قراءة نقدية: " عندما تصبح الخيبة في الحب بداية "
الرباعية: مفتونة أنتِ..
الشاعر التونسي: طاهر مشي
الناقدة التونسية: جليلة المازني
القراءة النقدية: " عندما تصبح الخيبة في الحب بداية "
ان الرباعية للشاعر طاهر مشي محكومة بالعديد من الثنائيات :
ثنائية ضمير المتكلم المفرد(أنا) وضمير المخاطبة(أنتِ)
ثنائية التعلق الشديد بالحب والانكسار
ثنائية الحضور والغياب
ثنائية الحلم والواقع
ثنائية الخيبة والتحدي
ثنائية الفضاء
والثنائيات الضدية هي "بنية لغوية تترجم نفسية الشاعر واختلاجاته الداخلية ويُعد توظيف الثنائيات الضدية من القضايا المهمة التي شاعت في الشعر العربي المعاصر حتى أصبح سمة بارزة من سماته.. إن كل شيء في الوجود يحمل معه نقيضه وتناقضا صارخا بين موقفين أو حالتين أو تصوّرين يقف كل منهما في مواجهة الآخر موقف الضد من الضد.. وكلما كثر التضاد في النص زادت حدّة الشعرية كما في شعر أدونيس"(1)
استهل الشاعر رباعيته باستخدام ضمير المخاطبة "مفتونة أنتِ...ومكسورة بالسراب"
والمفتونة تعني في قاموس المعاني "المرأة الشديدة التعلق بشخص ما, والتي سُلب عقلها من شدة الاعجاب او الحب".
ان هذه المخاطبة تعيش حالة نفسية تعكس تمزّقها بين شعورين متضادين بين شعورها بانها مفتونة بالحب وشعورها بالانكسار لان هذا الحب سراب.
وبالتالي فهي بين الحب واللاحب.
والشاعر استخدم صيغة اسم المفعول(مفتونة/ مكسورة) لا لإضفاء السلبية على الحبيبة التي لم تكن فاعلة في مشاعرها بل ليسلط الضوء على صراع هي تعيشه بين حالتين:
انها بقدر ما كانت مفعولا بها في الحب بقدر ما كانت مفعولا بها في الانكسار.
وفي هذا الاطار يتدخل الحبيب لعله يستبدل الغياب بالحضور لكنه يعود بملح الغياب فيقول:
أحلق بين ظن لا يطال يداه
وأرجع مثقلا بملح الغياب
والشاعر قد سخّر المكان بكل فضاءاته الخيالية ليظفر بالحضور لكن الغياب كان قدره وقد استخدم معجمية لغوية دالة على المكان(أحلق بين ظن/ أطارد وهج الآتي/ لأخطئ البحر) وجمع بين مدلول المكان والفضاء المعنوي الذي يتخيله.
فلا التحليق ارتقى بظنه الى اليقين ولا مطاردة وهج الآتي حقق له الحضور بدل الغياب ولا البحر دلّه الى الصواب.
إزاء هذه المتناقضات يعيش الشاعر صراعا بين الحلم والواقع وبين الحضور والغياب وبين الخيبة والأمل انه صراع وجداني ووجودي .
والشاعر في ذلك يتقاطع مع الشاعر السوري أدونيس في الثنائيات المتضادة التي تثير فضول القارئ ليتدخل هذا الأخير متسائلا:
- هل أن الشاعر(الحبيب) سيستسلم للخيبة التي جناها في كل فضاء؟
- هل أن الحبيب سيختار التحدي ويخلق من الضعف قوة ليجعل الخيبة تنبض بالحياة لتصبح بداية جديدة ؟
ازاء تساؤلاته قد يستحضر القارئ بعض الآراء :
+ آراء علماء النفس : "ان عدم الاستسلام لخيبة الحب يكمن في تحويل الألم الى وعي ونضج عاطفي, عبر تقبل المشاعر دون قمعها وادراك أن الحب مهارة تُتعلّم وليس مجرد احساس عابر".
+ آراء المختصين ينصحون بضرورة تقبل الواقع و بإعادة تقييم نمط التعلق وتعزيز تقدير الذات لتجنب التعلق المؤذي"
+ آ راء الفلاسفة:
- نيتشة يرفض الاستسلام للخيبة في الحب عبر تحويله من عاطفة عمياء الى فعل واع لتثمين الحياة بدل الانكسار.
- الرازي يدعو الى عدم الاستسلام للخيبة عبر استخدام العقل.
- أفلاطون يعتبر الخيبة في الحب المادي هي فرصة للارتقاء من "حب الجسد" الى حب الجمال الروحي والعقلي مما يقي من الانكسار.
وبالتالي فالفلاسفة يدعون الى" تثقيف العاطفة " لتجاوز الخيبة حيث لا ينبغي للحب أن يكون سببا للإنهيار والتعاسة بل وسيلة للمعرفة والنمو الشخصي.
+ آراء الشعراء: انهم لا يستسلمون لخيبة الحب بل يحوّلونها الى طاقة ابداعية متجاوزين الألم عبر التعبير الوجداني العالى والتورط العاطفي المستمر رغم قسوة الانهيار .هم يرفضون الانكسار بالتمسك بالأمل في الحب معتبرين أن القدرة على العشق - حتى بعد الفشل- هي جوهر قوتهم ويحولون الخيبة الى قصائد خلود.
ان خيبة الحب عند الشعراء هي "خيبة مؤقتة" تفتح الباب لتجربة حب جديدة وأعمق ممّا يجعل عدم الاستسلام سمة رئيسية في شخصيتهم الحالمة. انه تحدي الواقع بالحلم.
وبالتالي فان عدم الاستسلام لخيبة الحب ليس مجرد نسيان بل هو فعل مقاومة وإعادة بنا ء للذات حيث تتحول الخيبة من نهاية الطريق الى دافع لاكتشاف القوة الكامنة في الروح.
وازاء هذه الآراء لعلماء النفس والمختصين والفلاسفة والشعراء أين يتموقع الشاعر طاهر مشي من عدم الاستسلام للخيبة في الحب؟
يقول الشاعر طاهر مشي:
وإن خانني الأفق البعيد مرارة
أواسي جناحي بالحنين وبالشهاب
ان الشاعر لا يشذّ عن أراء علماء النفس والمختصين والفلاسفة ويتقاطع مع "بني جنسه من الشعراء" ليلوذ بالحنين فيكون الحضور بالغياب وبالشهاب الذي يقذف نورا في قلبه يجعله يتجاوز تلك الخيبة ولا يستسلم اليها لتصبح تلك الخيبة ضوءا يضيء عتمتها لتتحول من نهاية طريق مظلم الى بداية جديدة مضيئة لحياته.
وبالتالي فإن خيبة الحب في الحاضر لدى الشاعر طاهر مشي هي "خيبة مؤقتة "دون استسلام فتجعله يسترجع جمال الماضي ويرنو الى المستقبل وتكون الخيبة بداية جديدة لأمل جديد ونبْضا جديدا للمعنى وهذا ما يصطلح عليه في التنمية البشرية ب "تحويل الضغوطات الى موارد" ليكون عدم الاستسلام للخيبة في الحب تحدّيا وتمردا على كل صراع وجداني ووجودي يكبّل الانسان.
و في هذا الاطار فإن الرباعية الشعرية "مفتونة أنتِ" قد ارتقتْ بالشاعر طاهر مشي الى العالمية بتقاطعه مع علماء النفس والمختصين والفلاسفة ومعانقة الشعراء الذين تحدّوْا الاستسلام للخيبة وحوّلوها الى بداية جديدة نابضة تشي بعظمتهم.
سلم قلم الشاعر طاهر مشي المتحدي والمتمرد .
بتاريخ 18/ 02/ 2026
المرجع:
(1) الثنائيات الضديات في مجموعة قصائد أولى لأدونيس- مركز المعرفة الرقمي- مؤلف مشارك رضا بو محيسني رضا.
القصيدة الرباعية للشاعر طاهر مشي:
مفتونةٌ أنتِ… ومكسورةٌ بالسَّرابِ
أحلّقُ بينَ ظنٍّ لا يطالُ يداهُ
وأرجعُ مثقلًا بملحِ الغيابِ
أطارِدُ وهجَ الآتي كأنّي
خُلِقتُ لأُخطئَ البحرَ… ثم أُصابِ
وإن خانني الأفقُ البعيدُ مرارَةً
أواسي جناحي بالحنينِ وبالشِّهابِ
اااااااااااااااااااااااااااااااااااا
طاهر مشي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق