قراءة في ق ق ج للأستاذة سمية تكجي
بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/تونس
ق ق ج / قصة قصيرة جدا
حديث بين الخيمة و المطر
الخيمة : ثيابي رثة و لا أقوى على البرد و المطر
المطر: انا اهطل عليكم من السماء الظاهرة و اغرقكم من السماء الكامنة في الأرض
الخيمة : بعد كل هذا العناء ماذا بالنسبة لقوس قزح؟
#قصة #قصيرة #جدا
#حديث #بين #الخيمة #والمطر
#قوس #قزح
#سمية #تكجي
#القراءة
من منا لا يفرح بالمطر حين يهطل : فيه استجابة للدعاء ، و فرحة للأرض ... يبعث الله معه الخير ...
هذه الصورة الجميلة التي نحب أن نراها مع المطر ، ثم ، تظهر ألوان الطيف القريبة في الأفق البعيد .
قصة ق ج جاءت مغايرة لما نتمناه أن يكون مع المطر " أعلاه" .
نحن مع قصة سيدور فيها حوار بين " الخيمة و المطر " .قبل الولوج في هذا الحديث لنرى ما تعنيه رمزية الخيمة في الأدب العربي:
الخيمة كما يدلّ على ذلك اشتقاقها اللّغوي (خيّم بالمكان أقام بسكنه وأخام الخيمة بناها وتخيّم المكان أي ضرب خيمته فيه والجمع خيمات وخيام وخيم) تحيل على التنقّل والحركة في المكان،
الخيمة تتحرر من ربقة المكان لتوفر لساكنها الأمان أينما حل .
فالخيمة ارتبط اسمها بالصحراء و الرُحل ، " بيت الشعر" تلك الخيمة القوية الثابة في وجه العواصف الرملية ، تقي من الحر و القر .
فمن الأجدر أن يكون الحوار بين الخيمة و الصحراء و قسوة الظروف الطبيعية ، فالرحل حياتهم مرتبطة بالخصب و الماء .
أما المطر ، فهو الخير و النعمة ، يحيي الأرض بعد جفافها فيحيا معها كل كائنات هذا الكون . بشرى خير هو .
تقول القاصة :
الخيمة : ثيابي رثة و لا أقوى على البرد و المطر
الحوار بدأ من الخيمة التي ظهرت في صورة ضعفها : لا تستطيع مقاومة البرد و المطر : حددت القاصة الزمن من خلال مفردة " البرد" : فصل شتاء و أمطاره الغزيرة ، أما المكان فهو خيمة من أحد مخيمات اللاجئين.
كأن الخيمة تستعطف المطر و تطلب منه و هي في موقع ضعف أن لا يُمطر عليها أو يكفيه هطولا / ثيابها رثة : إشارة إلى مكونات " غطاء الخيمة " ، القاصة لم تقل ثوبي رث ، بل في صغة الجمع وردت المفردة " ثياب" : هي قطع بالية أخاطها صاحب المكان لتصير خيمة تقيه شر الحر و القر ، لكن هذه الثياب حالتها " رثة" ، أو إشارة إلى خيم " المخيم " التي كانت بقايا ثياب جُمعت و لفقت و خيطت حتى أصبحت " شبه ستر " يُسمى خيمة .
يأتي الرد من المطر :
المطر: أنا أهطل عليكم من السماء الظاهرة و أُغرقكم من السماء الكامنة في الأرض
يستهل جوابه بضمير المتكلم " أنا" لإبراز النزعة الذاتية و التعالي ، مع انتساب الأفعال للأنا العليا ، إشارة في ظاهرها بسيطة كالماء النازل من السماء ليسقي الأرض و يروي ما عليها . و الهطول بمعناه الغزير المتتالي " لحظة معنية / زمن الهطول / عليكم : الفعل مسقط على الخيمة دونها .
ثم يقول : أغرقكم من السماء الكامنة في الأرض : تحيلني الصورة إلى البحر حين يكون مرآة السماء : بين هطول المطر ظاهريا و عملية الإغراق التي تكون على الأرض تتضح المفارقة : و يأتي السؤال / هل تقصد القاصة المطر النازل من السماء هو من أغرق الخيمة؟ هذا فعلا في الشق الأول من السطر . و كيف لمطر كامن في الأرض أن يغرق الخيمة ؟ أتعجب كقارئة من هذا الفعل بين الهطول و الإغراق و الفاعل نفسه المطر .
فالعملية تنعرج إلى فاعل متخفي هو من أغرق الخيمة . الخيمة في حاجة ملحة لصرف مياه المطر ، إلى قنوات تجعلها في مأمن حين ينزل المطر ، الخيمة معاناتها مزدوجة/ مطر يهطل و آخر يُغرق ، فالسماء الكامنة في الأرض تحالفت و السماء المعنية و المعروفة لإغراق الخيمة ، فأصر على أن البحر له يد في إغراق الخيمة . فالصورة التي أخذتها القاصة هي من واقع الخيام المنصوبة على سواحل غزة . ثم اللجوء إلى " نصب خيمة بالية " لا تقاوم هطول المطر سببه الرئيس " الطرد من طرف فاعل ثالث من الأرض الأم " فكان لجوء المطرود إلى خيمة بالية تقيه من الحر و القر .
الخيمة : بعد كل هذا العناء ماذا بالنسبة لقوس قزح؟
في هذا السؤال مازالت الحياة في الخيمة ، مازالت تقاوم ، مازالت متشبثة بالأمل و الأرض ، فالوضع الذي تعيشه يخيم عليه العتمة ، و أملها أن ينجلي الظلام و ترى النور : رغم الثوب البالي فوتد الخيمة قوي ينتظر ألوان الطيف .
عادة ما يظهر قوس قزح بعد نزول المطر ، نفرح لظهوره و نشعر بالفرح ، نقفز و نصفق له ،و كأننا انتصرنا على الغيوم و ما تبعها من هطول المطر .
الخيمة و معاناتها تبحث عن بصيص أمل لعل المطر يحبس أفواه قِربه ، فقوس قزح في ظاهره ألوان نتيجة انكسار ضوء الشمس الأبيض على قطرة ماء ، و هو رمز للسلام و التعايش و نهاية عتمة الغيم . و خيمة نصنا ما هي إلا صورة واقعية للمعاناة التي تعيشها مخيمات اللاجئين و المرحلين عن ديارهم .
فيتضح جليا مما تقدم أن القاصة كثفت من المشاهد ، شخصت المطر و الخيمة جعلتهما في حوار بين قوي و ضعيف ،كان فيها الضعيف بين قوتين جبارتين هما واحد ، هطول المطر و إغراق الأرض و ما عليها في الماء ، كانت الخيمة هي الضحية الأولى ، فسؤالها عن قوس قزح متى سيظهر ،ماهو إلا أنفاس أخيرة لا تزال متشبثة بالحياة و الأمل ، لكن يبقى السؤال معلقا دون إجابة من المطر.
هذا الأسلوب جعل التأويل مفتوحا للمتلقي الذي ملأه سؤالا رئيسا : هل الأمل في نجاة الخيمة قريب ؟
بقلمي 📝 سعيدة بركاتي/ تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق