الكتابة الشعرية بين شقاء الذات وتجليات الأمل: نحو وعي إبداعي جديد
الكتابة الشعرية،في وجه من الوجوه،هي ضرب من الشقاء والمعاناة،تتراوح فيها الذات بين حالتين متنافرتين: قتامة وانكسار،قوة وانتصار. إنها رحلة وجودية لا تهدأ،تنساب بين أضداد تتوحد في رحم الكلمة لتمنحنا نصا إبداعيا نابضا بالحياة رغم جراحه،متألقا بالألم رغم فرحه.
ولو حاولنا استقراء الحالتين لتبين لنا أن للأولى دلالات تحيل على الذات المشروخة والمشظاة، حيث تبدو الصور الشعرية متسربلة بالألم،راشحة بالمرارة،جانحة في أبعادها إلى الاغتراب،موغلة في سوداوية ورثناها عن ذاكرة مدانة تحط بنا كرها في مواقع مترهلة تكشف عن تشاؤم دفين. إنها لحظات ينكسر فيها المرآة فتتوزع الذات شظايا لا تجمعها وحدة،ويعمى فيها البصر فلا يرى إلا ظلال الأشياء.
أما الحالة الثانية،فهي تلك التي تتجاوز فيها اللغة تحقيق المصالحة بين الإنسان والفرح،ليكون التألق في رحاب شعرية مشرقة ومضيئة تنحو صوب الجمال وتعانق الآفاق المستقبلية بكل أمل وثبات. هنا تنتعش الروح،وتتفتح الذات على العالم كزهرة تعرف أن الصباح آتٍ حتما.
إننا إزاء حالتين متناظرتين تتنافر فيهما الصور وتتعارض.أفلا يمكن إيجاد مصالحة بينهما تقوم على التناغم بين ثنائية التوتر بين الذات والموضوع،وبين الكائن والممكن،على نحو يقترب فيه النص الإبداعي من الشمولية،دون أن يشذ عن الحدود التي رسمناها أو تلك التي أملاها الواقع؟
وبسؤال مغاير أقول: ألا يمكن أن تكون الكتابة الشعرية جامعة توحد بين قطبين نائيين: تداعيات الراهن، وتجليات المدى المنظور،فنكون بذلك قد أسسنا لوعي جديد يبدأ من الذات ويؤسس للكون في تواصل جمالي خلاق..؟
ألسنا إزاء تغييرات في البنى الاجتماعية والثقافية بالنظر إلى ما تطرحه العولمة من تحديات،في ظل احتدام الثقافات وتنافسها إلى حد يحيلنا على وضع تبدو فيه البكائيات والمراثي المألوفة، واستهجان الواقع المترهل،من ضروب التقوقع والانغلاق على الذات؟!
ألا تفرض علينا الثقافة الكونية نصوصا شعرية ذات شمولية فنية مفعمة بدفء الكلمة ونبل السؤال وجمال الحيرة،تؤسس الذات وتساعد على استجلاء المضمون الأدبي والفني بتفاؤل خلاق، لناواجه عبرها عالما ما فتئ يخيب الآمال ويثير الفوضى في وجه الوجود؟
ألم تكن أشعارنا المحدثة،في معظمها،تنحو إلى الغرابة والغموض؟ وما الغرابة إلا دلالة على الغربة عن العالم وانعطاف يستحيل نوستالجيا لا تخطو على درب الآتي الجليل،بل تترجرج إلى الماضي في حنين سئمناه؟
إن هذه الأسئلة التي طرحناها لا نروم من خلالها التأسيس لواقع مغاير لمنطق الأشياء والكون،بقدر ما نهدف إلى صياغة هذا الواقع في نصوص إبداعية ترنو إلى أفق مغاير يتفتح باستمرار، ويؤسس دفقا موصولا ضمن تواصل موضوعي يحقق عبره المبدع شرط وجوده.
الشعر كان وسيظل دائما زهرة الحضارات والثورات الإنسانية،وكان زهرة الثورات العربية وبدا أكثر توهجا.ويرى الشاعر الكبير عبد المعطي حجازي أن تدهور الشعر ظهر جليا قبل الثورة، وبمجرد ما انطلقت الثورة ازدهر الشعر وظهرت مواهب وأسماء،وأحس المصريون بأنهم كلهم شعراء لأنهم كلهم أحرار.
لقد صاحب الشعر الثورات العربية في تونس ومصر ومنها إلى كل الوطن العربي أكثر من أي جنس فني أدبي آخر.فإذا كان الشعر يسعى إلى ترسيخ الثقافة والقيم الكونية،فقد وجد في ثورة الجماهير العربية التي هي ثورة إنسانية حقيقية ملاذاً في الإعلاء من هذه القيم الكونية الخالدة مقابل اندثار وهشاشة الاستبداد،ما يبرهن على أن الشعر يسير نحو انتعاشة تدريجية لافتة في زمن اشتكى فيه الشعراء من التهميش والإقصاء.
إن مصاحبة القصيدة للمظاهرات والثورات العربية في الزمن الراهن تعني أن الشعر لا ينشأ من فراغ، ولكنه ينشأ من واقع الناس،ومن تجربة إنسانية كبرى،ومن الموروث الإنساني الذي يعكس عمق فهمنا للأشياء واستكناه المستقبل،حتى أننا لا يمكن أن نتخيل حياة بدون شعر. أو على حد تعبير الشاعر أمجد ناصر: "لا يمكن تخيل العالم من دون رواية،ولكن من الصعب تخيله من دون شعر".
في تونس،مهد الثورة العربية،علت حناجر شباب الثورة بقصيدة الشابي:
"إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر"
ومنها إلى كل البلدان العربية الساعية بحقها إلى الحرية وصوت الكرامة الإنسانية.
لقد أنشد الشابي هذه القصيدة الرائعة التي تحمل خوالج نفسيته الشبابية المترعة بالمعاني الإنسانية الفياضة وهو في عمر الزهور،عمر شباب الثورة الذين لمست رائعته أوتار قلوبهم.وقد آمن هؤلاء الشباب إيمان الشابي العميق بقدرة الشعر في تحقيق إرادته،فكانت قصيدته "إرادة الحياة" التي عبر بها عن الجراح الإنسانية للأمة العربية أقوى من السلاح ومن الموت أيام الانتفاضة.
لقد لبى الشباب نداء القصيدة ليُثبتوا للعالم بأنهم شعب يرفض العيش بين الحفر ولا يخاف صعود الجبال،لأن الشعر لا يخاف سطوة الطغاة.وحملت الأمة هذه الجراح لتنزف بها قلوب صانعيها.
هذه القصيدة الرائعة بعثت في الأمة العربية عشقا أبديا لرسالة الشعر،بل وأرغمتنا على البكاء والفرح الطفولي المنبثق من رسالة الشعر نفسه الذي غرس فينا معنى القيم،وهي قيم إذا خلت منها القصيدة تصبح مجرد ألفاظ منظومة بلا معنى ولا حياة.
وما حدث في العالم العربي سيعمل على خلق تصورات ورؤى جديدة للعملية الشعرية،بل وسينمو شعر جديد من بذور هذه الثورة التي استشعرنا بها كنه الحياة ومعناها وحقيقة القصيدة في بعدها الإنساني الذي يرغمنا على الاعتراف بأن القصيدة حقيقة،والحقيقة لا تموت.
ختاما أقول: إن القصيدة نبع يُغذي فينا نزعة الإنسانية لما تحمل معانيها من توازن بين قوى الروح والجسد والعقل.ألا تزداد سموا بروحها الكونية التي تداعب حواسنا برحيق كلماتها التي تجاوزت كل القوميات والنزعات لتنشغل بالهم الإنساني الواحد؟ وهو ما يشكل رؤيتنا للحياة والوجود والعالم والأشياء،وهي رؤية منبثقة من ذات الشاعر قد يعجز النقد عن الوصول إليها رغم القدرة التأثيرية للقصيدة،لتبقى سراً من أسرار القصيدة، وأسرار القصيدة لا تنتهي.
وتبقى القصيدة،منذ أن شدا بها الإنسان الأول حتى احتضنتها ثورات العرب،ذلك النبع المتدفق الذي يغذي فينا نزعة الإنسانية المتأصلة،حيث يلتقي الخير بالشر،وتتصارع قوى الروح والجسد، لتخرج من هذا المعترك الإبداعي أكثر تألقا وقدرة على التعبير عن الهم الإنساني المشترك.
لقد أثبتت الثورات العربية،بقصيدة الشابي الخالدة،أن الكلمة حين تنبض بصدق المعاناة والأمل تصبح أقوى من سلطان الطغاة،وأخلد من زمن الاستبداد.
فما القصيدة إلا سر من أسرار الوجود،وحقيقة من حقائق الحياة تتجدد مع كل ثورة،ومع كل إنسان يؤمن بأن الغد أجمل،وبأن الشعر، خلافا لكل الظنون،لا يموت.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق