قراءة نقدية : "الرواية بين سلطة الدين ولعبة الفانتازيا"
(التناص والابداع)
نادي " الساردون يغردون"
الرواية "علي بابا والاربعون حبيبة"
الكاتب الجزائري :عز الدين جلاوجي
الناقدة التونسية: جليلة المازني.
لئن لعب الكاتب عز الدين جلاوجي على سلطة الدين وخيال الفانتازيا فاستخدم نوعين من التناص فانه طبع روايته في المقابل بالإبداع و التجديد:
1- ظاهرة التناص بالرواية:
أ- التناص الديني : لقد صدر الكاتب كل فصل من فصول الرواية الستة بآية قرآنية والتصدير هو في خدمة التناص :
- الفصل الأول: لقد استدعى الاية "ان سعيكم لشتى" (سورة الليل الاية 4)
في هذا الاطار تبدا الرواية بين دنيازاد واختها شهرزاد وتبدا حكايتها عن علي بابا ومغامراته مع رفاقه وكيف انهم عصوْا قيم المجتمع وخرجوا عنهم واتخذوا من الكهوف مسكنا لهم وانهم اصبحوا كقطاع طرق لكن علي بابا في الرواية ليس ذاك الرجل الصعلوك
الذي تمرد على مجتمعه بل باعتباره رمزا للقوة والشجاعة والوفاء.
- الفصل الثاني : آية البعث :"وهو الذي يخرج الخبء" ( سورة النمل الاية 25):
هنا تكتمل رحلة علي بابا بعد عثوره على الجمجمة لتكتسي بعدها لحما وملامح بشرية ويتخذ معها الحديث وسرد وقائع حياتها قبل الممات.
- الفصل الثالث: تحت عنوان آية الغيب :"قال عفريت من الجن"(سورة النمل الاية 39):
هنا تداخل بين عالم البشر والجن الذي يتطابق مع ما جاء في الف ليلة وليلة الاصلية عندما تختطف ملكة الجن علي بابا وتاخذ منه العقد الذي هو ملك لحبيبته فتشترط عليه لاعادة عقده ان يتزوج منها حيث يبدا العدد من ان يتخذ أربعين زوجة ومن ثم شرعية العنوان "اربعون حبيبة".
- الفصل الرابع : اية العودة: "ثم جئت على قدر يا موسى" (سورة طه الاية 40):
هنا تبدأ قصة بدر البدور تلك الاميرة الحسناء التي وقعت في حب علي بابا وهربت معه من الغدر الذي لحق والدها لتجد نفسها في مدينة أخرى ويتخذها الأمير قاضيا معادلا له بعد ان تناولت جرعة سحرية وتحولت الى رجل فيذيع صيتها بحكمها العادل بين الناس.
- الفصل الخامس آية الكشف:" تلك آية أخرى" ( سورة النحل الاية 25) :
هنا تبدا القصة المعقدة بين علي بابا و الجوهري ويخبر زوجته ليتخذه مساعدا لبنيته الجسدية القوية ولكن عندما يتفطن للعِقد السحري الذي معه يحتال عليه من اجل اخذ ه منه وتكتشف بدر البدور مكيدة الجوهري وتحل المشكلة وتكشف عن نفسها للأمير وتخبره بالحقيقة وتعود مع علي بابا الى قصر والدها.
- الفصل السادس: آية الدخول: "فاخلع نعليك"( سورة طه الاية 11):
هنا يعود علي بابا مع حبيبته بدر البدور الى قصر والدها الذي أنهكه المرض والإهمال وتعمّ الفوضى المكان لكن الأمير يطلب من علي بابا ان يجد حلا لهذه الفوضى لانه رجل ذو شهامة وشجاعة وفي النهاية يتزوج علي بابا وبدر البدور ويعيشان في سعادة.
ب - التناص الادبي:
* مع علي بابا والاربعون لصا(العنوان)
* مع ادب الصعلكة ومع الشعراء الصعاليك الذين يتقاطعون مع على بابا في تشبعهم بالقيم الإنسانية.
* مع أدب الفانتازيا و الحكايات الشعبية التي هي الجذور الأولى للفانتازيا مثل حكايات الف ليلة وليلة .
وفي هذا الاطار لعل الروائي عز الدين الجلاوجي قد لعب على سلطة الدين وخيال الفانتازيا هروبا من مواجهة السلطة وهذا ما يصطلح عليه ب"التقية " ليتقي شرّ السياسيين فالرواية لا تخفي عن القارئ انها تجمع بين الظاهر والباطن وبين الوجه والقفا.
2-الابداع والتجديد بالرواية:
تتميز الرواية عند الكاتب جلاوجي بالابداع شكلا ومضمونا:
أ-الشكل:
- تبدأ رواية "علي بابا والاربعون لصا "من حيث انتهت قصة الف ليلة وليلة (من الليلة الثانية بعد الالف)
- التعالق الاجناسي:
+ أدب الصعلكة والتمرد على السائد من قيم ظالمة.
+ أدب الفانتازيا بما فيه من عوالم موازية وسحر واسطورة وصراع ملحمي غالبا ما يتضمن صراعا كبيرا بين قوى الخير والشر ورحلة بطولية للتصدي لقوة ظالمة.
ب- المضمون:
- الرواية مفتوحة على العديد من التأويلات فالأسلوب العجائبي عند الكاتب ينطلق بالذات المهمومة التي يحملها الانسان وبذلك فان الرواية ترتقي الى الادب الإنساني.
- تعكس رؤية الكون وما فيه من عجائب فهو لا يقدمها جاهزة وقد تبدو مبتذلة لدى القارئ العادي لكنها هي أقنعة في باطنها وعلى القارئ الجيد ان يمارس بشيء من الشك والوعي
ليصل الى يقين الكاتب الذي يبذره في العتبات النصية وفي متن النص.
- علاقة الرواية بالتحليل النفسي *:
تتجلى أبعاد التحليل النفسي فيها بشكل عميق من خلال:
*تفكيك عقدة "الأنا والآخر".
* اسقاطات اللاوعي الجمعي المتمثلة في الكهوف و الكنوز المخبأة.
* رمزية تحول "اللصوص " الى "حبيبات" كدلالة على ترويض الغرائز من غريزة الشر المتأصّلة في اللص الى غريزة الخير التي يجسدها الحب والحبيبة.
* ميثاق الصعلكة (التمرد النفسي والبحث عن الحرية) :
ان البطل علي بابا قد تمرّد على القيم السائدة وأسس مجتمعا خاصا رفقة أتباعه عبر ما يسمى" ميثاق الصعلكة" وهو يمثل من وجهة نظر التحليل النفسي الفرويدي تمردا وخروجا عن سلطة "الانا الأعلى"(المجتمع والقيم القمعية) وتحريرا ل "الهو"(الغرايز الحبيسة والبحث عن الذات الحرة) مما يعكس صراعا نفسيا بين الفرد والمؤسسات التقليدية.
وهو تمرد من وجهة نظر اجتماعية على "العقد الاجتماعي " لروسو".
وبالتالي فان الروائي قد قلب الطاولة على المركز بان جعل المهمشين (علي بابا واتباعه) يرتقون الى المركز بسنّ قوانين خاصة بهم (ميثاق الصعلكة).
*دلالة الانثى والتوق الى التوازن النفسي:
وجود المراة كقوة محورية(سواء بدورها في الرواية ك"حبيبات " او حتى في الحوار بين شهرزاد ودنيا زاد في الاطار السردي يشير للنصف المكمل للذات
وهو يمثل في علم النفس التحليلي محاولة الشخصية الرئيسية تحقيق التوازن النفسي والتكامل الداخلي (الاتحاد بين عنصري الذكورة والانوثة).
وخلاصة القول فان الكاتب عز الدين جلاوجي قد جمع في روايته بين سلطة الدين ولعبة الفانتازيا عبر ثنائية التناص والابداع وبذلك قد ارتقى بروايته نحو العالمية.
شكرا له تناصا وابداعا تمرّدا وتفردا.
بتاريخ 16/ 06/ 2026
المرجع:
*ASJP * *التحليل النفسي في رواية "علي بابا والاربعون حبيبة"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق