السبت، 21 فبراير 2026

النبي المضاد : تأملات في تمرد زرادشت بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 النبي المضاد : تأملات في تمرد زرادشت

تصدير:

زرادشت،ليس شخصية روائية نقرأها ونتجاوزها،بل مرآة محدّبة تعكس خيارنا الوجودي الأصعب: إمّا الركود في شرنقة الأنا القديمة،في دفء القطيع وأمان التبعية،أو تجاوز الذات في مغامرة الخلق المستمرّ،حيث لا ضمانات ولا يقينيات،بل إرادة وقوة واحتمال..( الكاتب)


منذ أن خطا الإنسان الأول على الأرض،ظلّ يرفع عينيه إلى السماء باحثا عن إشارة تنتشله من عبثية الوجود.فالأنبياء كانوا دوماً جسرا بين الأرض والسماء،يحملون بشرى الخلاص أو وعيد الجحيم،ليؤسسوا نظاما أخلاقيا يضبط فوضى الحياة ويمنح الجماعة تماسكها أمام رعب المجهول.لقد كان الوحي،في جوهره التقليدي، إجابة تُسكت السؤال،ونورا يبدد ظلمة الحيرة الجماعية.لكن ماذا لو نزل نبيّ لا ليؤسس،بل ليهدم؟ ماذا لو كانت رسالته الوحيدة هي أن لا رسالة،وأن الحقيقة ليست منزلة بل مغامرة فردية، وأن الخلاص الحقيقي يكمن في فقدان الخلاص نفسه؟!

هذا هو اللغز الوجودي الذي يضعه نيتشه أمامنا في شخصية زرادشت،النبيّ الذي ينزل من قمّة عزلته بعد عقد من التفرّد والتأمل،ليعلن موت اليقين،ويحطّم الأوثان التي صنعتها البشرية لتؤمن بأن معناها يأتي من خارجها.إنه نبيّ بلا إنجيل،ورسول بلا رسالة،يحمل في جعبته فراغا مقدسا ليملأه الإنسان بإرادته.

ففي عالم يئن تحت وطأة الميتافيزيقا والأخلاق الجاهزة،عالم أصبح فيه "الإله"مجرد فكرة بالية استنفدت قوتها،يأتي زرادشت ليذكرنا بأن أعظم نبوّة هي التي تجعل من الإنسان مسؤولا عن خلق قيمته،لا مجرد تابع لقيم موروثة.هنا تكمن المفارقة: إنه النبي الذي يعلن استحالة النبوة بالمعنى التقليدي،فيجعل من نبوته جسرا نحو ما بعدها.

في فلسفة نيتشه،يتحوّل زرادشت إلى أيقونة مضادّة،إنه النبيّ الذي يقلب جوهر النبوّة رأسا على عقب.هابطا من قمّة عزلته،لا يحمل بشرى خلاص جاهز،بل يصدم البشر بكلمته الفجّة التي تخرس الألسنة وترجّ العقول: "أنا أعلّمكم الإنسان الأعلى،الإنسان كائنٌ يجب تخطّيه".

 إنها ليست دعوة للغرور،بل إعلان أن الإنسان ليس غاية،بل جسرا،ليس كائنا مكتملا،بل سيرورة متواصلة من التجاوز والتحول.

هذا النبيّ الغريب ينتزع من تحت أقدامنا اليقين، يهزّ أسس المقدّس فينا: قيمكم ليست منزّلة، أخلاقكم ليست أبديّة،ومعنى حياتكم ليس هبة تورث،بل مسؤولية تخلقونها بأنفسكم. 

في صرخته الشهيرة: "حيث ينتهي القطيع،هناك يبدأ الإنسان"،يؤسّس لميلاد الفرد من رحم التمرّد على العقل الجمعي.إنها لحظة ولادة جديدة،لا تُحتفى بها بالماء المقدس،بل بدم الإرادة وجمر المسؤولية.

وضحكة زرادشت ليست مجرّد انفعال عابر،إنها فلسفة متكاملة،وموقف وجودي من الكون. ضحكته تختزل تحرّره من الخوف،وإدراكه أنّ الحياة ليست دينا يُستغفر منه،ولا ذنبا يُكفّر عنه، بل طاقة هائلة تتطلّب المواجهة لا الاستعطاف، والقبول لا التبرير. 

إنها ضحكة الطفل الذي يرى الحقيقة عارية لأول مرة،فلا يفزع،بل يبهج.

 ضحكة تنبع من وعي عميق بأن المأساة والعبثية لا يُقاومان بالبكاء،بل بالرقص على حافة الهاوية.

والمفارقة التاريخية العظمى أن نيتشه اختار زرادشت بالتحديد،ذلك الفارسيّ القديم الذي ابتكر ثنائية الخير والشر في الفلسفة الزرادشتية،ليكون لسان حاله في هدم هذه الثنائية ذاتها.إنه يستعير صوت مؤسّس الأخلاق ليهدم الأخلاق ذاتها، ويستخدم اسم من فرّق بين النور والظلمة ليعلن أن الخير والشر وجهان لعملة الحياة الواحدة،التي لا تُفهم إلا بتجاوز هذا الانقسام.

 إنها أعلى درجات السخرية الفلسفية: النبي التاريخي يُستدعى من قبره ليدفن تعاليمه بيديه.

وإذن؟

زرادشت إذاً ليس شخصية روائية نقرأها ونتجاوزها،بل مرآة محدّبة تعكس خيارنا الوجودي الأصعب: إمّا الركود في شرنقة الأنا القديمة،في دفء القطيع وأمان التبعية،أو تجاوز الذات في مغامرة الخلق المستمرّ،حيث لا ضمانات ولا يقينيات،بل إرادة وقوة واحتمال. 

زرادشت يضعنا أمام سؤال لا مفرّ منه: هل أنت مستعد لأن تكون خالق عالمك،أم ستبقى مخلوقا في عوالم الآخرين؟

ربما يكون سرّ خلود زرادشت أنه لا يقدم لنا خلاصا،بل يفضح وهم الخلاص ذاته.

 إنه النبي الذي يزيح الستارة عن خواء كل خطاب ديني أو أخلاقي يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ويكشف أن كل من يدعي امتلاك الحقيقة إنما يخفي وراء ادعائه رغبة في السلطة أو هروبا من الحرية. في ضحكته،لا يسخر فقط من عجز البشر، بل يعلن انتصار الحياة على كل ما يحاول قمعها وتحنيطها في قوالب جامدة.

وبينما تنهار الثنائيات القديمة (خير/شر،روح/جسد،سماء/أرض)، يبقى الإنسان وحيداً أمام مرآة زرادشت: إمّا أن يظل قطيعا يردد أصداء الماضي، أو يقفز فوق ظلّه ليصبح جسرا نحو إنسانه الأعلى.وهنا تكمن المأساة العظمى التي تركها نيتشه لنا: أننا أحرار،لكن حرّيتنا ثقيلة كجبل،وأن النبوّة الحقيقية ليست في الوحي،بل في الشجاعة على مواجهة الهاوية دون أن نطلب من أحد أن يمسك بأيدينا.

زرادشت إذاً ليس نبيّا نؤمن به،بل جرحا مفتوحا في جسد اليقين،يذكّرنا كل يوم بأن الحياة لا تُغتفر،بل تُعاش.إنه ليس خلاصا ننتظره،بل استفزاز دائم يهزّ كسلنا الفكري ويقلق راحتنا الوهمية. 

زرادشت هو الصوت الذي يهمس في آذاننا كل صباح: "قم،أنت وحدك المسؤول عن يومك ومعناك،والسماء التي تبحث عنها لن تمطر إلا إذا صنعت سحبها بيديك".

وهكذا،يبقى زرادشت لغزا لا ينفكّ يعاود الظهور كلما توهّمت البشرية أنها بلغت شاطئ الأمان،فيُعيدها إلى العراء،حيث الريح الباردة للحقيقة،وحيث لا مجد بلا مخاطرة،ولا حكمة بلا جُرح.إنه نبيّ العصور العارية،التي خلعت فيها الإنسانية أقنعتها المقدسة،لتقف عارية إلا من إرادتها،مذهولة أمام ذاتها،تسأل:هل أنا جدير بهذه الحرية؟!

وتبقى دعوته الكبرى صرخة في وجه كل من يبحث عن معنى جاهز: "لماذا تريدون معنىً يُمنح لكم؟! أليس العار أن تُعطى قيمةٌ دون أن تُخلق؟!أليس الأجدر بكم أن تتوهوا قليلاً،بل كثيراً،حتّى تعرفوا حجم أقدامكم واتساع دروبكم؟!" 

إنها النبوّة المضادّة التي لا تريح،بل تُتعب،لا تطمئن،بل تقلق،لا تعد بجنة،بل تكشف أن الجنة الحقيقية هي القدرة على خلق جنتك بنفسك،حتى لو كانت من نار.

وفي زمنٍ أضحت فيه النبوّات كلها مجرد سلع في سوق الاستهلاك الرمزي،يبقى زرادشت النبّي الوحيد الذي لا يُباع ولا يُشترى،لأنه لا يقدم منتوجا،بل يفضح آليات البيع والشراء ذاتها.

إنه النبيّ الذي يحررنا من النبوّة،والرسول الذي يخبرنا بأن الرسالة الوحيدة هي أننا نحن الرسالة،وأن ما تبقى من المقدّس في هذا العالم ليس إلا تلك القدرة الغامضة على أن نصنع من ترابنا نجوما،ومن هشاشتنا قوة،ومن موتنا حياة تليق بمن عرف أن يضحك في وجه العدم.

فهل آن الأوان لنصغي إلى ضحكته؟!


محمد المحسن



الشاعرة والكاتبة التونسية المتنيزة روضة بوسليمي : حين تصبح الغربة نبيا..لا يتبعه أحد..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعرة والكاتبة التونسية المتنيزة روضة بوسليمي : حين تصبح الغربة نبيا..لا يتبعه أحد..!

تمهيد: 

حيث يولد الحرف غريبا:


هناك أصوات في الأدب لا تشبه غيرها،تكتب كما لو أنها تخاطب روح الكون،لا كما لو أنها تبحث عن قارئ.الشاعرة التونسية روضة بوسليمي تنتمي إلى هذه الفئة النادرة من المبدعات اللواتي يكتبن بدمائهن،لا بحبرهن.تقرأ لها نصا واحدا،فتدرك أنك إزاء تجربة شعرية أصيلة،لا تعتمد على الزخارف اللغوية الرخيصة،بل تنهل من عمق إنساني متأصل،وتنطلق من روح تفيض أسئلة وجودية لا تنتهي..

هي شاعرة الحزن الجميل،والأسى المتأمل، والغربة التي لا تشبه غربة الآخرين.شاعرة الهشاشة العاطفية الممزوجة بقوةٍ خارقة على الاحتمال والكتابة.تقول في مقطع شعري قصير، لكنه يهز كيان القارئ:

كذاك الذي وُلِد غريبا

وعاش حزينا حزينا...

كذاك النبي الذي لم يتَّبعه أحد..

كذلك أنا..

ثلاثة أسطر فقط،لكنها تحمل فلسفة كاملة عن الوجود،وعن علاقة المبدع بالعالم،وعن سر تلك الهوة العميقة بين الإنسان الحقيقي ومحيطه.

"كذاك الذي وُلِد غريبا"..تبدأ روضة بوسليمي نصها بهذا الإعلان الصادم: الغربة ليست اختيارا،بل قدر. إنها حالة وجودية ترافق الإنسان منذ أول لحظة يفتح فيها عينيه على هذا العالم.ليست غربة المكان التي يمكن علاجها بالعودة إلى وطن،بل غربة الروح التي لا تشبه الأرواح الأخرى،غربة الحساسية المفرطة التي تجعل صاحبها يرى ما لا يراه الآخرون،ويشعر بما يعجزون عن استشعاره.

في هذه العبارة الأولى،تستدعي الشاعرة كل معاني الاغتراب الصوفي الذي عرفه كبار المتصوفة والشعراء عبر التاريخ.إنها تشبه قول الحلاج: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"،أو تغريد جلال الدين الرومي في وحدته الكونية.لكنها تفعل ذلك بلغة معاصرة،شفافة،لا تعقيد فيها ولا غموض مصطنع..

ثم تتكرر كلمة "حزينا" مرتين: "وعاش حزينا حزينا".هذا التكرار ليس حشوا لغويا،بل هو توكيد لمأساة مضاعفة.الحزن الأول: حزن الغريب الذي لا يجد من يفهم لغته.والحزن الثاني: حزن إدراك أن هذه الغربة لن تنتهي،وأن الحزن سيصبح الرفيق الدائم.

روضة بوسليمي،التي وصفها النقاد بأنها "شاعرة الحزن والأسى مهما تفاءلت نصوصها،شاعرة الهشاشة العاطفية ورهافة الإحساس"،تختزل في هذه الكلمة المكررة فلسفة كاملة عن علاقة المبدع بالوجود.إنها تعرف أن الحزن ليس مجرد حالة عابرة،بل هو نافذة يطل منها المبدع على أعماق لا يبلغها السعداء.الحزن عندها ليس انكسارا،بل هو ذلك "الفيض الوجداني" الذي يتحول قصائد،كما لاحظ النقاد في مجموعتها "لا حياء في خيال" .

هنا تأتي المفارقة الكبرى: "كذاك النبي الذي لم يتبعه أحد". التشبيه بالنبي يرفع المعاناة الفردية إلى مصاف التجربة الإنسانية المقدسة.إنها لا تشبه نفسها بفرد عادي،بل بالنبي الذي حمل رسالة،لكن الناس لم يتبعوه.هذا التشبيه يحمل أكثر من دلالة:

أولا: الإشارة إلى أن الغربة قد تكون ثمنا باهظا لحمل رسالة صادقة.فمن يملك رؤية عميقة للوجود،لا يمكن أن يجد قبولا سهلا بين الناس،لأن كلماته تتجاوز آفاقهم المحدودة.

ثانيا: استدعاء الموروث الديني والثقافي،وهو ما لاحظه النقاد في شعر روضة بوسليمي،حيث "المفردات القرآنية" و"الموروث الثقافي العربي الإسلامي" يسقي نصوصها وينبت فيها معاني ذات دلالات عميقة .

ثالثا: التلميح إلى أن الوحدة قد تكون وساما، وليس وصمة.فالأنبياء هم أكثر الناس وحدة في زمانهم،لكنهم الأكثر خلودا في التاريخ.

ثم تختم: "كذلك أنا". بهاتين الكلمتين،تدمج روضة بوسليمي تجربتها الشخصية في النسيج الإنساني المقدس.إنها تقول: أنا لست شاذة في غربتي،بل أسير على درب من سبقوني من العظماء. 

هذا الإعلان يحمل جرأة استثنائية،لكنه يخلو من أي ادعاء.إنه وعي ذاتي عميق بخصوصية التجربة الشعرية،وبالثمن الذي يدفعه المبدع الحقيقي مقابل صدقه مع نفسه ومع قارئه.

من يتابع تجربة روضة بوسليمي الشعرية،يدرك أن هذه المقولة ليست مجرد أبيات عابرة،بل هي خلاصة رؤيتها للعالم.هي شاعرة "لا تهادن،ضاجة حتى في شرودها لا تعرف السكينة،لعلها تحاول محاربة الخبث بالكتابة الصارخة" .

إنها تكتب "بعينين غائمتين ماطرتين"، تفيض بالحنين والألم،لكنها مع ذلك تظل ممسكة بالجمال. إنها "تتغنى بتقلباتها المزاجية بدون رقيب،لا تعيد تنقيح نصوصها ولا تهتم بصناعة الكلام،بل تؤمن بعفويتها وسليقتها" .

ما يميز روضة بوسليمي هو قدرتها على تحويل التجربة الذاتية إلى نص يتسع للجميع.هي "شاعرة الحب والجمال،تكتبها بعينين غائمتين ماطرتين أحيانا حسرة على خذلان الأزمنة المتعاقبة بتناقضاتها".إنها تترجم مكنونات الذات بصدق، لأنها تؤمن بأن"ما ينطلق من الذات أكيد سيصل إلى الذوات الأخرى بنفس الصدق".

ربما تكون هذه المقولة القصيرة هي المفتاح الحقيقي لفهم تجربة روضة بوسليمي.إنها تضعنا أمام معادلة صعبة: إما أن تكون عاديا فتحظى بالقبول،وإما أن تكون نبيا فتعيش غربة لا تنتهي. وهي تختار الطريق الثاني،طريق النبوة الشعرية، مهما كلفها ذلك من ثمن.

وفي عالم يضج بالكتابة السريعة والكلمات المستهلكة،تطل علينا روضة بوسليمي بصوتها الخاص،تذكرنا بأن الشعر الحقيقي ليس ترفا،بل هو "رؤية للوجود"، وأن "الكلمة الهادفة قادرة على بناء وعي متجدد،وعلى صوغ ذائقة فنية تقاوم الرداءة وتعزز قيم الجمال والفكر الحر" .

"كذلك أنا"..نعم، كذلك أنتِ يا روضة.غريبة كالأنبياء،حزينة كالعشاق،صادقة كالأطفال. 

ولعل في هذه الغربة سر خلودك.


محمد المحسن


تنويه : تُرجمت بعض أعمال الشاعرة روضة بوسليمي إلى لغات أجنبية مثل الفرنسية والإنجليزية والكردية،وهو ما يؤكد البعد الإنساني في تجربتها،وقدرتها على ملامسة الوجدان بلغة كونية تتخطى الحواجز الجغرافية .



الأربعاء، 18 فبراير 2026

رمضان بلا أبي..حين يضيء الهلال على جرح لا يندمل.. (قراءة في مرثية الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي لأبيه الغائب-الحاضر) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 رمضان بلا أبي..حين يضيء الهلال على جرح لا يندمل..

(قراءة في مرثية الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي لأبيه الغائب-الحاضر)


-في زحام الأيام ولهاث العمر،تأتي لحظات تتوقف عندها الروح لتلتقط أنفاسها..لحظات تكون فيها الذكرى أثقل من الحاضر،والحنين أبلغ من الكلام. وهنا،في أولى ليالي رمضان،حيث تتزين الدنيا باستقبال الضيف الكريم،يقف الابن وحيدا أمام غيابٍ لا يردُّه الدعاء،وفراغٍ لا يملؤه إلا من كان يملأ الدنيا حضورا.يعود الهلال،لكنه هذه المرة لا يحمل معه بهجة اللقاء،بل يضيء على جرح غائر في عمق الفؤاد.يعود رمضان حاملً عبق الأب وطيب الذكرى،فينشقُّ القلب بين فرحة الشهر الفضيل وحسرة الفقد الموجع. 

في هذه القصيدة،يرثي الشاعر طاهر مشي أباه الغائب،في مزيج مؤلم من استقبال رمضان ووداع الأب،حيث تصبح العبادات مشحونة بالشوق، وتتحول تفاصيل البيت إلى شهود على غياب لا يُعوَّض.

القصيدة

إلى أبي المفقود في مطلع رمضان


عادَ الهلالُ وفي الفؤادِ تألُّمُ

وغدًا سيطرقُ بابَنا المُتَبَسِّمُ


رمضانُ يا أبتي يجيءُ مُحمَّلًا

بشذاكَ إذ صوتُ الدعاءِ يُرَنِّمُ


كنّا نراكَ إذا التكبيرُ أشرَقَ في

ليلِ البيوتِ وقلبُنا يتقدَّمُ


تمضي إلى المحرابِ صبحًا خاشعًا

والنورُ من عينيكَ فجرٌ يَبسِمُ


واليومَ نُفطِرُ والفراغُ مُخَيِّمٌ

والصمتُ في أرجاءِ بيتٍ مُظلِمُ


كرسيُّكَ الخالي يُحدِّثُ دمعَنا

أنَّ الذي ملأَ المكانَ مُكرَّمُ


في كلِّ تمرةِ صائمٍ نتذكَّرُ

كفًّا تُباركُ والحنانُ مُجسَّمُ


يا غائبًا والجُرحُ بعدَكَ مُثقَلٌ

لكنَّ ذكراكَ العَطِرةَ تَلتَئِمُ


نمضي إلى التراويحِ شوقًا صامتًا

وكأنَّ طيفَكَ في الصفوفِ يُسَلِّمُ


يا ربِّ فاجعلْ قبرَهُ مُتَرَوِّضًا

بالنورِ واجعلْ روحَهُ تَتَنَعَّمُ


واجعلهُ في الفردوسِ يجمعُ شملَنا

حيثُ اللقاءُ بلا فراقٍ يُؤلِمُ


إنّا على العهدِ الذي رَبَّيتَنا

نمضي ودعوتُكَ في القلوبِ تُتَرجِمُ


هكذا يبقى الأب في حياة أبنائه.. حاضرا في الغياب، نابضا في الذاكرة، ماثلا في كل تفصيلة صغيرة وكبيرة من تفاصيل رمضان. رحل الجسد، لكن الروح بقيت ترفرف حول القلوب، تبارك الصيام، وتشارك في التراويح، وتقرأ في المحراب. في كل تمرة يتناولها الصائم، قبلة أبوية تبارك الجباه، وفي كل دعاء يُرفع، همسة أب تسبق الابن إلى السماء.

وما بين حروف هذه القصيدة،تتجلى براعة الشاعر طاهر مشي وفنيته العالية في تحويل المعاناة الشخصية إلى لوحة فنية تخاطب الوجدان العام.إنه لا يبكي فقيده فقط،بل يرسمه حيا في الذاكرة من خلال تفاصيل دقيقة وحواس متيقظة. حين يقول: "كرسيُّكَ الخالي يُحدِّثُ دمعَنا / أنَّ الذي ملأَ المكانَ مُكرَّمُ"،فهو هنا يجعل من الجماد شاهدا على العظمة الإنسانية،ويمنح الكرسي لغة البوح،في صورة فنية بالغة التأثير تنقل القارئ من مجرد مشاهدة المشهد إلى التفاعل مع صمته الناطق.

أما في قوله: "نمضي إلى التراويحِ شوقًا صامتًا / وكأنَّ طيفَكَ في الصفوفِ يُسَلِّمُ"،فتبرز هنا مهارته في مزج الشعور الديني بالوجداني،حيث تتحول الصلاة من مجرد فريضة إلى لقاء شوق مع الغائب.هذا الاستحضار للطيف في الصفوف يجعل الأب شريكا في العبادة،وكأن الموت لم يقطع حبل الوصال،بل حول الوجود الجسدي إلى حضور روحي أبدي.

إن الكلمات هنا لم تأتِ نتيجة صياغة باردة،بل نبعَت من نزف حقيقي في القلب،فكانت أقرب إلى همسة روح تبحث عن أبواب السماء.وقدرة الشاعر على اصطياد المشاعر الإنسانية في أقدس لحظاتها،وجعل القارئ يعيش التناقض المرير بين فرحة استقبال رمضان وحسرة وداع الأب،هي ما يجعل من هذه القصيدة أيقونة أدبية خالدة.

 إنه يكتب بدموعه قبل حبره،ولذلك يصل إلى القلوب بلا استئذان.

في هذا الشهر الفضيل،شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران،نقف مع الشاعر التونسي الكبير  طاهر مشي خاشعين متضرعين،نترحم على روح والده ووالدينا،ووالد جميع المسلمين.نقف متأملين في هذه الصورة البديعة التي رسمها للوفاء،وكيف جعل من الأب الخالد في الذاكرة ضيفا دائما على موائد الإفطار وليالي التهجد.

رحم الله من غابوا عن أعيننا وبقوا في شغاف قلوبنا،رحم الله من علَّمونا الصيام والقيام، وأفطروا على حبهم قبل التمر والماء.

اللهم آنس وحشة القبور،ونوِّر ظلمة اللحود، واجعل رمضان هذا شفيعا لمن رحلوا،وموعدا للقاء لا فراق بعده.اللهم ارحم والد شاعرنا الفذ د.طاهر مشي،وأسكنه فسيح جناتك،واجعله ممن صُمتَ لهم عن الطعام فصاموا عن النار،وقُمتَ لهم بالليل فقاموا في نعيم لا يبور.

إنه شهر العودة إلى الله،وفيه تعود الأرواح إلى ربها،وتعود القلوب إلى من أحبت،وإن أعظم عودة هي تلك التي لا فراق بعدها.. 

اللهم اجمعنا بآبائنا وأمهاتنا في مستقر رحمتك، حيث الوجه يشرق،والجرح يندمل،واللقاء لا يفرقه موت.

رحم الله والدكم وأسكنه فسيح الجنان،وجمعكم به في الفردوس الأعلى.


محمد المحسن



الثلاثاء، 17 فبراير 2026

قراءة نقدية: " عندما تصبح الخيبة في الحب بداية " الرباعية: مفتونة أنتِ.. الشاعر التونسي: طاهر مشي الناقدة التونسية: جليلة المازني

 قراءة نقدية: " عندما تصبح الخيبة في الحب بداية "

الرباعية: مفتونة أنتِ..

الشاعر التونسي: طاهر مشي

الناقدة التونسية: جليلة المازني

القراءة النقدية: " عندما تصبح الخيبة في الحب بداية "


ان الرباعية  للشاعر طاهر مشي محكومة بالعديد من الثنائيات :


ثنائية ضمير المتكلم المفرد(أنا) وضمير المخاطبة(أنتِ)


ثنائية التعلق الشديد بالحب والانكسار


ثنائية الحضور والغياب


ثنائية الحلم والواقع


ثنائية الخيبة والتحدي


ثنائية الفضاء


والثنائيات الضدية هي "بنية لغوية تترجم نفسية الشاعر واختلاجاته الداخلية ويُعد توظيف الثنائيات الضدية من القضايا المهمة التي شاعت في الشعر العربي المعاصر حتى أصبح سمة بارزة من سماته.. إن كل شيء في الوجود يحمل معه نقيضه وتناقضا صارخا بين موقفين أو حالتين أو تصوّرين يقف كل منهما في مواجهة الآخر موقف الضد من الضد.. وكلما كثر التضاد في النص زادت حدّة الشعرية كما في شعر أدونيس"(1)


استهل الشاعر رباعيته باستخدام ضمير المخاطبة  "مفتونة أنتِ...ومكسورة بالسراب"


والمفتونة تعني في قاموس المعاني "المرأة الشديدة التعلق بشخص ما, والتي سُلب عقلها من شدة الاعجاب او الحب".


ان هذه المخاطبة تعيش حالة نفسية تعكس تمزّقها بين شعورين متضادين بين شعورها بانها مفتونة بالحب وشعورها بالانكسار لان هذا الحب سراب.


 وبالتالي فهي بين الحب واللاحب.


والشاعر استخدم صيغة اسم المفعول(مفتونة/ مكسورة)  لا لإضفاء السلبية على الحبيبة التي لم تكن فاعلة في مشاعرها بل ليسلط الضوء على صراع هي تعيشه بين حالتين:


انها بقدر ما كانت مفعولا بها في الحب بقدر ما كانت مفعولا بها في الانكسار.


وفي هذا الاطار يتدخل الحبيب لعله يستبدل الغياب بالحضور لكنه يعود بملح الغياب فيقول:


أحلق بين ظن لا يطال يداه


وأرجع مثقلا بملح الغياب


والشاعر قد سخّر المكان بكل فضاءاته الخيالية ليظفر بالحضور لكن الغياب كان قدره وقد استخدم معجمية لغوية دالة على المكان(أحلق بين ظن/ أطارد وهج الآتي/ لأخطئ البحر) وجمع بين مدلول المكان والفضاء المعنوي الذي يتخيله.


فلا التحليق ارتقى بظنه الى اليقين ولا مطاردة وهج الآتي حقق له الحضور بدل الغياب ولا البحر دلّه الى الصواب.


إزاء هذه المتناقضات يعيش الشاعر صراعا بين الحلم والواقع وبين الحضور والغياب وبين الخيبة والأمل  انه صراع وجداني ووجودي .


والشاعر في ذلك يتقاطع مع الشاعر السوري أدونيس في الثنائيات المتضادة التي تثير فضول القارئ ليتدخل  هذا الأخير متسائلا:


- هل أن الشاعر(الحبيب) سيستسلم للخيبة التي جناها في كل فضاء؟


- هل أن الحبيب سيختار التحدي ويخلق من الضعف قوة ليجعل الخيبة تنبض بالحياة لتصبح بداية جديدة ؟


ازاء تساؤلاته قد يستحضر القارئ بعض الآراء :


+ آراء علماء النفس : "ان عدم الاستسلام لخيبة الحب يكمن في تحويل الألم الى وعي ونضج عاطفي, عبر تقبل المشاعر دون قمعها وادراك أن الحب مهارة تُتعلّم وليس مجرد احساس عابر".


+ آراء المختصين ينصحون بضرورة تقبل الواقع و بإعادة  تقييم نمط التعلق وتعزيز تقدير الذات لتجنب التعلق المؤذي"


+ آ راء الفلاسفة:


- نيتشة يرفض الاستسلام للخيبة في الحب عبر تحويله من عاطفة عمياء الى فعل واع لتثمين الحياة بدل الانكسار.


-  الرازي يدعو الى عدم الاستسلام للخيبة  عبر استخدام العقل.


- أفلاطون يعتبر الخيبة في الحب المادي هي فرصة للارتقاء من "حب الجسد" الى حب الجمال الروحي والعقلي مما يقي من الانكسار.


وبالتالي فالفلاسفة يدعون الى" تثقيف العاطفة "  لتجاوز الخيبة حيث لا ينبغي للحب أن يكون سببا للإنهيار والتعاسة بل وسيلة للمعرفة والنمو الشخصي.


+ آراء  الشعراء:  انهم لا يستسلمون لخيبة الحب بل يحوّلونها الى طاقة ابداعية متجاوزين الألم عبر التعبير الوجداني العالى والتورط العاطفي المستمر رغم قسوة الانهيار .هم يرفضون الانكسار بالتمسك  بالأمل في الحب معتبرين أن القدرة على العشق - حتى بعد الفشل- هي جوهر قوتهم ويحولون الخيبة الى قصائد خلود.


ان خيبة الحب عند الشعراء هي "خيبة مؤقتة" تفتح الباب لتجربة حب جديدة وأعمق ممّا يجعل عدم الاستسلام سمة رئيسية في شخصيتهم الحالمة. انه تحدي الواقع بالحلم.


وبالتالي فان عدم الاستسلام لخيبة الحب ليس مجرد نسيان بل هو فعل مقاومة وإعادة بنا ء للذات حيث تتحول الخيبة من نهاية الطريق الى دافع لاكتشاف القوة الكامنة في الروح.


وازاء هذه الآراء لعلماء النفس والمختصين والفلاسفة والشعراء أين يتموقع الشاعر طاهر مشي من عدم الاستسلام للخيبة في الحب؟


يقول الشاعر طاهر مشي:


وإن خانني الأفق البعيد مرارة


أواسي جناحي بالحنين وبالشهاب


ان الشاعر لا يشذّ عن أراء علماء النفس والمختصين والفلاسفة ويتقاطع مع "بني جنسه من الشعراء" ليلوذ بالحنين فيكون الحضور بالغياب وبالشهاب الذي يقذف نورا في قلبه يجعله يتجاوز تلك الخيبة ولا يستسلم اليها لتصبح تلك الخيبة ضوءا يضيء عتمتها لتتحول من نهاية طريق مظلم  الى بداية جديدة مضيئة لحياته.


وبالتالي فإن خيبة الحب في الحاضر لدى الشاعر طاهر مشي هي "خيبة مؤقتة "دون استسلام فتجعله يسترجع جمال الماضي ويرنو الى المستقبل وتكون الخيبة بداية جديدة لأمل جديد ونبْضا جديدا للمعنى وهذا ما يصطلح عليه في التنمية البشرية ب "تحويل الضغوطات الى موارد"  ليكون عدم الاستسلام للخيبة في الحب تحدّيا وتمردا على كل صراع وجداني ووجودي يكبّل الانسان.


و في هذا الاطار فإن الرباعية الشعرية "مفتونة أنتِ" قد ارتقتْ بالشاعر طاهر مشي الى العالمية بتقاطعه مع علماء النفس والمختصين والفلاسفة ومعانقة الشعراء الذين تحدّوْا الاستسلام للخيبة  وحوّلوها الى بداية جديدة نابضة تشي بعظمتهم.


سلم قلم الشاعر طاهر مشي المتحدي والمتمرد .


بتاريخ 18/ 02/ 2026


المرجع:


(1) الثنائيات الضديات في مجموعة قصائد أولى لأدونيس- مركز المعرفة الرقمي- مؤلف مشارك رضا بو محيسني رضا.


القصيدة الرباعية للشاعر طاهر مشي:

مفتونةٌ أنتِ… ومكسورةٌ بالسَّرابِ

أحلّقُ بينَ ظنٍّ لا يطالُ يداهُ

وأرجعُ مثقلًا بملحِ الغيابِ

أطارِدُ وهجَ الآتي كأنّي

خُلِقتُ لأُخطئَ البحرَ… ثم أُصابِ

وإن خانني الأفقُ البعيدُ مرارَةً

أواسي جناحي بالحنينِ وبالشِّهابِ

اااااااااااااااااااااااااااااااااااا

طاهر مشي



الاثنين، 16 فبراير 2026

تأملات في لوحة بعنوان تعافي بقلم الناقدة سعيدة بركاتي / تونس 🇹🇳 للفنانة التشكيلية رحاب أحمد عبد الكريم / العراق

 تأملات في لوحة بعنوان تعافي بقلمي 📝 سعيدة بركاتي / تونس 🇹🇳

للفنانة التشكيلية رحاب أحمد عبد الكريم / العراق 


في رحلة عبر زمنين مختلفين تأخذك اللوحة محلقا في عمق معانيها عبر ألوانها و عناصرها ...

الإنطباع الأول : لا يدري المتلقي أين سيذهب ببصره إلى اللوحة ، لوحة قسمتها الفنانة شطرين : وجه لإمراة واحدة ، فالشبه بينهما لا يفرق إلا في التعابير : بين حزن و فرح (كنظرة أولى ) فالوجه هو المحور الرئيس للوحة ، و بقية العناصر كاليدين ما هما إلا تكملة لملامحها.

* القراءة من خلال الألوان و الحركة : 

للتذكير اللوحة مقسمة إلى نصفين : بين اللون الرمادي و اللون البني الترابي .

دلالات اللون الرمادي : 

إثارة إلى مشاعر الجدية و الكآبة و اللون الرمادي الغامق الذي جاء به الشق الأيمن من اللوحة يعمق هذا الإحساس: خسارة ،احباط،وحدة،عزلة،معاناة ،فكانت اليد الموضوعة  على الرأس ممتصة لكل المعاناة أو هي إشارة للتعب المضني للشخصية " الفكر مشوش"، فهي غير قادرة على مسح حتى عرق الجبين أو اخفاء دمعة العين : نصف ارتخت فيه تفاصيل الوجه انطلاقا من الحاجب نزولا بالعين إلى الدمعة التي رسمت الأحد على الخد ." استسلام كلي للمكان و الزمان: نصف باهت ، شاحب ، غابت عنه ملامح السعادة و الفرح بدليل الهالات السوداء حول العين.

دلالات اللون البني الترابي: 

هو تسجيد لعنصر الأرض : يعكس الصفاء و الاستقرار ، فهو لون الدفء و الراحة .

يلاحظ المتلقي هذه النقلة النوعية في اللوحة ، من التذبذب إلى الإستقرار ، من الحزن إلى الفرح ،ملامح هي للشق الأيسر و هو شق القلب الذي أصبح نابضا فرحا ،يحب الحياة حتى لون غطاء الرأس" الشال" تغير إلى الأحمر : فالخمول الذي رأيناها على النصف الأيمن تحول و اللون الأحمر إلى قوة و تحدي فالشخصية أصبحت أكثر ارتكازا على أرضها ،ملامح الوجه واضحة ، و تغير وضع اليد إلى الأعلى،بتشهد السبابة (كاستعانة بالله ) ،على اطراف السبابة تنطلق فراشة إلى الأعلى .

دلالة الفراشة الزرقاء : ترمز إلى الحظ و السعادة و البدايات الجديدة ، مما يعمق ما ذكرته أعلاه : أصبحت الشخصية اكثر مرونة و قادرة على محاورة الآخرين و الانسجام مع المحيط و الإقبال على الحياة .

*حزم القراءة و الرأي الشخصي :

حين نتعمق في مكونات اللوحة يكون تركيز البصر على أسارير الوجه و انتقاله من حالة الكآبة إلى السعادة انطلاقا من نظرة العين :فهي قالت الكثير عن الزمن المعاش و الحالة النفسية للرسامة ، فالعينان خير دليل على هذه الحالة من خلالها نقرأ الشخصية ،  و كأنها وقفت عند منتصف الأشياء ، لا تمتلك نظرة خاصة ومحددة تجاه الأمور ولا تحاول أن تكون مختلفة بما تحب أو تكره.

لكن المتمعن جيدا في اللوحة سيرى الخلفية و بؤرة الضوء كأنها الشمس أو القمر مما جعل موضوع اللوحة بارزا و واضحا للمبصر ، أضفى العمق النفسي لشخصية اللوحة، و كأنها وُلدت من هذا النور .

يتضح جليا مما تقدم أن الرسامة أتقنت اللعب بالريشة و وُفقت في اختيار الألوان مما أضفى إضاءة فنية عالية ،غابت فيها الظلال ،فكان النور مسقطا على كل العناصر ،عمل جيد جداً من تحت يد رسامة تشكيلية جعلت من بؤرة الضوء انطلاقا نحو حياة جديدة .

بقلمي 📝 سعيدة بركاتي/ تونس 🇹🇳



من ضحية للنار إلى سيدة للقدر: نحو أنطولوجيا أنثوية جديدة للاحتراق في قصيدة الشاعرة التونسية القديرة أ-سعيدة الفرشيشي" حلم الفراشة اللعوب" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 من ضحية للنار إلى سيدة للقدر:

نحو أنطولوجيا أنثوية جديدة للاحتراق في

قصيدة الشاعرة التونسية القديرة أ-سعيدة الفرشيشي" حلم الفراشة اللعوب"


مقدمة:

في هذه القصيدة الشجية،ترسم الشاعرة التونسية المبدعة الأستاذة سعيدة طاهر الفرشيشي لوحة وجودية آسرة تتخذ من "الفراشة اللعوب"رمزا لها. تبدأ القصيدة باعتراف ذاتي شفاف: "مازلت مثل ما نعتني (الفراشة اللعوب)"، لتأخذنا في رحلة بين أحلام الفراشة التي تتنقل بين ألف زهرة وتستحم بالندى،قبل أن تنقلب المعادلة رأسا على عقب.

هنا،لا تكون الفراشة ضحية تحترق في ضوء الآخر،بل تصبح هي مَن يحرق ويختار ضحاياه من الرجال،وفي وصية أخيرة تطلب فيها دفن "قائمة الذين أحرقتهم" معها.ثم تتحول القصيدة إلى مخاطبة الحبيب بوصفه "آخر الرجال" و"آخر الضحايا"،معلنة عشقا فريدا يتخذ من الفناء في الآخر سبيلا للخلود: "إني عشقتك كي أنا أفنى بعمرك / ما تبقى من بقايا".

إنها قصيدة تمزج بين رقة الفراشة وجرأة الاحتراق،بين الأنثى التي تبحث عن ذاتها والنّد الذي يصنع أسطورته الخاصة.!


حلم الفراشة اللعوب


مازلت مثل ما نعتني ( الفراشة اللعوب )

من مطلع الشمس الى الغروب

ٱحط فوق ألف زهرة  وزهره

لٱستحم بالنًدى الشفيف قطرة فقطره

ٱستلذ التيه في لفائف الطيوب

ذا حلمي الًذي اريد ان اعيش في الحقيقه

بكل ما اوتيت من مشاعر عميقة

فراشة وعمري القصير للزوال

وقبل ان ٱموت في احتراقي ...

ٱوصيكم رفاقي....

ان تدفنوا معي قائمة الذين

قد ٱحرقتهم من الرجال ...

.....


     

يا آخر الرجال يا آخر الضًحايا

يا من عرفت الف امرٱة سوايا

يا من اعدت النور في عيني حتى الآن

قد ٱصبحتا مرايا

اني عشقتك كي ٱنا ٱفنى بعمرك

ما تبقًى من بقايا

ٱبقى فراشتك اللَعوب 

ولست يوما لائمة

ابقى فراشتك اللًعوب

وبإحتراقي حالمة

إنًي فراشتك اللًعوب

ولست يوما نادمه

إنًي فراشتك اللًعوب 

وحول روضك حائمة

حلمي بٱن ٱهديك حتًى

إن ٱنا ٱفنى هنا

حلم الحياة القادمة


سعيدة طاهر الفرشيشي


في زمن تتصارع فيه الكلمات على عروش المعاني،تأتي الشاعرة التونسية الفذة الأستاذة سعيدة الفرشيشي لتكتب حضورها الاستثنائي بحبر مختلف..حبرٍ يمزج بين رقة الفراشة وجرأة الاحتراق،بين الأنثى التي تبحث عن ذاتها والنّد الذي يصنع أسطورته الخاصة.

ولا أرمي الورود جزافا إذا قلت أنها شاعرة تونسية وعربية استثنائية،استطاعت أن تؤثث المشهد الثقافي بحضورها الفاخر،وبصوتٍ لا يشبه إلا نفسه،فنصوصها الإبداعية الرائدة ليست مجرد كلمات،بل هي لوحات تعبيرية عن مأساة المرأة التي تتحول من كائن يحترق إلى كائن يضيء،من ضحيةٍ للغرام إلى سيدةٍ للقدر.

الفراشة في شعر سعيدة الفرشيشي ليست كائنا عابرا،بل هي أيقونة وجودية،هي الحلم الذي يصطدم بالواقع،هي الكائن الذي يختار الاحتراق عن وعي وإرادة،ليترك خلفه وصية شعرية تهز كيان المتلقي.

-القصيدة: احتراق على مذبح الحب

"مازلت مثل ما نعتني (الفراشة اللعوب)"..بهذا التقديم الذاتي تبدأ الشاعرة رحلتها الشعرية، مقدمة نفسها كمخلوق شفاف يعيش على هامش الحياة،يتنقل بين ألف زهرة وزهرة،يستحم بقطرات الندى،يتيه في "لفائف الطيوب". 

هذا العالم الوردي الحالم يتحول فجأة إلى مأساة وجودية حين تكتشف الفراشة أن عمرها "قصير للزوال"،فتوصي رفاقها بأن يدفنوا معها "قائمة الذين أحرقتهم من الرجال".

هنا يكمن قلب القصيدة النابض بالدهشة: تحول الأدوار..! فالفراشة التي نعرفها تحترق بالضوء،لكن فراشة الأستاذة سعيدة الفرشيشي هي التي تحرق،وهي التي تنتقي ضحاياها.إنها ثورة أنثوية على الموروث،حيث تصبح الأنثى هي الفاعلة لا المفعول بها،وهي القادرة على الإحراق لا المحترقة وحدها.!

تنتقل القصيدة إلى مخاطبة الحبيب: "يا آخر الرجال يا آخر الضحايا / يا من عرفت ألف امرأة سوايا".هذا الحبيب الذي عرف نساء كثيرات يصبح فجأةً "آخر الرجال" و"آخر الضحايا"، إنه المنتقى من بين الألف ليكون هو السند والنور: "يا من أعدت النور في عيني حتى الآن / أصبحتا مرايا".

ثم تبلغ الذروة حين تعلن الشاعرة: "إني عشقتك كي أنا أفنى بعمرك / ما تبقى من بقايا". 

إنه عشق مقدر له الفناء،لكنه فناء مختار،فناء في الآخر كي يبقى الآخر.وتكرر الشاعرة عبارة "أبقى فراشتك اللعوب" كقسم شعري،تارة وهي "لست لائمة"،وتارة وهي "باحتراقي حالمة"،وتارة وهي "لست نادمة"، وتارة وهي "حول روضك حائمة".

إنها لعبة الاحتراق الطوعي،لعبة من تختار أن تحترق لكنها تحترق بوعي من يملك زمام القرار. إنها الأنثى التي تعلن للعالم: "نعم،أنا فراشتك اللعوب،نعم أحترق فيك،لكني لست نادمة،ولست لائمة،بل أنا الحالمة باحتراقي،وأنا الحائمة حول روضك حتى الفناء".

ما تقدمه الأستاذة سعيدة الفرشيشي في هذه القصيدة ليس مجرد نص شعري،بل هو بيان وجودي لامرأة تونسية وعربية استثنائية، استطاعت أن تحول الفراشة من رمزٍ للضعف والهشاشة إلى رمزٍ للقوة والاختيار.

إن حضورها في المشهد الثقافي التونسي والعربي ليس مجرد إضافة،بل هو زخم إبداعيٌ يثري الساحة بأسئلته الجريئة،وصوره المبتكرة،ولغته الشعرية العالية.

سعيدة الفرشيشي شاعرة تمشي على حبل الكلمات بثقة نادرة،وتجعل من الأنثى كائنا يختار احتراقه،ويرسم وصيته،ويقرر من يُدفن معه.إنها صوت شعري تونسيٌ أصيل يمتد ليكون عربيا بامتياز،ليس لأنه يكتب بالعربية فقط،بل لأنه يلامس قضايا المرأة العربية في صميم وجودها، معيدا تعريف العلاقة بين الفراشة والنار،بين الحب والفناء،بين الأنثى والحلم.

"حلمي بأن أهديك حتى إن أنا أفنى هنا / حلم الحياة القادمة"... هكذا تختم الشاعرة قصيدتها، تاركة لنا حلمها كوصية شعرية،وحياة قادمة تبدأ من رماد فراشة لعوب اختارت أن تحترق...لكنها احترقت كي تضيء.

على سبيل الخاتمة :

 احتراق الفراشة..شهادة وجود لا مجرد انطفاء:

في هذا النص الشعري المتفرد،لا تقف الأستاذة سعيدة الفرشيشي عند حدود الكتابة الأنثوية التقليدية،ولا تكتفي بتسجيل شهادة على جراح المرأة في علاقتها بالرجل،بل تتجاوز كل ذلك نحو تأسيس "أنطولوجيا جديدة للاحتراق". فالفراشة هنا لم تعد ضحية للنار،بل صارت هي من يوقد النار ويختار ضحاياها،قبل أن تختار احتراقها الأخير.

ما يميز تجربة سعيدة الفرشيشي،وهذا النص خير دليل،هو قدرتها الفائقة على تحويل المأساة الأنثوية إلى ملحمة وجودية.إنها تنتشل الفراشة من هشاشتها التقليدية،فتخلع عنها ثوب الضعف، وتكسوها عباءة الاختيار والوعي والقرار. 

في عالمها الشعري،تصبح الأنثى هي التي توزع الأدوار: من يحترق،ومن يبقى،ومن يُدفن معها في الوصية الأخيرة.

الانزياح الأكبر في هذا النص يكمن في تحول مركز الثقل من "الاحتراق بالآخر" إلى "الاحتراق لأجل الآخر"،ومن الفناء السلبي إلى الفناء المختار بوعي.فعندما تقول: "إني عشقتك كي أنا أفنى بعمرك / ما تبقى من بقايا"،فإنها تعلن عن فلسفة وجودية جديدة في العلاقة مع الرجل،حيث يصبح الفناء في الآخر هو ذروة البقاء،والاحتراق في العشق هو أشكال الخلود الممكنة.

الشاعرة السامقة أ-سعيدة الفرشيشي شاعرة تمتلك وعيا حادا بجدلية الرماد والضوء،وبأن الاحتراق الحقيقي ليس نهاية،بل هو بداية لحياة أخرى: "حلم الحياة القادمة". إنها تذكرنا بأن أجمل ما في الفراشات أنها لا تموت بصمت،بل تضيء لحظة احتراقها،فتخلد في الذاكرة ما لا يخلده عابرون.

وفي زمن الشعر السهل،تأتي هذه القصيدة كاستثناء لا يشبه إلا صاحبته،تؤكد أن المرأة التونسية والعربية قادرة على كتابة وجودها بحروف من نار ونور معا.فتحية لهذا الصوت الشعري الفاخر،الذي جعل من "الفراشة اللعوب" أيقونة وجودية لا تُنسى،ومن الاحتراق شهادة ميلاد دائمة التجدد.

على سبيل الخاتمة:

هكذا تُبدع الشاعرة التونسية السامقة أ-سعيدة الفرشيشي،فترسم بحروفها القلقة فراشة استثنائية،لا تحترق لتنطفئ،بل لتضيء وتخلد.وفي زمن بات فيه الشعر سهلا ممتنعا،تأتي هي لتذكرنا بأن الكلمة حين تخرج من رحم المعاناة الواعية،تتحول إلى أيقونة لا تشيخ.إنها الأنثى التي حوّلت الاحتراق من لعنة إلى خلاص، ومن نهاية إلى بداية.هكذا تكون الكتابة حين تصير وجودا،وهكذا تكون الفراشة حين تختار أن تضيء وهي تحترق.


محمد المحسن



الأحد، 15 فبراير 2026

شموخ يانع من أرض اليامون..حين يصبح العلم قضية.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 شموخ يانع من أرض اليامون..حين يصبح العلم قضية..

“وحده الشعر يمكنه كسر الغرف المغلقة للإلهام، إرجاع المناطق المخدرة إلى الشعور،وإعادة شحن الرغبة”. (أدريان ريتش).


في لحظات المجد التي تخلدها الأيام،وتخطها أنامل الفخر بأحرف من نور،تشرق شمس جديدة من بلدة اليامون العتيقة،لترسم لوحة من البهاء والإباء.هنا،حيث تتجذر الكرامة في التربة،ويُروى التاريخ بعرق الأجداد،يطل علينا الدكتور الفلسطيني أحمد محمد سمودي،حاملا مشعل العلم كما يحمل أبناء فلسطين همّ الأرض والقضية.

لم تكن شهادة الدكتوراه في القانون الدولي العام مجرد وثيقة تُعلّق على الجدران،بل كانت صوتا مدويا في المحافل الدولية،وأطروحة تُناقش وتُتبادل في أعتى الجامعات،عنوانها الأسمى: كيف نحمي اللاجئ الفلسطيني؟ كيف نُحرر الحق المسلوب؟ كيف نُثبت للعالم أن فلسطين ليست وطنا نعيش فيه فحسب،بل قضية تسري في دمائنا،مهما ابتعد بنا المغيب.

في هذا النص الشعري الذي يفيض فخرا واعتزازا، نحتفي بابن اليامون الذي جعل من امتيازه مع مرتبة الشرف الأولى جسرا للدفاع عن شعب يُهجّر،وعن حقٍ يُسلب،مُؤكدا للعالم أنَّ غزة والضفة توأمان بروح القدس،وأنّ الشعب الفلسطيني شامخ لا يلين.

أيتها الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة،

قلمكِ هنا لم يكتب قصيدة فحسب،بل سطّر وثيقة فخر لأهل اليامون ولكل فلسطيني.

أهلا وسهلا ومرحبا وألقا في سماء العلم والعطاء.


"ألدُّكتور  أحمد محمّد سمّودي إبنُ بلدي اليامون يتخرّج في إحدى جامعات المغرب دكتوراه في القانون  الدولي العام بِامتياز  مع مرتبة الشّرفِ الأولى وَ تبادل أُطروحته مع الجامعات ما شاء الله :


ألفا مُبارَكِ والنّتيجَةُ تُبْهِرُ 

إبنُ اليَامونِ على المَنابِرِ.. يظهَرُ


(أحمدْ) تَطاولَ في العُلومِ لِقِمَّةٍ

دكتورُ في القانونِ فيهِ ….نُفاخِرُ


بلَغَ الأعالي قِمّةً لَنْ تُرْتَقى

أحْلَى امتِيازٍ مَعْ شَرَفْ ….يتَصَدَّرُ


موضوعُها  لِحِمايَةٍ دَوْليّةٍ

وَلِلاجِئِ ِفْلِسطينَ كيفَ… …يُحَرَّرُ


بوركتَ يَابْنَ الأرضِ تعشقُ مَوْطناً

إبنُ اليامونِ  بِأرضِهِ……….يَتَجَذّرُ


لا عاشَ مَنْ ظنَّ البلادَ مُباحَةً

والحقَّ يُسلبُ والشُّعوبَ …..تُهجَّرُ


(غزّا)  وَ(ضِفّةُ) توْأمانِ  بِدَوْلَتي 

روح ٌ وقلبٌ،(قُدْسُ) كلٌّ ،..فاحْذَروا!


ألخالة/ عزيزة بشير


يا شاعرة فلسطين الكبرى،يا من تنسجين من حروفك راية للوطن وحصنا للذاكرة،

لقد قرأنا في قصيدتك العابقة بعطر اليامون المجد الذي لا يشيخ،ورأينا كيف يتجذر ابن الأرض الطيبة في عليائه،ليثبت أن فلسطين تنجب العلماء كما تنجب الزيتون،وأن شمسها لا تغيب عن قلوب أحرارها.في كلماتك،اجتمع القانون والعدل، وتوحدت القدس مع غزة والضفة في روح واحدة، وكأنك توشحين القضية بثوب من نور.

لقد أبدعت فأوجزت،وعمقت فعبرت عن هوية لا تقهر،وعن حق يسكن النبض قبل السطور.فلك منا كل التحية والإجلال على هذا الفيض الشعري الذي يذكر العالم بأن فلسطين تكتب نصرها بحبر الدم والشرف.

حفظك الله يا حارسة الكلمة،وأدامك لفلسطين عنوان عز،وللأجيال القادمة نبع إلهام.

وكل عام-يا عزيزتنا الأستاذة عزيزة بشير-وأنت وقصيدتك وفلسطين بألف خير.


تقديم محمد المحسن



الجمعة، 13 فبراير 2026

قراءة بعنوان: المعادلة بين النسيج الفني والدلالي بقلم الناقدة التونسية سهيلة بن حسين حرم حماد في القصة القصيرة جدا للقاصة فتحية دبش "إنها هي"

 قراءة بعنوان: المعادلة بين النسيج الفني والدلالي بقلم الناقدة التونسية سهيلة بن حسين حرم حماد في القصة القصيرة جدا للقاصة فتحية دبش "إنها هي"

-----------

القصة القصيرة جدا:

إنها هي:


إنها هي في تلك المسارب الضيقة لمحها تركض، تركض، تستدير بين الفينة والأخرى كأنه ثمة شبح. يلتفت بدوره، الطريق الطويلة خلفه، تلتهم خطاه، ويسمع صداها بينما هي تركض، فزعة. يستعد للركض هو أيضا، ثمة شبح، خلفه.

فتحية دبش

--------'

القراءة 

 العنوان (إنها هي) صيغة تؤكد وتجزم بأنها هي. عنوان يبدو ظاهره مدلا جازما يؤكد أنها هي- هي بعينها- غير أنه في الحقيقة مضلل يستوجب منا عناية خاصة باعتبار أن العنوان نص مواز يلعب دور الأيقونة الدلالية المتميزة والبوابة الأولى التي بواسطتها نلج أي نص، شعريا كان أم نثريا، فما بالك إذا كان الأمر متعلقا بعنوان لجنس أدبي وجيز؟ فالأمر سوف يكون أكثر دقة وعناية من حيث انفتاحه الإيحائي الانزياحي الاتصالي في ذهن المتلقي وتفجّره، باعتبار الدّور الذي تلعبه استراتيجيا في علاقتها وتفاعلها مع سائر عتبات النص، فالعلاقة علاقة جدلية ترميزية ثرية ولادة لماحة تدغدغ الخيال والعقل في مشاكسة للمتلقي، تأخذ شكل التفاعل البناء والإيجابي بملئه فراغات الحيرة، حيث إمكانية التأويل والتفسير، لتغدو العلاقة علاقة تشاركية حوارية بين النص والمتلقي الذي ينعكس كتموجات صوتية لصوت النص المتردد في المدى، والذي يرجعه الصدى.


فمن تكون ال(هي) يا ترى؟ هل هي الأنثى الغواية؟ أم هي الطبيعة، أم الروح، أم الحياة بأبعادها المتطورة؟ أي عنوان هذا الذي أدخلنا في عالم من المتاهات؟ واقع بين الواقع والخيال بين (هي)، ال(هي) الأنثى أم (هي)، ال(هي) الرمز.


إن المدقق في العتبات يلاحظ أن القصة القصيرة التي بين أيدينا حققت وحدة الحدث مع توسل محتشم بطيء لانعكاس الفعل والحركة على الآخر، استلهاما لردة فعل القطيع وانعكاس الظل، رصدنا حضور المفارقة من خلال حركة الركض فبينما هي تركض أخذ هو يستعد للركض، كما لاحظنا اختزالا في العبارة والقص والزمن والتكرار؛ الذي جسده تكرار التشظي لتنشيط الخيال وتكرار بعض الألفاظ مثل: (تركض، شبح) لجذب انتباه المتلقي، كما ساهمت أفعال الحركة في دفع الرتابة مع اعتماد الوقف بين الفينة والفينة، لتمرير بعض الوصف حتى تأخذ جرعة من الاستراحة؛ من أجل التثبت في الاتجاهات خوفا من المجهول: "تستدير بين الفينة والأخرى وكأنه ثمة شبح" "تلك المسارب الضيقة"، "الطريق الطويلة خلفه، تلتهم خطاه، ويسمع صداها" "فزعة".


إن استخدام القاصة فتحية دبش للاستعارة اتخذ أشكالا مختلفة من التشبيه المتعدي بحرف الكاف، مرورا إلى المجاز والاستعارة المكنية كأنسنة الصدى وتشبيه الطريق بالوحش الجائع الذي يلتهم خطى ال(هو)، كل هذا بقصد نسج خبر مرصع بروح القص، يستجيب لمقومات القصة القصيرة جدا في نسبة من التكثيف والتلميح إلى مسكوت عنه مفضوح، مع فسح المجال لانفتاح الصورة على الاستعارة والرمز والدلالة برؤية فلسفية وجودية.


وهكذا تتحقق المعادلة بين النسيج الفني والدلالي، المنعش للخيال بخلق واقع آخر يجمع بين الممكن والمحتمل بحثا عما لم يقل، كي يفصح به المتلقي بحثا عن تأويل المعنى من خلال توليد اللفظ، انطلاقا من إطلاق عنان الخيال، وفق مسار دلالي تنظيمي، يربط العتبات بعضها ببعض من خلال منهجية عرض مقنعة تستجيب لطبيعة اللغة الإبداعية التي قدت بها الكاتبة نصها.


وبناء عليه يستحيل النص إلى مجموعة من الرموز الدلالية المدلة والمظللة كما شأن العنوان، حيث تلعب فيه ال(هي) والسرعة والشبح والخوف دور القاسم المشترك.


وعليه يمكننا أن نحاول فك بعض هذه الرموز وفق أبعاد كينونة الإنسان وسط صيرورة زمان ازداد نسق سرعته. حيث صار هضم وفهم الأشياء المحيطة به تستدعي طاقة وجهدا أكبر من طاقة وجهد الإنسان العادي في زمن قريب مضى. وبالتالي تشعبت المسارب وضاقت على كثرتها في زمن انحطاط البشرية بعد غياب الضمير إلى درجة بات فيها من الصعب الاهتداء إلى مسلك صحيح، ذلك أن المادة طغت على الروح، وانتهك الجسد و بلغت اللذة منتهاها، فسقطت الأخلاق وأعلنت البشرية إفلاسها، فغابت القيم وبات الإنسان يخاف حتى رؤية نفسه في مرآته، كأن شكله بات مفزعا يأبى النظر إليه لبشاعة الشكل والملامح، فصار يخاف ويهرب من ظله الساقط على الأرض، الذي سقطت معه كل القيم، بعد أن تحول إلى تائه ضال على أثر اكتشافه لحقيقته، فطوله ينعدم منتصف النهار ولا يستقر على حال على مدار اليوم، فهو بين مد وجزر تحكمه درجة الضوء، إلى أن بات شبحا يلاحقه، فالجسد، المادة تابع مهدد بالفناء والتعفن في كل لحظة، فالروح، ساعة التصاقها بالجسد تعلن بداية الغواية، ورحلة الشقاء ومكابدة العناء، وحين مغادرتها إياه، تكتشف الذوات مهزلة نسبية الحقيقة، وتفاهة العالم الحسي، مهما بلغ من القوة والنفوذ والمعرفة، ذلك أن كل ما ظهر من الحقيقة، ما هو إلا خدعة الوهم والغواية، لذلك كان الخوف سلطانا تربع على عرش الإنسانية، داخل إطار مكان معلب، محكوم بتراجيديا الموت والهروب من الحاضر، نحو مستقبل غامض، يأمل فيه حظا أوفر، يستعيد فيها استقراره، ينسيه ركضه وخوفه، تحكمه سرمدية الزمان والمكان، عله يكفر عن ذنب التبعية الذي لحقه كظله، لينعتق عن قانون القطيع الذي أغل حرية تعبيره، وشل تفكيره، فجعله يجري مع القطعان، لا يلوي على شيء سوى خيبته، بعد أن تحول إلى ببغاء، يلقن القول والفعل، ويتبع الهوى.

وهكذا تستحيل ال(هي) سرعة نسق الحياة، وال(هو) ما هو إلا ذاك التابع، والشبح ظل الجسد ووهم الحقيقة، وما الخوف إلا خوف من الفناء، والطريق عمر، والركض نسق وإيقاع، ليستحيل عنوان القصة القصيرة جدا (إنها هي) نسقا دلاليا لصورة شعرية، ذات قيمة ترابطية تعبيرية، استغلتها القاصة لتفجير بهاء صوت الهاء، من حيث خفة نطقها، مبرهنة انسجامها مع روح التأنيث، وتبعية آدم لها، كتبعيته لحوائه التي أغوته منذ الأزل، وجلبت له الركض وراء قوته، من أجل لذة عابرة، محتمة عليه الحركة المستمرة والتغيير والتحول، وعدم الثبات والاهتزاز، معنى يؤازر حضور الهاء في الأنساق الشعرية، وما يمثله هذا الحرف من اضطراب وشقاء وحزن وألم، فكأني بالكاتبة تنعى الإنسان وترثي حال البشرية المعاصرة، بعد أن تاهت وصارت لعبة في مهب الريح، تتقاذفها الهواجس والأشباح المنبعثة من بقايا مسخ، حرمته الحضارة إنسانيته، ومتعة الحياة.



قراءة نقدية:الرواية وثنائية الهامش والمركز واكتمال الشخصية" الرواية : "توتة محبوب" الكاتب : د. صلاح شعير (مصر) الناقدة :جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية:الرواية وثنائية الهامش والمركز واكتمال الشخصية"

الرواية : "توتة محبوب"

الكاتب : د. صلاح شعير (مصر)

الناقدة :جليلة المازني (تونس)


1- المقدمة وشرح المفهوم :


تندرج رواية "توتة محبوب " ضمن أدب المهمشين.


وأدب المهمشين حسب الباحث داود جامع هو أدب  المضطهدين (فقراء/ مرأة/ أقليات ..)وغير المرغوب فيهم والمتبرئ منهم ".


ولعل بعض الأدباء ينخرطون في الكتابة في أدب المهمشين لأنه يجعل فيه ضمير الانسانية يستيقظ يخاطبه مباشرة كإنسان لا كأفكار مسبقة متجمعة في رأسه يحدثه عن فئات يتجاهل معاناتها في الغالب هذا ان كان يستذكرها أصلا.


والحديث عن المهمشين يحيل القارئ الى ثنائية الهامش والمركز.


ان رواية "توتة محبوب" تستعرض العديد من الشخصيات المهمشة التي سلط عليها الكاتب الضوء في المجتمع المصري من ذلك الفقر / المراة/ الاقلية..)


2- التحليل: "الرواية وثنائية الهامش والمركز واكتمال الشخصية"


في هذا الاطار سأحصر زاوية النظر في المرأة وهي الشخصية المحورية بالرواية وهي شخصية عائدة باعتبارها جمعت بين فقر مدقع  ومرأة مستضعفة في المجتمع المصري


ان شخصية عائدة التي جمعت بين الفقر وبين الجمال والتميز في الدراسة والشباب قد جعلها الكاتب صلاح شعير تأخذ الكثير من الكتل السردية في الرواية بل جعلها تأخذ سلطة الحكي بأن جعلها الراوية العليمة في صيغة المتكلم المفرد (أنا) وأحيانا  جعلها تتكئ على شخصية ذات خبرة ومعرفة على نحو "أخبرتني أمّي".


والكاتب يشي الى المتلقي حرْصه على ضرورة  إنْطاق شخصية عائدة المهمشة بفقرها وباعتبارها امرأة مستضعفة والإنصات الى هواجسها.


3- تجليات التهميش لشخصية عائدة بالرواية  :


- الفقر المدقع اضطرّعائدة الى العمل لتوفير مصاريف دراستها في أرض العمدة والد زميلتها التي تغار من جمالها وتكن لها الحسد.


- الفقر المدقع جنى على عائدة اضافة الى جمالها الفائق وجلب لها أطماع العديد من الرجال.


- الفقر المدقع وجمالها الفائق أثار شهوة الأستاذ الجامعي المحسوب على نبل الأخلاق ليراودها عن نفسها.


وفي هذا السياق من التهميش يتدخل الكاتب لينتشلها من التهميش ليجعلها بالمركز:


4- انقلاب الموازين ودائرية الأحداث:


- لقد استطاعت عائدة مقاومة أطماع الرجال في جمالها بعفتها والترفع عنهم والتعالي.


- ابنة العمدة التي تتباهى بثروة والدها وتغار من عائدة تظهر على حقارة أصولها والثروة التي امتلكها والدها بطرق غير شرعية يخسرها بل وتتمكن عائدة الفقيرة من شراء شيء من هذه الثروة وأكثر من ذلك فان الكاتب قد جعل هذه المهمشة أكثر إنسانية بمساعدة بنت العمدة التي تكنّ لها العداوة على علاج والدها القابع بالمستشفى وهي عاجزة عن دفع مصاريف العلاج.


- الأستاذ الجامعي الذي يتبوأ المركز وأراد استغلال مركزه وحاول اغتصاب عائدة ومراودتها عن نفسها قد انتصرت عليه بالتبليغ عنه فكانت سببا في فصله من التدريس وبذلك قد جعلها الكاتب في مركز الاخلاق بدلا عنه.


- الفقر المدقع الذي قد يجعلها ضحية مهمشة قد انتصرت عنه وأصبحت فائقة الثراء بزواجها من حمدي دولار الذي تحبه  وهو صاحب الثروات الطائلة وبعثورها على كنز جدها الاكبر.


وفي هذا الاطار فان الكاتب صلاح شعير  قد استطاع بامتياز أن يقلب الطاولة على المركز لصالح الهامش و أن ينتشل شخصية عائدة لتتحول من الهامش الى المركز وفي المقابل جعل من في المركز ينزل الى الهامش ..إنها حركة هبوط وصعود في المجتمع.


والصعود يقتضي درجات لذلك فان الكاتب قد عمد الى جعل شخصية عائدة شخصية متنامية لتكتمل في أعلى درجات الصعود:


لقد تنامت شخصية عائدة من شخصية فقيرة الى شخصية متعففة  تثير أطماع الرجال بجمالها الى شخصية متميزة في دراستها الى شخصية ثرية وعاشقة  لتكتمل شخصيتها المتسامحة والانسانية حين تتسامح مع ابنة العمدة وتؤازر زميلها حسن الذي تشفق عليه


بسبب معاناته النفسية فتكون بذلك شخصية فاعلة كإنسان لا مفعولا بها مهمشة.


انها شخصية متحولة من الهامش الى المركز.


 وأختم لأقول بأن الكاتب صلاح شعير في روايته "توتة محبوب" قد سلب المركز سيادته و أنصت لصوت المهمش فارتقى بروايته الى العالمية في" أدب المهمشين" فتقاطع مع أعمال سيمون دي بوفوار(فرنسا) وهي رائدة في أدب النسوية وقضايا المرأة(كتاب الجنس الآخر) وعانق شعراء وكتاب نقلوا معاناة البسطاء كمحمد الماغوط (سوريا) الذي كتب عن سحق الفرد العربي ومعاناته في مواجهة السلطة والمجتمع  وأحمد فؤاد نجم شاعر الشعب الذي نقل بصوته وصياغته هموم الطبقات الكادحة.


شكرا للكاتب صلاح شعير الذي أتاح لي فرصة التفاعل مع روايته و متعة التأويل في قراءتي النقدية.


بتاريخ 12 / 02/ 2026



الأربعاء، 11 فبراير 2026

قراءة بعنوان: وجه الشّبه بين شبح الكورونا والطّاعون لألبار كامو، بقلم الناقدة التونسية سهيلة بن حسين حرم حماد.

 قراءة بعنوان: وجه الشّبه بين شبح الكورونا والطّاعون لألبار كامو، بقلم الناقدة التونسية

سهيلة بن حسين حرم حماد.

 في قصيدة "حجر أبدي" للمرحومة الشاعرة السورية فاطمة هاشم الآغا.

___________



** حَجْرٌ أبديُّ **


آ الآنَ أتيْتْ!!!

أتركْتَ كلَّ الزَّمنِ

واليومَ انتقَيتْ!!!

اليومَ مسحْتَ البعدَ

وإلى القرب انتمَيْت؟

كم وكم تقْتُ إليك

كم اشتهَيْتُ

أن أحضنَك أن أضمَّك 

غبتَ عني...

ونأيت


لا تقتربْ...

لا تقتربْ فالعين تلقاكَ

إنَّما عنك أمنعُ نفسي

فأنا للصَّبر أويْت

أنا على ذمَّة الفقدِ

انتهَيْت

ما نسيتُك

ما انثنَيْت

كيف أنساكَ!!!

في الضُّلوعِ

لكَ سُكنى

لك بَيت


جمرُ شوقي لفَّ قلبي

آليتُ صمتي

ومشَيْت

نبضُ روحي نَذرُ عمري

لعَينَيك

أنا افتدَيت

أحاورُ نفسي:

ـ لمَ تأخرْتَ؟

عندما عدْتَ...

كنتُ عن نفسي اختَفَيت

...

لن أقابلَك...

لن أضمَّك

أخاف عليك 

فأنا أرحلُ...

و أنت الآنَ ابتدَيت

لن أعاتبَكَ

أنت في عمري سرَيْت

لن أقبِّلَ وجنتَيك

لن أصافحَها يديك

سأكتفي بعناقٍ للعيون

آه منها كم بكَيت...

من ظنوني كم اشتَكَيْت

مدجَّجةٌ بالشِّوق

خلفَ أوجاعي اختفَيْت

...

ألقاك خلفَ أسرابِ الأماني

طيفَ روحٍ

غادرَتْني واكتوَيْت

ليس حزناً

إنما شوقاً قضيْت

___________


القراءة: وجه الشّبه بين شبح الكورونا والطّاعون لألبار كامو



 إن المتأمل  في بناء نظم القصيدة يلاحظ إتقانا في توازن اللفظ والمعنى، وانسجام المشهد مع رعشة الفؤاد، والشّوق واللّهفة. فالقصيدة تصف صبر أم على الوجع، بالدّندنة. وأمام  صدق مشاعر هذه الأمّ نراها تلامس وجع كل أم،  فتشعل نار كلّ من غاد عشّها أبناءها.


 تصف كيف غدرها الزّمان بحرمانها من ضمّهم في آخر جولة بحكم إرهاب قاهر فرضه الجبابرة. حيث تنافسوا على اقتسام العالم بواسطة مخلوق بيولوجي، تم إنشاؤه في مخابر عسكرية سرية. توجيه الاتهامات تارة نحو هذا، وطورا آخر نحو ذاك.


فكان أن غادرنا الزمان فارًا من جهلنا، بينما ظننا أننا قد توجناه وعظمّنا قدره. كما قالوا: "إن أجود الشعر أكذبه". وهكذا أسكرتنا برمزيتها الاستعارية، وجبرت خواطرنا بفصاحة الكلام وجماله.


رغم ما أصابنا من همّ وغمّ من أنباء متضاربة، تحيلنا القصيدة إلى "الطاعون" لألبار كامو، حيث يرمز الغول في هذه الرواية إلى الكورونا. تشاركت فيه كل الشّعوب، فالكارثة محرقة كالتي قام بها هتلر في حق رهط من البشر المعروفة بالهولوكوست.


العزلة صارت عزلة أفراد، بل وصل بنا الحال إلى عزلة أمّ عن ابنها. ربّما قد تبلغ العزلة فصل أم عن جنينها في مستقبل الأيّام... أمّ لا تخاف من أن تُصاب بعدوى من ابنها، بل أم تخاف أن تنقُل هي إلى ابنها شبح فيروس الكورونا..


فهي مستعدّة أن تفديه بحياتها.. وإن شأقها فراقه، فهو لازال يسكن جسدها، كما يسكن أضلعها وذاكرتها.


أمّا عن الأسلوب، فكان سلسًا بسيطًا، عميقًا، رشيقًا، شاعريّا، واعيًا، محكم البناء، والتأليف، والتوليف، متناسقًا مع روح النّص.



الاثنين، 9 فبراير 2026

قراءة في [ مَأْوَى الشَّكْوَى ] للدكتور: قاسم عبد العزيز الدوسري بقلم الكاتبة هالة بن عامر

 ​[ مَأْوَى الشَّكْوَى ]

للدكتور: قاسم عبد العزيز الدوسري

​عُيُونُ السُّودِ قَدْ دَارَتْ

وَمَاتَ القَلْبُ يَا حُلْوَةْ


​فَمَنْ تَرْجِينَ كَيْ نَنْسَى؟

فَمَا لِلْقَلْبِ مِنْ مَأْوَى


​لِمَنْ تَرْجِينَ نَعْشَقُهُمْ؟

لِمَنْ تَرْجِينَ كَيْ نَهْوَى؟


​لِمَنْ تَرْجِينَ أَنْ يَنْصُتْ

وَيَقْرَأَ هَذِهِ الشَّكْوَى؟


​فَأَحْلَامُ الصِّبَا مَاتَتْ

وَأَيَّامُ الهَوَى النَّشْوَةْ


​وَحُبُّ الأَمْسِ أَنْظُرُهُ

كَمَاءٍ سَالَ فِي حُفْرَةْ


​وَسَاعَاتٌ بِنَا تَمْضِي

تَحُزُّ كَحَزَّةِ الشَّفْرَةْ


​عُيُونُ النَّاسِ تَنْظُرُنَا

وَنَحْنُ بِرَغْمِهَا نَقْوَى


​مَسَاءٌ حِينَ يَأْتِينَا

وَيَجْلِبُ آهِ كَمْ بَلْوَى!


​وَلَكِنْ حِينَمَا نَنْسَى

لِكَيْ نَلْقَى بِهَا السَّلْوَى


​فَلَنْ نَدْرِي مِنَ المَاضِي

إِلَى الآتِي سِوَى الشَّكْوَى!


د. قاسم عبدالعزيز الدوسري/بحر الرجز


قراءة أدبية لنص «مأوى الشكوى»

للدكتور قاسم عبدالعزيز الدوسري 


يقدّم نص «مأوى الشكوى» للدكتور قاسم عبدالعزيز الدوسري تجربة وجدانية كثيفة، لا تُقرأ بوصفها قصيدة حب تقليدية، بل باعتبارها سجلّ خيبة شعورية تتحول فيه الشكوى من فعل مؤقت إلى حالة وجودية ملازمة للذات. فالعنوان ذاته ينهض على مفارقة دلالية لافتة؛ إذ يمنح الشاعر «الشكوى» — وهي بطبيعتها انفعال آني — صفة المأوى، بما يوحي بأن الألم لم يعد طارئًا، بل صار مكانًا دائم الإقامة.

أولًا: العيون بدل الوجوه – مركز الانكسار

عيونُ السُّودِ قد دارت

يفتتح الشاعر نصه بالعين لا بالوجه، في دلالة رمزية عميقة؛ فالعين هنا لم تعد مصدر جمال، بل علامة اضطراب وفقدان توازن. فعل «دارت» يوحي بالتشتت والقلق، وكأن أول ما انهار في العلاقة هو النظرة المشتركة واليقين العاطفي. ويأتي بعدها التصريح الصادم:

ومات القلب يا حلوة

الموت هنا ليس مجازًا عابرًا، بل إعلان قطيعة نهائية مع القدرة على الإحساس، ليغدو القلب فراغًا لا يصلح للحب ولا للرجاء، وهو ما يمهّد لفكرة «اللا مأوى» التي تتنامى في النص.

ثانيًا: تكرار السؤال – حيرة بلا مخاطَب

لمن ترجين…؟

يتكئ الشاعر على التكرار الاستفهامي بوصفه أداة نفسية لا زخرفًا بلاغيًا. فالسؤال لا يُطرح بحثًا عن إجابة، بل ليؤكد غيابها. المخاطَبة لا تحضر إلا بوصفها صمتًا، ويتحوّل السؤال إلى صدى داخلي يعكس فراغ العلاقة وضياع الوجهة العاطفية، فيمنح النص إيقاعًا دائريًا يوحي بالتيه وعدم الخلاص.

ثالثًا: الطفولة العاطفية المنهارة

فأحلامُ الصبا ماتت

الصبا هنا ليس مرحلة زمنية فحسب، بل رمز لبراءة الشعور ونقائه. وموت أحلامه يعني انهيار الرؤية المثالية للحب. ويعزز ذلك قوله:

وأيامُ الهوى النشوة

إذ ترد «النشوة» مبتورة الدلالة، وكأنها ذكرى غير مكتملة، استُحضرت لغويًا دون أن تُستعاد شعوريًا، في إشارة إلى فراغ التجربة من بهجتها.

رابعًا: صورة الماء – ذوبان المعنى وهدر العاطفة

وحبُّ الأمس أنظره

كماءٍ سال في حفرة

من أبرز الصور الشعرية في النص، حيث يشبّه الشاعر حب الماضي بالماء المهدور في حفرة لا تثمر ولا تحفظ. الماء، رمز الحياة، يفقد قيمته هنا، ليجسّد فكرة الضياع بلا أثر. صورة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة، تعبّر عن فناء العاطفة دون صخب أو مأساوية مفتعلة.

خامسًا: الزمن كسكين – الألم المتجدد

وساعاتٌ بنا تمضي

تحزّ كحزّة الشفرة

يمنح الشاعر الزمن بعدًا عدائيًا، فلا يكون وسيلة للشفاء، بل أداة جرح متكرر. فكل ساعة تحمل ألمًا جديدًا، مما يجعل المعاناة مستمرة ومتراكمة، ويحوّل مرور الوقت إلى تجربة جسدية موجعة.

سادسًا: المجتمع في الخلفية – قوة تولد من الألم

عيونُ الناس تنظرنا

ونحن برغمها نقوى

ينفتح النص هنا على البعد الاجتماعي، حيث تحضر أعين الناس بوصفها رقابة وحكمًا ضمنيًا. غير أن المفارقة تكمن في أن الذات الشاعرة تستمد قوتها لا من الحب، بل من تحمّل الألم، فتتحول المعاناة إلى مصدر صلابة قاسية.

سابعًا: المساء – زمن الاعتراف والبوح

مساءٌ حين يأتينا

ويجلب آه كم بلوى

المساء زمن داخلي، لحظة صدق تتكثف فيها الأحاسيس. إنه وقت انكشاف الوجع لا زواله، حيث تتراكم الذكريات وتُستدعى الآهات، فيتجدد الألم بدل أن يهدأ.

ثامنًا: الخاتمة – الشكوى كقدر دائم

فلن ندري من الماضي

إلى الآتي سوى الشكوى

تغلق القصيدة دائرتها دون وعد بالخلاص. فلا الماضي يمنح عزاء، ولا المستقبل يحمل أفقًا جديدًا. الشكوى هنا لم تعد حالة مؤقتة، بل صارت هوية وملاذًا أخيرًا، وهو ما ينسجم مع دلالة العنوان ويمنح النص وحدته الشعورية المحكمة.

الإشادة الفنية والبناء الشعري

تميّز النص بصياغة لغوية شفافة اعتمدت المفردة السهلة الممتنعة، فجاء قريبًا من المتلقي دون تفريط في العمق. وتجلّت الصور الشعرية في تشبيهات موحية قائمة على الهدر والألم (الماء، الشفرة، العين)، دون تكلف بلاغي. كما خدم بحر الرجز النغم الداخلي للنص، بإيقاعه المتدفق الذي واكب تسارع الشكوى وتوتر الإحساس، فجاءت التفعيلات متناغمة مع الحالة النفسية.

في مجمله، يمثّل نص «مأوى الشكوى» تجربة وجدانية صادقة، تتسم بوحدة موضوعية، وصور شعرية مؤثرة، ونغم إيقاعي منسجم مع المعنى، مما يجعل الشكوى فيه ليست موضوعًا عابرًا، بل بنية فنية متكاملة وأفقًا دلاليًا مفتوحًا على الألم الإنساني.

اعتبر هذا النص  احد روائعكم دكتور 

بالتوفيق الدائم ان شاءالله 

تحياتي لكم

هالة بن عامر 

Hela Ben Ameur





إدماج التشكيل البصري والرؤية الوجودية الرومنسية للقصيد النثري، بقلم الناقدة التونسية: سهيلة بن حسين حرم حماد

 العنوان: إدماج التشكيل البصري والرؤية الوجودية الرومنسية للقصيد النثري، بقلم الناقدة التونسية: سهيلة بن حسين حرم حماد 

القصيدة كلما نظرت إلى عينيك للشاعر: د زين الدين ناصر من لبنان

_________

  

القصيدة:


كلّما نظرتُ إلى عينَيكِ ...


كلّما نظرتُ إلى عينَيك ...

تتفتحُ شقائقُ من نوعٍ آخرَ في قلبي ...

لترسمَ دربي...

لترسمَ لي رحلةَ حياةٍ أفضل ...

رحلةً من نوعِ الجرحِ الجديد ...


كلّما نظرتُ إلى عينَيكِ ...

يبتسمُ جفنُكِ ويتراقصُ ...

يتغيّرُ لونُ خدِّك الوردي ...

وتُصبحُ، مسكنَ الحبِّ ... عيناكِ ...

وتأتي سهامٌ لتَرْمِي جراحِي ...

ويُعمَّقُ الجرحُ أكثرَ ... فأكثرْ ...


أتَدْرين ...

كلّما نظرتُ الى عينيك ...

أغيبُ لفترةٍ عنِ العالمِ ...

وأعودُ مستقلاً حُلُمِي ...

وأراكِ ...

كطفلةٍ قلَّ رُؤْياها ،

إلا في الجنّة ...

خُذينِي ...

يا عاصفتي الربيعية ...

خُذِينِي ...

في رحلةِ الخوفِ ...

و شدّي أحزمةَ ردائي ...

لأنّني ...

لا أريدُ أنْ أخلعَ حبّكِ ...

لأنَّ عينيكِ ...

أيَّتُها الغجريَّةُ الطيبة ...

مركبي في بحارِ العاطفة ...


و كلُّ أمواجِ العالمِ ...

تنعتُني بالقبطان ...

ولا أريدُ ...

أن أفقدَ شطآني ...

سأستقلُّ عينَيك ...

فانتظريني ...

على شاطئكِ الحزينِ ...

يا غجريتي ...

_________


 قراءة نقدية بعنوان: 

إدماج التشكيل البصري والرؤية الوجودية الرومنسية للقصيد النثري


قراءة في بنية القصيدة ومضمونها:


1- اتسمت قصيدة "كلما نظرت إلى عينيك" بالتشظي على مستوى تقديمها شكلا، لما بدت عليه من غنج الغجر. تستلقي الكلمات على الورق على غير استلقاء كلمات القصيدة التي تعودناها. هناك بحث مقصود في إخراجها بهذا الشكل لتبرز مفاتن ما كانت لتظهر لو قدمت على الطريقة العادية.


2- تكررت كلمة "لترسم" وجاءت في خط موازٍ، فعل الرسم يقتضي الوضع الثابت. في حين أن كلمة "رحلة" جاءت في خط مائل، باعتبار أن الرحلة تشير إلى الحركة والتنقل.


3- القصيدة مبنية على عاصفة ربيعية، في رحلة خوف، على مركب يستقله السارد، ويخشى أن يتبرأ من الانتساب إلى عروبته الممتدة على قارتين، عرفت ثورات وسمها المتفائلون بالربيع العربي، عزفت للأسف سنفونية رعب بأركسترا داعشية بقيادة موزار من وراء البحار.


4- إن الرحلة البحرية تستدعي حتما مركبا وقبطانا وبحارا وشطآنا وعنوانا، وقبل ذلك كانت حلما وجنة في ذهن قبطانها، أي في ذهن شعوبها. لكنها قد تتحول إلى كابوس إذا فقد القبطان بوصلته.


الأسلوب: اعتمد الأسلوب على بساطة اللفظ ورونق إبداع دمج التشكيل البصري العفوي والمقصود، مما ساهم في إبراز البعد الرومانسي في القصيدة، وأعطى روحا للقصيد أحيت المشاعر في زمن طغيان المادة. التشكيل البصري المقصود يشير إلى استخدام الشاعر للشكل البصري للكلمات على الورق، مثل تكرار كلمات أو جمل معينة، أو استخدام الخطوط المائلة أو الموازية، وكذلك اللجوء إلى نقاط التتابع  لتعزيز المعنى والمشاعر التي يريد الشاعر التعبير عنها  . أما التشكيل البصري العفوي، فهو يعكس الطبيعة العفوية والمشاعر الحقيقية للشاعر، دون الحاجة إلى تخطيط مسبق. وذلك من أجل ترك أثر لدى القارئ في زمننا الحالي حيث هيمنت الصورة وباتت أكثر استقطابا للأذهان. 


وختاما، تقدم القصيدة رؤية وجودية رومانسية، حيث يبحر الشاعر في عالم من المشاعر والأحلام، ويجسد الرحلة الإنسانية في مواجهة التحديات والخوف، مع الحفاظ على الأمل والروح الرومانسية.

____________


*هامش : تعريف التشكيل البصري العفوي والمقصود هو تقنية تستخدم في الكتابة والتصميم، حيث يتم استخدام الحروف والكلمات لإنشاء صور أو أشكال بصرية. يمكن أن يكون هذا التشكيل عفويًا، حيث يتم استخدام الحروف بطريقة غير مقصودة لإنشاء شكل معين، أو مقصودًا، حيث يتم استخدام الحروف بطريقة مقصودة لإنشاء شكل أو صورة محددة.



الجمعة، 6 فبراير 2026

كسر الحدود بين الأنواع الأدبية والفنية والشمُولية في رسائل الأديبة سليمى السرايري شهادة الناقدة: جليلة المازني(تونس)

 الناقدة التونسية الكبيرة جليلة المازني تحتضن كتاب رسائل إلى بحار ورسائل اخرى

ا...........................ا

 كسر الحدود بين الأنواع الأدبية والفنية والشمُولية

في رسائل الأديبة سليمى السرايري

شهادة الناقدة: جليلة المازني(تونس)

 

إن مجموعة رسائل الأديبة سليمى السرايري طُبعتْ بثلاث سمات وهي: كسر الحدود بين الانواع الأدبية والفنية والشمُولية وما بينهما من وأسطورة وخيال:

 

1-    كسر الحدود بين الانواع الادبية والفنية :

 

نلاحظ ان هذه المجموعة من الرسائل تجسّد التفاعل الأجناسي بامتياز...انه قطع مع تمجيد الجنس الأدبي وتقديسه ...انه تعالق وتعانق. انه مزيج بين النثر والشعر ببلاغته ومجازه وصوره الشعرية وخياله الشاسع في وصف الحبيب بالبحر في هدوئه وغضبه، وفي وصف الأصدقاء والوالدين...انه ايغال في الخيال الشعري الذي سرّبته إلى رسائلها. أكثر من ذلك فان هذه الرسائل تعاقر جمال المشهدية في الفنّ التشكيلي بجميع الألوان التي طغت على المشاهد برسائلها (زرقة البحر والسماء/بياض الأمواج/أشعة الشفق الحمراء/ عيناه نحاسية اللون) كما تعانق رسائلها عذوبة اللحن في الفنّ الموسيقي بتلك الأغاني المبثوثة هنا وهناك ... ان كل هذه الأنواع الأدبية والفنية بخيالها وأسطورتها جعلتْها الأديبة سليمى السرايري تتربّع على عرش رسائلها في نسيج أنيق.

 

 2 -   الشمولية :

 لقد كانت رسائل الأديبة شاملة في تعدّدها جمعت بين الرسالة للحبيب وللأصدقاء وللبنات والأب والأُم وللحياة انها بهذه الشمولية تتميّز عن رسائل الأديبة مي زيادة لجبران خليل جبران والرافعي والعقاد وتختلف عن رسائل الأديبة غادة السمان، لأنسي الحاج، وغسان كنفاني.

 

3 - الأسطورة والخيال :

 لقد لعبت الأسطورة في رسائلها (جنيات وحوريات البحر/عروس البحر/بو سيدون العظيم/الغول/مرآة سحرية/ الكهف/شالوت/ الصخرة الكبيرة...) دورا كبيرا باعتبارها مصدرا غنيّا للإلهام والخيال والتشبيهات الشعرية في رسم عوالم خيالية ممتعة وجذّابة تساعد على اضافة اللمسات الرومانسية والخيالية لرسائلها وقد استخدمتها الكاتبة لإيصال رسائل ودروس مهمّة للقرّاء بأسلوب ماتع وشائق.

لقد ضمّنت سليمى السرايري رسائلها مشاعر الشوق والحنين للحبيب، ومشاعر الوفاء الانساني للأصدقاء ومشاعر الحبّ الكبير للأب رحمه الله وللأمّ التي تلازمها ملازمة الروح للجسد.

وبين هذا وذاك تتخلل رسائلها مواقف فكرية واجتماعية ووجودية.

 وهل أكثر من تلك الرسالة إلى الحياة المطبوعة بمسحة وجودية يتأرجح فيها الانسان بين التشبث بالحياة والخوف من الموت؟

إن هذه الشمولية في رسائلها تجعل المتلقي واجدا فيها نفسه وأنّ الكاتبة تتحّدّث عنه فينخرط في قراءتها غير عابئ بالرسائل المنشورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

إن الكاتبة تُحْيي الزمن الجميل في كتابة الرسائل الورقية متحدّية تلك الرسائل المزيّفة والملوّثة المبثوثة على الشبكة العنكبوتية.

ان سمة كسر الحدود بين الأنواع الأدبية والفنية وسمة الشمُولية وما بينهما من استخدام للأسطورة وايغال في الخيال. كل ذلك جعل من رسائل سليمى السرايري تتميّز وتتفرّد بها.

إن مجموعة رسائلها جمع بصيغة المفرد.

إن سليمى السرايري في رسائلها لا تشبه الّا سليمى السرايري.

 



سردية الوجع ومناجاة الوجود: قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير: رحلة..في بحر الحديد..والمطر بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 سردية الوجع ومناجاة الوجود:

قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير: رحلة..في بحر الحديد..والمطر


تصدير :

-جرح مفتوح،وعدالة شائخة،وضمير إنسانيّ كسول وضرير..لا يفعل غير أن يعدّ حصيلة الخراب ويتأفّف من وفرة دماء الموتى!..وأيضا: ينتظر.ضجرت ذاكرة التاريخ.ضجر الشهود.ضجرت الأسلحة والقوانين والمذاهب والسماوات،وضجرت أرواح الموتى..لكن-وحدها-شهوة القاتل إلى مزيد من الدم..لم تضجر..! الدّم يشحذ شهية الدّم..( الكاتب)


"طائراتٌ تقصِفْ وسجونٌ تخطِفْ ورياحٌ تعصِفْ وَسُيولٌ تجْرُفُ ما تبقى مِنَ الخيام والبشر وهُم جائعون! ولا حوْلَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم!


زاد البلاءُ وأهلُ غزّةَ يَغْرَقونْ  

 والرّوحُ تُزهق بالقنابلِ …..والسُّجونْ


غاراتُ فَوْقَهُمو  وطوفانٌ يجولْ

وَضَحايَا تغرَقُ والأحِبّةُ ……..جائعونْ


والماءُ غَطّى مَن تبقَّى ،مُشرَّداً

في خيْمَةٍ جرَفَتْهَا أمطارُ …….المَنونْ


مَن كان في شِبْهِ البيوت مُدارَياً

هَدمَتْها أمطارٌ ونيرانٌ …………خَئونْ


ألبيْتُ  هُدِّمَ  والخِيامُ تطايَرَتْ

والأمنُ طارَ مَعَ العَواصِفِ ……والبنونْ


والأُمُّ تحتَضِنُ  ابْنَها  مَرعوبَةً

غَرَقٌ وقصْفٌ لِلعدُوِّ ،……كَما الجُنونْ


والبردُ قارِسُ  والرّياحُ  شديدةٌ

والكُلُّ في وَسَطِ الزّوابعِ …….يرْجُفونْ 


ياربِّ  كلٌّ  في  حِماكَ   فَنَجِّهِ

فالرّيحُ ريحُك والزّوابِعُ ……والشّؤونْ


والنّصرُ وعدُكَ والعدوُّ  بأمرِكُمْ

والنّارُ نارُكَ تصْلِي فيها ……المُذنِبونْ


ربّاهُ  كلٌّ يستجيرُكَ  راجياً

والكوْنُ كوْنُكَ ، ما أردْتَ بِهِ…… يكون!


عزيزة بشير


في هذه القصيدة المؤثرة،تُصوِّر الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير مأساة إنسانية بكلمات تنبض بألم عميق،وتحمل في طياتها صوتا شعريا يجمع بين البساطة الجارحة وقوة التعبير. 

تبدأ القصيدة بمشاهد من الفوضى والعنف،حيث تتوالى الأفعال المضارعة (تقصف،تخطف،تعصف، تجرف) بسرعة وإلحاح،وكأنها تريد أن تنقل إلينا حالة الاستمرار واللانهائية في المعاناة.هذا التسارع في الأفعال يخلق إيقاعا داخليا يشبه دقات القلب المرتعش تحت القصف،أو أنفاسا متلاحقة في لحظة منفلتة من العقال.

ثمّ تتحول الصورة إلى مشهد طبيعي قاس يشارك في الدمار: الرياح والسيول والأمطار،لكنها هنا ليست أمطار خير،بل "أمطار المَنون".الطبيعة نفسها تتحول إلى عدو،وكأن الكون كله قد انقلب على الإنسان.وهذا الانزياح الدلالي يحوّل العناصر الطبيعية من معطيات الحياة إلى أدوات موت، مما يضاعف الشعور بالعزلة والضياع.

تظهر المفارقة المأساوية في عبارة "وهم جائعون"، فهي تختزل حالة من الحرمان الأساسي وسط هذا الدمار الشامل.فالجوع هنا ليس جوعا عاديا،بل هو رمز للحرمان من أبسط مقومات الوجود،وهو ما يجعل الدمار مزدوجا:دمار المكان ودمار الجسد.

تتكرر كلمة "جائعون" لاحقا كصدى مؤلم،وكأن الجوع يلاحق النص كما يلاحق الناس.وتتجلى العناية الفنية في استخدام الجناس غير التام بين "يَغْرَقون" و"تُزهق"،حيث يلتقي الغرق المادي بالغرق الروحي،والموت بالماء بالموت بالحديد.

ثم يأتي التحول في نبرة القصيدة من تصوير المأساة إلى الابتهال والمناجاة.فالخطاب ينتقل من وصف الخارج إلى حوار مع الذات الإلهية،حيث تظهر مفردات مثل "يارب"، "ربّاه"، "حماك".

 هذا التحول ليس هربا من الواقع،بل هو بحث عن ملاذ أخير حين تنقطع السبل.إنه صرخة استغاثة تأتي بعد استنفاد كل أسباب الأرض.

الشاعرة تستعيد هنا سلطة القدرة الإلهية على كل ما يحدث: "الريح ريحك"، "الزوابع"، "النار نارك". هذا الاستعادة توفر مساحة من الأمل في عدالة عليا،وتخلق توازنا نفسيا أمام فداحة المشهد.والنبرة تصبح أكثر حميمية وإيمانا،وكأن القصيدة تتحول إلى دعاء مكتوب بدماء القلب.

اللغة في القصيدة تتراوح بين البساطة المباشرة وقوة الصورة الشعرية.هناك استخدام لكلمات من الحياة اليومية (خيام،بيوت،جائعون،برد) مما يجعل الصور قريبة وملموسة.لكن هذه البساطة تتحول إلى شعرية عالية عندما تضعها في سياقها التراجيدي،فكلمة "خيمة" لم تعد مجرد سكن،بل أصبحت رمزا لللجوء والهشاشة والفقد.

القصيدة تُقرأ كأنها لوحة تعبيرية تكاد تسمع فيها أصوات القصف،وعويل الرياح،وبكاء الأطفال، وهمسات الدعاء.إنها سردية شعرية للمقاومة بالكلمة،وشهادة أدبية على زمن يصعب وصفه. الشاعرة لم تكتفِ بتصوير المأساة،بل حولتها إلى مناجاة وجودية،تسأل فيها عن معنى العدالة والإنسانية في عالم يبدو فيه كل شيء مُعرضا للزوال إلا الأمل الذي يولد من رحم الكلمات.

هكذا،تتحول القصيدة من شهادة مرئية على الدمار إلى صلاة وجودية تخترق صمت الكون. ليست الكلمات هنا مجرد وصف،بل هي فعل مقاومة أخير،مقاومة بالانتماء إلى إنسانية مهددة، وبالتشبث بلغة تتألم وتتضرع حين تعجز جميع اللغات.

الشاعرة،ببراعة فنية وألم صادق،لا تقدم لنا مشهدا فحسب،بل تُدخلنا في جوف التجربة ذاتها.ونحن أمام نصّ لا يروي المأساة،بل يجعلنا نعيش إيقاعها المرتعش،وبرد جوعها،وصقيع وحشتها،ثم ذلك الأمل المتواري كجمرة تحت الرماد في مناجاة الروح.

في النهاية،تتركنا القصيدة-ومعها قراءتي هذه- أمام سؤال مصيري: هل تكون الكلمة ملجأنا الأخير عندما تنهار كل الملاجئ؟ وهل يمكن للشعر أن يكون حصنا للإنسان عندما تتحول الحصون إلى غبار؟!

 يبدو أن أ-عزيزة بشير تجيب بنعم،ففي قلب العاصفة،تخلق من حروفها خيمة للروح،وتذكرنا أنه حتى في أقسى لحظات العجز،يبقى للقلب المكلوم أن يهمس،وللصوت المكسور أن يصرخ،ومن هذا الهمس وذلك الصراخ،قد تُولد معاني تظل تقاوم النسيان والعدم.والقصيدة،بهذا المعنى،هي نصب تذكاري حيّ للكرامة الإنسانية في مواجهة الفناء والعدم..

وإذا وضعنا هذه القصيدة ضمن مسار الشاعرة عزيزة بشير الشعري كما يظهر من أعمالها الأخرى، نجد اتساقا في توظيف الشعر كوسيلة للمقاومة والتوثيق والبقاء.ففي قصائد أخرى مثل "غزة العزة"،تنتقل نبرتها من تصوير المعاناة إلى التأكيد على حتمية النصر والإصرار على الحق ("فالأرض أرضي والسماء مظلتي/ثروات أرضي لن تكون لقاتلي"). هذا يقوي القراءة التي ترى في مناجاة القصيدة المدروسة ليس استسلاما،بل تحويلا للصراع إلى مستوى الوجود والعدالة الإلهية المطلقة،مما يوفر أرضية روحية للصمود

في الختام،لا يمكن فصل هذه القصيدة المؤثرة عن النضال الشخصي والفني للشاعرة الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير.فبصفتها شاعرة فلسطينية مغتربة،ترفع راية الوطن بشموخ من خلال حروفها.لقد انحازت قصائدها انحيازا مطلقا لشعبها الفلسطيني،ولم تتوانَ عن توثيق آلامه وصموده وأمله،محوّلة الجرح الوطني إلى "وردة" شعرية تحمل في ثناياها قوة الحزن وكرامة التحدي.

لقد اضطلعت أ-عزيزة بشير بدور رائد في تفعيل وتجديد أدب المقاومة الفلسطيني.فهي،كامرأة وكشاعرة معاصرة،تتابع المسيرة التي بدأها رواد هذا الأدب،مستخدمة أدوات تعبيرية تجمع بين صدق العاطفة وقوة الصورة ورمزية المعنى.لقد جعلت من القصيدة سلاحا في معركة الوجود والهوية،ووسيلة لإبقاء القضية حية في الضمير الإنساني.وقصيدتها التي حللناها ليست مجرد انفعال عاطفي أمام كارثة،بل هي فعل مقاومة بحد ذاته-مقاومة بالكلمة،بالذكرى،وبالإيمان الذي يعلو فوق عويل المدافع ونباح الرشاشات.بهذا تكون الأستاذة عزيزة بشير قد قدّمت نموذجا ملهِما للشاعر الملتزم،الذي تتحول فيه الكلمة إلى فعل،والألم إلى إرادة،والمناجاة إلى بصيرة تؤمن بأن النصر وعد لا بد آت.وحتما سوف يأتي..

لست أحلم لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات السفاح نتنياهو..والمتعجرف دونالد ترامب..


محمد المحسن



الخميس، 5 فبراير 2026

الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة "متى يطرق الربيع بابي" للشاعر التونسي الكبير -طاهر مشي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الانزياح الدلالي والتحول الوجودي في قصيدة "متى يطرق الربيع بابي" للشاعر التونسي الكبير -طاهر مشي

متى يطرقُ الربيعُ بابي


متى يطرقُ الربيعُ بابي

ولا يكونُ مجرّدَ فصلٍ

بل وعدًا يُعادُ من يدِ الغياب؟

متى تُزهِرُ يرقاتُ الغيابِ

فتصيرُ فراشاتِ 

وتتعلّمُ الذاكرةُ

كيف تخلعُ سوادَها

دون أن تخونَ الفقد؟

وتُطرِّزُ، يا أبي،

خَرَزَ الأماني

على صدرِ أيّامي المُنهكة،

كما كُنّا

حين كان الزمنُ

يمشي حافيًا بيننا

ولا يعرفُ الفِراق.

حين انشقّتِ السماءُ

لا مطرًا

بل اتّساعًا،

ولوّحَ الطيرُ بجناحِه

كأنّه يُعلّمُنا أن الرحيلَ

ليس نقيضَ الحب،

وكان الربيعُ يعانقُ نبضي الفتيّ

قبل أن يتعلّمَ القلبُ فنَّ الانتظار.

ما أزالُ، يا أبي،

أقيمُ على تخومِ الدعاءِ،

أعدُّ الغيابَ نجمةً نجمة،

وأصدّقُ أن من رحلوا

لا يبتعدون…

بل يصيرونَ في أعماقنا.


طاهر مشي


في هذا النسيج الشعري المترع بأنفاس الحنين وأصوات الفراغ،يطل "متى يطرق الربيع بابي" ليس سؤالا زمانيا عن موسم يلي الشتاء،بل استعارة مركبة للغياب الذي يتحول إلى حضور داخلي لا يلمس إلا بالقلق الوجداني.فالربيع هنا ليس حدثا طبيعيا،بل "وعدا يعاد من يد الغياب"، كأن الغياب نفسه يتحول إلى حضور مؤلم،حاملا معه إمكانية العودة التي تظل معلقة بين اليقين والاستحالة.وهذا الانزياح الدلالي من المفهوم الموسمي إلى المفهوم الوجودي يشكل النواة التي تدور حولها القصيدة،حيث يتحول الانتظار من فعل سلبي إلى فضاء خلاق تعيد فيه الذاكرة صياغة علاقتها مع الفقد.

تتجسد هذه العلاقة في تحول "يرقات الغياب" إلى "فراشات"،وهي صورة تحتفي بالتحول الجذري من كينونة زاحفة مظلمة إلى كائن مجنح يطلق في الفضاء.لكن الشاعر ( -طاهر مشي) لا يطلب تحولا يمحو الألم،بل تحولا يحفظ الأمانة للغياب: "كيف تخلع سوادها دون أن تخون الفقد؟".إنها معضلة الذاكرة الخلاقة: كيف تعيد تشكيل الماضي دون أن تخونه؟! كيف تحول الحزن إلى جمال دون أن تزيف الحقيقة؟!

 هذا السؤال يحرك الصورة المركزية في القصيدة، حيث تطرز "خرز الأماني"على صدر الأيام المنهكة، كأن الحنين يصير عملا فنيا يلبس الزمن المتعب حلة من الجمال الواقي.

ثم تأتي الذكرى كحيز زمني معلق خارج قوانين الفراق: "حين كان الزمن يمشي حافيا بيننا ولا يعرف الفراق". الحفاء هنا ليس علامة الإملاق،بل علامة الصدق والاتصال العاري باللحظة،حيث لا حواجز بين الأرواح.وهذه البراءة الزمنية تعزز بانزياح آخر: "حين انشقت السماء لا مطرا بل اتساعا"،فالسماء لا تمطر ماء بل فضاء رحبا، والطير يلوح بجناحه معلما أن "الرحيل ليس نقيض الحب". 

هذا التعليم يقلب المنطق العاطفي التقليدي، فالحب لا ينتهي بالرحيل،بل يتحول إلى شكل آخر من الوجود،كالربيع الذي "يعانق نبضي الفتي قبل أن يتعلم القلب فن الانتظار".العناق هنا سابق على التعلم،كأن الحب الأصلي كان بريئا من توقع الغياب،وهذا ما يجعله أقوى من كل انتظار.

وتصل القصيدة إلى ذروتها التأملية في المقطع الأخير،حيث يتحول الغياب إلى فلك داخلي: "اعد الغياب نجمة نجمة".فالغياب لم يعد فراغا،بل مجموعة أنوار تعد وترتب في سماء الذات.

و الإيمان هنا بأن "من رحلوا لا يبتعدون..بل يصيرون في اعماقنا" هو خلاصة الرؤية الشعرية: الغياب تحول من الحضور الجسدي إلى الحضور الجوهراني،من الوجود في المكان إلى الوجود في المعنى.والغائبون يصيرون جزءا من اعماقنا، كالنجوم التي نراها من بعيد لكن نورها يخترق الظلمة ويصل الينا.

وفي الختام،بعد هذا الغوص في طبقات القصيدة، لا يسعني إلا أن اؤكد أن مقاربتي حاولت أن تظل وفية لنسيج النص الشعري دون أن تفرض عليه تأويلا مسبقا،وأن تتعقب خيوطه الدلالية والصورية بمنطق يرفض المجاملة والمحاباة. فجمال القصيدة لا يحتاج إلى اضافات خارجية، بل يكفي أن اسلط الضوء على آليات اشتغالها الداخلي،حيث يحول الشاعر الغياب إلى لغة تتعلم كيف تخلع سوادها دون خيانة،وكيف تطرز على صدر الزمن المنهك خرز أمل يكون في الوقت نفسه اقرارا بالالم واعادة ابتكار للحب. 

وهذا التوازن بين الالم والامل،بين الفقد والحضور،هو ما يجعل من القصيدة فضاء شعريا مكتملا،يعيد تعريف الربيع ليس كموسم عابر،بل كوعد دائم يعاد من يد الغياب نفسه.

على سبيل الخاتمة :

تتجسد عبقرية هذه القصيدة في قدرتها على تحويل الجرح الشخصي إلى فضاء كوني،حيث يصبح ألم الفقد الإنساني رحلة استكشاف نحو أغوار الوجود.لقد استطاع الشاعر التونسي الكبير د. طاهر مشي أن يحوّل رحيل الوالد-ذلك الحدث الجلل الذي ترك أثرا عميقا وموجعاً في وجدانه- إلى مناسبة تأملية تلامس أعمق طبقات الوعي الإنساني أمام سؤال الفقد والغياب.

ولعل هذا الأثر الوجداني المؤلم يتحول تحت أنامل الشاعر إلى مادة خام للخلق الشعري،فنجد أن غياب الأب ليس مجرد فراغ،بل يصير حضورا جوهريا يطرح أسئلة وجودية حول طبيعة الزمن والذاكرة والحب.وهذا ما يبرز طبيعة الشعراء المرهفي الحساسية،شديدي الاستثارة،الذين لا يمرّ ألمهم مرور الضيوف العابرين،بل يستقر في أعماقهم فيغدو مصدر إبداع وانزياح دلالي،حيث تتحول الدموع إلى كلمات،والكلمات بدورها تعود لتقع في القلب كندى يروي جنبات الوحشة.

واللافت أن الشاعر التونسي المتمرس -طاهر مشي-رغم حِدّة الخسارة وقسوتها-لم يسقط في فخّ البلاغة الجوفاء أو العويل العاطفي المباشر، بل أمسك بتلابيب الألم ورفعه إلى مصاف الفن الرفيع.إنه قادر،كما أشرت،على "مسح دموعه بالكلمات التي تخرج من القلب لتقع فيه"، في عملية تحويلية فذة حيث يصير الحزن مادة جمالية،والغيباب مصدر إشراق،والانتظار فنا يتعلمه القلب.

لقد نجح الشاعر في أن يجعل من قصيدته مرآة تعكس ذلك التوازن الدقيق بين صدق التجربة الشخصية المؤثرة وعمق الرؤية الفلسفية،بين حرارة الفقد وبرودة التأمل،بين سواد الغياب ونور الذكرى.فتحولت القصيدة إلى فضاء كامل،يثبت أن الشعر الحقيقي هو ذلك القادر على احتضان التناقضات الإنسانية دون أن يخونها،وإضاءة أعماق الفقد دون أن ينكر ألمه،والاحتفاء بالحضور الغائب كحقيقة وجدانية تعلو على محدودية الزمان والمكان.وهكذا،يبقى هذا النص الشعري شاهدا على أن الفن الرفيع يمكنه أن يكون ملجأً وخلاصا،ومحاولة مستمرة لإعادة خلق العالم من بين أنقاض الغياب.


محمد المحسن



رغْم الدّمارِ على الدّمارِ يُكافِحون بقلم الشاعرة عزيزة بشير

 300 طبيب وطبيبة يتخرّجون في كليّة الطّب في غزّة من على  رُكامِ  مستشفى الشّفاء رغم كلِّ شيء!


رغْم الدّمارِ على الدّمارِ  يُكافِحون

 رغم السّيولِ كما البحارِ …وَيغْرَقونْ


رغم الإبادةِ والمجاعةِ واللّظى

 فوقَ الرُّكامِ  ،بَنوهُمو ……يتخرّجونْ 


وعلى رُكامٍ  للشّفاء  تزاحَموا

كلّيّةٌ للطبِّ فيها،همْ….………مِئونْ


(غزّا) العَصيّةُ ليسَ يثنيها الحِصارْ

(غزّا) الأبيّةُ  ليسَ تثنيهَا… ..  السُّجونْ


كَمْ خرّجتْ للكَوْنِ حُفّاظَ الكِتاب

ِشيباً وشُبّاناً وأطفالاً  ……… …يَعونْ


وعْدٌ من الرّحمانِ يَنصُرُ جُندَهُ

مَهما عَتى الأعداءُ، قالَ…… سيُغلَبون


كلٌّ  (بغزّةَ) مؤمنٌ  ومُجاهِدٌ 

كلٌّ بقُدسِنَا ضفّةٍ. ………هُمْ مؤمِنونْ


واللهُ  ينصُرُ  مُؤمنينَ ،بَوعدِهِ

نِتْنٌ وجُندُهُ  والجُناةُ……  سَيُهزَمونْ


وسَتنْجَلي مهْمَا استبدَّ طُغاتُها

واسْوَدَّ ليلُها، يا عبادِي، ….ستُنصَرونْ


كلٌّ  يُؤمِّنُ،  لا سبيلَ لِكافِرٍ 

عَلَى مؤمنٍ، فترَبّصوا بِهِمُ  …المَنونْ!


عزيزة بشيرِ



المثقف كصوت للحقيقة: قراءة في مقولة إدوارد سعيد. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 المثقف كصوت للحقيقة: قراءة في مقولة إدوارد سعيد

( المثقف أوّل من يقاوم..وآخر من ينكسر..)

 


-المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها، والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ” (البرت أينشتاين)


-“المثقفون لديهم مشكلة:عليهم تبرير وجودهم.”(نعوم تشومسكي)


في عصر تخترقه خطابات الهيمنة،وتتشكل فيه تصوراتنا عبر وسائط معقدة،يصبح تفكيك تلك الخطابات ومساءلة آليات تشكيل الوعي ضرورة ملحّة،وتبرز قضية دور المثقف كإشكالية مركزية في فهم آلية عمل المجتمعات وتطورها.ففي عالم تطغى فيه لغات القوة وتتقنع الحقائق بأقنعة المصالح،وتتحول المعرفة في كثير من الأحيان إلى سلعة أو أداة للسيطرة،يصبح السؤال عن موقع المثقف ومسؤوليته أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. 

من هذا المنطلق،تأتي مقولة إدوارد سعيد،المفكر الفلسطيني الأمريكي الراحل وأحد أبرز منظري ما بعد الاستعمار،لتقدم إجابة حاسمة وجريئة: "وظيفة المثقف قول الحق في وجه القوة".

 هذه العبارة ليست مجرد شعار فلسفي،بل هي بيان وجودي يحدد معنى الالتزام الفكري في أعمق تجلياته،ويرسم خريطة طريق للمثقف الذي يرفض أن يكون أداة في يد السلطة بأشكالها المختلفة.

تقوم رؤية سعيد على تمييز حاد بين المثقف كمهنة أو وظيفة اجتماعية،والمثقف كموقف وجودي.فالمثقف الحقيقي،في نظره،ليس مجرد حامل للشهادات أو ممارس للمهن الفكرية،بل هو شخص يتبنى دور الشاهد والناقد،الذي يقف على هامش مراكز القوة لا في قلبها،والذي يجعل من قول الحقيقة-بكل ما تحمله من إزعاج-مهمته الأساسية.هذه الحقيقة ليست مطلقة مجردة،بل هي حقائق الواقع المعاش: حقائق الظلم،والقهر، والتزييف،والاستغلال.والقوة هنا متعددة الوجوه: قد تكون سلطة سياسية مستبدة،أو نظاما اقتصاديا جائرا،أو خطابا إعلاميا مهيمنا،أو حتى تيارا فكريا سائدا يفرض وصايته على العقول. ومن هنا،فقول الحق في وجه هذه القوة يعني رفض "التطبيل والتزمير"،ورفض أن يكون المثقف مجرد موظف في أجهزة الدولة أو مؤسسات السوق.إنه اختيار للجانب الإنساني الأخلاقي ضد منطق القوة الخالص،حتى عندما يكون هذا الموقف غير مربح،أو غير آمن،أو غير مرحب به.

ويتجلى نموذج المثقف الذي تصوره سعيد عبر التاريخ في شخصيات رفضت الصمت وخاطرت بمكانتها وراحتها من أجل قول ما تراه حقا.يمكننا أن نستحضر هنا الفيلسوف الفرنسي إميل زولا الذي نشر عام 1898 مقاله الشهير "إني أتهم..." مدافعا عن الضابط اليهودي ألفريد دريفوس الذي اتهم بالخيانة"ظلما"،متحديا بذلك الجيش الفرنسي والقومية المتعصبة والرأي العام المضلل. 

لقد دفع زولا ثمنا لهذه الوقفة بمنفاه وتشويه سمعته،لكنه حافظ على شرعية المثقف كحارس للحقيقة والعدالة.وفي العالم العربي،يبرز نموذج المفكر المصري نصر حامد أبو زيد،الذي دفع ثمن قراءاته النقدية للتراث الإسلامي باتهامه بالردة والتهديد بحياته،مما اضطره للهجرة.كما تذكرنا الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي بقولها: "الكلمة هي سلاح المثقف،ولا يجوز له أن يستسلم أو يخونه".أما في مواجهة الاستعمار،فكان لمثقفي حركات التحرر مثل فرانتز فانون ومالك بن نبي دور حاسم في فضح آليات القوة الاستعمارية وتفكيك خطابها المزيف عن "مهمة التحضير". هؤلاء جميعا لم يختاروا الطريق الأسهل،بل اختاروا الطريق الأكثر التزاما بإنسانيتهم.

واليوم.. 

يواجه المثقف اليوم أشكالا جديدة من القوة أكثر تعقيدا ودهاء من ذي قبل.فلم تعد القوة تقتصر على السلطة السياسية المباشرة،بل تتجلى في هيمنة الرأسمالية العابرة للقوميات،وآليات العولمة الثقافية التي تفرض نمطا واحدا للتفكير والاستهلاك،ووسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق فقاعات مغلقة وتزيّف الوعي.كما يواجه المثقف إغراء الاندماج في النظام،من خلال المؤسسات الأكاديمية التي قد تتحول إلى "برج عاجي" منعزل،أو وسائل الإعلام التي تقدم له الشهرة مقابل تلطيف خطابه. 

في هذا السياق،تصبح مقولة سعيد أكثر إلحاحا: فالمثقف مطالب بأن يظل متيقظا لهذه الأشكال الجديدة من الهيمنة،وأن يرفض أن يكون مجرد "خبير" يقدم خدماته لأصحاب السلطة والنفوذ. عليه أن يبقي مسافة نقدية من كل السلطات،بما فيها تلك التي قد تبدو "تقدمية" أو "تحررية"،لأن المهمة الأساسية هي مراقبة السلطة نفسها،أيا كان مصدرها وشكلها.

وتظل مقولة إدوارد سعيد "وظيفة المثقف قول الحق في وجه القوة" بيانا أخلاقيا خالدا ووصفا دقيقا للدور التاريخي الذي يمكن-ويجب-أن يلعبه أصحاب الفكر والكلمة في مجتمعاتهم.

 إنها تذكير بأن المعرفة التي لا تتحول إلى موقف أخلاقي،وإلى مساءلة للسلطة،وإلى دفاع عن المضطهدين،هي معرفة ناقصة بل ومشوهة. والمثقف الحقيقي،وفق هذا الرؤية،ليس مالكا للحقيقة المطلقة،بل هو ذلك الشخص الذي يتحمل مسؤولية البحث عنها وقولها،حتى عندما تكون مرّة،وحتى عندما تكلفه ثمنا باهظا.

و في عالمنا اليوم،حيث تتعقد أشكال القوة وتتخفى وراء خطابات براقة،وتتداخل المصالح وتتلبس ثياب المبادئ،تزداد الحاجة إلى هذا النموذج من المثقف الشجاع،الذي يرفض أن يكون مجرد صدى للأقوياء،ويصر على أن يكون صوتا للحقيقة والعدالة والإنسان. 

هنا تكمن روح المقاومة الفكرية،وهنا يتجلى المعنى العميق لالتزام المثقف: أن يكون،دائما وأبدا،في وجه القوة،حاملا لكلمة الحق،شاهدا على عصره،وضميرا لأمته.

وفي الختام،تمثل رؤية إدوارد سعيد للمثقف أكثر من مجرد نظرية،فهي دعوة حيوية لإحياء دوره في عصر يتهدده التحول إلى أداة ضمن آليات القوة.ويؤسس سعيد من خلال جدلية الحق والقوة إطارا أخلاقيا يقاوم به المثقف إغراءات العصر.فالمثقف لديه ليس أكاديميا فحسب،بل حامل لرسالة إنسانية تتطلب الشجاعة والاستقلال.

وفي عالمنا المعاصر،حيث تتنكر أشكال القوة وراء خطابات جذابة وتتخفى المصالح وراء شعارات براقة،تتعاظم الحاجة إلى ذلك المثقف الجريء الذي يرفض أن يكون صدى للأقوياء ويصر على أن يكون صوتا للحقيقة.

وتبقى علاقة المثقف بالسلطة إشكالية وجودية تتجاوز مجرد التعامل السطحي،لتمس صميم الدور والهوية: فابتعاده عنها يصون استقلاليته الفكرية ويمنحه مساحة للنقد،في حين أن اقترابه منها يهدده بالتحول إلى مجرد أداة تبريرية.بل وبالذوبان في آلة السلطة وفقدان البوصلة الأخلاقية.

وفي مواجهة تحديات العولمة الجارفة والثورة الرقمية المتسارعة والأزمات الإنسانية المتصاعدة التي تختبر إنسانيتنا الجماعية،تظل مقولة إدوارد سعيد خريطة طريق ضرورية وخلاصة حكمة لكل من يمارس الفكر بوصفه مسؤولية وجودية وأمانة في عنق التاريخ. فالمثقف الحقيقي هو من يبقى يقظا لوجوه القوة المتغيرة والمتخفية في آن،لا ينخدع بأقنعتها ولا يستسلم لإغرائها،ويصر على قول الحق حتى عندما تكون الأصوات خافتة والمساحات ضيقة والثمن باهظا.لأن في هذا الإصرار المستمر،وفي هذه الشجاعة الهادئة أو الصاخبة،يكمن خلاص كرامة الفكر من الابتذال،وخلاص كرامة الإنسان من التغييب،وخلاص المستقبل من استبداد اليقينيات الجاهزة.

وفي ختام المطاف،يظل المثقف العضوي-مع الاعتذار لغرامشي-هو الطليعة التي تتصدّى أولا.. والقلب الذي ينكسر أخيرا..فهو يحمل في صمته صرخة العالم،وفي كسره بذرة القيامة.لأن الوجود الحقيقي يبدأ حيث تنتهي السهولة،وتُولد الحقيقة من رحم المعاناة الواعية.وهكذا،في انكسار القلب الأخير،لا ينهار عالم،بل تُفتح نوافذ على عوالم لم تُخلق بعد،حيث يبقى السؤال هو الوطن الأخير للإنسان، والمسؤولية هي قصيدته الخالدة في وجه العدم.


محمد المحسن



الأحد، 1 فبراير 2026

قراءة نقدية: "الثلاثية الققجية بين الرمزية والأسطورة" الثلاثية القججية :"من الحشا؟ " الكاتبة: د. الهام عيسى (سوريا). الناقدة :جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية:

"الثلاثية الققجية بين الرمزية والأسطورة"

الثلاثية القججية :"من الحشا؟ "

الكاتبة: د. الهام عيسى (سوريا).

الناقدة :جليلة المازني (تونس)


التصدير:*


يرى بعض الأدباء أن "الشكل الإبداعي هو "صنعة"  فنية تتطلب مهارة عالية حيث يصبح النص تجسيدا حيّا لصدق التجربة".


وفي هذا الاطار تطالعنا الكاتبة إلهام عيسى بهذا الشكل الثلاثي في القصص القصيرة جدّا كصنعة فنية ذات مهارة عالية والذي دأبت عليه في انتاجها الابداعي.


* رمزية الرقم (3) : ما رمزية الرقم(3)  الذي اقترن بالأدب؟


 نطرح هذا السؤال لعل القارئ يدرك المغزى من تنضّد الكاتبة الهام عيسى..  


ان الرقم (3) في البنية السردية هو قاعدة الثلاثة التي يُنصح بها في الكتابة الأدبية (بداية/ وسط/ نهاية). فتعد الثلاثية هي التشكيل الأقوى.


ومن ناحية التوازن الوجودي : الزمان:الماضي/ الحاضر/ المستقبل.


ومن ناحية التوازن الروحي: الانسان :الجسد/ الروح/ العقل.


وبالتالي فالرقم 3 في الادب ليس مجرد عدد بل هو رمز فني وروحي يمنح النص هيكلا متوازنا ودلالات عميقة ترتبط بالكمال والنموّ


يرى بعض الباحثين أن الرقم(3)  في الأدب والثقافات المختلفة  يرمز الى الكمال والوحدة والتكامل والخلق والحكمة ويظهر في "قاعدة الثلاثة" لزيادة التأثير السردي.


"يتواجد الرقم( 3) بشكل متكرر في الأدب والأساطير حيث يستخدم للتعبير عن المفاهيم الأساسية مثل البداية , الوسط , النهاية..(1).


في الشعر والروايات تشكل الصيغ المؤلفة من ثلاثة عناصر شكلا جذابا يسهم في "عمق النص و جاذبيته " .


وفي هذا الإطار فإن الكاتبة جمعت بين الشكل الجذاب وعمق النص لزيادة التأثير السردي في الثلاثية الققجية.


إن هذه الموازنة بين الشكل والمضمون تقتضي سمات محددة في قراءة هذه الثلاثية الققجية كمقياس لمدى الحكائية والقصصية بها.


* التحليل: "الثلاثية الققجية بين الرمزية والأسطورة."


1- في قراءة العنوان:


أسندت الكاتبة عنوانا للثلاثية الققجية قائما على الاستفهام "من الحشا؟" وهي جملة مبنية على الحذف. لقد حُذف الفعل للتأكيد على الحشا ..فأصل الجملة "من يسكن الحشا؟.


والحشا حسب اللغويين تشير في السياق العاطفي "يسكن الحشا" الى الحب الشديد.


ولعل الكاتبة باستخدام الاستفهام تتساءل عمّن يسكن القلب والحشا ولعلنا في صلب التحليل نقف عمّن يسكن الحشا ويستحق الحبّ الشديد..


2- سمات الثلاثية الققجية وأهدافها:


ان الثلاثية الققجية  تقتضي سمات تتميّز بها وهي سمات على ضوئها يتم التناغم والاتساق بين القصص .ق.ج الثلاث للثلاثية وهي سمات كمقياس لمدى الحكائية والقصصية بالثلاثية:


لو تأمّلنا بأهمّ سمات هذه الظاهرة الأدبية الثلاثية نلاحظ أنها تهدف بالأساس الى:


أ- تصوير الواقع.. أي ملمح يميل الى الجانب التصويري؟.


ب - التميّز بالدّائرية (عودة الأبطال بالظهور في معظم المراحل الثلاث).


ج - حصول نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ .. مع خيط رفيع رابط بينها.


لعلّ هذا ما جعلنا نعتبر الكاتبة  الهام عيسى تنخرط في ظاهرة الثلاثية لتحقّق الملامح الثلاثة السالفة وتحقق الحكائية والقصصية بها.


3- تجليات السمات الثلاث بثلاثية الكاتبة الهام عيسى " من الحشا؟":


 أ- تصوير الواقع.. أي ملمح يميل الى الجانب التصويري؟.


+ الققجية الأولى: "صلاة بلا محراب"


 لقد أسندت الكاتبة عنوانا للققجية يحمل مفارقة حين تكون الصلاة بلا محراب فأي صلاة في غياب المحراب الذي هو المكان الذي يشير الى القبلة عند الصلاة؟


تستهل الكاتبة  الققجية الأولى  بمشهد أمّ هاربة بأطفالها من هول الرصاص الذي لا ينبئ بالنجاة بل بالسفر . والسفر يحتمل أخطارا ومخاوف قد يخبئها الغيب.


ان هذه الأمّ بقدْر ماهي خائفة على أطفالها بقدْر ما تُسرّ وجع الخذلان وهي في ذلك تتضرّع الى الله وتشكو اليه كل من كان سببا في خذلانها لتكون مشرّدة بأطفالها .(فأدت صلاتها بصمت وبلا وضوء) .


بيْد أن هذه الأمّ  تخلق من الضعف قوة لحماية أطفالها وقد عبرت الكاتبة بامتياز على حرصها على حمايتهم باستخدام جمل فعلية دالة على الحركة والمقاومة ( حملت/ تأوي/ قفزت/ ذراعاها ترميان هالة من نور/ تصدان ريح الخوف/ رفعت رأسها النازف بالخذلان/  فأدّت صلاتها بصمت وبلا وضوء/ تتطلع دروب الغيب/ تسجل التاريخ على عداد الزمن وتدوّن)


ان هذه الأم (وقد تكون أمّا فل.سطي نية)وهي تحاول النجاة من رصاص العدوّ الغاشم تناضل وهي في طريقها دون وجهة (تتطلع دروب الغيب) فلا الزمان يستعجلها للنجاة مع أطفالها ولا المكان يرحمها لتحط رحالها(تلوك الساعات والمحطات).


إنها أمّ واعية بكل ما يحصل (تسجل التاريخ على عداد الزمن) .


وكأني بالكاتبة  قد جعلتها وبنبرة متهكمة تحاسب المجرمين الذين زيّفوا التاريخ وذرّوا الرماد على العيون برفع شعار للحرية كذبا وبهتانا(وتدوّن: كم فقأوا عيون التاريخ برماد شيطنتهم و فخخو ا الصباح بقنابل ترفع شعار الحرية).


ان هذه الأمّ هي مفرد في صيغة الجمع ..إنه مشهد كل أمّ فل.سطي.نية  تخاف على أطفالها من قصف الرصاص فتلوذ بالهرب دون وجهة بما يتهدّدُها من أخطار الطريق.


 انه التشرد اليومي المعيش بسبب هول الحرب..


+ الققجية الثانية :"وجه آخر للبتول"


تواصل الكاتبة وبنبرة متألمة وصف المشهد المريع والبشع باستخدام  المفارقات العجيبة (هياكل بشرية حية , جثث صامتة كأنها حياة بلا حراك/ أدمغة تنبعث منها رائحة العفن تحمل في تلافيفها صورا ميتة كانت غنائم وسبايا).


ان هذا المشهد البشع قد ألجم اللسان وأخمد الصوت(سرطان الصمت فتك بحبر القلم)


إنه اختناق وانتهاك لحرية التعبير .


لقد استدعت الكاتبة الشخصية الدينية مريم العذراء تقديسا لهذه الأم الفل سط ينية التي "أنذرت لله صوما ألا تكلم إنسيا "أمام مشهد مريع من الأموات والجثث.


وأصبح البرقع المبارك غشاء إجرام يتسترون به ويتقنعون به لإيهام الضحايا ببراءتهم الكاذبة وإخفاء جريمتهم(وهم بارعون في ليّ عنق التاريخ حتى الزيف).


ان الكاتبة استدعت الشخصية الدينية مريم العذراء البتول  في وجه آخر. انها كناية عن الأمّ الفل.سط.ينية في قداستها وفي تحملها المسؤولية وفي صبرها على الأذى الذي يلاحقها من أعداء الحق الذين هم في ظاهرهم برقع مبارك وباطنهم إجرام صارخ.


والكاتبة قد عبرت بامتياز على تحقير أعداء الحق واصحاب الزيف بالحديث عنهم بضمير الغائب الجمع دون ذكر  اسمهم المشين (وهم بارعون في ليّ عنق التاريخ حتى الزيف) .


وفي هذا الاطار كأني بالكاتبة تلمّح الى ان التاريخ يكتبه المنتصرون ويكيفون كتابته حسب مصالحهم وكأني بها تردد ما قاله الشابي في المستعمر للشعب التونسي:


سخرت بأنات شعب ضعيف // وكفك مخضوبة من دماه.


+ الققجية الثالثة: "جدائل التاريخ"


تواصل الكاتبة باستدعاء أسطورة عشتار وهي آلهة الجمال والحب والحرب والخصوبة وقد جسّدت القوة والدمار في أساطير أخرى والكاتبة قد كنّتْ عن هذه الأم الفل.سط.ينية بعشتار كرمز للحب والجمال من جهة هذا الحب الذي تمثل هنا في حب أطفالها والذود عنهم  وهي أيضا رمز للعنف والحرب من جهة أخرى في مقاومتها للعدوّ حبّا لبلدها المُغتصَب .


وكأني بالكاتبة تتباهى بالمرأة الفل.سط.ينية التي جمعت بين الوجدان والعقل وبين مرونة القلب وقوّة العقل تماما كالآلهة عشتار.


وهل أكثر من أن الكاتبة الهام عيسى وهي تفخر بهذه الأم الفل.سطي.نية  لم ترمز اليها  بالبتول في قداستها وعشتار المتوازنة بين الحب والحرب  فحسب بل أضفت عليها الأسطورية حين رمزت لها بطائر الفينيق وهو طائر أسطوري خالد يرمز الى التجدد والبعث واشتهر بقدرته على النهوض من  رماد جسده المحترق ليبدأ حياة جديدة. انه التحدي للموت لمقاومة العدوّ.


أما العدوّ فرمزت اليه بالغراب الذي يعود نعيقه عليه بالوبال.


وكأني بهذه الأم الفل.سط.ينية تردّد متوعدة العدوّ قول الشابي وهو يتوعّد المستعر (2):


حذاري... فتحت الرماد اللهيب// ومن يزرع الشوك يجني الجراح


وفي هذا الاطار فان الأم الفل.سطي.نية تسكن الحشا كما ورد في العنوان الشامل لأنها:


- البتول في صبرها وتتحمّل مسؤولية حماية أطفالها .


- عشتار التي جمعت بين الحب والحرب :حبها لأطفالها ومقاومة العدوّ الذي يفْتِكُ ببلدها


- طائر الفينيق الذي لا يهاب الموت ويتحدى الفناء ليبعث من جديد ويقاوم ولن ينهزم


وبالتالي فان الكاتبة قد صنعت من هذه الأم الفل.سط.ينية أسطورة تسكن الحشا والقلب حبا واكراما لها.


ب - التميّز بالدّائرية (عودة الأبطال بالظهور في معظم المراحل الثلاث).


ان الثلاثية الققجية قد اتسمت بالدائرية لعودة المرأة الأم في كل ققجية من الققجيات الثلاث:


- في القجية الاولى :المرأة هي الأمّ التي تحمي أطفالها .


- في الققجية الثانية :  المرأة هي الأم المقدسة والصابرة على الأذى وهي وجه آخر لمريم العذراء البتول.


- في الققجية الثالثة تعود هذه المرأة الأمّ في صورة الآلهة عشتار التي جمعت بين حبّ أطفالها ومقاومة العدوّ تماما كما عشتار التي جمعت بين الحب والحرب.


وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى قد أتقنتْ لعبة الحبكة في الثلاثية الققجية التي نسجتها بخيط رفيع يربط بينها بحيث يحصل نفع القراءة من أيّ مرحلة تبدأ وهي السمة الثالثة التي تقتضيها حبكة الثلاثية الققجية وتتميّز بها:


ج - حصول نفع القراءة من أي مرحلة تبدأ .. مع خيط رفيع رابط بينها:


+ البداية :لقد لعبت الكاتبة في سردها على الشخصية واختارت المرأة الفل.سطي.نية كأمّ تحمي أبناءها وهي الامّ البتول بقداستها (الوسط) لتصبح في قيمة الآلهة عشتار التي جمعت بين الحب والحرب بل أكثر من ذلك جعلت منها أسطورة طائر الفينيق الذي يتحدى الموت ويتجدد من رماده (النهاية).


+ الوسط: لو بدأ القارئ بالققجية الثانية (الوسط)  فهو يقف على قداسة هذه الأمّ الفل.سط.ينية التي تحمي أطفالها مهما كلفها ذلك(البداية) وباعتبارها أما "قديسة " فالكاتبة تضفي عليها صفة الآلهة عشتار التي جمعت بين القلب والعقل وبين الحق العاطفي في حب أطفالها والواجب الوطني لمقاومة العدو وأكثر من ذلك إنها الأمّ المتحدية للموت والفناء تماما كطائر الفينيق(النهاية).


+ النهاية: لو بدأ القارئ القراءة من الققجية الثالثة (النهاية) لوقف على مكانة الأم الفل.سط.ينية التي كنّتْ عنها الكاتبة بالآلهة عشتار لجمعها بين الحب لاطفالها والحرب لمقاومة العدوّ ومتحدية  الموت والفناء لاستمرارية المقاومة تماما كطائر الفينيق, ليراها في وجه آخر لمريم العذراء البتول(الوسط) .وصفة القداسة (البتول وعشتار) و صفة التحدي يجعلان منها أمّا تحمي أطفالها الذين هم مستقبل فل.سط.ين.


 وفي هذا الاطار لئن كانت الكاتبة الهام عيسى قد صنعت من الأم والمرأة الفل.سط.ينية في المطلق أسطورة وتراها رمزا  فما رمزية المرأة الفل.سط.ينية عند غيرها من المفكرين والادباء؟؟


لعل الكاتبة هنا تتقاطع مع المفكرة المصرية نوال السعداوي التي نظرت للمرأة الفل.سط.ينية  حسب بعض النقاد "كنموذج للمرأة  المناضلة والمقاومة مشيدة بقدرتها على الصمود في وجه الاحتلال الص.هي.وني والظروف السياسية الصعبة معتبرة إياها جزءا لا يتجزأ من النضال العربي  الشامل ضد الاستعمار وحثت على التضامن العالمي معها".


أما محمد درويش الشاعر الفل.سط.يني المقاوم بقلمه يرى في المرأة الفل.سط.ينية  حسب النقاد:" هي رمز للوطن وللصمود (الام / الرفيقة) وقد مثلت المرأة الصبورة والمناضلة وأم الشهيد والرفيقة في رحلة الشتات.."


إن محمود درويش يعتبرها "سيدة الأرض" التي تستحق الحياة" .. يقول محمود درويش "نراها اليوم تناضل لانتزاع حقها في المشاركة في صنع القرار" (3).


والكاتبة الهام عيسى  في هذا السياق قد ارتقت بالثلاثية الققجية "من الحشا؟" الى العالمية


فهي تتقاطع مع المفكرة القديرة نوال السعداوي وتعانق تفكير الشاعر الفل.سط.يني الفذّ محمود درويش.


سلم قلم الكاتبة الهام عيسى هذا القلم الذي ارتقى بالأمّ  وبالمرأة الفل.سط.نية نحو الرمزية والاسطورة.


بتاريخ 29/ 01/ 2026


المراجع:


(1) الكاتب لاري باس- قوة الثلاثة- شبكة القصص.


(2) ديوان الشابي –قصيدة "الى طغاة العالم".


(3) محمود درويش "لن اسميك امراة ساسميك كل شيء". المراة الفل.سط.ينية  الحاضرة في قصائد محمود درويش-11/ نوفمبر/ 2021


من الحشا؟!====== ثلاثية ق ق ج


الهام عيسى


=====صلاة بلا محراب


حملت أطفالها كما تأوي الطيور إلى أعشاشها، قفزت فوق الحواجز كأن النار تحت أقدام البشر، أنين العالم مختبئ في حنجرتها، عزف الرصاص لحنًا يتيمًا يخبرهم بالسفر لا بالنجاة، كانت ذراعاها ترميان هالة نور على صغارها وتصدّان ريح الخوف عنهم، سواحل يديها وطنًا آمنًا، رفعت رأسها النازف بالخذلان، لم يكن في عينيها محراب، فأدّت صلاتها بصمت وبلا وضوء، وهي تتطلع دروب الغيب، تلوك الساعات والمحطات، تسجّل التاريخ على عدّاد الزمن، وتدوّن: كم فقأوا عيون التاريخ برماد شيطنتهم وفخخوا الصباح بقنابل ترفع شعار الحرية.


وجه آخر للبتول====


هياكل بشرية حيّة، جثث صامتة كأنها حياة بلا حراك، أدمغة تنبعث منها رائحة التعفّن تحمل في تلافيفها صورًا ميتة كانت غنائم وسبايا، سرطان الصمت فتك بحبر القلم، كان وجه البتول في عفّتها ومخاضها هو الوقت نفسه، قميصًا قديمًا جفّت كلماته، كان غشاؤه برقع إجرام لبسوه على وجوههم، وحده الماء الزلال يطهّر ذاكرة الجبل، وهم بارعون في لَيّ عنق التاريخ حتى الزيف.


جدائل التاريخ=====


فيما كانت الشمس تحيك ضفائرها، كانت تمشّط جدائل الحروف وتنقش أبجديتها على الحجارة، ترسم عشتار وتستنهض طائر الفينيق ليعانق بقايا الأزمنة في زوايا العدم، كان النص يمشي حافيًا تحت أنقاض الألم، قصّت جدائلها على لحن نعيق الغراب كنذير شؤم مرّ هنا ذات يوم لعلّه يخمد جذوة الموت والحقد المرتسم عند السّابتون، ما زال ضجيج بكائها نوتة تقطر لها القلوب الولهة، لم تشأ إكمال جديلتها فاتّخذت من شعرها مذبحًا للطريق، واختفت بين رمال التاريخ.