الاثنين، 9 فبراير 2026

قراءة في [ مَأْوَى الشَّكْوَى ] للدكتور: قاسم عبد العزيز الدوسري بقلم الكاتبة هالة بن عامر

 ​[ مَأْوَى الشَّكْوَى ]

للدكتور: قاسم عبد العزيز الدوسري

​عُيُونُ السُّودِ قَدْ دَارَتْ

وَمَاتَ القَلْبُ يَا حُلْوَةْ


​فَمَنْ تَرْجِينَ كَيْ نَنْسَى؟

فَمَا لِلْقَلْبِ مِنْ مَأْوَى


​لِمَنْ تَرْجِينَ نَعْشَقُهُمْ؟

لِمَنْ تَرْجِينَ كَيْ نَهْوَى؟


​لِمَنْ تَرْجِينَ أَنْ يَنْصُتْ

وَيَقْرَأَ هَذِهِ الشَّكْوَى؟


​فَأَحْلَامُ الصِّبَا مَاتَتْ

وَأَيَّامُ الهَوَى النَّشْوَةْ


​وَحُبُّ الأَمْسِ أَنْظُرُهُ

كَمَاءٍ سَالَ فِي حُفْرَةْ


​وَسَاعَاتٌ بِنَا تَمْضِي

تَحُزُّ كَحَزَّةِ الشَّفْرَةْ


​عُيُونُ النَّاسِ تَنْظُرُنَا

وَنَحْنُ بِرَغْمِهَا نَقْوَى


​مَسَاءٌ حِينَ يَأْتِينَا

وَيَجْلِبُ آهِ كَمْ بَلْوَى!


​وَلَكِنْ حِينَمَا نَنْسَى

لِكَيْ نَلْقَى بِهَا السَّلْوَى


​فَلَنْ نَدْرِي مِنَ المَاضِي

إِلَى الآتِي سِوَى الشَّكْوَى!


د. قاسم عبدالعزيز الدوسري/بحر الرجز


قراءة أدبية لنص «مأوى الشكوى»

للدكتور قاسم عبدالعزيز الدوسري 


يقدّم نص «مأوى الشكوى» للدكتور قاسم عبدالعزيز الدوسري تجربة وجدانية كثيفة، لا تُقرأ بوصفها قصيدة حب تقليدية، بل باعتبارها سجلّ خيبة شعورية تتحول فيه الشكوى من فعل مؤقت إلى حالة وجودية ملازمة للذات. فالعنوان ذاته ينهض على مفارقة دلالية لافتة؛ إذ يمنح الشاعر «الشكوى» — وهي بطبيعتها انفعال آني — صفة المأوى، بما يوحي بأن الألم لم يعد طارئًا، بل صار مكانًا دائم الإقامة.

أولًا: العيون بدل الوجوه – مركز الانكسار

عيونُ السُّودِ قد دارت

يفتتح الشاعر نصه بالعين لا بالوجه، في دلالة رمزية عميقة؛ فالعين هنا لم تعد مصدر جمال، بل علامة اضطراب وفقدان توازن. فعل «دارت» يوحي بالتشتت والقلق، وكأن أول ما انهار في العلاقة هو النظرة المشتركة واليقين العاطفي. ويأتي بعدها التصريح الصادم:

ومات القلب يا حلوة

الموت هنا ليس مجازًا عابرًا، بل إعلان قطيعة نهائية مع القدرة على الإحساس، ليغدو القلب فراغًا لا يصلح للحب ولا للرجاء، وهو ما يمهّد لفكرة «اللا مأوى» التي تتنامى في النص.

ثانيًا: تكرار السؤال – حيرة بلا مخاطَب

لمن ترجين…؟

يتكئ الشاعر على التكرار الاستفهامي بوصفه أداة نفسية لا زخرفًا بلاغيًا. فالسؤال لا يُطرح بحثًا عن إجابة، بل ليؤكد غيابها. المخاطَبة لا تحضر إلا بوصفها صمتًا، ويتحوّل السؤال إلى صدى داخلي يعكس فراغ العلاقة وضياع الوجهة العاطفية، فيمنح النص إيقاعًا دائريًا يوحي بالتيه وعدم الخلاص.

ثالثًا: الطفولة العاطفية المنهارة

فأحلامُ الصبا ماتت

الصبا هنا ليس مرحلة زمنية فحسب، بل رمز لبراءة الشعور ونقائه. وموت أحلامه يعني انهيار الرؤية المثالية للحب. ويعزز ذلك قوله:

وأيامُ الهوى النشوة

إذ ترد «النشوة» مبتورة الدلالة، وكأنها ذكرى غير مكتملة، استُحضرت لغويًا دون أن تُستعاد شعوريًا، في إشارة إلى فراغ التجربة من بهجتها.

رابعًا: صورة الماء – ذوبان المعنى وهدر العاطفة

وحبُّ الأمس أنظره

كماءٍ سال في حفرة

من أبرز الصور الشعرية في النص، حيث يشبّه الشاعر حب الماضي بالماء المهدور في حفرة لا تثمر ولا تحفظ. الماء، رمز الحياة، يفقد قيمته هنا، ليجسّد فكرة الضياع بلا أثر. صورة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الدلالة، تعبّر عن فناء العاطفة دون صخب أو مأساوية مفتعلة.

خامسًا: الزمن كسكين – الألم المتجدد

وساعاتٌ بنا تمضي

تحزّ كحزّة الشفرة

يمنح الشاعر الزمن بعدًا عدائيًا، فلا يكون وسيلة للشفاء، بل أداة جرح متكرر. فكل ساعة تحمل ألمًا جديدًا، مما يجعل المعاناة مستمرة ومتراكمة، ويحوّل مرور الوقت إلى تجربة جسدية موجعة.

سادسًا: المجتمع في الخلفية – قوة تولد من الألم

عيونُ الناس تنظرنا

ونحن برغمها نقوى

ينفتح النص هنا على البعد الاجتماعي، حيث تحضر أعين الناس بوصفها رقابة وحكمًا ضمنيًا. غير أن المفارقة تكمن في أن الذات الشاعرة تستمد قوتها لا من الحب، بل من تحمّل الألم، فتتحول المعاناة إلى مصدر صلابة قاسية.

سابعًا: المساء – زمن الاعتراف والبوح

مساءٌ حين يأتينا

ويجلب آه كم بلوى

المساء زمن داخلي، لحظة صدق تتكثف فيها الأحاسيس. إنه وقت انكشاف الوجع لا زواله، حيث تتراكم الذكريات وتُستدعى الآهات، فيتجدد الألم بدل أن يهدأ.

ثامنًا: الخاتمة – الشكوى كقدر دائم

فلن ندري من الماضي

إلى الآتي سوى الشكوى

تغلق القصيدة دائرتها دون وعد بالخلاص. فلا الماضي يمنح عزاء، ولا المستقبل يحمل أفقًا جديدًا. الشكوى هنا لم تعد حالة مؤقتة، بل صارت هوية وملاذًا أخيرًا، وهو ما ينسجم مع دلالة العنوان ويمنح النص وحدته الشعورية المحكمة.

الإشادة الفنية والبناء الشعري

تميّز النص بصياغة لغوية شفافة اعتمدت المفردة السهلة الممتنعة، فجاء قريبًا من المتلقي دون تفريط في العمق. وتجلّت الصور الشعرية في تشبيهات موحية قائمة على الهدر والألم (الماء، الشفرة، العين)، دون تكلف بلاغي. كما خدم بحر الرجز النغم الداخلي للنص، بإيقاعه المتدفق الذي واكب تسارع الشكوى وتوتر الإحساس، فجاءت التفعيلات متناغمة مع الحالة النفسية.

في مجمله، يمثّل نص «مأوى الشكوى» تجربة وجدانية صادقة، تتسم بوحدة موضوعية، وصور شعرية مؤثرة، ونغم إيقاعي منسجم مع المعنى، مما يجعل الشكوى فيه ليست موضوعًا عابرًا، بل بنية فنية متكاملة وأفقًا دلاليًا مفتوحًا على الألم الإنساني.

اعتبر هذا النص  احد روائعكم دكتور 

بالتوفيق الدائم ان شاءالله 

تحياتي لكم

هالة بن عامر 

Hela Ben Ameur





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق