الاثنين، 27 أبريل 2026

مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي"ظلي وأنا"-نموذجا بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مرآة الظل: تأملات في عودة الروح إلى نفسها

قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي"ظلي وأنا"-نموذجا


هناك لحظات في عمر الروح لا تُروى بقدر ما تُعاش في صمت الانهيار،لحظات يتبخر فيها اليقين كالسراب،ويصبح الإنسان سائلا عن نفسه لا عن الطريق..وهناك أنهار لا تجفّ،لكنها تجري عكس مجرى الحياة.أنهار اسمها: الحلم،الظل،الطريق الضائع..

في تلك المنطقة الرمادية حيث يختلط الجلد بالجرح،والصوت بالصدى،يطل علينا الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي بقصيدته "ظلي وأنا"، لا ليُهدينا نصا شعريا فحسب،بل ليفتح على مصراعيه نافذة على معركة صامتة خاضها الإنسان مع أكثر أعدائه غدرا: نفسه التي تنكرت له.إنها لحظة الانقسام الكبرى،حيث يتشظى المرء إلى ذات تركض وأخرى تُطارد،إلى ظل ظنناه نورا، وإلى حلم أوهمنا أنه عدو..!

 هنا،في أرض التعب المقدس،على حافة الهاوية التي يلتقي فيها الهروب بالمواجهة،يبدأ السؤال الذي لا يشفى: كيف نعود إلى أنفسنا وقد ضيّعنا الدرب بين الأمس واليوم؟!

 كيف نتصالح مع ظلّنا بعد عمر من المطاردة؟! هذه القصيدة ليست رثاء للخيبات،بل احتفاء بالعودة الخائرة الصادقة،تلك العودة التي لا تنتصر على الألم،بل تصافحه،حين نزرع في صدورنا بذورا لا نريدها كاملة..فقط حيّة.

ظلي وأنا


مرّ الزمان

وعادوت حلمي

وضيّعت دربي بين الأمس واليوم

كنت ألاحق ظلّي

وأحسبه نوري

حتى اكتشفت أني أركض في العدم

لكنّي رغم التعب

ما زلت أبحث

عن نافذةٍ..تُعيدني إليّ

عن صوتٍ قديم

كان يعرف اسمي

قبل أن تسرقه الضوضاء

عن قلبٍ خفيف

لا تثقله الخيبات

ولا يخشى الرجوع من منتصف الطريق

تعلّمت متأخرًا

أن الحلم ليس عدوّي

بل مرآةٌ..كنت أخاف أن أنظر فيها

وأن الهروب الطويل

لم يكن نجاة

بل تأجيلٌ للقاء الحقيقة

فها أنا أعود

بخطى مثقلة..لكن صادقة

أصافح ظلي بدل أن أطارده

وأزرع في صدري

بذرة حلمٍ جديدة

لا أريدها كاملة..

فقط حيّة .


طاهر مشي


وهكذا،عندما نغوص في أعماق هذه القصيدة، نكتشف أنها ليست مجرد كلمات على ورق،بل خريطة سرية لكل من تاه في دهاليز روحه، وبوصلة لا تشير إلى الشمال،بل إلى الداخل. 

إن إعلان الشاعر "ها أنا أعود" ليس مجرد سطر في قصيدة،بل هو لحظة فارقة في تاريخ الذات البشرية،لحظة لا تمنحنا اليقين،بل تمنحنا الشجاعة لنكون غير مكتملين،لنكون بذورا لا تنتظر حدائق جاهزة،بل تتعلم النمو في قلب العاصفة.فليس العيب أن نركض خلف ظلنا،بل العيب أن نظل نركض دون أن نلتفت يوما لنُصافحه،دون أن ندرك أن الظل ليس خصما يهزم،بل جزءا منا ينتظر المصافحة.

في النهاية،تتركنا القصيدة أمام سؤال مفتوح يتسلل إلى أرواحنا كنسيم حزين: هل النافذة التي يبحث عنها الشاعر هي نافذة نطل منها على العالم،أم أنها مرآة نطل منها على أعماقنا؟! 

أظن أن الإجابة تكمن في ذلك القلب الخفيف الذي "لا يخشى الرجوع من منتصف الطريق".

فطوبى لمن تعبوا،لأن تعبهم صار صادقا،وصار ماء يسقي بذورا كانت على وشك الإندثار.وطوبى لمن زرعوا بذورا حيّة،لأن الحياة لا تكتمل إلا بالناقصين،ولا تشرق إلا في العيون التي عرفت كيف تصافح ظلالها قبل أن تبحث عن الضوء.

وفي الأخير،يبقى كل منا وقصيدته،كل منا وظله الذي يطارده أو يصافحه.فالحياة ليست سباقا نحو الكمال،بل هي لحظة إدراك واحدة نعترف فيها أن "الهروب الطويل لم يكن نجاة،بل تأجيلا للقاء الحقيقة".فلنقف إذن على أعتاب أنفسنا متعبين لكن صادقين،ولنزرع في صدورنا ما تبقى من حلم، لا لأنه كامل،بل لأنه حي.فليس أجمل مما قاله شاعرنا ( طاهر مشي) : "ها أنا أعود بخطى مثقلة..لكن صادقة"،فتلك العودة وحدها هي الفجر الذي لا يخون.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق