الثلاثاء، 28 أبريل 2026

قراءة نقدية "الققجية بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي" الققجية: "ما يتبقى بعد" الكاتبة الهام عيسى(سوريا) الناقدة:جليلة المازني (تونس)

 قراءة نقدية "الققجية  بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي"

الققجية: "ما يتبقى بعد"

الكاتبة الهام عيسى(سوريا)

الناقدة:جليلة المازني (تونس)


القراءة النقدية: "الققجية  بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي"


1- في قراءة عنوان  الققجية :"ما يتبقى بعد "


أسندت الكاتبة إلهام عيسى عنوانا للققجية  قائما على سبب وانتظار نتيجة .


لئن كان السبب هو مشهد أليم فان الكاتبة تنتظر ما يتبقى بعد من هذا المشهد الواقعي الأليم  .


وعبارة "ما يتبقى بعد" حسب بعض النقاد " تحمل دلالات عميقة وسياقات سيميائية وفلسفية متعددة, تشير بشكل أساسي الى الأثر, الذاكرة , أو الجوهر الذي  يستمرّ بعد تلاشي الظواهر المادية أو اللحظات العابرة , بناء على النتائج".


من دلات العبارة "ما يتبقى بعد" :


- ما بعد الفشل أو التلاشي: يستخدم السياق للإشارة الى الحقيقة أو الجوهر الذي يظهر بعد انهيار المظاهر كالرماد كدلالة على ما يتبقى بعد الاحتراق والموت.


- الباقي الوجداني: (الأثر النفسي):في السياقات الانسانية والعبور تشير العبارة الى المشاعر والذكريات التي تظلّ" عالقة" في القلب او النفس بعد مغادرة مكان او انتهاء لحظة معينة.


- الوجود المؤجل: تعبّر العبارة عن صور او علامات وجودية غامضة, تمثل حضورا مؤجلا او ذكرى لا تكتمل.


ومجمل القول فان عبارة "ما يتبقى بعد" هي دلالة على الجوهري مقابل الزائل والأثر مقابل اللحظة والذاكرة مقابل النسيان.


وفي هذا السياق قد يتدخل القارئ متسائلا:


- هل أن ما يتبقى بعد الفشل او التلاشي يشير الى الحقيقة او الجوهر الذي يظهر بعد انهيار المظاهر؟


- هل ان ما يتبقى بعد الحدث هو مُتبقّ وجداني وأثر نفسي ؟ واي مشاعر وذكريات ستظل عالقة في القلب او النفس؟


- هل ان عبارة  "ما يتبقى بعد" هي عبارة حمالة لثنائية الجوهر والزائل ؟ وثنائية الاثر واللحظة؟ وثنائية الذاكرة والنسيان؟


وعبارة "ما يتبقى بعد" في علم النفس تشير الى دلالات عميقة تتعلق بالذاكرة, التعافي, الاثر النفسي المستمركما يلي :


- الأثر النفسي والتعافي: بعد مرور تجربة قاسية يتحول هذا المتبقي من ألم وحزن الى دروس مستفادة ورغبة في البداية من جديد حيث تتلاشى التجربة القاسية  ويتبقى الوعي بالذات الجماعي.


- ان عبارة ما يتبقى بعد "هي جوهر التجربة الانسانية الذي يشكل شخصيتنا ونظرتنا للمستقبل بعد انقضاء اللحظة العاطفية او الزمنية.


وفي هذا الاطار:


- أي مشهد أليم تنقله الكاتبة بعدسة كاميراها  الى المتلقي ؟


- أي تجربة قاسية عاشتها الشخصية الجماعية للحكاية ؟


- أي أثر يتبقّى بعد التجربة القاسية لتستفيد منه شخصيات الحكاية؟


- هل ان هذا المتبقي من ألم وحزن يتحوّل الى رغبة في البداية من جديد؟


- هل أن التجربة القاسية تتلاشى ويتبقى الوعي بالذات الجماعي؟


ان هذه التساؤلات قد يجد لها القارئ جوابا أثناء التحليل:


2- التحليل: "الققجية  بين تلاشي التجربة القاسية وتبقّي الوعي بالذات الجماعي"


أ- الققجية والتجربة القاسية:


لقد استهلت الكاتبة ققجيتها  برسم مشهد التقطته بعدسة الراصد من فوق يجسد مشهد دمار شامل لم يبق ولم يذرْ. انه أتى على البشر والحجر:


(ضاقت الارض بين موتى ونفقة بقية الكائنات


تكدست في المشافي جثث واشلاء مفخخات)


لقد عبرت الكاتبة بامتياز عن العدد المهول للضحايا بأن جعلت الأرض بحجمها الكبير لا تتسع لهم وكأني  بالأرض  تحتج على ضحايا هذا الدّمار الشامل للبشر فحتى المشافي عجزت عن إسعافهم وانتشالهم من الموت .


 إنه مشهد صادم وموسوم بالوحشية وعدواني ومجرّد من كل معاني الإنسانية ويفتقر لكل القيم الأخلاقية.


فلا إنسانية تُحكّمُ ولا أخلاق ترْدع...إنه قانون الغاب حيث القوي يأكل الضعيف.


ولعل الأمر أبشع من ذلك وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الألماني "هوبس" "الإنسان ذئب للانسان"


« L’homme est un loup pour l’homme »


انها علاقة محكومة بالوحشية وشراسة المصلحة الضيقة التي يراها الذئب في فريسته.


وهل أكثر من أن هذه الوحشية قد محت كل أثر للحياة :


لم يعد بالامكان من هولها ذكر فصول الحكايات


 (عائلات شطبت وقرى زالت لم يجدي إحصاء السجلات


وفي هذا الاطارتتدخل الكاتبة وتلوذ بعملية رثاء :


العمر: أرقام في عداد الزمن :لم يعد للعمر طعم الحياة .


الليل: كابوس من رماد : فالليل الذي هو زمن السكينة والهدوء والطمأنينة فالكاتبة باستخدام أسلوب انزياحي دلالي قائم على الكناية عبرت بامتياز عن كثرة الضحايا فكنّتْ عن الموت بالرماد.


والرماد كدلالة على "ما يتبقى بعد" الاحتراق والموت.


الشوارع: يغلفها السواد: باستخدام تقنية التجسيد تعبّر الكاتبة عن خلاء الشوارع وحشة وظلاما وسوادا وبالتالي انعدام الحركة  ومعالم الحياة .


الجدران: تئن تحت الركام...باستخدام ظاهرة التشخيص جعلت الكاتبة الجدران تئن أنين الانسان المريض الذي يحتضر  وما يتبقّى بعد الجدران الا الركام. فالمباني دُمِّرتْ وطُرِحتْ أرضا


الذاكرة : من هولها تمحو الاستذكارات : ان هول هذا الدمار الشامل محا الذاكرة والماضي والتاريخ


ان الكاتبة لا تخفي عن القارئ وجعها الذي جعلها تجد متنفسا في الرثاء:


- انها ترثي الزمان وهو يتحول من زمن الهدوء والطمانينة الى زمن يغتال فيه الشعب بكل وحشية


- انها ترثي الضحايا من البشر (عائلات شطبت).


- انها ترثي المكان من شوارع وحطام المنازل.


- انها ترثي الذاكرة وشعب بلا ذاكرة هو شعب منبت بلا جذور.


بيْد أن الكاتبة تختم بقفلة مدهشة لم يكن القارئ ليتوقعها فحوّلت هذه التجربة القاسية والمأساة المعيشة الى وعي بالذات الجماعي:


ان الكاتبة لا تركن الى سلبية الرثاء والبكاء على مدى الفقد ومدى الخسارة . فتقول الكاتبة:


كنا وكانوا .. ومحال أن يبقى الطغاة.


في هذا الاطار فان الكاتبة تقرّ بحقيقة متفائلة لتنتشل الشخصية الجماعية من بؤرة  الوجع بسبب الفقد والخسارة ولتبعث فيها الأمل في القضاء على الطغاة وعلى القهر والكاتبة في ذلك تعانق الشاعر الشابي في قوله : ولا بد لليل ان ينجلي// ولا بد للقيد ان ينكسر.


والكاتبة قد جعلت القفلة في مفارقة مدهشة مع متن الققجية ومتناغمة مع العنوان:


- المفارقة المدهشة: لئن كان متن الققجية يجسّد الوجع فان القفلة تعلن التشبث بالأمل لتجاوز الألم.


- التناغم بين العنوان ومتن الققجية والقفلة: ان "ما يتبقى بعد" الفقد والخسا رة هما الوجع والأمل.


والكاتبة قد جعلت هذه الشخصية الجماعية تتنفس من خلال البوح بوجعها لتستطيع انتشالها من الألم الى الأمل لتتجاوز اللاوجود الذي سببه العدوّ الى الايمان بالوجود.


ان الكاتبة عمدت  الى جعل هذه الشخصية الجماعية تسائل نفسها وتحاسبها لتتجنب نقاط الضعف وتضاعف من نقاط القوة..انها  لحظة يقظة ووعي بالذات الجماعية:


ب- الوعي بالذات الجماعية :


يرى باحثو علم النفس الاجتماعي ان الوعي بالذات الجماعية(او الوعي الجمعي/ الضمير الجمعي) "هو مفهوم سوسيولوجي ونفسي يشير الى مجموعة المعتقدات , القيم, والمواقف المشتركة التي يتشاركها أفراد المجتمع والتي تعمل كقوة توحيد بينهم.


 يمثل هذا الوعي "صوت الجماعة" وضميرها حيث يشعر الأفراد بالانتماء ويتشاركون في القيم والتوجهات"


وتتجسد طبيعة الوعي الجماعي من خلال:


- تشكيل الهوية :يتشكل من خلال القواسم المشتركة بين الافراد حيث تتحول الذات الفردية الى" نحن"


الجمعية.(الشخصية الجماعية بالققجية تريد تقرير مصيرها ازاء هذه الابادة الجماعية).


- الجدلية مع الآخر : الوعي بالذات الجماعية لا ينفصل عن الوعي بالآخر المختلف فهو يتحدد من خلال العلاقة مع الغير(كنا وكانوا... ومحال يبقى الطغاة) (علاقة الضحايا بالجلاد).


وبالتالي "ما يتبقى بعد" الابادة الجماعية هما الوجع والوعي الجماعي المؤمن بأن الليل لا بد أن ينجلي.


ان الوعي الجماعي هو العقلية التي تجمع أفرادا وتجعلهم يتصرفون ويفكرون كجماعة ذات هدف  ومصير مشترك. انه ما يعبر عنه الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر بالوعي القصدي حيث يكون الوعي موجّها نحو شيء ما وهو وعي لذاته يتجاوز الوجود السلبي الى الحرية والمسؤولية.


انه الوعي القصدي لهذه المجموعة او الأمّة التي تعرضت الى ابادة جماعية ودمار شامل  لتتجاوز الوجود السلبي الى اثبات الوجود بقهر العدو(محال يبقى الطفاة).


انه تلاشي التجربة القاسية والمأساة المعيشة والوعي بالذات الجماعي لاعادة الروح لهذه الأمة التي تعرضت الى ابادة جماعية.


سلم جليل حرف الكاتبة الهام عيسى المسكون بالانتماء العربي والوعي الانساني.


بتاريخ:27/ 04/ 2026


الققجية : "ما يتبقى بعد ":   


ضاقت الارض بين موتى ونفقة بقية الكائنات


تكدست في المشافي جثث واشلاء مفخخات


لم يعد بالامكان من هولها ذكر فصول الحكايات


عائلات شطبت وقرى زالت لم يجدي احصاء السجلات


العمر: ارقام في عداد الزمن


الليل: كابوس من رماد


الشوارع: يغلفها السواد


الجدران: تئن تحت الركام


 الذاكرة : من هولها تمحو الاستذكارات


كنا وكانوا .. ومحال ان يبقى الطغاة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق