"نادي قصر هلال.. ذكريات وحنين وآمال": حين تصير الكرة أبدية
كتاب قادم على مهل للصحفي التونسي الكبير الأستاذ محمد الماطري صميدة( مطران)
ليس كل ما يُكتب يُقرأ،وليس كل ما يُقرأ يُعاش. لكن هناك كتبا تأتي كأنها ليست ورقا وحبرا،بل نبضٌ يتدفق في شرايين الزمن،وروح تسكن الحروف.ومن بين تلك الكتب،يلوح في الأفق عمل فريد للصحفي التونسي الكبير الأستاذ محمد الماطري صميدة،حمل عنوانا شاعريا عميقا: “نادي قصر هلال..ذكريات وحنين وآمال”.
إنه ليس مجرد كتاب عن فريق رياضي،بل هو رحلة في دهاليز الذاكرة الجماعية لمدينة جعلت من الأصفر والأزرق لونا لوجودها،وهوية لا تموت.
هناك مدن تعرف بمعالمها،وأخرى تعرف برجالها، لكن قصر هلال تعرف بروحها الكروية.ففي كل شارع من شوارعها،وفي كل مقهى صغير،وفي كل نظرة طفل يحلم بالكرتونة المستديرة،يعيش نادي قصر هلال ككائن حي لا يهرم.وحين يتحدث الأستاذ محمد الماطري صميدة عن النادي،فهو لا يتحدث عن نتائج ومباريات،بل عن حكايات كُتبت بالعرق والفرح والدموع.
الكتاب،بشهادة مؤلفه،هو عمل شبه توثيقي،لكنه في العمق،عمل إنساني بامتياز،يأخذنا إلى زمن كانت فيه المدرجات تئن بالوفاء،والأسماء تخلد بالحب لا بالذهب.
هناك لحظات في العمر لا تُروى،بل تُعاش فقط في الأعماق كجرح جميل لا يندمل.وما يفعله الأستاذ محمد الماطري صميدة في هذا الكتاب هو أشبه بمعجزة صغيرة: أن ينقذ من النسيان رجالا صنعوا المجد بأيد عارية وقلوبٍ مكلومة بالشغف.
أولئك المسيّرون الذين كانوا يديرون النادي بلا ميزانيات،واللاعبون الذين كانوا يتركون أرواحهم في الملعب قبل أن يتركوا أقدامهم،والجماهير التي كانت تبكي الفريق كما تبكي الابن الغائب. قراءة هذا الكتاب ليست ترفا ثقافيا،بل هي زيارة لمقامات مقدسة،حيث الكرة لم تكن لعبة،بل دينا يجمع الناس تحت راية واحدة.
إنه كتاب يذكرنا بأن الأندية الرياضية الحقيقية لا تُبنى بالمال،بل بالذاكرة التي تتنفس،والحنين الذي يورث،والأمل الذي يضيء في أحلك الليالي.
وما يميز هذا العمل هو أنه ليس توقيعا فرديا،بل رحلة جماعية.فبجانب قلم الأستاذ محمد الماطري صميدة (مطران)،يأتي أرشيف وتوثيق نور الدين جمال الدين الذي يبدو أنه أمضى عمره في جمع شتات الذاكرة قبل أن تتطاير،والإخراج الفني لخليل صميدة الذي يعيد تشكيل الزمن الجميل بلمسات بصرية تحبس الأنفاس.
إنهم ثلاثة أسماء،لكنهم خلفهم آلاف الأسماء التي ستظهر في الصفحات: لاعبون رحلوا وبقوا، مدربون حلموا واستسلموا،جماهير كبرت على الأصفر والأزرق، وما زالت تحلم.
يقول المؤلف: “كتاب سيحمل الكثير من المفاجآت والصور والقصص التي تعيد الزمن الجميل إلى الحياة”.وهنا يكمن السحر الحقيقي: أن تعيد الصور القديمة حياة لمن ماتوا،وأن تروي القصص حكايات لم تسمعها الأجيال الجديدة.
كم صورة ستظهر لأول مرة؟ وكم حكاية كانت مخبأة في صدور الرجال العجزة،وها هي اليوم تُسجل كي لا تموت؟
“قريبا جدا إن شاء الله”…هكذاةيقول الأستاذ ( مطران) وهي ليست مجرد عبارة تسويقية،بل وعد من القلب.وعد بأن ذاكرة قصر هلال لن تموت،وأن الحنين سيجد من يحتضنه،وأن الأمل يظل شعلة في نادي رياضي هو أكثر من ناد: هو ديوان شعر مفتوح على الأبدية.
فليكن هذا الكتاب تحية إلى كل من حمل الأصفر والأزرق في عروقه،وليكن درسا لأجيال قادمة بأن أعظم الأندية لا تُصنع بالنتائج فقط،بل بالذين يظلون يحلمون بها حتى بعد أن يرحلوا.
وهكذا،يظل الأستاذ محمد الماطري صميدة أكثر من مجرد كاتب،إنه مدرسة في الصحافة الراقية، ونموذج فريد للقلم الذي لا يعرف المستحيل،قادر على تحويل الكلمات إلى لوحات خالدة في ذاكرة القراء.
إنها عبقرية نادرة تجلت في قدرته على صياغة أبهى المقالات،فجعلت منه ابنا باراً للشروق الغرّاء التي احتضنت موهبته لعقود،فأضاء صفحاتها بآلاف النصوص التي لن يمحوها الزمن.
لقد تخطى اسمه الحدود،فأصبح علامة تونسية، وعربية،ودولية،وكسب محبة وشغف آلاف المتابعين الذين كانوا على موعد مع إبداعه في كل صباح.ولا يفوتني،وأنا الذي ترعرعت كتاباته وازدهرت في كنف هذه المؤسسة العريقة ( الشروق التونسية) وتتلمذت على أيادي كبارها،وأخص بالذكر الأستاذ العظيم محمد الماطري صميدة،أن أقر بفضله الذي سيبقى محفورا في وجداني وفي كل حرف كتبته أو سأكتبه.
فتحية إكبار وإجلال لقامة صحفية لن تتكرر.
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق