قراءة نقدية:" أدب السجون وثنائية المعاناة الجسدية النفسية والمقاومة الوجودية"
(رواية "دار قابيل" للكاتب ناهض الهندي نموذجا).
"نادي : الساردون يغردون"
الكاتب ناهض الهندي (العراق).
الناقدة : جليلة المازني (تونس)
المقدمة: تندرج رواية "دار قابيل" للكاتب العراقي ناهض الهندي ضمن أدب السجون.
وأدب السجون حسب النقاد هو "نوع أدبي فريد يوثق تجارب الاعتقال السياسي بين المعاناة الجسدية النفسية القاسية وتحويل التجربة الى فعل وجودي مقاوم يهدف الى اثبات الذات والحرية الداخلية..
فهو ليس مجرد سرد للألم بل هو أداة فكرية وفنية لكسر الاستبداد والقمع":
أ- التحليل: "أدب السجون وثنائية المعاناة الجسدية والنفسية والمقاومة الوجودية" :
1- المعاناة الجسدية والنفسية داخل السجن:
أ- المعاناة الجسدية:
تصور رواية "دار قابيل" اعتقال البطل بسبب انتمائه السياسي (الحزب الشيوعي).
وفي هذا الاطار قد استهلك االكاتب جانبا كبيرا من السرد والوصف للسجن وأدوات التعذيب وتنوع طرقه وقد خص المكان الضيق وغير المريح بالوصف فيقول في ص (74):
" في زنزانة لم تكن تزيد عن اثنيْ عشر مترا مربعا ..عالمنا لا ينقص عن ثلاثة عشر شخصا يأتي البعض ويروح الآخرون.. ولكن نحن كنّا سَكنّاها ..استوطناها وألفناها وحفظنا زواياها وكلما نقش على جدرانها ".
كما أن الكاتب يصف هذا المكان الذي يفتقر الى النظافة بانتشار "القمل" بسبب انعدام الماء ص( 112).
ب- المعاناة النفسية:
يصف الكاتب الأحاسيس والحالة النفسية المتأزمة فيقول في ص (98):
"امتدّ إلينا الشتاء حاملا معه ليالي مُسْهبة في الطول.. فكيف لنا أن نغتال كل هذا الزمن الثقيل؟.. لا كتاب نقرؤه ولا مذياع نسمعه ولا تلفزيون نشاهده.. كلها أصبحت محظورات بل من المستحيلات.."
ان الكاتب باستخدام ضمير المتكلم الجمع (نحن) سواء في المعاناة الجسدية (عالمنا/ نحن كنا/ سكناها/استوطناها/ ألفناها/ حفظنا) أوفي المعاناة النفسية ( كيف لنا/ لا كتاب نقرؤه/ لا مذياع نسمعه/ لا تلفزيون نشاهده ) يعبر بامتياز عن الصوت الجماعي المقهور.
ورغم اختلاف المعتقلين فهم يواجهون الظلم ويسعون الى وطن حرّ ..يقول الكاتب ص(105) :
" كنا مزيجا من أقوام وخليطا غير متجانس من توجهات وأفكار متباينة بشدّة أحيانا.. تُوحّدنا قضية واحدة وهي مواجهة الظلم والسعي الى وطن حرّ".
ان هذا الصوت الجماعي الذي تبناه الكاتب يُعبّر بامتياز عن معاناة جماعية تشي بأن الكاتب ليس حامل قضية سياسية تجسد استبداد وقمع السلطة للحرية الفكرية فحسب بل هي قضية وجودية:
2- المعاناة الوجودية:
تمثل "دار قابيل" أو "تجربة قابيل" في سياق الفكر الوجودي وتحديدا في قراءات عبثية (مثل ألبير كامو) رمزا للمعاناة الانسانية الفردية التي تنبثق من مواجهة عبثية العالم وعدمية الوجود ويتجلى ذلك من خلال:
المرور من العزلة الى التمرد:
قابيل لم يبق حبيسا في داخله بل تحوّل عبر التمرّد الى معاناة مشتركة مع البشرية مما يضفي صبغة انسانية على هذا التمرد وهذا ما تدعمه "مؤسسة مؤمنون بلا حدود".
التمرد كمنهج وجودي : ترى "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" أنه عندما يصبح العالم بلا قيمة او معنى (عبثيا) يتحول التمرد الى أداة منهجية للاحتجاج ليخلق الفرد معناه الخاص .
والكاتب ايمانا منه أن الكتابة هي شكل من أشكال المقاومة وأداة منهجية للاحتجاج اتخذها أداة لانتشال نفسه من عبثية المكان الذي سلبه معنى الحياة المريحة.
البطل كإنسان معاصر هو كائن ممزق بين جدلية الوجود والعدم والاغتراب والبحث عن الهوية.
المعاناة والوعي بالمصير: ينظر الى المعاناة والموت كما في رمزية "دار قابيل" على أنها مُحفزات تدفع الانسان للخروج من عزلته والبحث عن الذات الحقيقية.
ودار قابيل هي المكان الرمزي الذي يواجه فيه الانسان عبثية الحياة حيث تتحول حسب "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" المعاناة الفردية الى تمرد وجودي يهدف الى تأكيد القيمة الانسانية.
الخاتمة:
ان الكاتب ناهض الهندي في روايته "دار قابيل" يتقاطع مع العديد ممّن كتبوا في أدب السجون من أمثال:
مصطفى خليفة في كتابه "القوقعة".
عبد الرحمان منيف في كتابه " شرق المتوسط".
-الطاهر بن جلون في كتاب" تلك العتمة الباهرة"
احمد المرزوقي في كتابه" تذكرة تنقل الى الجحيم"
والكاتب ناهض الهندي بهكذا تناصّ يرتقي بروايته "دار قابيل" الى العالمية.
سلم قلم الكاتب المبدع والصادق في سرد أحداث روايته.
بتاريخ 22/ 04/ 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق