الخميس، 5 فبراير 2026

المثقف كصوت للحقيقة: قراءة في مقولة إدوارد سعيد. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 المثقف كصوت للحقيقة: قراءة في مقولة إدوارد سعيد

( المثقف أوّل من يقاوم..وآخر من ينكسر..)

 


-المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها، والعباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ” (البرت أينشتاين)


-“المثقفون لديهم مشكلة:عليهم تبرير وجودهم.”(نعوم تشومسكي)


في عصر تخترقه خطابات الهيمنة،وتتشكل فيه تصوراتنا عبر وسائط معقدة،يصبح تفكيك تلك الخطابات ومساءلة آليات تشكيل الوعي ضرورة ملحّة،وتبرز قضية دور المثقف كإشكالية مركزية في فهم آلية عمل المجتمعات وتطورها.ففي عالم تطغى فيه لغات القوة وتتقنع الحقائق بأقنعة المصالح،وتتحول المعرفة في كثير من الأحيان إلى سلعة أو أداة للسيطرة،يصبح السؤال عن موقع المثقف ومسؤوليته أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. 

من هذا المنطلق،تأتي مقولة إدوارد سعيد،المفكر الفلسطيني الأمريكي الراحل وأحد أبرز منظري ما بعد الاستعمار،لتقدم إجابة حاسمة وجريئة: "وظيفة المثقف قول الحق في وجه القوة".

 هذه العبارة ليست مجرد شعار فلسفي،بل هي بيان وجودي يحدد معنى الالتزام الفكري في أعمق تجلياته،ويرسم خريطة طريق للمثقف الذي يرفض أن يكون أداة في يد السلطة بأشكالها المختلفة.

تقوم رؤية سعيد على تمييز حاد بين المثقف كمهنة أو وظيفة اجتماعية،والمثقف كموقف وجودي.فالمثقف الحقيقي،في نظره،ليس مجرد حامل للشهادات أو ممارس للمهن الفكرية،بل هو شخص يتبنى دور الشاهد والناقد،الذي يقف على هامش مراكز القوة لا في قلبها،والذي يجعل من قول الحقيقة-بكل ما تحمله من إزعاج-مهمته الأساسية.هذه الحقيقة ليست مطلقة مجردة،بل هي حقائق الواقع المعاش: حقائق الظلم،والقهر، والتزييف،والاستغلال.والقوة هنا متعددة الوجوه: قد تكون سلطة سياسية مستبدة،أو نظاما اقتصاديا جائرا،أو خطابا إعلاميا مهيمنا،أو حتى تيارا فكريا سائدا يفرض وصايته على العقول. ومن هنا،فقول الحق في وجه هذه القوة يعني رفض "التطبيل والتزمير"،ورفض أن يكون المثقف مجرد موظف في أجهزة الدولة أو مؤسسات السوق.إنه اختيار للجانب الإنساني الأخلاقي ضد منطق القوة الخالص،حتى عندما يكون هذا الموقف غير مربح،أو غير آمن،أو غير مرحب به.

ويتجلى نموذج المثقف الذي تصوره سعيد عبر التاريخ في شخصيات رفضت الصمت وخاطرت بمكانتها وراحتها من أجل قول ما تراه حقا.يمكننا أن نستحضر هنا الفيلسوف الفرنسي إميل زولا الذي نشر عام 1898 مقاله الشهير "إني أتهم..." مدافعا عن الضابط اليهودي ألفريد دريفوس الذي اتهم بالخيانة"ظلما"،متحديا بذلك الجيش الفرنسي والقومية المتعصبة والرأي العام المضلل. 

لقد دفع زولا ثمنا لهذه الوقفة بمنفاه وتشويه سمعته،لكنه حافظ على شرعية المثقف كحارس للحقيقة والعدالة.وفي العالم العربي،يبرز نموذج المفكر المصري نصر حامد أبو زيد،الذي دفع ثمن قراءاته النقدية للتراث الإسلامي باتهامه بالردة والتهديد بحياته،مما اضطره للهجرة.كما تذكرنا الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي بقولها: "الكلمة هي سلاح المثقف،ولا يجوز له أن يستسلم أو يخونه".أما في مواجهة الاستعمار،فكان لمثقفي حركات التحرر مثل فرانتز فانون ومالك بن نبي دور حاسم في فضح آليات القوة الاستعمارية وتفكيك خطابها المزيف عن "مهمة التحضير". هؤلاء جميعا لم يختاروا الطريق الأسهل،بل اختاروا الطريق الأكثر التزاما بإنسانيتهم.

واليوم.. 

يواجه المثقف اليوم أشكالا جديدة من القوة أكثر تعقيدا ودهاء من ذي قبل.فلم تعد القوة تقتصر على السلطة السياسية المباشرة،بل تتجلى في هيمنة الرأسمالية العابرة للقوميات،وآليات العولمة الثقافية التي تفرض نمطا واحدا للتفكير والاستهلاك،ووسائل التواصل الاجتماعي التي تخلق فقاعات مغلقة وتزيّف الوعي.كما يواجه المثقف إغراء الاندماج في النظام،من خلال المؤسسات الأكاديمية التي قد تتحول إلى "برج عاجي" منعزل،أو وسائل الإعلام التي تقدم له الشهرة مقابل تلطيف خطابه. 

في هذا السياق،تصبح مقولة سعيد أكثر إلحاحا: فالمثقف مطالب بأن يظل متيقظا لهذه الأشكال الجديدة من الهيمنة،وأن يرفض أن يكون مجرد "خبير" يقدم خدماته لأصحاب السلطة والنفوذ. عليه أن يبقي مسافة نقدية من كل السلطات،بما فيها تلك التي قد تبدو "تقدمية" أو "تحررية"،لأن المهمة الأساسية هي مراقبة السلطة نفسها،أيا كان مصدرها وشكلها.

وتظل مقولة إدوارد سعيد "وظيفة المثقف قول الحق في وجه القوة" بيانا أخلاقيا خالدا ووصفا دقيقا للدور التاريخي الذي يمكن-ويجب-أن يلعبه أصحاب الفكر والكلمة في مجتمعاتهم.

 إنها تذكير بأن المعرفة التي لا تتحول إلى موقف أخلاقي،وإلى مساءلة للسلطة،وإلى دفاع عن المضطهدين،هي معرفة ناقصة بل ومشوهة. والمثقف الحقيقي،وفق هذا الرؤية،ليس مالكا للحقيقة المطلقة،بل هو ذلك الشخص الذي يتحمل مسؤولية البحث عنها وقولها،حتى عندما تكون مرّة،وحتى عندما تكلفه ثمنا باهظا.

و في عالمنا اليوم،حيث تتعقد أشكال القوة وتتخفى وراء خطابات براقة،وتتداخل المصالح وتتلبس ثياب المبادئ،تزداد الحاجة إلى هذا النموذج من المثقف الشجاع،الذي يرفض أن يكون مجرد صدى للأقوياء،ويصر على أن يكون صوتا للحقيقة والعدالة والإنسان. 

هنا تكمن روح المقاومة الفكرية،وهنا يتجلى المعنى العميق لالتزام المثقف: أن يكون،دائما وأبدا،في وجه القوة،حاملا لكلمة الحق،شاهدا على عصره،وضميرا لأمته.

وفي الختام،تمثل رؤية إدوارد سعيد للمثقف أكثر من مجرد نظرية،فهي دعوة حيوية لإحياء دوره في عصر يتهدده التحول إلى أداة ضمن آليات القوة.ويؤسس سعيد من خلال جدلية الحق والقوة إطارا أخلاقيا يقاوم به المثقف إغراءات العصر.فالمثقف لديه ليس أكاديميا فحسب،بل حامل لرسالة إنسانية تتطلب الشجاعة والاستقلال.

وفي عالمنا المعاصر،حيث تتنكر أشكال القوة وراء خطابات جذابة وتتخفى المصالح وراء شعارات براقة،تتعاظم الحاجة إلى ذلك المثقف الجريء الذي يرفض أن يكون صدى للأقوياء ويصر على أن يكون صوتا للحقيقة.

وتبقى علاقة المثقف بالسلطة إشكالية وجودية تتجاوز مجرد التعامل السطحي،لتمس صميم الدور والهوية: فابتعاده عنها يصون استقلاليته الفكرية ويمنحه مساحة للنقد،في حين أن اقترابه منها يهدده بالتحول إلى مجرد أداة تبريرية.بل وبالذوبان في آلة السلطة وفقدان البوصلة الأخلاقية.

وفي مواجهة تحديات العولمة الجارفة والثورة الرقمية المتسارعة والأزمات الإنسانية المتصاعدة التي تختبر إنسانيتنا الجماعية،تظل مقولة إدوارد سعيد خريطة طريق ضرورية وخلاصة حكمة لكل من يمارس الفكر بوصفه مسؤولية وجودية وأمانة في عنق التاريخ. فالمثقف الحقيقي هو من يبقى يقظا لوجوه القوة المتغيرة والمتخفية في آن،لا ينخدع بأقنعتها ولا يستسلم لإغرائها،ويصر على قول الحق حتى عندما تكون الأصوات خافتة والمساحات ضيقة والثمن باهظا.لأن في هذا الإصرار المستمر،وفي هذه الشجاعة الهادئة أو الصاخبة،يكمن خلاص كرامة الفكر من الابتذال،وخلاص كرامة الإنسان من التغييب،وخلاص المستقبل من استبداد اليقينيات الجاهزة.

وفي ختام المطاف،يظل المثقف العضوي-مع الاعتذار لغرامشي-هو الطليعة التي تتصدّى أولا.. والقلب الذي ينكسر أخيرا..فهو يحمل في صمته صرخة العالم،وفي كسره بذرة القيامة.لأن الوجود الحقيقي يبدأ حيث تنتهي السهولة،وتُولد الحقيقة من رحم المعاناة الواعية.وهكذا،في انكسار القلب الأخير،لا ينهار عالم،بل تُفتح نوافذ على عوالم لم تُخلق بعد،حيث يبقى السؤال هو الوطن الأخير للإنسان، والمسؤولية هي قصيدته الخالدة في وجه العدم.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق