة و بساتينها ،فاختيارها " أعود من القيامة" عنوانا لديوانها القادم ليس من عبث ، فبالرجوع إلى التأملات أعلاه يتضح جليا أن العودة ليست من عالم الآخر بل هي عودة بعد وقفة تأمل غاصت في ذاتها حين ملأت الأسئلة وجدانها : هل للشاعر رسالة يمكن أن يقدمها للمرأة ؟ 

مازال للشعر أنبياء و فرسان و مخلصين للكلمة النبيلة تجاه المرأة ، سنيا الفرجاني أخذت معها أطيافها السبعة و دلالاتهم لتسمو بالمرأة عن طريق الشعر و تخلصها من فكرة أنها جسد فقط ، حطمت ما وراءها و رمت به في القاع .كانت اللوحة بمثابة تجربة خاصة ، لعلنا نجد ترجمانها في محتوى الديوان .فاللوحة غابت منها الظلال كما غاب منها العنصر الذكوري ، وكأنها تريد تأسيس كوكب يستدرج الإنسانية تغير فيه معاملة الآخر للمرأة حتى لا تلتجأ لتحطيم ما قد مضى .. فقيامة سنيا هي انتصار أسمى يرتكز على الحكمة و الاستقرار النفسي والاستقلال الذاتي للمرأة .

تاملات لوحة غلاف ديوان شعر " أعود من القيامة" للرسام الفنان عنيات عطار

بقلمي  سعيدة بركاتي/تونس



الخميس، 9 أبريل 2026

قراءة وتعليق في قصيدة يا شاعري ياساحري" للشاعرة صفاء محمد بقلم الكاتب محمود البقلوطي

 Mahmoud Baklouti   محمود البقلوطي

قراءة وتعليق في قصيدة


 يا شاعري ياساحري" للشاعرة صفاء محمد Safaa Muhammad  


*تصدير واستهلال


تفاعلا مع ما تضمنته كلمات القصيدة من معنى ودلالة


قلت :


المسني برفق وادفني انفاسك في الأحضان واتركي أصابعك تستمتع باكتشافي وتلامس مساحات مملكتي بكل عنفوان وانثري عطر شهقاتك فوق جوعي وارخي جدائل شعرك فوقي بحنان واتركي للبراكين فرحة الانفجار. 


تعالي حبيبتي بصوتك بوح


للدفء للهفة للاحتضان.


**قراءة وتعليق


كلما هبت نسائم الشوق العاطرات على نوافذ العشاق المشرعةعلى البوح ونثرت الحروف الفائحة العطرة بروائح الوجدوالحنين


. ،الشوق يستعر في  داخل الكلمات،لا يخبو ابدا ولا ينام


قصيدة غزلية جميلة. دندنات حرف على أوتار الهوى ملأها الحب والوجدان والحنين عبرت عن أحاسيس الشاعرة التي حبرت كلمات لحبيبها الشاعر  الذي نثر على لحاف قلبها زخات حب ملأ كيانها


 واضاء عتمة دنياها وادخل في روحها البهجة والفرح.


دام نبض قلبك معبرا عن أحاسيسك ومشاعرك فتنثرينها في كلمات شعرية معبرة عن نفسية امرأة شاعرة تتقن طرز الحروف وتلوين الكلمات لتعطينا صورا جميلة في العشق و الغزل..


تحياتي وباقة ورد وود لشخصك الكريم ولحرفك البديع صديقتي الشاعرة المبدعة صفاء محمد.


القصيد


يا شاعري  يا ساحري..


منذ متى والحب يسكن اضلعي ..


همت بك وبحبك..


 قيدتني بعشقك..


وسلبت مني مشاعري..


قلت  لك احببتك..


فلما تكابر سيدي..


والعشق يملا قلبك..


انت الضياء في ظلمتي..


يا قمرا يملا دنيتي..


مزقت كل دفاتري..


وكتب حبك بدمي..


اقترب مني اقترب..


واياك لمس ضفائري..


يا شاعري كتبت فيك قصائدي..


وحببت منك المرتجل..


يا سماء قلبي المشرقة..


إني غرمت بشعرك..


متي اللقاء يضمنا..


عذراً حبيبي انني احبك..


شربت من كاس الهوى..


حتى هواك هزاني..


بقلمي صفاء محمد



الحرافيش: سردية المهمشين بين الغلظة والحلم قراءة في رواية "ملحمة الحرافيش"لنجيب محفوظ بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الحرافيش: سردية المهمشين بين الغلظة والحلم

قراءة في رواية "ملحمة الحرافيش"لنجيب محفوظ


في متاهات التاريخ المصري،حيث تتداخل أسماء الحكايات مع صخب الزقاق ووهج المقاهي الشعبية،يقبع لفظ "الحرافيش"كعلامة فارقة على حدود التهميش والبطش.ليس مجرد تسمية طبقية،بل هوية معقدة تختزل معنى الوجود الإنساني في أقصى حالات الضعف والقوة معا. فالحرافيش،أولئك الذين حملوا على عاتقهم وطأة العيش القاسي،لم يكونوا مجرد هامش في سردية المدينة،بل كانوا نبضها الخفي،وذاكرتها المتمردة، وحلمها الذي لا يموت.

ينحدر لفظ"حرفوش"من فعل"حرفش"الذي يحمل في جوفه معاني الغلظة وقلة الهذيان،والخروج عن المألوف اللائق.إنه الفعل الذي يوحي بخشونة الملمس،ووعورة الطبع،وعدم الانسياق وراء التزييف الاجتماعي.وحين أطلقه مؤرخو عصر المماليك على سكان القاهرة من الطبقات الشعبية، كانوا يشيرون إلى أناس يملك كل واحد منهم حرفة أو صنعة،أي أن لهم أصابع عاملة وأكفا لا تمد للصدقة،بل تبني للحياة بطينها وآجرها.غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا اللفظ،الذي بدأ وصما للغلظة،تحول مع مرور الزمن إلى راية افتخار،وشهادة على الصمود في وجه آلة التهميش.

في رواية"ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ، التي حللتها الباحثة حنان راضي في كتابها"صور التقابل"،تتجسد هذه الثنائية بشكل أخاذ.فالبطل عاشور الناجي لا يولد ولادة عادية،بل يُعثر عليه رضيعا وسط المقابر،على يد الشيخ "عفرة زيدان". هذا المنشأ المقبري ليس مجرد تفصيلة درامية،بل هو تأسيس لأسطورة الميلاد من رحم الموت نفسه.والمقبرة هنا رمز للهامش الأقصى،حيث تبدأ الحياة من حيث تنتهي،وحيث يُربى الطفل على أن الخشونة ليست عيبا،بل درعا.

ينمو عاشور،ويتزوج،وينجب،ثم يأتي حدث "الشوطة-الوباء الذي يجتاح الحارة،مقتلعا الأخضر واليابس،وكاشفا عن هشاشة الحياة التي يعيشها المهمشون.لكن عاشور ينجو هو وزوجته وابنه،في حلم تحول به مصيره،فيُلقب بـ"الناجي".

 هذه النجاة ليست مجرد حظ،بل هي كرامة تُمنح لمن كان قريبا من الموت بما يكفي ليعرف قيمته الحقيقية.ومنذ تلك اللحظة،يصبح اسمه عنوانا للأمل في جسد حارة غارقة في اليأس.

ما يميز -ملحمة الحرافيش-أنها ليست سيرة فرد واحد،بل سلسلة من الأبطال الموروثين: من عاشور الناجي الجد،مرورا بالفتوات الذين ساروا على نهجه،وصولا إلى عاشور الحفيد.كل جيل يحلم بأن يملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت ظلما،وكل جيل يكتشف أن العدالة ليست حالة تتحقق مرة واحدة، بل هي صراع متجدد مع سلطة الفتوات الجدد، ومع قسوة القلب التي تصيب حتى المظلوم إذا طال به الزمان في موقع القوة.

وهنا تكمن عبقرية محفوظ: الحرافيش ليسوا ملائكة،بل بشر يحملون في أعماقهم غلظة المعيشة التي صاغتهم.وخشونتهم ليست انحرافا، بل استجابة لبيئة لا تمنح الضعيف فرصة للبقاء. ومع ذلك،فإن الحلم بالعدالة يظل ملتصقا بهم كظلهم،يذكرهم أنهم أكثر من مجرد أجساد كادحة.

تلفت الباحثة حنان راضي إلى سمة فنية لافتة: معظم حكايات الحرافيش تنتهي بنهايات حزينة ذات طابع مأساوي،حيث الموت قدر محتوم.وفي الحكاية الثالثة"شمس الدين"،يُلقب البطل بـ"قاهر الشيخوخة" لأنه عاش خائفا من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه،وهذه مفارقة عميقة: من يخاف من الحياة أكثر من الموت،يتحول موته إلى انتصار أخير.وفي الحكاية السادسة "شهد الملائكة"،تُقتل "زهيرة»"على يد طليقها في مشهد صادم،وكأن الحارة لا تستطيع أن تمنح نسائها خلاصا إلا عبر العنف.

هذه النهايات المأساوية ليست تشاؤما مجانيا بل هي انعكاس للاتجاه الرومانسي الذي يغلب عليه مشاعر الحزن والقلق.لكنها في العمق احتفاء بالضعف الإنساني كقوة: حين يعرف المرء أنه فان، يصبح كل يوم يعيشه انتصارا.والموت في هذه الحكايات ليس هزيمة،بل هو الفصل الأخير في ملحمة الصمود،حيث يتحول الجسد المغلظ إلى ذكرى لا تموت.

إن سردية الحرافيش ليست مجرد حكاية عن طبقة اجتماعية معينة في زمن مضى،بل هي مرآة تعكس صراعا إنسانيا كونيا: صراع الضعفاء مع قسوة العالم،وصراع الحلم مع الواقع،وصياغة الكرامة من طين الغلظة.فالحرافيش،في دلالتهم العميقة،هم كل من سُحق تحت أحذية التاريخ لكنه رفض أن يتحول إلى غبار.هم صوت من لا صوت لهم،وحلم من حُرم من مقومات الحلم، وإصرار على أن الهامش يمكن أن يكون مركزا للروح حين يتعذر أن يكون مركزا للسلطة.

نجيب محفوظ،بعبقريته،لم يمنح الحرافيش بطلا خارقا ينقذهم من فوق،بل منحهم القدرة على تخليق أبطالهم من رحم المعاناة ذاتها.وعاشور الناجي لم يأت من السماء،بل خرج من المقابر. شمس الدين لم يقهر الموت،بل قهر الخوف منه. زهيرة لم تنجُ من القتل،لكن اسمها صار "شهد الملائكة".وهكذا،تتحول الغلظة إلى نبل،وتصير الخشونة طقسا من طقوس القداسة،ويصبح الحرفوش-بكل ما يحمله اللفظ من تناقضات- أيقونة للإرادة البشرية التي لا تلين.

في النهاية،يبقى السؤال مفتوحا: ألسنا جميعا،في لحظات صدقنا مع أنفسنا،حرفوشا يبحث عن خلاص لا يأتي إلا بعد أن يعترف بضعفه؟

 وربما كان هذا هو السر الأبدي لملحمة الحرافيش: أنها تحكي عنا،نحن الذين نعيش على حافة الحلم والخوف،ونحاول أن ننجو من شوطة الحياة بقليل من الكرامة،وكثير من الحكايات.

على سبيل الخاتمة:

في هذه الملحمة الخالدة،لا يكون الموت مجرد نهاية بيولوجية،بل مرآة تعكس هشاشة الحلم الإنساني وسط قسوة واقع لا يرحم.فالحرافيش، بأسمائهم المتوارثة ونهاياتهم المأساوية،ليسوا مجرد شخصيات روائية،إنهم رمز لكل من سُحقت أحلامهم تحت أرصفة الفقر والظلم،ومع ذلك لم يفقدوا القدرة على النهوض من رماد المقابر.

 إن تعدد النهايات الحزينة في حكاياتهم لا يدل على يأس مؤلفهم،بل على إصراره على أن الكرامة الحقيقية تكمن في المواجهة،حتى لو كان المصير محتوما.فـ"عاشور الناجي"الذي ينجو من الوباء ليبدأ حياة جديدة،و"قاهر الشيخوخة"الذي يهزم الخوف،و"زهيرة"التي تموت لكنها تبقى شاهدة على الظلم-كلهم يؤكدون أن البطل الملحمي لا يُعرف بعدد انتصاراته،بل بعمق جراحه وقدرته على أن يظل حلمه بالعدالة ممدّدا كالظل خلف جدران الحارة الضيقة.

 وهكذا تتحول"الحرافيش"من مجرد تهميش لغوي إلى أفق مفتوح على سؤال الوجود الإنساني: 

هل يمكن لخشونة الفقر أن تمحو نعومة الحلم؟ أم أن الإنسان،حتى وهو يرتدي ثوب المهمش،يبقى قادرا على كتابة ملحمته الخاصة ولو بدمه؟!

 إنها خلاصة عميقة تليق بملحمة لم تكتمل نهاياتها لأنها-في جوهرها-لا تنتهي..!


محمد المحسن



الأربعاء، 8 أبريل 2026

"عرندس"الجزيرة: حسن أحمديان أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران.. حين تفوق الفصاحة على الجنسية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 "عرندس"الجزيرة: حسن أحمديان أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران..

حين تفوق الفصاحة على الجنسية


         (زلزال إعلامي في قلب الخليج)


في مشهد إعلامي عربي تعتريه أحيانا هشاشة الخطاب وتكرار النمطية،يبرز اسم لا يحمل جنسية عربية،لكنه يتفوق على أبناء الضاد في لغتهم ذاتها.حسن أحمديان،الإعلامي والأكاديمي الإيراني الذي أصبح ظاهرة في قناة الجزيرة القطرية،لم يأتِ ليكتب فصلا في الإعلام فقط،بل ليقدم درسا في الهوية اللغوية والكاريزما الفائقة.

-الجسد الإيراني والروح العربية:

ليس غريبا أن يتقن إيراني اللغة العربية،فالتاريخ المشترك والحضارة الإسلامية جعلا من اللغة العربية وعاء للعلوم والفنون في إيران لقرون.لكن الغريب أن يأتي هذا الأستاذ البارز ليتفوق-بلا منازع-على نخبة من الإعلاميين العرب في الأستوديو نفسه،في إتقان النطق،وجزالة اللفظ، وقوة الحجة.

إنه "عرندس الجزيرة"* بامتياز،ليس لأنه إيراني يتحدث العربية،بل لأنه يمتلك قدرة استثنائية على صياغة الكلمات وكأنها سهام مصابة،تصيب الهدف بدقة لا تقل عن الصواريخ الإيرانية الأكثر تطورا،بل إن كلماته في كثير من الأحيان أشد تأثيرا.

-الكاريزما غير الطبيعية:

ما يميز حسن أحمديان هو ذلك "الحضور غير الطبيعي" الذي لا يمكن تعلمه في المعاهد الإعلامية.إنه مزيج من الثقة الهادئة،والنظرة الثاقبة،والصوت الذي يحمل في نبراته يقين المحارب القديم.فحين يتحدث،لا تشعر أنك أمام أستاذ ألمعي يحلل،بل أمام مفكر استراتيجي يقرأ الأحداث من داخلها،وكأنه يعيش تفاصيلها قبل أن تقع.!

وأكثر ما يثير الدهشة أن أحمديان يتحدث اللغة العربية الفصحى وكأنها لغته الأم،بل ويتفوق على إعلاميين عرب يعانون أحيانا من ضعف في النحو أو تكرار في الألفاظ.إنه يعيد للغة العربية هيبتها على الشاشات،فحين ينطق كلماته بتأن وبلاغة، ينصت له المشاهد وكأنه يستمع إلى خطيب قديم أو شاعر فحل.!

-عندما تصبح اللغة هوية..لا جنسية:

في زخم الصراعات الإقليمية والانقسامات الطائفية،يقدم لنا حسن أحمديان نموذجا مختلفا: أن اللغة العربية لم تعد حكرا على العرب،بل أصبحت ملكا لكل من أحسن استعمالها وعشق تفاصيلها.إن نجاحه في -الجزيرة-ليس مجرد ظاهرة إعلامية عابرة،بل هو دليل على أن "الكاريزما اللغوية" يمكن أن تتجاوز الحدود وتصنع نجوما حيث لا يتوقع أحد.

ربما يكون أحمديان هو "أفضل ما اكتشفته الجزيرة في عشرين سنة" ليس لأنه إيراني بارع، بل لأنه أعاد تعريف العلاقة بين الإعلامي واللغة والمشاهد.إنه يذكرنا بأن الفصاحة لا تُورَث،بل تُكتسب بالشغف والإتقان،وأن من يمتلك الكلمة بدقة القناص،يصبح صوته أقوى من آلة الحرب ذاتها.

في النهاية،يبقى حسن أحمديان شاهدا على أن الثقافة العربية تمتد أبعد من الحدود الجغرافية، وأن من يحمل هموم هذه الأمة بلسانها الفصيح، هو ابنها بالمعرفة قبل أن يكون ابنا بالولادة.

وفي خضم هذا المشهد الذي يكشف أن إيرانياً يتفوق على أبناء الضاد في لغتهم، تبرز حقيقة صادمة ولكنها محفزة في آنٍ معاً: أن اللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية تلقن في المدارس، ولا هي إرث تاريخي يكتفى بالفخر به، بل هي سلاح ذو حدين، من أتقنه امتلك ناصية البيان، ومن أهمله خسر أعظم مفاتيح التأثير.

أيها الطلاب العرب: إن حسن أحمديان لم يأتِ ليسلبكم لغتكم، بل جاء ليذكركم بكنوزها التي أهملتموها. ففي طيات هذه اللغة بلاغة تصنع القادة، وفصاحة تخطف الألباب، وقدرة على المناورة البارعة في ساحات الحروب الفكرية والسياسية. إنها اللغة التي كانت - ولا تزال - قادرة على توجيه الضربة الخاطفة حين تشتد المعارك، لا بالصواريخ والقنابل، بل بالكلمة التي تصيب الهدف قبل أن يرتد الطرف.

لا تتركوا العربية أسيرة النمطية والهشاشة على شاشاتكم ومنابركم. أحقوا بها حقها: تعلموها، تعمقوا في أسرارها،استخرجوا كنوزها،واجعلوها عدتكم في كل مناورة وكل مواجهة.فوالله،إن من يمتلك ناصية البيان يمتلك ناصية النصر.وإن أحقيتم العربية،أعادت لكم هيبتكم ومكانتكم بين الأمم.

فهل أنتم فاعلون؟!


محمد المحسن


*العرندس في اللغة العربية تعني الشديد العظيم، وتطلق غالبا على الجمل القوي،أو الأسد،أو السيل الجارف.كما يُعرف بـ"ابن العرندس" (صالح بن عبد الوهاب الحلي) كعالم وشاعر مشهور،ويشير المصطلح أيضا في الأدب إلى الشخصية القوية.



في أنثروبولوجيا المطر وتأويلات الذات الجريحة: (تأملات سريعة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي "هطل المطر ") بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في أنثروبولوجيا المطر وتأويلات الذات الجريحة:

(تأملات سريعة في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي "هطل المطر ")


ليس المطر في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي مجرد ظاهرة طبيعية تتكرر في معجمنا الشعري،بل هو حدث وجودي بامتياز، حيث يتحول الماء النازل من سماء النص إلى سائل مقدس يغسل تراكمات الزمن ويواجه بهشاشة الذات العربية المعاصرة.إنها قصيدة تكثيفية بامتياز،تجمع بين عنفوان الطبيعة ورقّة المشاعر الإنسانية،لتخلق لنا عالما شعريا فريدا، حيث تتداخل الأصوات (دوي الرعد،تناهيد الريح، انكسار الصوت) في سيمفونية وجودية تعكس مأساة الإنسان المعاصر وتطلعاته الأبدية.

في هذا النص،يقف الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي عند لحظة تحول كبرى: لحظة هطول المطر التي تمثل انفجارا للطبيعة وانفجارا للذات في آن واحد.إنها لحظة مواجهة مع الذات الجريحة،ومع الموت،ومع الزمن،ومع الأمل المتجدد الذي يمنحه الماء المنهمر.والشاعر هنا لا يصف المطر بقدر ما يختبره جسديا وروحيا،محوّلا إياه من عنصر طبيعي إلى علامة دالة في نظامه الرمزي الخاص.

ومن هذا المنطلق،سنقارب هذا النص الشعري من منظور نقدي يتسم بالنزاهة والموضوعية، متجاوزين الانطباعية والإنشائية التي غالبا ما تطغى على قراءة النصوص الشعرية،إلى مقاربة منهجية صارمة تعتمد على آليات النقد الحديث، التي تتيح لنا تفكيك البنى العميقة للنص والكشف عن أنساقه الجمالية والدلالية،بعيدا عن أي مجاملة أو محاباة،لأن النص الجدير بالقراءة هو الذي يصمد أمام أقسى اختبارات النقد.

القصيدة:


هَطَلَ المطر

هَطَلَ المَطَرُ وانشَقَّتِ الآفَاقُ

وَغَلَا دَوِيُّ الرَّعْدِ وَهْوَ خَفَّاقُ


تَهادَى الغَيْثُ في لَيْلٍ كَئيبٍ

فَأَحْيَا الأَرْضَ وابتَسَمَ السِّياقُ


تُنادي الرِّيحُ أَوْتارَ الغُصُونِ

فَيَرْتَعِشُ الفُؤادُ لَهُ اشْتِياقُ


وَيَبْرُقُ في الدُّجى وَمْضٌ عَنِيفٌ

كَأَنَّ النُّورَ في الظُّلْماتِ رَاقُ


وَيَهْطِلُ في الحَنايا حُزْنُ عُمْرٍ

فَيَغْسِلُ ما تَراكَمَ مِن وِثاقُ


أَيا قَلْبي تَمَهَّلْ لا تُنازِعْ

فَكُلُّ الجُرْحِ يَشْفِيهِ العِناقُ


فَكَمْ لَيْلٍ بَكَيْتُ بِهِ طَوِيلًا

وَكانَ الدَّمْعُ في عَيْنَيَّ رَقْراقُ


أُفَتِّشُ في انْكِسارِ الصَّوْتِ عَنِّي

فَلا صَوْتٌ يُجِيبُ ولا رِفاقُ


فَيَأْتِي المَطْرُ يَحْمِلُني بَعِيدًا

إِلى حُلْمٍ تَبَدَّدَ وَانْسِياقُ


كَأَنِّي في انْسِكابِ الماءِ طِفْلٌ

يُعانِقُ ضِحْكَةً فيها انْطِلاقُ


فَيا رَبَّ السَّماءِ إِذا دَعَوْنا

فَفَيْضُ العَفْوِ مِنكَ هُوَ المُذاقُ


وَأَحْيِ القَلْبَ إِنْ أَضْحى حُطامًا

فَأَنْتَ لِكُلِّ مُنْكَسِرٍ عِتاقُ


إن قراءة متأنية لتجربة الشاعر التونسي طاهر مشي الشعرية،كما تجلت في هذا النص،تفضي بنا إلى اكتشاف أن هذا الشاعر لا يكتب القصيدة ليقولها فقط،بل ليعيشها،ليتحول هو نفسه إلى قصيدة تمطر في داخلها الحروف وتنشق عن معان جديدة.

إن ما يميز منجز طاهر مشي الإبداعي،والذي يدعو النقاد والباحثين إلى وقفة متأنية جادة،هو قدرته الفائقة على المزاوجة بين الرؤية الحداثية والعمق الإنساني،بين الانشطار الوجودي والبحث عن كلّ جامع،بين الحزن العميق الذي لا يتحول إلى يأس،وبين الأمل الذي لا يسقط في فخ السذاجة.

وفي هذا النص بالذات،نلمس عبقرية الشاعر في توظيف ثنائيات متقابلة (السماء/الأرض،النور/الظلمات،الجرح/العناق،الطفولة/الرشد،الانكسار/العفو..) ليصنع منها نسيجا شعريا متماسكا يعكس رؤيته للوجود رؤية جدلية تقوم على التوتر والانفراج،على الموت والبعث،على الانتظار والتحقق.وهذه الثنائيات ليست مجرد تراكيب شكلية،بل هي تعبير عن رؤية كونية عميقة ترى العالم في حالة تحول دائم،حيث لا شيء ثابت إلا التغيير نفسه.

واللافت في هذه القصيدة،وغيرها من منجزات الشاعر،ذلك التحول النوعي الذي يحدث على مستوى اللغة،حيث ينتقل الشاعر من لغة الوصف التقليدي إلى لغة التكوين والإبداع،لغة تخلق عوالمها الخاصة وتفرض منطقها الداخلي.فالمطر عنده ليس مطرا فقط،بل هو "حزن عمر" و"غسل للوثاق"، وهو أيضا "طفولة متجددة" و"حلم يتبدد" و"انسياق" نحو المجهول. 

إنها قدرة نادرة على تكثيف المعاني وتشكيلها في قوالب لغوية باذخة الجمال،عميقة الدلالة.

ولعل من أبرز ما يميز تجربة طاهر مشي،والتي تستحق منا كنقاد وباحثين وقفة مطولة،ذلك التوظيف المدهش للإيقاع الداخلي والخارجي، حيث ينسجم الوزن والقافية مع الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر،فنشعر بانفعالات تتسارع وتتباطأ وفقا لحركة المطر نفسه،وكأن اللغة هنا ترقص على إيقاع الماء المنهمر.وهذا لا يأتي إلا من شاعر أتقن أدواته وأحكم صياغته،وعاش اللغة من داخلها لا من خارجها.

أما على المستوى الدلالي،فإن هذه القصيدة تقدم لنا تصورا خاصا للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، علاقة تتجاوز التأمل الفلسفي التقليدي إلى نوع من الامتزاج الوجودي،حيث يصبح المطر مرآة للذات وامتدادا لها،وحيث تنهار الحدود بين الداخل والخارج،بين الذاتي والموضوعي،ليحل محلها إحساس بالوحدة الكونية التي تتجلى في لحظة الهطل المقدسة.

وفي ختام هذه المقاربة النقدية-العجولة-،التي التزمنا فيها النزاهة والموضوعية واعتمدنا فيها على أدوات النقد الحديث في تفكيك النص وتحليل بنياته العميقة،نؤكد أن طاهر مشي يستحق أن يكون محورا لدراسات نقدية جادة ومتعمقة،تتجاوز المجاملات والانطباعات إلى كشف خريطة هذا العالم الشعري الفريد،الذي لا يزال،للأسف،بحاجة إلى من يكتشف أغواره ويبين منجزاته.إنه شاعر تونسي كبير بكل ما تحمله الكلمة من معنى،شاعر استطاع أن يضع بصمته الخاصة في خريطة الشعر العربي المعاصر،وأن يخلق لغة شعرية خاصة به،لغة تجمع بين الأصالة والمعاصرة،بين العمق الإنساني والجمالي الفني.

فيا أيها النقاد والباحثون،إن منجز طاهر مشي الإبداعي يناديكم،كما ينادي المطر في قصيدته،أن تقتربوا منه باحثين دارسين،بعيدا عن المجاملة والهوى،قريبين من العلم والموضوعية،لعلكم تكتشفون في هذا المنجز ما يستحق حقا أن يكتب بماء الذهب،أو بماء المطر الذي يغسل تراكمات السنين ويكشف عن جماليات النص الأصيل.


وختاما،لا يسعني بوصفي ناقدا إلا أن أؤكد أن تعاملي مع نصوص المبدعين-شعراء كانوا أو روائيين أو قصاصين من تونس أو من خارجها- ينطلق من زاوية نقدية بحتة،تنأى كل البعد عن المحاباة والمجاملة.فالخيط الرابط الوحيد الذي يجمعني بهؤلاء المبدعين هو النص الجيد الذي يستحق المقاربة،والكتاب الجدير بالاهتمام.وأرجو أن تُستساغ ملاحظتي هذه في سياقها الموضوعي،وألا يتم إخراجها عن قصدها،فهي من صميم الالتزام النقدي الذي يرفض تسييس الإبداع أو تحويل النقد إلى وسيلة للتربية أو المجاملة.


محمد المحسن



الثلاثاء، 7 أبريل 2026

استنشاق الغياب..بحبر الحنين تقديم قصيدة الشاعرة التونسية جميلة عبسي الموسومة ب"عدني..سيجارة وضمني" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 استنشاق الغياب..بحبر الحنين

تقديم قصيدة الشاعرة التونسية جميلة عبسي الموسومة ب"عدني..سيجارة وضمني"


عدني..سيجارة وضمني 


لم أكن لأقع في حب أحدهم..

ولا لاعشق وأجن مثلما كنت معك ...

  أبحث عن شيء منك فيهم ..

أبحث عن نفس سيجارة يعيدني إلى الحياة..

أبحث عن حضن 

يشبه دفء حضنك ..

أبحث عن عيون ترى الجنون والحزن  بداخلي ..

ترى العشق يتطاير  بين أهدابي ..

أبحث عن عيون تبكي عندما يستنزفها العشق في خلوتي .. 

وفي حزني تهدهدني كلماتك 

فتطيب نفسي وتقر عيني ..

 لم أكن لأقع في حب أحدهم ابدا ..

أنا فقط أبحث عن رسم شفتيك بين الشفاه ..

أبحث عن جمالك القرطبي.. 

وشيمك العربية ..

أبحث عن رائحة الياسمين بصدرك ..

دمك دمي، وأنا منك خلقت ..

فكيف أحب غيرك 

وأنت تملأ عيني حزنا ..

أعطني نفسا معتقا برائحة سجائرك..

أعطني سيجارة 

أجدك فيها ..

أضمها كما كنت تضمني ..

اعصرها كما كنت تعصر التوت بحلقي ..

دبي 14/ فيفري / 2025


تصدير :

-الحب يخرج من بين سطور الروايات كفرس جامح لا يوقفه احد ويخشاه كل من التقاه،فله علوٌّ وله سقطات،و يمر كرمح يحوم حول هدفه المسجى في شرايين القلب..


في قصيدة "عدني.. سيجارة وضمني" للشاعرة التونسية جميلة عبسي،لا تقرأ النصَ فقط،بل تُستنشقه.تستنشقه كما تستنشق الروحُ آخرَ أنفاس عاشقٍ يرحل.إنها قصيدة تكتبُ بحبرِ الحنينِ وتوقيعِ الرماد،حيث تتحول السيجارة من مجرد مفردة يومية إلى أيقونة للحضن الغائب،ومن ثقب صغير ينفذ منه الدخان إلى نافذة تطل على جنة مفقودة.تمتزج هنا أنوثة التونسية بروح الأندلس، ويصبح الجسد وطنا للذاكرة،والشمُ لغةً للحب. الشاعرة لا تبحث عن حبيب،بل تبحث عن "نفسٍ معتقٍ" برائحة سجائره،عن "رسم شفتيه"بين كل الشفاه،عن "جماله القرطبي" و"شيمه العربية". 

إنها ترسم لوحة حزينة بملامح من ياسمين ودم وتوت معصور،فتخلق كونا شعريا خاصا حيث العشق ليس شعورا،بل عنصرا كالهواء والماء، والموت ليس نهاية،بل بحثا أبديا عن مرآة تعكس الجنون الجميل الذي صنعه ذلك الغائب.

إن المخزون الجمالي الذي تكتنزه الشاعرة التونسية جميلة عبسي في هذا النص الشعري ليس مجرد زخرف لغوي،بل هو كيمياء عاطفية نادرة.فهي تمتلك القدرة على تحويل الأشياء الصغيرة (سيجارة،حضن،عيون،ياسمين،توت) إلى رموز كونية للفقد والعشق والبحث الأبدي.وتتفوق في بناء استعارات أصلية: "عيون تبكي عندما يستنزفها العشق في خلوتي"،و"نفس معتق برائحة سجائرك"، و"أعصرها كما كنت تعصر التوت بحلقي"-هذه الصور ليست مجرد تشبيهات،بل هي عوالم مصغرة تختزل حكايات كاملة.كما أن استدعاءها للجمال القرطبي والشيم العربية يمنح النص بعدا حضاريا أنيقا،ويؤكد أن انتماءها الشعري يمتد من أزقة تونس العتيقة إلى قصور الأندلس.إنها شاعرة الحواس الخمس،تكتب بأناملها ودمها وليس بقلمها فقط. 

في هذا النص،تثبت جميلة عبسي أن الشعر التونسي النسائي المعاصر يمتلك أدواته الخاصة ليصنع من الألم لوحة،ومن الدخان سيمفونية،ومن السيجارة قصيدة لا تُنسى.

بهذا النص الباذخ،لا تكتب جميلة عبسي القصيدةَ فحسب،بل تؤثثُ غياب الحبيبِ كغرفة معطّرة بالدخان والياسمين.إنها ترى العالم من ثقبِ السيجارة ذاته،فتصبح الأشياء مرايا مكسورة تعكس وجهَه المتواري: عصر التوت احتضانٌ، وشمُّ الرمادِ لقاءٌ،وتبكي العيونُ حين لا تجدُ سوى مرآتها القديمة.كأنّ القصيدة كلَها ليست بحثا عن حبيب،بل عن مرآة ضاعتْ ذاتَ ليلة أندلسية، فباتت الشاعرة تلملم شظاياها من دخان كلّ سيجارة تشتعل.وهنا يكمن سرُّ جمالها الموجع: أنها لا تشي بنهاية الحب،بل تعلن بداية حبٍّ آخر،أكثر غموضا وأعمقَ جرحا،هو حبُّ الذاكرةِ التي ترفض أن تموت،وتبقى تتجرّع الغياب كأنه نسمة عطر لا ينضب.

وهكذا،حين تنطفئ آخر سيجارة في متاهة العمر، وحين يتلاشى الدخان كآخر رسالة وداع،تبقى الشاعرة وحدها مع سؤال أبدي لا يجيب عنه غير الصمت: كيف للحب أن يكون بهذا الحضور المطلق في قلب الغياب؟!

 إن "عدني.. سيجارة وضمني"ليست قصيدة رثاء للحبيب،بل هي إنجيل حب جديد كُتب بلغة الجروح التي لا تلتئم،طقس خاص من التعبد للذكرى حيث تصبح السيجارة مذبحا،والرماد بخورا،والحضن المفقود سماء كاملة لا تتسع لها إلا غرفة القلب الضيقة. 

جميلة عبسي،بهذا النص،لا تقدم عزاء للعشاق،بل تمنحهم سلاحا غريبا:الشجاعة على أن يعشقوا الغياب كما يعشقون الحضور،وأن يصرخوا في وجه الفراغ: "أنت لا تستطيع أن تمحو ما زرعته الأرواح".

 في النهاية،كلنا نبحث عن سيجارتنا التي تعيدنا إلى الحياة،عن حضن يشبه دفء أول حب،عن عيون تبكينا كما نبكيها.لكن القلة فقط من تجرأ على كتابة بحثها الأبدي بهذه الأناقة الموجعة، فخلدت بذلك حبا لم يمت،بل تحول إلى نار هادئة تشتعل تحت رماد الكلمات.

قبعتي..يا جميلة..


محمد المحسن



قراءة في مرايا التعب: حين يتحول الشيب إلى سيرة وجع قراءة -عجولة- للوحة النثرية للكاتب التونسي الأستاذ الطاهر عسيسيلة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قراءة في مرايا التعب: حين يتحول الشيب إلى سيرة وجع

قراءة -عجولة- للوحة النثرية للكاتب التونسي الأستاذ الطاهر عسيسيلة


        (حكاية الانكسارات التي لا تموت..)


"حكاية تعب في ملامح العمر:

عندما ترى الشيب قد غطّى رأسي،لا تسألني عن عمري…

فالعمر لم يعد يُقاس بعدد السنوات،بل بعدد الانكسارات التي سكنت القلب،وعدد الليالي التي مرّت ثقيلة كأنها أعمار كاملة.لا تسألني كم بلغتُ،

بل اسألني كم مرةً سقطتُ ولم يجدني أحد،كم مرةً ابتسمتُ وأنا أخفي وراء ابتسامتي وجعًا لا يُروى،كم مرةً ودّعتُ أشياء لم أكن مستعدًا لفقدها.هذا الشيب ليس زمنًا مرّ،إنه حكاية تعبٍ تراكم في الروح،هو غبار الطرق الطويلة التي مشيتها وحدي،هو أثر الخيبات حين تأتي من حيث لا تنتظر.كنتُ أظنّ أن الشباب إقامةٌ دائمة،

وأن القلب لا يشيخ مهما اشتدّت عليه الرياح،

لكنني اكتشفتُ متأخرًا…

أن بعض الأوجاع تُسرق من العمر أكثر مما تأخذه السنين.

اليوم،لم أعد أحنّ إلى شبابي لأنه كان أجمل،بل لأنني كنتُ أخفّ…أقل وجعًا،أقل حذرًا،كنتُ أؤمن كثيرًا،وأخاف قليلًا،أما الآن،فقد صار الخوف يسكن التفاصيل.فإن رأيت الشيب في رأسي،

لا تراه علامة كِبر،بل اقرأ فيه سيرة قلبٍ أُنهك،

وحلمٍ تأخّر،وروحٍ ما زالت تحاول… رغم كل شيء."

(الطاهر عسيسيلة)


الأستاذ الطاهر عسيسيلة يمنحنا هنا نصا لا يُقرأ، بل يُعاش.إنه يكتب بلغة الجسد قبل لغة الحروف، حيث تتحول الملامح إلى نصوص،والشيب إلى علامات ترقيم في كتاب العمر المفتوح على جراحه.

ما أبهرني في هذا النص هو قدرته الفائقة على قلب المفاهيم:فالشباب لم يعد زمنا بيولوجيا،بل "إقامة دائمة" وهمية،والشيب لم يعد علامة كبر،بل"حكاية تعب تراكم في الروح".والعمر لم يعد سنوات،بل "عدد الانكسارات التي سكنت القلب".

إنها استعارة كونية تخلع ثوب المادية عن الزمن، وتلبسه ثوب الوجع الإنساني الأكثر صدقا.

-التدرج الدرامي من الظن إلى الاكتشاف:

يبدأ النص بنهي ("لا تسألني")،ثم ينتقل إلى سؤال وجودي مزدوج ("بل اسألني كم مرةً سقطتُ..كم مرةً ابتسمتُ")، ليصل إلى ذروة اكتشافه المؤلم:

"أن بعض الأوجاع تُسرق من العمر أكثر مما تأخذه السنين."

هذه العبارة وحدها تكفي لأن تكون ديوانا كاملا. فكرة أن الألم له قدرة على السرقة أفظع من قدرة الزمن على المرور-هذه فلسفة وجودية تجعل القارئ يصمت طويلا أمامها.والجميل أن النص يخلو من النحيب أو البكائيات المبتذلة.إنه حزين بكرامة.فحين يقول:

"كنتُ أؤمن كثيرًا،وأخاف قليلًا،أما الآن..فقد صار الخوف يسكن التفاصيل."

هنا تتراءى أمامنا صورة إنسان تعلم أن الإيمان الجميل كان ابن سذاجة مقدسة،وأن الخوف لم يعد عدوا خارجيا بل ساكنا في حميمية التفاصيل اليومية.

أيها القارئ الذي مرّت بك هذه الكلمات،لا تنظر إلى الشيب في رأس غيرك كي تترحم على شبابه،بل انظر إليه كي تعرف أنك لست وحدك في هذه المعركة الصامتة.فالطاهر عسيسيلة لم يكتب قصيدته النثرية هذه ليرثي نفسه،بل ليمنحك مرآة شفافة: كل شيب حكاية تعب،وكل تجعد خريطة سقوط،وكل عينين تدمعان في العتمة هي مقاومة صامتة ضد فكرة أن الحياة كانت يوما سهلة.

أعمق ما في النص ليس أنه يعلمك كيف تحزن،بل كيف تعترف: تعترف بأنك تعبت،بأنك خِفت،بأنك شيختَ من الداخل قبل الخارج.وهذا الاعتراف هو أول درجات الشفاء.

تحية لهذا القلم التونسي الذي لا يكتب الحروف، بل يكتب النبض.وتحية لروح لا تزال "تحاول... رغم كل شيء".ففي هذه المحاولة وحدها يكمن معنى البطولة الإنسانية الحقيقية.لأن الإنسان الحقيقي ليس من لم يسقط،بل من أصبح شيب رأسه حكاية تعب لا زال يرويها...وهو واقف.

على سبيل الخاتمة :

في الختام،أيها القارئ الذي لم يعد كما كان، اعترف أنك حين فرغت من هذه السطور،لم تعد تحمل نفس النظرة إلى الشيب في رأسك أو في رؤوس أحبابك.فهذا النص للطاهر عسيسيلة ليس مجرد كتابة،بل هو طقس من طقوس الاعتراف الإنساني،حيث يتحول الكاتب إلى كاهن يقرأ في ملامحنا ما لا نجرؤ على البوح به.لقد أذهلتني قدرة هذا القلم التونسي الفذ على انتزاع الحكمة من رحم الألم،وعلى جعلنا نرى في التعب مادة للبطولة،لا للانكسار.

إن ما فعله الطاهر عسيسيلة هنا هو أنه أعاد تعريف القوة ذاتها: فالقوة ليست في ألا تشيخ،بل في أن تشيخ وتحمل شيبك كراية راياتها "حكاية تعب" لا "علامة كبر".لقد شدّ القارئ إلى نصه ليس بحيلة بلاغية،بل بصدق جراحي يكاد يلمسها كل واحد منا في خلوته مع نفسه.وهذا النص سيبقى في الذاكرة ليس لأنه جميل،بل لأنه ضروري، ضروري لكل من شعر أن عمره الحقيقي لا يُحصى بالسنين،بل بالليالي التي سهرها ساهرا على جروح لا تندمل.

تحية لكاتب جعل من حروفه مرايا شفافة،ومن شيب رأسه فلسفة وجودية.إنه لم يمنحنا نصا نقرأه،بل منحنا غطاء نلتف به في ليالي الخوف، وشهادة بأن "المحاولة رغم كل شيء" هي الانتصار الوحيد الذي لا يسرقه الزمن.


محمد المحسن



الاثنين، 6 أبريل 2026

قراءة نقدية وفق مقاربة دلالية للعنوان التفريغ النصي: "بين زمنيْن وبين واقعيْن" الرواية: " شبابيك -حياة مسروقة - " الكاتبة : ريما ال كازلي (سوريا). الناقدة التونسية :جليلة المازني

 قراءة نقدية وفق مقاربة دلالية للعنوان

التفريغ النصي: "بين زمنيْن وبين واقعيْن"

الرواية: " شبابيك -حياة مسروقة - "

الكاتبة : ريما ال كازلي (سوريا).

الناقدة التونسية :جليلة المازني


ان العنوان باعتباره معنى مصغرا لمحتوى الرواية له دلالته المعنوية التي يعكسها بالرواية.


لقد استخدمت الكاتبة بالعنوان أسلوبا بديعيا قائما على "التوْرية" .


والتوْرية حسب علماء البلاغة هي مُحسّن بديعي (من علم البديع) يقوم على ذكر لفظ له معنيان :


- معنى قريب ظاهرغير مقصود(يسمّى المُورّى به) .


- معنى بعيد خفي وهو المقصود والمطلوب (المُورّى عنه).


وسُمّيتْ التورية بهذا الاسم لان المتحدث يستر المعنى البعيد بالمعنى القريب .


فالتورية تعطينا المعنى من خلال حجاب.


واللفظ الذي استخدمت به الكاتبة أسلوب التورية هو لفظ "حياة".


فالقارئ يتبادر الى ذهنه أن حياة مسروقة تعود الى اللعبة التي كان آدم يصنعها وأطلق عليها اسم حياة وهو معنى قريب لا تقصده الكاتبة .


ان الكاتبة تقصد الحياة الواقعية  المسروقة ككل في المطلق.


فالحياة الواقعية قد سُرقت من آدم ومن كل المرتادين لشبكات التواصل الاجتماعي .


لقد سُرقت منه حياته الواقعية بكل مكوّناتها وما اللعبة الا واحدة من مكونات الحياة الواقعية :لقد سُرقت:


- العلاقات الحقيقية والمباشرة مع الاصدقاء وحتى مع أفراد العائلة وتحولت الى علاقات افتراضية هشّة ان لم تكن مزيفة.


- المشاعر التي ترسل بشبكات التواصل الاجتماعي هل هي حقيقة أم مزيفة؟.


- العلاقة بالكتب الحقيقية التي تلاشت إن لم تكن اندثرت لتعوّضها قراءات عابرة على شبكات التواصل الاجتماعي .


- البحوث التي تعالت على الرجوع الى أمهات الكتب والاكتفاء بالبحث عن المعلومة من الانترنات التي قد تشوبها بعض الأخطاء.


- اللعب التقليدية الممتعة لاستهلاك ألعاب الاكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي والتي قد تكون خطيرة.


فاللعبة التي اخترعها آدم وصنعها على أرض الواقع بأصابعه تُسرق منه لتُطوّر وتُستخدم بشكل سيئ.


ان القارئ هنا بفضوله وهو يرى آدم يعيش بين زمنين وبين واقعين يتساءل مندهشا:


- هل ان آدم الذي عاش بين زمنين وبين واقعين يبقى على ما كان عليه أم يتطلع الى ما يجب عليه أن يكون؟


وفي هذا الاطار من سرقة الحياة الواقعية ككل يتساءل القارئ:


- هل من اخترع التكنولوجيا اخترعها للضرر أم ان استخدامها السيئ هو الذي أدّى الى أذية الانسان؟


- هل أنّ التكنولوجيا في حدّ ذاتها تحمل الشرّ أم أن الشرّ صنعه الانسان؟.


 - هل أنّ هذا العالم الجديد نحن من اختاره أم هو من اختارنا؟


- شخصية سرمد وهو الذي طوّر مع آدم هذه اللعبة وفق خوارزميات تفهم حاجياتنا بل تصنعنا. فهل انّ اللعبة التي كانت ممتعة هل يمكن أن تصبح مدمرة؟


-الذكاء الاصطناعي الذي غزا حياتنا هل يمكن التخلص منه؟


- هل ان انسان المستقبل يجسّد العقل الانساني أم العقل الاصطناعي؟


- هل يستطيع الانسان العيش بذكائه الفطري أم هو في حاجة الى أدوات تتحكم في حياته ؟


*لعلّ الكاتبة  ريما في رواية" شبابيك حياة مسروقة " وهي تطرح كل هذه القضايا  تتحدث عنا وعن هواجس القارئ بل تصوّر صراع المجتمع  بين الحياة الانسانية وبين الالة والواقع الافتراضي.


*لعل الكاتبة تدعو الى العودة الى الكتاب والى الابداع النقي البريء الذي سلب من آدم.


*لعل الكاتبة تتوق الى الحدّ من هذا الاضطراب الذي يصيب كل من يتعامل مع هذا الواقع الافتراضي


*لعل الكاتبة بالحديث عن العالم الواقعي والعالم الافتراضي الذي يؤثر على الواقع الحقيقي لا تخفي عن القارئ الوجع الذي تُسرُّه من هذا الشر الذي يقوم بتوجيهنا بطريقة عبثية.


 *لعل الكاتبة لا تقلب الطاولة على هذا الواقع الافتراضي بقدر ما تدعو الى شيء من التوازن بينه وبين الحياة الانسانية التي أصبحت مُهدّدة.


وفي هذا الاطار فان الكاتبة  كانت متفائلة شيئا ما حين أرفقت بحياة مسروقة بالعنوان لفظة "شبابيك" والتي جعلتها مفتوحة كما جسدتها صورة غلاف الرواية.


فلفظة" شبابيك " لها دلالتها المعنوية في الانفتاح والتواصل مع هذه التكنولوجيات الحديثة  فلا يمكن العودة الى الوراء بل لابد من الانفتاح عليها بطريقة ذكية يستفيد منها الانسان في كل مقومات حياته.


لعل الكاتبة ومن وجهة نظر ميتاروائية  تدعو الى إرساء تربية رقمية لترشيد استخدام التكنولوجيات الحديثة استخداما آمنا ومسؤولا وأخلاقيا مما يبني مواطنة رقمية واعية ويحمي من مخاطر الفضاء الافتراضي وبذلك يتحقق التوازن بين الاستغلال الأمثل للتقنية و الإحتفاظ بالقيم والثوابت.


شكرا للكاتبة ريما في هكذا طرح لموضوع هو يلامس حياة كل البشر بكل مقوماتها فكل من يقرأ الرواية يشعر انها تتحدث عنه ومن ثمّ فانها ارتقت بروايتها "شبابيك حياة مسروقة" نحو الانسانية.


بتاريخ 04/ 04/ 2026.



الأحد، 5 أبريل 2026

على هامش ذكرى رحيله: حتى لا ننسى شاعر تونس الفذ..محمد الصغير أولاد أحمد بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 على هامش ذكرى رحيله:

حتى لا ننسى شاعر تونس الفذ..محمد الصغير أولاد أحمد*


الإهداء:إلى محمد الصغير أولاد أحمد..في رحيله الشامخ.

"العبرات كبيرة وحارة تنحدر على خدودنا النحاسية..العبرات كبيرة وحارة تنحدر إلى قلوبنا"

"أبدا لن يموت شيء مني..وسأبقى ممجدا على الأرض ما ظلّ يتنفّس فيها شاعر واحد"( الكسندر بوشكين)


أودّعُ السابقَ و اللاحق

أودّع السافل و الشاهق

أودّع الأسباب و النتائج

أودّع الطرق و المناهج

أودّع الأيائل و اليرقات

أودّع الأجنّة و الأفراد والجماعات

أودّع البلدان و الأوطان

أودّع الأديان .

.....

أودّع أقلامي و ساعاتي

أودّع كتبي و كراساتي

أودّع الصغائر و الكبائر

أودّع السجائر

أودّع الأغلال و القيود

أودّع الجنود و الحدود

....

أودّع المنديل الذي يودّع..

المناديل التي تودّع ..

الدموع التي تودّعني

أودّع.. الوداع.


في آخر قصيد له ‏من داخل المستشفى العسكري (الشاعر التونسي الراحل ‏الصغير اولاد احمد )

اقتادتك تونس من يد روحك إلى فردوس الطمأنينة،بل ربما إلى النقيض.

ولكن..الشعراء العظام يولدون مصادفة في الزّمن الخطإ،ويرحلون كومضة في الفجر،كنقطة دم،ثم يومضون في الليل كشهاب على عتبات البحر..

محمد الصغير أولاد أحمد:أوقعتك القافلة سهوا عنك،سهوا عنّا ومضيت قُبيل انتهاء القصيد دون وداع،فحين إكتفى معظم الشعراء ممن لامست قصائدك المتوهجة شغاف قلوبهم برثائك،والترحّم على رحيلك بدموع حارقة..

شاعرنا الفذ:منذ رحيلك وأنا أحاول مجاهدا تطويع اللغة،ووضعها في سياقها الموازي للصدمة..للحدث الجلل..إننّي مواجه بهذا الإستعصاء،بهذا الشلل الداخلي لقول الكلمات الموازية،أو المقاربة لرحيل القمر والدخول في المحاق..

ولكن الدّمع ينهمر نزيفا كلّما انبجس بيت من شقوق القصيد..

ماذا تعني كلمات أو مفردات:منكوب أو مفجوع أو مدمّى أو منكسر؟

لا شيء..سوى الفراغ الذي كنت تملأه فيما مضى.يتسع بك ويضاء بالبهاء الإنساني والغنى الروحي الحزين جراء فساد العالم وخرابه..

القصائد الفذة والصرخة الإحتجاجية التي تخترق في عنفوانها سجوف الصّمت،وتواجه بشموخ الإنحدار الرعوي وصلف حفاة الضمير..

الآن بعد رحيلك-القَدَري-أعيد النظر في مفاهيم كثيرة،ربما كانت بالأمس قناعات راسخة،الآن يبدو المشهد الشعري كأنّه مهزلة وجودية مفرغة من أي معنى سوى الألم والدموع..

أيّها الشاعر المسافر عبر الغيوم الماطرة:لقد احتمى إسمك بالوجدان التونسي حزنا صامتا عميقا سنظلّ نتوارثه جيلا بعد جيل..ونحلم بولادة شعراء أفذاذ في حجم شموخك..

هذا الحلم ما يفتأ يعاود الظهور في كلّ مرّة تصبح فيه الكرامة العربية مجرّد ذكرى،وتصبح الشعوب العربية مثل الهوام لا أمل ولا فرح ولا نسمة تهبّ من جداول الإبداع..وطوبى للحزانى لأنّهم عند الله يتعزّون.

محمد:الزّمان الغض،المضاء بشموس النصر والتحدي.الزمان المفعم بإشراقات القصيد،ما قبل إدراك الخديعة،بغتة الصدمة وضربة الأقدار..

الكون الحزين يرثيك.فرحة هي النوارس بمغادرتك عالم البشر إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..

أنت الآن في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق،والتردّي إلى مسوخية ما قبل الحيوان.

والسؤال:

هل كان الحمام التونسي يعبّر بهديله عن رغبته في اختطافك إلى الفضاءات النقية لتكون واحدا من-قبيلته-بعيدا عن الأرض الموبوءة بالإنسان الذي تحوّل إلى وحش ينتشي بنهش الجثث،قاتل للحمام والبشر،معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن..؟ !

نائم هناك على التخوم الأبدية،وروحك تعلو في الضياء الأثيري،طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى.لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض.

في الزمان الحُلمي،كما في رؤيا سريالية،سأحملك على محفة من الريحان،بعد تطهيرك بمياه الوديان،من مصبات الأنهار والمنحدرات الصخرية بإتجاه البحر..سيسألني العابرون :إلى أين؟

في السماء نجمة أهتدي بها.أعرفها.تشير دوما إلى القدس.أنت أشرت إليها ذات غسق وهي الآن فوق-مقبرة الجلاز-تضيئ القبور بلمعانها المميز عن بقية الكواكب.وهي تشير كذلك إلى المرقد والمغيب فوق أفق البحر في أواخر المساءات.أحملك نحوها لتغطيك وتحميك بنورها الأسطوري لتدخل في ذرّاتها وخلودها الضوئي..

قبل هذا الإحتفال الأخير سأطوف بك حول-أحياء الفقراء-التي أحببتها،معقل الصابرين،حيث يرثيك أهلك و-مريدوك-بدمع حارق يحزّ شغاف القلب..

يسألني العابرون أو أسأل نفسي:هل محاولة إستعادة نبض الحياة الماضية يخفّف من وطأة صدمة الموت؟..لا أعرف شيئا..

حين يأتي المساء الرّباني سنلتئم تحت خيمة عربية مفعمة بعطر الشعر.نشعل النيران في فجوات الصخور اتقاء للرّيح،ونبدأ الإحتفال في لحظة بزوغ القمر فوق تونس التحرير..

أما أنتم-يا أيها الشعراء والمبدعون-:إذا رأيتم-الشاعر الفذ-مسجى فوق سرير الغمام فلا توقظوه،إسألوا الصاعقة التي شقّت الصخرة إلى نصفين لا يلتحمان.

إذا رأيتم-نجما-ساطعا في الصمت الأبدي فلا تعكرّوا لمعانه بالكلمات.

اسكبوا دمعة سخيّة على جبينه الوضّاء ،دمعة في لون اللؤلؤ،واكتموا الصرخة المدوية كالرعد في كهوف الرّوح..

وأخيرا إذا رأيتم المغنّي الجوّال حاملا قيثارته،افسحوا له مجالا في الدروب لينشد أغنية الوداع للنجم الآفل..

تقول الأغنية:

هناك كثيرون أمثالك..أعلّوا وشادوا..

وفي كل حال أجادوا..

وأنت أنجزت كل الذي في يديك..

وما عرف المستحيل الطريق إليك..

لأنّك تؤمن أنّ الخطى إن تلاقت قليلا..

ستصبح جيشا وصبحا نبيلا..

وأنت ككل الذين أرادوا لوجه الحياة رداء جميلا..

تمنيت أن ينبلجَ الصبح من مقلتيك..

فعلت الذي كان حتما عليك..

ومن كان حتما على الشعراء..جيلا فجيلا..


وهكذا،أيها الشاعر الفذ،رحلت عنا ولم ترحل.ففي كل قصيدة تُكتب بعدك،في كل دمعة تسقط على جرح تونس،في كل نوارس تعانق البحر الأبيض، أنت هناك.تحوّلت إلى نبضٍ خفي في شرايين الكلمة،وإلى شهيدٍ لا يموت في مملكة الشعراء.ولن ننساك،لأن النسيان لا يسكن أرضا زرع فيها مثلك القمر.ارقد في سلامٍ أبدي،فتونس التي أحببتها ستبقى حاميةلذكراك،مشتعلة بنورك حتى يأذن الله بنهاية هذا الكون الفسيح.


محمد المحسن


*محمد الصغير أولاد أحمد  هو شاعر تونسي ولد يوم 4 أفريل1955 في سيدي بوزيد وتوفي في يوم 5 أفريل 2016 بالمستشفى العسكري بتونس بعد معاناة مع المرض.عاش في بيئة فقيرة وقاسية في فترة خروج الاستعمار الفرنسي وبداية بناء الدولة التونسية.



السبت، 4 أبريل 2026

سندان الأرق وقلم النبوءة: تأملات في معمعة نجيب محفوظ الإبداعية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 سندان الأرق وقلم النبوءة: تأملات في معمعة نجيب محفوظ الإبداعية

لم تكن ساعات الصباح الأولى عند نجيب محفوظ مجرد وقت للكتابة،بل كانت موعداً مع نوع من النبوءة الذاتية التي كان يمليها على الورق بصوت لا يسمعه غيره.في تلك الفترة التي تتشظى فيها الحدود بين الحلم واليقظة،كان الأديب الراحل يمارس طقوسا لا تقل تعقيدا عن عالمه الروائي: يكتب في الضحى،ويُسهر الليل على عرش الأرق، متخذا من قلة النوم سلاحا لم يختره بقدر ما ابتلاه به الزمن.

هنا،لا يمكن قراءة علاقة محفوظ بالنوم كمجرد عادة يومية عابرة،بل كمرآة تعكس جوهر صراعه الوجودي مع الإبداع.فالأرق،ذلك الضيف الثقيل الذي لا يغادر رأسه إلا بعد منتصف الليل،لم يكن عجزا عن النوم بقدر ما كان يقظة قسرية لعقلٍ يرفض أن يتوقف عن صوغ الأسئلة. 

كان ينام أربع ساعات متقطعة فقط،وكأن جسده يمنح نفسه كفاف ما يكفي لاستعادة عافيته،بينما كان عقله يُتمّم ما بدأه على الورق في صباح اليوم التالي.

اللافت أن محفوظ وضع فاصلا حاسما بين لحظة الإبداع ولحظة الإرهاق: فالكتابة في الصباح، والنوم بعده مباشرة قد يكون حاجة،لكن الأرق المسائي كان بمثابة فضاء تأملي خاص،يتشكل فيه وعيه بالشخوص والأحداث دون أن يكتب حرفا واحدا.كان يقرأ قبل أن يغفو،تلك القراءة التي سماها هو نفسه "الفاصل" بين الأرق والكتابة،كأنه يودع عقله في حضارة الآخرين ليستريح قليلا من ضجيج أبطاله الذين يصرخون داخله.

هذا الارتجال المنظّم بين النهار والليل جعل من نجيب محفوظ حالة استثنائية:راهبا لا يؤمن بدير غير الرواية،وفيلسوفا يمارس فلسفته بالصمت قبل أن يفصح عنها في حوارات شخوصه. 

لقد حوّل الأرق إلى معملٍ سريّ لا تطفأ أنواره أبدا، والصباح إلى ساحة معركة يُدحر فيها هذا الكمّ من الأحلام المتشظية إلى كلمات وروايات.

وإذن ؟

ليس غريبا إذا،أن يخلد نجيب محفوظ في ذاكرة الأدب العالمي،فالخلود لا يُمنح لمن ينامون طويلا، بل لمن يدفعون من عمرهم ثمنا لليقظة.والأرق الذي لازمه عقودا لم يكن نقمة جسدية،بل كان-في حسٍّ أعمق-شكلا من أشكال التضحية اليومية التي يقدّمها الكاتب على مذبح السرد.

 أربع ساعات من النوم لا تكفي لإنسان،لكنها تكفي لعبقري يرى في الأحلام القليلة فرصة لصنع أحلام أكبر تخص أمة بأكملها.وكلما أظلمت الدنيا على جفنيه،أشرقت الدنيا في سطوره،وهكذا عوّض محفوظ غياب النوم بحضور أبدي بين ضفاف النيل وزحام الحسين وجدران الزقاق. 

والسؤال؟

من قال إن الأرق عدوّ؟!

 عند محفوظ،كان صديقا خفيا يهمس في أذنه أسرار البشر الذين لا ينامون أبدا.

وهكذا،لم يكن نجيب محفوظ يكتب رواياته فقط، بل كان يعيشها في جسده قبل أن تدخل إلى الورق.كان الأرق ميثاقه مع المجهول،والصباح طقس فدائه المستمر.وفي عالم يقدّس الراحة، اختار هو أن يكون ساهرا على حافة الأسئلة الكبرى،حارسا لبوابة لا يدخلها إلا من هجعه الخوف من الضياع أكثر من تعبه الجسدي.لقد حوّل العجز عن النوم إلى قدرة مطلقة على الحلم، وجعل من ساعات السهد مساحة للخلود،حيث لا يموت من يكتب وهو شبه غائب عن وعيه القابع بين الأرق والإشراق.وربما كان السر الأعمق في عبقريته أنه أدرك متأخرا ما لم يفهمه أحد غيره: أن النوم الحقيقي ليس غفوة العينين،بل يقظة الروح التي لا تنتهي،وأن الخلود ليس راحة أبدية، بل سهر لا يعرف الاستسلام.

 رحم الله من أهدانا يقظته،وأورثنا من أرقِه عالما لا ينام.


محمد المحسن


*ملحوظة :

كاتب هذا المقال حاصل على درجة الماجستير في أدب نجيب محفوظ،وكان عنوان رسالته: "تمثّلات المكان المقدّس والمدنّس في ثلاثية نجيب محفوظ: من الحسين إلى قصر الشوق".



قراءة نقدية لقصيدة"أعِد لي عناويني" للشاعرة العراقية رند الربيعي_ العراق 🇮🇶 قراءة نقدية بقلم الأديب والناقد : محمود البقلوطي _ تونس 🇹🇳

 قراءة نقدية لقصيدة"أعِد لي عناويني" للشاعرة العراقية

رند الربيعي_ العراق 🇮🇶

قراءة نقدية بقلم الأديب والناقد : 

محمود البقلوطي  _ تونس 🇹🇳

-------------------------------------

تصدير واستهلال 

 تهاطلت حروفك وجع بل وجعين معبرة عن نزيف وطن حضاراته ضاربة في اعماق التاريخ استباحوا ارضه و دمروا بنيانه واشبعوا شعببه قتلا وجوعا وتشردا هو العراق الجريح الذي جعلته يصرخ في وجه من يحكمه

اعد لي عناويني.

القراءة

لنبدأ قراءة القصيدة من عتبة العنوان.

اعد لي عناويني هو عنوان َمفتوح يتضمن طلب لاسترجاع المتكلم عناوينه استعملت الشاعرة فعل امر اعد وتركت كلمة العناوين مفتوحة للمتلقي الحرية الكاملة للسفر في الخيال لتحديدها وضبطها وخاصة إذا اعتبرنا ان الشاعرة تتكلم في قصيذتها عن لسان وطنها

فلنبدأ تحديد جملة العناوين التي ممكن ان يطلبها الوطن من ساسته وحاكميه بارتباط بالوضع الذي يعيشه وبحالة الشعب الذي يقطنه. 


•اعد لي عناويني: 

العناوين

1 الاستقلال الحقيقي والكرامة والعزة للوطن والشعب

2 الافتخار بتاريخ كل الحضارات مابين النهرين الضاربة في عمق التاريخ والتي قدمت الكثير للإنسانية الحضارة ( السوميرية/ الاكادية/ البابلية/ الاشورية / العربية الاسلامية)

3 توفير العيش الكريم لعموم الشعب العراقي وتاميم ثرواته وتوظيفها في صالحه وصالح البلد من أجل البناء والتقدم..

نسافر الان في تفاصيل القصيدة لتكتشف المعنى والدلالة المتضمنة في كلماتها وفي صورها الشعرية

استعملت الشاعرة في الجزء الأول كلمتين ادعاءاتك وتدعي وهي كلمات تحمل معنى الشك وعدم الصدق وفيها إدانة للساسة والحكام التابعين للاجنبي والذين يبيعون الوهم للشعب ويغالطونه

"كل ادعاءاتك مبهمة

وأنت تعيرني اطراف المساء

في بوتقة مغلقة

تدعي ان اثوابي بيضاء محتشدة

بنايات النعي لحمائم اضرحة محاطة

بفرات يفيض بأصوات نافقة"

في هذا المقطع توضح عن طريق لسان الوطن رأي ومواقف صاحب السلطة في الشعب والوطن إذ ان السمة البارزة في هذا الرأي هي الموت في مفهومه الرمزي (نعي نافقة) .وبالتالي هناك نوع من القطيعة بين الشعب وحكامه

لتواصل الشاعرة في هذا المقطع  للحديث عن القهر وانعدام الحرية

"كانت تلك الأصوات ناصعة الوجع

تتولد تحت كفك المفعم بليل املس

اهات تطلقها مع اسراب

 صفعات ريح."

وتركز الشاعرة على قيمة الذاكرة للسفر لاعماق التاريخ والوقوف على القيم الحضارية التي رافقت حضارات الرافدين او حضارة ما بين النهرين كما يحلو للمؤرخين تسميتها

فتقول الشاعرة وتعبرعن لسان وطنها الذي يقدس ويثمن كل الحضارات التي مرت عليه لالا السنين. 

لن احيلك الي اعماق الذاكرة 

كنت انتظرك.... تأتي بي ذاكرتك

انت تطفو فوق ذلك العمق السحيق

تستدعيني.. من اقاصي  ذاكرتك

اقبع تحت فصول التاريخ

الملم فوهة مدفع

قابع في أقصى ذاكرة ملغومة


قصيدة جميلة المبنى عميقة المعنى والدلالة كلماتها رقراقة شفيفة َمفروحة على عدة قراءات نقدية

تحياتي والتقدير للشاعرة المبدعة على هذه القصيدة العميقة في معناها والجمالة في بناء متن كلماتها

_________


"القصيدة" 


أعد  لي عناويني 

                    رند الربيعي/ العراق 

كل ادعاءاتك مبهمة 

وانت تعيرني  اطراف المساء 

في بوتقة مغلقة 

تدعي ان اثوابي بيضاء مُحتشدة .

 بنايات  النعي

 لحمائم اضرحة محاطة 

 بفرات يفيض باصوات نافقة

كانت  تلك الاصوات ناصعة الوجع 

تتوالد تحت وَطْأَة كفك المفعم 

بليل املس 

اهات اطلقها مع اسراب 

صفعات ريح 

لن احيلك إلى أعماق ذاكرة 

كنت انتظرك......

 تأتي بي ذاكرتك 

انت تطفو فوق ذلك العمق

 السحيق 

 تستدعيني.... 

 من اقاصي ذاكرتك

 اقبع تحت فصول التاريخ 

ألملم فوهة مدفع

 قابع في  اقصى ذاكرة ملغومة.

________

رند الربيعي



قراءة في ق ق ج : "سيناريو محدث" للإعلامية إلهام عيسى /سوريا بقلم الأستاذة الناقدة :سعيدة بركاتــــي /تونس

 قراءة في ق ق ج : "سيناريو محدث" للإعلامية إلهام عيسى /سوريا

بقلم الأستاذة الناقدة :سعيدة بركاتــــي /تونس

المدخـــــل :

السيناريو : الكلمة المكتوبة التي تتحول إلى مشهد سينيمائي أو تلفزيوني و تحول صاحبها إلى أحد صناع المشهد الإجتماعي فكل ما نشاهده تم بناؤه "أصلا" على الكلمة .

لكن ما هو نوع سيناريو قصتنا الحالي ؟ هل عالج الفكرة بصفة واضحة ؟ هل طرح قضايا "اجتماعية معينة ؟ و أين يمكن تنزيله ضمن أنواع السيناريوهات ؟ 

#القــــراءة : 

السيناريو : مخطط تفصيلي لحبكة عمل درامي ،مع ذكر تفاصيل حول المشاهد و الشخصيات و المواقف و غيرها ... 

انطلاقا مما تقدم و وصولا إلى الـــ  ق ق ج للإعلامية إلهام عيسى تظهر قصة" سيناريو محدث" كمرآة تعكس واقعا اجتماعيا وسياسيا و ثقافيا (مشهد مكتمل الصورة تقريبا جمع شرائح مختلفة من المجتمع ) سيناريو لن تُروى فيه مجرد مشاهد على شكل رواية بل هي نظرة بنورامية للواقع . 

يلاحظ المتلقي أن "السناريو " تكون من عدة مشاهد قصيرة و مكثفة على شكل ومضات : العدو وصفارته /عين الراصد و حياكتها للأحداث كما تشاء /المصو يعلق وجوه القادة على الجدران / الحكومة صانعة الوهم / بيدها القانون  الذي لم تُفعل بنوده /(يمكن اعتبارهما شخصية واحدة )  التاجر و سياسة الإحتكار / المثقف تذبذبه بين مؤيد و عاجز / ضمير العالم النائم/ المواطن و تشبثه بالأرض .

هذه الملاحظة أعلاه تؤكد أن الكاتبة كأنها تقف فعلا في مركز الدائرة و بدأت تتحرك بنظرها فقط لتنقل المشاهد حتى بدأ تكوين  "السيناريو" فالمشاهد وُلدت من بعضها و كل مشهد أخذ مكانه على محيط الدائرة ،(النظرة البانورامية التي ذكرتها سابقا) ، مما أكد دلالة العنوان الرئيس " سيناريو محدث".

حين يتعمق المتلقي في بنية القصة يجدها مفككة و لم تأت لحمة واحدة : وجود عناوين فرعية : اعتمدت القاصة على التفكيك ثم تركيب المشاهد حتى تتكون أحداث القصة .

كل مقطع من القصة تحدث عن فئة معينة من المجتمع (هنا يبرز التكثيف في القصة ).

شخصيات القصة متعددة و مختلفة (تقريبا جميع الشرائح ) سأتناولها بالدرس و نرى دورها في "السيناريو" :

ــ أبطال القصة ثمانية : ربما كانت تقف القاصة عند العدد الأقل أو تضيف شخصيات أخرى "للسيناريو ". لماذا توقفت عند هذا العدد ؟؟؟

رمزية العدد " 8 " : عالميا يرمز إلى " اللانهايــــــة " و هو رمز الكون الذي لا ينتهي ، و قد ورد "الرقم في الذكر الحكيم : الحاقة 7 و هو يوم نحس على عاد و الأنعام 143 ... و في عدة آيات أخرى ..

لنا عودة للعدد و علاقته بالقصة و الإجابة عن السؤال .

إلى الشخصيات نتدرج في القراءة : 

++ العدو : نفخ في الصفارة (تناص قرآني : النفخ في الصور : و نُفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض ... الزمر68) كأنه نذير الشؤم يخافه الجميع حتى الجدران :دوره اسناد التهم و زجهم بالسجن :مفاتيح صدأ : ظلوعه في توجيه التهم و الزج بالسجن و الصدأ على المفاتيح دليل على أن هذه الممارسة قديمة :دون محاكمة /سياسة العدو مع أصحاب الأرض .

++ عين الراصد : للأسف انقلب دور "عيون الراصد " في نقل الحقائق ( ربما إشارة إلى الصحافة و إعلام العار ) : تزييف الحقائق و نقل ما تريده السلطة أن يصل للمواطن على مزاجها /ذر الرماد على العيون /عيونها من زجاج : رغم شفافية هذه المادة :عيون مزيفة تُزيف الواقع :مزروعة في كل الزوايا : المراقبة المحكمة لا مجال للإفلات لكثرتها " عيون في صغة الجمع .

++ المصور : يعلق على الجدران شخوص من ورق : الوهم بالإنتظار/ استغلالها في الوقت المناسب / و ازالتها في لمح البصر : التأكيد على أنها من ورق /سريعة الاحتراق و الزوال .

  ++ الحكومة و القانون : تمركزهما في شعاع واحد من الدائرة فلا يمكن الفصل بين الحكومة و القانون  : تهربها من مسؤولية الحماية /ضعفها و الإتكال على المساعدات الخارجية  و تنفيذ القوانين/كأنها تتجاهل أسماء الضحايا /كُتبت الأسماء بحبر المنظمات : مجرد أرقام .

++ التاجر : استغلال الأوضاع ،اتبع سياسة الإحتكار (الشخصية المستفيدة الأولى في القصة ) فرصة للربح الجشع .

++ المثقف و معه ++ ضمير العالم : حالة استسلام كلي و غياب صحوة الضمير ، مسلوبي الإرادة : الصمت التام / مراقبة دون حراك .

++ المواطن : الشخصية الوحيدة : المتشبثة بالأرض المتمسكة بالذاكرة :يرمز إلى الحياة و الاستمرارية / هنا يكمن معنى " الإنسانية " رغم العراء و الجوع فهو يطمح إلى مستقبل أكثر نعومة : نظرة استشرافية للمستقبل ...

عند قراءة الشخصيات نستنتج أن إلهام عيسى لم تستحضر بـــ "السيناريو" شخوصا حقيقية بقدر ماهي أدوار وظيفية / تجتمع حول : الظلم و القهر و الاستبداد و تكميم الأفواه و القمع و مصادرة الحريات ... ليصل المواطن إلى "حالة" : من الجوع و الفقر فيسهل استغلاله و استثماره لمصالح السلطة و بقية عناصر شخصيات القصة .

سؤال يطرح نفسه حول كل هذه المفارقات بالقصة ؟ : و هي المحرك الرئيس بها ، سأتناول بعضا منها لأترك للمتلقي المجال للبحث و التقصي .

في قصة العدو حين مسك الصفارة : جعل البناية ترتجف / حولتها القاصة إلى شخص يرد الفعل كالعصفور تماما من شدة الخوف و الرعب الذي أصابه حين دوت صفارة الإنذار . 

في قصة الحكومة : تستعد الحكومة للعاصفة بفرش الخيام /  عوض أن تستعد للمواجهة و حماية المواطنين من الخطر الكبير و توفير مستلزمات الحماية  (عواصف فعلية و عواصف حربية ...الهلاك يحاصر الشعب من كل الجبهات) بل تستعد لاستيلام "ثمن الضحايا" /تتحول العناية إلى تجارة (حبر المنظمات ، الضحايا مجرد أرقام ) .

فالمفارقات في القصة تنوعت أنماطها  بين الموقف و الدراما و التصوير ، تبقى المفارقة الختامية : المواطن الذي لا يملك لا سلطة و لا جاه و لا أبسط مكونات العيش /يملك ذاكرة ، مدونة لن تزول /الشيء الأبقى /قريب هو من الأرض و متشبث بجذوره المغروسة فيها " الوطنية " : المفارقة الصادقة في القصة ، المعنى الحقيقي للإنسانية . 

استنتاج أول : تتحول هذه النظرة البانورامية إلى رؤية "ديستوبية"عكس "اليوتيوبية" ، وهي حالة تتدهور فيها ظروف الحياة البشرية إلى حد بالغ نتيجة للحرمان أو القمع و الإرهاب (أو جميعها) .

إذا : فالسيناريو كل الأدوار التي وُزعت فيه كانت وظيفية أكثر منها شخوصا تلعب أدوارا من خلال تمثيلية لشخصيات : الشخصيات السبعة( بضم الحكومة و القانون كشخصية واحدة ) كانت ضد الشخصية الثامنة :  المواطن :اجتمعت لأداء دور واحد تعددت وجوهه : سلطة تمثلت في عدو و مصور و حكومة أداة قمعها  عين راصدة ، المستفيد من الوضع التاجر و سياسة الإحتكار ، يبقى المثقف و القانون مكبلان من ططرف حكومة لا تستطيع المسك بزمام أمورها ، لتختم الرؤية بالمواطن الفقير و الجائع و المحتفظ بالذاكرة .

تأتي الآن الإجابة عن الأسئلة أعلاها : 

المفارقة في النص هي المحرك الأساسي لكل المشاهد الموضوعية في "السيناريو " و القاصة هي العنصر الرئيس الذي نقل كل هذه المشاهد انطلاقا من نقطة الإرتكاز في الدائرة . 

المشاهد كان عددها ثمانية( تم ضم الحكومة و القانون كشخصية واحدة ، لتقاسمهما الدور الوظيفي ) و شرحنا دلالة هذا العدد 8 أعلاه، و إذا كُتب ممددا ( ∞ ) عن طريق الرياضيات اللانهاية ، يتعلق بالأشياء التي لا تنتهي. تُكتب برقم واحد. تحمل اللانهاية معانيَ متعددة، بحسب السياق. الكلمة من أصل لاتيني ، وتعني "بلا نهاية". تمتد اللانهاية إلى الأبد، لذا يُقال أحيانًا إن الفضاء والأرقام وغيرها من الأشياء "لا نهائية"، لأنها لا تتوقف أبدًا.يدل على اللانهاية حينها نقر أن للمشاهد صور أخرى يمكن إضافتها للسيناريو ( المجال مفتوح للمتلقي حتى يضيف ماشاء من شخصيات و مشاهد ، فالدائرة لا تزال فيها المساحة شاسعة ، يمكن إضافة : المرأة،الطفل،صناع الحرب ...).

فيتضح جليا مما تقدم أن القاصة قدمت صورة مفككة مكثفة لحالة من الحكم المستبد الذي يمسك بكل خيوط "اللعبة"السياسية : ركبتها في صورة للدولة المأزومة . فالمشاهد حين نقلتها الكاتبة كانت فعلا مشاهد للوحة بنورامية انتهت بضحية : المواطن . 

عن إيقاع القصة :سريع بانتقاله  من مشهد إلى آخر : مشاهد مفصلية بأفعال تحركت تدريجيا :نفخ /زرعت/يعلق/مدت/احتكر/يدون/أصيب/يفترش . فالنفخ كان في الأعلى ، خوف العصفور و مجاله الفضاء لينتهي إلى يفترش و مجاله الأرض : حرية العصفور مصادرة اكتست ثوب الخوف ، و المواطن افترش الأرض فهو في العراء لا كسوة له / المشهد فيه من الخوف في وصف حالة المواطن : عيون تطلع لإعتناق ثرى الولادة  .

فالكاتبة نجحت في تكثيف الحيرة عند المتلقي بقدرتها على تحويل المشاهد إلى حركة مكتوبة بكل عناية و كأنه فعلا مع مشاهد لسيناريو محكم الكتابة عاشها بكل ما أوتي من أحاسيس و مشاعر . 

"سيناريو محدث" : يمكن تنزيلها ضمن مجموعة قصص ق ج تناولت عدة مشاهد مرتبطة ببعضها ذات مواضيع مختلفة ، و يمكن كذلك اعتبارها قصة واحدة قصيرة جدا بتناولها موضوعا واحدا يصف وضعا سياسيا و اجتماعيا أبطالها مختلفون جمعتهم أحداث واحدة في مكان و زمان واحد وزعتهم الكاتبة على شعاع دائرة كانت هي في نقطة الإرتكاز . 

بقلمي سعيدة بركاتي /تونس


سيناريو محدث. ق ق ج 

  العدو:

نفخ في الصفارة الأولى، فارتجفت البناية رقم واحد كعصفورٍ تحت المطر، وكانت التهم تنتظر على الطاولة مثل مفاتيح صدئة تعرف الأقفال مسبقًا ..! 

  عين الراصد:

زرعت عيونًا زجاجية في الزوايا، عيونًا تعرف كيف تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها ..! 

المصور:

يعلّق وجوه القادة على الجدران كشموسٍ ورقية، قبل أن يهبط المساء عن عروش الكراسي ..! 

الحكومة:

مدّت خيامها على عجل كمن يفرش ظلّه قبل العاصفة، وهي تعرف أن الريح تحمل معها أكياس المعونات وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات ..! 

التاجر: 

احتكر الغذاء وفقًا لرؤية وصلات سياسية متسقة، إذ إنها فرصة لتطوير تجارته وتوثيق علاقاته! 

القانون: 

عاجز عن قول الحقيقة، مهدد بفقدان الحصانة ..! 

حملة الفكر والكتاب منقسمون:

يدون بعضهم مكرهين لأغراض المعيشة والسلامة ما يخدم الساسة ومحتكري سبل الحياة! 

ضمير العالم:

أُصيب بنكسة حضارية وأخذ يراقب دون حراك! 

المواطن:

يفترش الأرض والأرصفة، يحتفظ بذاكرة حية بعيون تتطلع لاعتناق ثرى الولادة وبقايا حطام الذكريات!

بقلم الإعلامية إلهام عيسى/سوريا



الجمعة، 3 أبريل 2026

مبدعات عربيات وتونسيات تحت خط النار: حين تصنع الكلمات الحياة وسط الموت بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مبدعات عربيات وتونسيات تحت خط النار:

حين تصنع الكلمات الحياة وسط الموت


في زمن تتقاتل فيه الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتتشظى فيه الجغرافيا العربية على وقع حرب إيرانية-إسرائيلية أمريكية تحتدم في جزء منها فوق أراضي الإمارات العربية المتحدة،يظل السؤال الأعمق: ماذا تفعل الكلمة حين تخونها المدافع؟ وماذا يصنع الإبداع في حضرة الموت؟

على خط النار،حيث تتصادم الإرادات وتتساقط حمم الجحيم،تقف مبدعات عربيات وتونسيات،لا يحملن سلاحا تقليديا،بل يحملن قصيدة،أو بحثا، أو رواية،أو شهادة وجود تليق بالإنسان أولا، وبالعروبة والإسلام ثانيا.

الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير: صوت لا ينطفئ..عزيزة بشير،التي جعلت من القصيدة فلسطينا محمولة على كفّيها،تقف اليوم تحت القصف،لا تلوذ بالصمت،بل تلوذ بالحرف.وهي التي كتبت:"نُصرة لِغَزَّةَ،لرَفَح،وَسائِرِ/بِلاد العَرَب

وَالمُسلِمين/من في السَماء سَأَلتُ نُصرَة غزَة

وَرجَوتُه لِلمظلومينَ نَصيرا.."

وفي ظل هذه الحرب المشتعلة،تواصل الأستاذة عزيزة بشير إشعال الضوء بالقصيدة المقاومة،ليست مقاومة السلاح فقط،بل مقاومة النسيان،ومقاومة محو الهوية،ومقاومة تحويل الإنسان إلى رقم.

الدكتورة آمال بوحرب: تونس الضاربة في عمق الفكر..

من تونس إلى قلب الإمارات العربية المتحدة، تحمل الدكتورة آمال بوحرب،الشاعرة والباحثة، راية العقل النقدي.هي التي أمتعت المكتبة العربية بدراساتها العميقة في الشعر والصوفية والحداثة، لم تترك القلم لحظة.وفي زمن الحرب،تتحول أبحاثها إلى شهادات حيّة على أن الثقافة ليست ترفا،بل هي الوعاء الذي يحفظ الأمم من الذوبان.

تقول في إحدى قصائدها: "جئتُ من رحمٍ  يسكنُه الغياب/ومن صدرٍ يتلو على لساني/تراتيلَ لا يسمعها أحد/ورثتُ الحنينَ قبل أن أتعلّمَ البكاء

وضوءا مشكاته تلوح من بعيد/كظلِّ وردةٍ على جدارِ المساءِ.."

الشاعرة التونسية جميلة عبسي: نبض تونسي في زمن الردم..

جميلة عبسي،التي جعلت من الشعر أنثى لا تخضع،تمثل اليوم صوتا تونسيا شجاعا في المشهد الثقافي الإماراتي.وفي لحظات الحرب،لم تبحث عن مخبأ،بل عن ورق أبيض.وقصائدها التي تلامس الجرح الفلسطيني،والعربي،والنسائي، تصبح أقوى حين تكتب تحت صفير الرصاص.

تكتب جميلة الآن:"ذبتُ بين الإيقاع والدوران، تلاشت الحدود،وصار الوقت دائرة واسعة أركضُ فيها بلا خوف.ابتسمتُ،لأنني أخيرا...أرقصُ كما لو أن الحبّ يسمعني.."

الكاتبة الفذة دليلة الوحيشي،التونسية المقيمة في البحرين،التي أثرت السردية العربية بإبداعاتها العميقة التي تنبش في الذاكرة والهوية،تقف اليوم شاهدة على انهيار المنطق الإنساني.هي التي كتبت عن الخذلان،والانكسار،والنهوض،والغربة والإغتراب تجد نفسها أمام واقع يكتب بدماء الأبرياء.

تقول دليلة في أحد نصوصها الأخيرة:

"ربّاه! أكلّما عششت في قلبي يمامة ناديتها، فطارت إليك تطرب حوريات الجنّة بهديلها وتذرني وحيدة؟!!ربّاه!!.."

هؤلاء المبدعات لسن مجرد أسماء في قوائم ثقافية،هنّ من أثثن المشهد التونسي والعربي بأعمال راقية:دواوين شعرية،دراسات نقدية،بحوث أكاديمية،ومشاركات دولية رفعت اسم تونس والعروبة في المحافل الثقافية الكبرى.

هنّ من جعلن من الكلمة وسيلة للحضارة،ومن البحث أداة للمقاومة الفكرية،ومن الإبداع استراتيجية للبقاء.

ونحن نتابع بقلوب مفجوعة تصاعد الحرب بين إيران والحلف الصهيو-أمريكي..حرب وصلت شظاياها إلى أرض الإمارات العربية المتحدة،لا نملك إلا أن نطلب لهن السلامة،ولجميع المبدعات والمبدعين العرب تحت خط النار.

وندعو الله أن تحط الحرب أوزارها،وأن ترتفع راية الإسلام والعروبة عالية خفاقة،لا راية إقصاء أو عنصرية،بل راية العدل،والعلم،والجمال،والإبداع.

إن النصر الذي نبغيه ليس نصر مدفع على مدفع، بل نصر كلمة على صمت،نصر قلم على سيف،نصر وعي على همجية.

وفي لحظة يصنع فيها الرجال الحروب،تصنع النساء-ولا سيما المبدعات منهن-حياة.هنّ اللواتي يذكرننا بأننا لسنا مجرد جيوش وحدود،بل حضارة،وكتب،وأشعار،وأحلام..

لعل هذه الحرب،مهما اشتد أوارها،لن تستطيع أن تمحو قصيدة كتبتها الأستاذة عزيزة بشير،أو بحثا أنجزته د-آمال بوحرب،أو قصيدة أبكتنا بها جميلة عبسي،أو قصة أسرتنا فيها دليلة الوحيشي.

سلامًا لهن،وللقلم،وللكلمة،وللعروبة،وللإنسانية.

نصر مبين بإذن الله.

وفي الختام،لا بد من التأكيد على أن معركتنا ليست مع الإمارات ولا البحرين ولا أي من الدول العربية الشقيقة،فهذه أوطاننا جميعا وتاريخنا ودماؤنا ومستقبلنا مشترك.إنما حربنا وحرب هؤلاء المبدعات التونسيات والعربيات الرابضات اليوم على التخوم الفاصلة بين البسمة والدمعة،هي مع الصليبيين الجدد،أولئك الذين يتسترون خلف أقنعة الحداثة والحرية الزائفة،وهم في جوهرهم قتلة الضمير،وشذاذ الآفاق الجدد،الذين لا يترددون في دهس القيم الإنسانية والأخلاقية تحت دعاوى التحرر المزيف.إنهم من تآمر على الرسل وقتل الأنبياء بالكلمة قبل السيف،وما زالوا يواصلون حربهم على كل صوت حر يأبى الانحناء لغير الله ولغير الحق. فلتظل أصوات مبدعاتنا العربية شامخة،تفضح النوايا الخبيثة،وتقاوم بوعي وإبداع كل محاولات التغريب والتطبيع مع ثقافة الموت والاستلاب. والله من وراء القصد.


محمد المحسن



الأربعاء، 1 أبريل 2026

رسالة إلى سيدة الضوء: الشاعرة والباحثة التونسية د-آمال بوحرب (حين يصير الحبر..أقوى من لعلعة الرصاص) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 رسالة إلى سيدة الضوء: الشاعرة والباحثة التونسية د-آمال بوحرب

(حين يصير الحبر..أقوى من لعلعة الرصاص)


تحت سماء تلبّدت بالغيوم،وأرض ترتج تحت وطأة صواريخ انفلتت من عقالها،أوصيك باليقظة والحذر الذي لا ينقلب هوانا،بل يقينا يثبّت الجذور حيث تحاول العواصف اقتلاعها.فالساحة الشعرية بكل رهاناتها،والجامعات الشامخة التي جعلت من العلم حصنا،ومراكز البحث التي تنتظر عقلك المتقد،جميعها تنتظرك.اثبتي كمن يعلم أن النخلة لا تنحني إلا لتعود أقوى،وانتصري بحبر الروح لوطن احتضنكِ وفتح جامعاته ليبقى العلم بوابة سلام.فما هذا البلد الشقيق إلا نموذج حيّ على أن الإخاء قد يكون أعمق من راجمات الصواريخ وال"ب52"

وفي زمن تتكسر فيه الكلمات على بوابات الصمت، وتتوارى القصيدة خلف ستائر الخوف،تظلين أنتِ النافذة التي لا تُغلق،والضوء الذي لا يخفت. فالإبداع الحقيقي ليس ترفا فكريا،بل مقاومة وجودية،وشهادة أن الحياة تستحق أن تُعاش والجمال أن يُخلق رغم التشظي،لأن الخلق فعل تحدٍّ للفوضى.

لطالما حملتِ في قصائدك ( يا دكتورة آمال بوحرب)  هموم هذا الوطن الكبير الذي لا يتسع للحدود بل للحلم،ونبضتِ في أبحاثك لغة تجمع الشتات،وأضاءتِ في محاضراتك شموعا لا تخشى الريح.ولم تكوني يوما مجرد اسم في سجلات المجد الأكاديمي،بل فكرة تمشي على الأرض، وروحا تأبى الانكسار،وقلبا لا ينبض إلا لمن يستحقون الحياة.

وها نحن في لحظة فارقة،حيث تتحول الجامعات إلى حصون لا تقهرها الراجمات،وتصبح الكلمة أشد وطأة من الرصاص لأنها تصيب الوعي.

إن حضورك في قاعات الدرس انتصار صامت على قوى الظلام التي تريد للأمة أن تبقى أسيرة الجهل.وما تقومين به ليس مجرد عمل أكاديمي، بل مشروع نهضوي: غرس للوعي في تربة متعبة، وسقاية للأمل في زمن العطش.فحين تمسكين بالقلم كأنك تمسكين بغصن زيتون في وجه الأعاصير،وحين تتربعين على منابر العلم،تثبتين أن الدفاع بالحبر أبقى أثرا لأنه يخترق الزمن.

وفي خضم هذه اللحظة التاريخية،تتجلى ضرورة أن نكون حراسا للكلمة،سفراء للجمال في مواجهة القبح،لأنه المعنى الذي يجعل من الحياة شيئا يُقاتل من أجله.وما تفعلينه يجعلك سفيرة الإبداع في وطننا العربي الفسيح،بجوهر الروح وإخلاص العمل.

وفي النهاية،أبقي عند يقين راسخ: أنك لست وحدك في الميدان.فخلفك طابور من عشاق الكلمة الذين آمنوا بأن الثقافة وقود الحضارة،ومن طلبة تلقفوا سرّ البهاء،ومن قراء وجدوا في قصائدك ما يسكّن غليل الروح. 

إن ما تزرعينه من حروف في أرض متعبة سيكون غدا غابة لا تخاف الجفاف،وما تشعلينه من قنديل في زمن العتمة سيبقى منارة.فامضي قدما، فطريق الإبداع لا يعرف المستحيل،ورسالة الثقافة لا تموت لأنها تورث القدرة على التساؤل والشجاعة على الحلم.وسيبقى الحبر أقوى من الرصاص المنفلت من العقال،لأن الرصاص يمحو الجسد،والحبر يخلق روحا لا تموت.وستبقين أنتِ تلك المرأة التي علمتنا أن المجد يُصنع بحبات الرمل وقبسات الروح،وأن الوطن الحقيقي يُقاس بمن يضيئونه بالعطاء.فمن يضيء نورا في ظلام، لا يعود الظلام كما كان أبدا.


محمد المحسن



تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير -الطاهر مشي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 تجليات الإبداع والرهان الشعري في منجز الشاعر التونسي الكبير -الطاهر مشي

لا يزال سؤال الإبداع الشعري في الثقافة العربية المعاصرة أحد الأسئلة المفتوحة على احتمالات التأويل،خاصة حين يتعلق الأمر بتجربة شعرية عميقة ومتعددة المنافذ كتجربة الشاعر التونسي الكبير الدكتور الطاهر مشي.فالإبداع هنا ليس مجرد نزعة فردية تعبر عن ذاتية شاعرة بقدر ما هو رؤية للعالم تُشيد لغة خاصة تنبثق من تفاعل المنجز الشعري مع سياقاته الثقافية والتاريخية والإنسانية. 

-في متاهة اللغة والرؤيا:

في الثقافة العربية المعاصرة،يظل سؤال الإبداع الشعري أحد الأسئلة المفتوحة على مصراعيه، كأفق يتسع باستمرار أمام احتمالات التأويل التي لا تنضب.غير أن هذا السؤال يكتسب حدة استثنائية ووهجا خاصا حين يصادف تجربة شعرية غائرة في العمق،متشعبة المنافذ،كتجربة الشاعر التونسي -الطاهر مشي.فالإبداع في هذا السياق لا يُختزل في نزعة فردية تبوح بوحا ذاتيا،ولا يُحصر في لحظة انفعال عابرة،بل هو رؤيا للعالم تقوم على تخوم الرؤية والوجود.إنها رؤيا لا تكتمل إلا بتشييد لغة خاصة،لغة تولد من رحم التفاعل الخصب بين المنجز الشعري وسياقاته الثقافية المتراكمة،وتجاعيده التاريخية النابضة،وأسئلته الإنسانية الممتدة في الجسد والذاكرة.

إن الغوص في تجربة الشاعر الفذ -الطاهر مشي لا يقودنا إلى مجرد استكشاف خصوصية أسلوبية أو تفرد لغوي،بل يكشف عن كون شعري قائم بذاته،كون يتداخل فيه الذاتي والموضوعي، والخاص والعام،المحلي والإنساني،في انسيابية تجعل من القصيدة حدثا وجوديا لا مجرد نص.فما يمنح هذه التجربة سحرها وجدتها هو قدرتها على أن تظل سؤالا مفتوحا: سؤالا عن اللغة التي لا ترتاح إلى اليقين، وعن العالم الذي لا ينفك يتشكل عبر المرايا المكسرة للكلمات.وفي زمن تتسارع فيه ردود الأفعال وتتقلص فيه مساحات التأمل،تأتي تجربة كهذه لتذكرنا بأن الشعر الحقيقي ليس إجابة،بل هو سؤال يصبح شكلا من أشكال المعرفة الأعلى،وأسلوبا في الوجود لا ينتهي بانتهاء القصيدة،بل يبدأ حيث تظن أن الكلام قد انتهى.

يقول الشاعر الطاهر مشي:

"ها أنا شارد..في تفاصيل الغياب

كل الأحلام رسمتها

في خارطة النسيان

يؤرقني ذلك الشرخ

مازال ينزف من ذاكرتي.."

يتجسد في هذه الأبيات ما أشارت إليه قراءتنا من تشييد لغة خاصة تنبثق من رؤيا للعالم قائمة على تخوم الوجود،فالشرخ الذي لا يزال ينزف من الذاكرة ليس مجرد وجع فردي،بل يصير حدثا وجوديا تعبر عنه القصيدة بوصفها سؤالا مفتوحا على احتمالات التأويل،حيث تتحول تفاصيل الغياب وخارطة النسيان إلى مرايا مكسرة للكلمات،تعيد تشكيل العالم في فضاء شعري لا ينتهي بانتهاء النص.

ويقول أيضا :

"فتك الغياب

ملامحك

وبات الحنين مشتتا

بين الماضي والأمس القريب

تفتت نبضي

قربانا.."

يتجلّى هنا ما أشارنا من تداخل الخاص والعام في "الكون الشعري" القائم بذاته،ف"تفتت النبض قربانا" ليس لحظة انفعال عابرة،بل هو تجسيد للرؤيا التي لا تكتمل إلا باللغة التي تنبثق من أسئلة الذاكرة والجسد،لتبقى القصيدة حيث يبدأ الكلام بعد أن يظن القارئ أن المعنى قد انتهى.

وفي لوحة إبداعية أخرى يقول:

"أحبّكِ والقلبُ شاخَ الحنينُ

وفي الروحِ جرحٌ يبوحُ السكونُ


أطوفُ بليلي وأحسبُ خطوي

فيسبقني الشوقُ حيثُ تكونُ

يؤسس هذا النص لما ورد عن "لغة خاصة تنبثق من تفاعل المنجز الشعري مع سياقاته"،فشيخوخة القلب مع استمرار الحنين،وسبق الشوق للخطو، يكشفان عن لغة لا تتبع التجربة بل تسبقها،لتجعل من القصيدة "أسلوبا في الوجود لا ينتهي-أيضا-بانتهاء القصيدة".

هكذا تظهر شواهد الطاهر مشي معادلا موضوعيا لما ذكرنا من أن شعريته كون قائم بذاته،لا ينغلق على إجابات جاهزة،بل يفتح أفقا للتأمل حيث يتقاطع الذاتي بالموضوعي،واللغوي بالوجودي.إن قراءة هذه الشواهد في ضوء النص تكشف أن الشاعر لم يكتب قصائد،بل بنى عوالم قائمة على السؤال،متخذا من اللغة مرآة مكسرة لا تعكس الأشياء بل تعيد تشكيلها،تاركا للقارئ أن يعيد بناء المعنى كل مرة،في فعل قراءة لا ينتهي-كما أسلفت- بانتهاء القصيدة.

وإذا كان الإبداع الشعري يبدأ من حيث تنتهي اللغة اليومية،فإن تجربة الطاهر مشي تمثل نموذجا بارزا في التعامل مع اللغة باعتبارها مادة قابلة للانصهار والتشكيل.فالشاعر لا يقف من اللغة موقف المستخدم العادي،بل يتعامل معها ككيان حي يتفاعل مع تحولات الذات والعالم.وتتجلى هذه الرؤية في قدرته على استنطاق التراث اللغوي العربي دون الوقوع في فخ التكرار أو الاستهلاك الجاهز للصور البلاغية الموروثة.

إن الإبداع في هذا السياق يعني القدرة على خلق مسافة بين الكلمة ومعناها السائد،بحيث تكتسب الدلالات أبعادا جديدة كلما أعاد الشاعر تركيبها في سياقات مغايرة.وهذه الخاصية-أي توليد المعنى من هدم الأنساق اللغوية المستقرة-تعد من أبرز سمات الشعرية الحديثة التي وظفها -الطاهر مشي بمهارة فائقة.

في ختام هذه المقاربة،يتبين أن الإبداع في منجز -الطاهر مشي ليس مجرد تقنيات بلاغية أو مهارات في صياغة النصوص،بل هو رؤية متكاملة للعالم والشعر واللغة.إنها رؤية تجعل من الشعر فعالية وجودية تلامس أسئلة الإنسان العميقة، ومن اللغة عالما ممكنا يتسع لاحتمالات التأويل.

وما يبقى من تجربة هذا الشاعر التونسي الكبير - الطاهر مشي بعد كل تحليل هو ذلك الإحساس بأن النص الشعري لديه لا ينغلق على ذاته،بل يظل مفتوحا على قارئه،داعيا إياه إلى المشاركة في إنتاج المعنى.وهذه الخاصية وحدها كافية لجعل هذه التجربة واحدة من أكثر التجارب الشعرية قدرة على تجديد أسئلة الشعر والإبداع في الثقافة العربية المعاصرة.

ختاما،أؤكد أن ما قُدِّم في هذه المقاربة لم يكن سوى قراءة نقدية تحاول أن تنزل عند أمانة المنهج،وتلتزم بموضوعية التحليل بعيدا عن أي محاباة أو مجاملات،إذ كان الإبداع الشعري للشاعر التونسي الكبير الطاهر مشي هو الأصل والحضور،والناقد ليس سوى قارئ يخضع النص لمناهج النقد الحديثة،ساعيا إلى تفكيك آلياته لا إلى إنشائه،وراصدا لتجلياته لا إلى تزيينها.فإن كان المنجز الشعري قد ظل مفتوحا على التأويل،فإن هذه القراءة أرادت أن تكون وفية لانفتاحه،غير متجاوزة حدود ما يمليه الالتزام النقدي من إنصاف ورؤية متجردة.


محمد المحسن