قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعرة التونسية كريمة الحسيني "غيمة..وقصيدة "
في زمن تتناثر فيه القنابل كالمطر،وتُزرع الموت في الطرقات،تبقى الحواسُ الوحيدة التي لا تُجند للحرب هي تلك التي تخبئ حبيبها تحت جناح الليل.قصيدة "غيمة وقصيدة" للشاعرة التونسية كريمة الحسيني ليست مجرد كلمات تنساب عذبة، بل هي مقاومة ناعمة،وشهادة حب تُكتب بالدمع والهذيان. تستدعي الشاعرة فيها غائبا يحتل كل المسافات، تتحدث إليه كما لو كان الظل وحده من يصدق وحشتها.إنها قصيدة الوجع الجميل،حيث تختلط الرومانسية برائحة البارود،ويصبح الانتظار طقسا يوميا لا ينتهي إلا بفيض من الصور التي تخلط بين القبلة والغيمة،وبين الأنفاس التي تسبق الخطى،وبين أعذار تختبئ خلف الحرب كي لا تقول: "أنا لا زلت أحبك رغم كل شيء".
غيمة وقصيدة
وقُبلة فريدة
خبّأتها لك
تحت أجنحة اللّيل
ربما جئت على غير عادتك
وسبقتك أنفاسك قبل خطاك
لتعانق ظلي الوحيد
من يوم أن غبت
لا أكفّ عن الهذيان
وكلّما سألوني عنك
تحجّجتُ بالوقت
تحجّجتُ بالحرب
والقنابل المزروعة في الطرقات
(كريمة الحسيني)
هكذا تظل الحكايا العظيمة مزدوجة: حكاية حب وحكاية وطن،حكاية غياب وحكاية قنابل.وفي قصيدة كريمة الحسيني،لا يكون الغائب مجرد حبيب،بل هو فكرة،أمل،واحة في زمن جفّت فيه كل الآبار.فحين تتحجج الشاعرة بالوقت والحرب، إنما تتحجج بالحقيقة ذاتها: أن الحب في زمن الخراب يصبح معجزة،وأن الهذيان ليس جنونا،بل هو أصدق لغة حين تعجز الأرض عن استيعاب الصمت..
القصيدة،في جوهرها،قبلة خُبئت تحت جناح الليل،تنتظر من يلتقطها دون خوف من الموت المزروع في الطرقات.وحين نقرأها،نكتشف أننا جميعا نحمل غيمة وقصيدة في جوف الليل، ننتظر من يسبق أنفاسه خطاه،ليعانق ظلا طالما كان وحيدا.
فهل تأتي؟ أم تظل القصيدة هي الموعد الأخير؟
بهذا الهذيان الجميل،لا تمنحنا الشاعرة التونسية القديرة كريمة الحسيني قصيدة حب تقليدية،بل تفتح أمامنا نافذة على تناقض بشريّ عميق: كيف للحب أن يزدهر حين تموت الطرقات؟ كيف للقبلة أن تُخبأ تحت جناح الليل والقنابل تنبت في الأسفلت؟!
إن ما تفعله الشاعرة هنا هو استعادة للإنسان في زمن محو الإنسان.فهي لا تكتب للتاريخ العسكري، ولا تسجل أسماء الشهداء بطريقة جافة،بل تكتب لـ"غائب" يتحول إلى أفق.وفي كل "تحججتُ بالحرب"،نسمع صرخة امرأة ترفض أن تسلم عذوبة الانتظار للوحشية.وفي كل "سبقتك أنفاسك قبل خطاك"،نرى كيف تصنع الذاكرة جسدا آخر للحبيب لا تملكه المدافع.
القصيدة إذن ليست هروبا من الواقع،بل غوص في أعماقه،حيث الحب ليس ترفا عاطفيا،بل فعل مقاومة وجودي: أن تحب في زمن الموت يعني أنك تؤمن بأن الغيمة تستحق أن تروي قصيدة، وأن القبلة قد تكون آخر ما تبقى من الإنسانية حين تسقط كل الأقنعة.
وحين تنتهي القصيدة بسؤال مفتوح: "فهل تأتي؟-تتركنا الشاعرة على عتبة أمل مرتجف، حيث لا إجابة أكيدة،لكن هناك يقينا واحدا: القصيدة نفسها صارت الموعد،وصارت الحكاية المزدوجة (حب ووطن،غياب وقنابل) هي الشهادة الأبدية على أن الإنسان،حتى في أعمق جراحه،لا يكف عن حياكة غيمة من الكلمات،لعلها تمطر يوما على ظل وحيد،فيفيض الحضور.!
وهكذا تظل كريمة الحسيني شاعرة الجرح النابت كزهرة برية فوق صهريج مهجور-تكتب لنا إنجيل الحب في زمن انطفاء كل الأناجيل.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق