تحليل وقراءة أدبية لقصيدة نيسان
بقلم الناقد الأستاذ الصحفي الشاعر محمّد الودّاني.
في هذا النص تنفتح عائشة ساكري على فضاء وجداني رقيق يجعل من نيسان رمزا للتجدد والبعث حيث يتحول الفصل الى كيان حي يحتضن الذاكرة ويعيد تشكيلها بلغة شفافة مشبعة بالحلم والصور الشاعرية اذ تستدعي الطبيعة بكل عناصرها لتكون مرآة لما يختلج في الداخل من شوق وحنين فتغدو الروابي والنسائم والعطر امتدادات لاحاسيس متدفقة تبحث عن مأوى ومعنى وتتخذ من السهد حالة وجودية تعكس قلقا جميلا وتوقا دائما نحو شيء يتجاوز اللحظة الراهنة كما ان الاحلام في النص ليست مجرد صور عابرة بل هي مخزون وجداني محفوظ بعناية في قوارير الزمن يتخمر بين دفء الشتاء وعبق الربيع في اشارة الى تداخل الازمنة داخل النفس الواحدة ويظهر الاشتغال الجمالي في الانتقال السلس بين الفصول حيث لا تعود مجرد محطات زمنية بل حالات شعورية تتكامل لتصنع تجربة انسانية عميقة ويبرز البعد السردي عبر استحضار الف ليلة وليلة كرمز للدهشة والخلود الحكائي مما يمنح النص بعدا اسطوريا يثري دلالاته ويعمق اثره كما تقيم الشاعرة مقارنة ضمنية بين ماض نابض بالحياة وحاضر باهت لتؤكد ان الامكنة الحقيقية هي تلك التي تسكن الروح لا التي نمر بها عابرا وتنجح في ترسيخ فكرة الوفاء كقيمة ثابتة لا تتاثر بتغير الزمن او البعد فتصبح الذات شبيهة بالفصول تدور لكنها لا تخون عهدها وهذا ما يمنح النص بعدا انسانيا صادقا يتجاوز الخاص نحو العام ويجعل القارئ شريكا في التجربة شكرا للشاعرة عائشة ساكري على هذا النص الذي يحمل دفء الذاكرة وصدق الاحساس ويمنح للحروف حياة لا تنطفئ.
نيسان،
يا ربيع الحياة المتجدد،
بعذوبة نسائمك،
تحملني إلى شُرفات الروابي المخملية،
فأستلقي على بساط الطبيعة
ويأخذني السُّهد
كأنني أبحث عن مأوى
لجفوني الهائمة،
فأحلام قلبي ما زالت
رهينة عبير هذا الفصل،
مختبئة في قوارير عطرٍ فاخر
قطّره ليل نيساني
وتخمر في أحضان شتاء
مُترف بالدفء والحنين
لأزمنة لا تموت.
فلا تلم حروفي
إن سال مدادها من أكمام الزهور،
ولا تعتب على أوراقها
إن كانت من رماد خريف راحل...
فهي مجرد وشوشات قلم
تُترجمها نسائم الصيف
وتحملها أجنحة الربيع.
نيسان...
أعدتني إلى مواطن الذكرى،
إلى أماكن خلدها الشعور
وعطرها الزمن النبيل،
كأنها فصول من حكايا
ألف ليلة وليلة...
حيث تنساب ليالي شهرزاد
وتُصغي إليها شهريار
بعين مندهشة...
ذاك الزمان،
بمراياه العذبة وطقوسه الفريدة،
لا يشبه حاضرنا الشاحب.
كل الأماكن هجرتنا،
إلا التي احتضنت أرواحنا...
فما زالت تنبض في أعماق ذاكرتنا،
وتسكن كياننا كأنها لا تغيب.
لا الهجر يُمحينا،
ولا البُعد يطفئ جذوة الوفاء،
نحن، كالفصول،
رغم دوران الوقت،
على العهد باقون...
بأرواح لا تخون المحبة،
ووجدان لا يشيخ.
بقلم: عائشة ساكري – تونس

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق