رمضان بلا أبي..حين يضيء الهلال على جرح لا يندمل..
(قراءة في مرثية الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي لأبيه الغائب-الحاضر)
-في زحام الأيام ولهاث العمر،تأتي لحظات تتوقف عندها الروح لتلتقط أنفاسها..لحظات تكون فيها الذكرى أثقل من الحاضر،والحنين أبلغ من الكلام. وهنا،في أولى ليالي رمضان،حيث تتزين الدنيا باستقبال الضيف الكريم،يقف الابن وحيدا أمام غيابٍ لا يردُّه الدعاء،وفراغٍ لا يملؤه إلا من كان يملأ الدنيا حضورا.يعود الهلال،لكنه هذه المرة لا يحمل معه بهجة اللقاء،بل يضيء على جرح غائر في عمق الفؤاد.يعود رمضان حاملً عبق الأب وطيب الذكرى،فينشقُّ القلب بين فرحة الشهر الفضيل وحسرة الفقد الموجع.
في هذه القصيدة،يرثي الشاعر طاهر مشي أباه الغائب،في مزيج مؤلم من استقبال رمضان ووداع الأب،حيث تصبح العبادات مشحونة بالشوق، وتتحول تفاصيل البيت إلى شهود على غياب لا يُعوَّض.
القصيدة
إلى أبي المفقود في مطلع رمضان
عادَ الهلالُ وفي الفؤادِ تألُّمُ
وغدًا سيطرقُ بابَنا المُتَبَسِّمُ
رمضانُ يا أبتي يجيءُ مُحمَّلًا
بشذاكَ إذ صوتُ الدعاءِ يُرَنِّمُ
كنّا نراكَ إذا التكبيرُ أشرَقَ في
ليلِ البيوتِ وقلبُنا يتقدَّمُ
تمضي إلى المحرابِ صبحًا خاشعًا
والنورُ من عينيكَ فجرٌ يَبسِمُ
واليومَ نُفطِرُ والفراغُ مُخَيِّمٌ
والصمتُ في أرجاءِ بيتٍ مُظلِمُ
كرسيُّكَ الخالي يُحدِّثُ دمعَنا
أنَّ الذي ملأَ المكانَ مُكرَّمُ
في كلِّ تمرةِ صائمٍ نتذكَّرُ
كفًّا تُباركُ والحنانُ مُجسَّمُ
يا غائبًا والجُرحُ بعدَكَ مُثقَلٌ
لكنَّ ذكراكَ العَطِرةَ تَلتَئِمُ
نمضي إلى التراويحِ شوقًا صامتًا
وكأنَّ طيفَكَ في الصفوفِ يُسَلِّمُ
يا ربِّ فاجعلْ قبرَهُ مُتَرَوِّضًا
بالنورِ واجعلْ روحَهُ تَتَنَعَّمُ
واجعلهُ في الفردوسِ يجمعُ شملَنا
حيثُ اللقاءُ بلا فراقٍ يُؤلِمُ
إنّا على العهدِ الذي رَبَّيتَنا
نمضي ودعوتُكَ في القلوبِ تُتَرجِمُ
هكذا يبقى الأب في حياة أبنائه.. حاضرا في الغياب، نابضا في الذاكرة، ماثلا في كل تفصيلة صغيرة وكبيرة من تفاصيل رمضان. رحل الجسد، لكن الروح بقيت ترفرف حول القلوب، تبارك الصيام، وتشارك في التراويح، وتقرأ في المحراب. في كل تمرة يتناولها الصائم، قبلة أبوية تبارك الجباه، وفي كل دعاء يُرفع، همسة أب تسبق الابن إلى السماء.
وما بين حروف هذه القصيدة،تتجلى براعة الشاعر طاهر مشي وفنيته العالية في تحويل المعاناة الشخصية إلى لوحة فنية تخاطب الوجدان العام.إنه لا يبكي فقيده فقط،بل يرسمه حيا في الذاكرة من خلال تفاصيل دقيقة وحواس متيقظة. حين يقول: "كرسيُّكَ الخالي يُحدِّثُ دمعَنا / أنَّ الذي ملأَ المكانَ مُكرَّمُ"،فهو هنا يجعل من الجماد شاهدا على العظمة الإنسانية،ويمنح الكرسي لغة البوح،في صورة فنية بالغة التأثير تنقل القارئ من مجرد مشاهدة المشهد إلى التفاعل مع صمته الناطق.
أما في قوله: "نمضي إلى التراويحِ شوقًا صامتًا / وكأنَّ طيفَكَ في الصفوفِ يُسَلِّمُ"،فتبرز هنا مهارته في مزج الشعور الديني بالوجداني،حيث تتحول الصلاة من مجرد فريضة إلى لقاء شوق مع الغائب.هذا الاستحضار للطيف في الصفوف يجعل الأب شريكا في العبادة،وكأن الموت لم يقطع حبل الوصال،بل حول الوجود الجسدي إلى حضور روحي أبدي.
إن الكلمات هنا لم تأتِ نتيجة صياغة باردة،بل نبعَت من نزف حقيقي في القلب،فكانت أقرب إلى همسة روح تبحث عن أبواب السماء.وقدرة الشاعر على اصطياد المشاعر الإنسانية في أقدس لحظاتها،وجعل القارئ يعيش التناقض المرير بين فرحة استقبال رمضان وحسرة وداع الأب،هي ما يجعل من هذه القصيدة أيقونة أدبية خالدة.
إنه يكتب بدموعه قبل حبره،ولذلك يصل إلى القلوب بلا استئذان.
في هذا الشهر الفضيل،شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران،نقف مع الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي خاشعين متضرعين،نترحم على روح والده ووالدينا،ووالد جميع المسلمين.نقف متأملين في هذه الصورة البديعة التي رسمها للوفاء،وكيف جعل من الأب الخالد في الذاكرة ضيفا دائما على موائد الإفطار وليالي التهجد.
رحم الله من غابوا عن أعيننا وبقوا في شغاف قلوبنا،رحم الله من علَّمونا الصيام والقيام، وأفطروا على حبهم قبل التمر والماء.
اللهم آنس وحشة القبور،ونوِّر ظلمة اللحود، واجعل رمضان هذا شفيعا لمن رحلوا،وموعدا للقاء لا فراق بعده.اللهم ارحم والد شاعرنا الفذ د.طاهر مشي،وأسكنه فسيح جناتك،واجعله ممن صُمتَ لهم عن الطعام فصاموا عن النار،وقُمتَ لهم بالليل فقاموا في نعيم لا يبور.
إنه شهر العودة إلى الله،وفيه تعود الأرواح إلى ربها،وتعود القلوب إلى من أحبت،وإن أعظم عودة هي تلك التي لا فراق بعدها..
اللهم اجمعنا بآبائنا وأمهاتنا في مستقر رحمتك، حيث الوجه يشرق،والجرح يندمل،واللقاء لا يفرقه موت.
رحم الله والدكم وأسكنه فسيح الجنان،وجمعكم به في الفردوس الأعلى.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق