قراءة في قصيدة "في الشظايا" للشاعرة التونسية القديرة أحلام بن حورية
مرايا تتشطر لتكشف..كاهنة النص التي لا تنحني
في الشظايا
عندما تأتي المساءات..
تتشابك أوتاري في لحظة الغياب
تتحطّم على فردوسها نواظيري
تنبت الحكايات على جدار الصّمت
تتأهّب المرايا للحكي...للسؤال...
ويصعب في حلقي الجواب
تتسارع أزاهيري لتنساب من الصّوَر
آهٍ من الصّوَر!
أستدعي جدّاتِي من أقاصيها..
من عيون تكره التغميض..
تزغرد علّيسة قرب النار
تقف الكاهنة في شموخ...
هي لا تنحني..
ولن تنحني..
يكبّر حسّان ..ويسجد عبد الله..
يخزر حنبعل للجبال باسما...
هناك ...هناك..
تنشطر مرايا السنين البعيدة
تخرج التانيت خضراء...خضراء..
ترفع جداتي أكاليل الصّعتر
ومشاميم الياسمين..
فتنتشي المساءات....
ونلتقي..
أحلام بن حورية
تتشكل القصيدة عند أحلام بن حورية كفضاء وجودي يتجاوز حدود النص المكتوب،لينفتح على أسئلة الهوية والذاكرة والتجربة الأنثوية في سياقها التونسي والعربي.إنها لا تكتب الشعر بقدر ما تنحت روحها فيه،فإذا كانت الكتابة عند غيرها انفعالا عابرا،فهي عندها فعل كينونة يتجذر في عمق التاريخ والأسطورة،ليمنح حضورها الشعري فخامة لافتة وتوقيعا خاصا لا يُشبه إلاّ هي.ففي ديوانها الشعري،وبخاصة في قصيدة "في الشظايا"،تنسج الشاعرة فضاء شعريا يتقاطع فيه الذاتي بالجمعي،والفردي بالأسطوري،والتونسي بالكوني،لترسم لوحة هوية متعددة الأبعاد،تستلهم فيها من جذورها القرطاجية والإسلامية والشعبية ما يعيد تشكيل الراهن على ضوء الماضي، والمستقبل على ضوء الرغبة في الخلق والتجدد.
يحمل عنوان "في الشظايا" دلالة التكسّر والبعثرة، لكنه في العمق يشير إلى إمكانية التجميع،إلى قدرة الشاعرة على التقاط أجزاء الهوية المبعثرة وصوغها في لوحة مكتملة.إنه وعي بوضعية الذات والوطن في زمن التفتت،لكنه أيضا إيمان بقدرة الشعر على إعادة التركيب والبعث.فالشظية هنا ليست نهاية،بل بداية لرحلة جمع وتجميع، صياغة وتشكيل.
وتأتي المساءات في النص لا بوصفها وقتا فحسب،بل فضاء طقوسيا تتشابك فيه الأوتار وتتحطم النواظير،وهذا التوتر بين الغياب والتشابك يخلق مفارقة درامية عميقة،فالغياب لا يعني الانفصال بل هو شرط للاتصال الأعمق بالجذور والأصول.وكأن الشاعرة تريد القول إن الحضور الحقيقي لا يتحقق إلاّ بعد المرور بمحطات الفقد والغياب،وإن العودة إلى الذات تستلزم اجتياز متاهات الانكسار.
وتتوزع القصيدة على إيقاع داخلي يعتمد التكرار والتنويع،إذ تضفي الجُمل الفعلية المتتالية حركة تصاعدية تعيد تشكيل العالم من تحت رماده،بينما تمنح المقاطع القصيرة النص تنفسا دراميا يجعل الوقفات الشعرية محطات تأمل لا مجرد فواصل. هذا البناء الإيقاعي المحكم يمنح النص قدرة على السمع الداخلي،حيث تتردد الأصداء وتتناغم النغمات كما في مقامات موسيقية تونسية عتيقة، وكأن الشاعرة تعيد إنتاج روح الأغنية التونسية في ثنايا قصيدتها الحديثة.
توظف الشاعرة الشخصيات الأسطورية والتاريخية التونسية في سياق أنثوي واضح، حيث تبرز الجدات حاملات الحكاية ومنبع الزغاريد،والكاهنة رمز المعرفة الصامدة التي لا تنحني،فيما تخرج التانيت خضراء في حالة خصب وبعث، تستعيد به الأنثى المقدس،وتأتي الرموز الذكورية مكملة غير مهيمنة في مشهد يعيد الاعتبار للتعدد الثقافي التونسي بامتداداته الإسلامية والقرطاجية والشعبية.هذا الاختيار الأنثوي ليس اعتباطيا،بل هو إعادة كتابة للتاريخ من منظور مغاير،حيث تصير الأنثى حاملة النص وراوية الأسطورة،لا مجرد موضوع فيها.
إن استحضار الكاهنة التي "لا تنحني" يحمل دلالة واضحة على رفض الانكسار،ليس كبرياء فارغا بل إيمانا بقدسية المقام الأنثوي في الثقافة التونسية والعربية.والكاهنة في التراث التونسي ليست مجرد عرّافة،بل هي حافظة المعرفة وموزّعة الحكمة،وهي التي تقف على حدود العالمين المرئي واللامرئي.وحين تختارها الشاعرة رمزا، فإنها تختار لنفسها موقعا شعريا مشابها،موقع الكاهنة التي ترى ما لا يراه الآخرون،وتقرأ ما بين السطور،وتنطق بما هو مسكوت عنه.
وأما التانيت،الإلهة الأم في الميثولوجيا القرطاجية،فتخرج خضراء في القصيدة،حاملة معها الخصب والبعث.وخضرتها ليست مجرد لون، بل هي علامة الحياة والنماء،ورفض الجفاف واليباس.وهكذا تستعيد الشاعرة قداسة الأنثى في أقدم تجلياتها التونسية،فتمزج بين الأصالة القرطاجية والروح الإسلامية والمعتقدات الشعبية في توليفة فريدة تؤكد أن الهوية التونسية ليست أحادية البعد،بل هي نتاج تزاوج حضارات وأديان ولغات.
تنمو الصور في "في الشظايا" من الحسي إلى الرمزي،فتنبت الحكايات على جدار الصمت لتجعل للحكايات وجودا ماديا وللصمت أرضا خصبة،وتتشطر مرايا السنين ليصبح انكسار الزمن شرطا لظهور الحقيقة المدفونة،فيما يمزج أكليل الزعتر ومشاميم الياسمين بين العطر والنبات ليوحي بأن الذاكرة ليست مجرد استرجاع بل استنشاق للهوية ذاتها.
هذه القدرة على تحويل الحسي إلى رمزي، والمادي إلى روحاني،هي ما يميز شعر أحلام بن حورية.فالياسمين ليس مجرد نبات عطري،بل هو روح المدن التونسية العتيقة،والزعتر ليس مجرد نبت بري،بل هو رمز الجبال والصلابة والجذور. وحين ترفع الجدات أكاليل الزعتر ومشاميم الياسمين،فإنهن يقدمن طقسا هوائيا،ونفحة تعبق بالهوية،حيث تتشابك رائحة التراب برائحة الذاكرة، وعطر الماضي بنسمة المستقبل.
وتقف القصيدة على عتبة زمنية مفارقة،فالماضي مستدعى عبر الجدات والأساطير لكنه حاضر في راهنية المساءات،ويأتي فعل "ونلتقي" في الختام حاملا أفقا مستقبليا،وكأن اللقاء مع الذات والجذور لم يتحقق بعد بل هو في طور التشكل بفعل الكتابة ذاتها.هذا التمفصل الزمني يمنح النص ديناميكية خاصة،حيث يتشابك الماضي بالحاضر ويتجهان معا نحو مستقبل مفتوح،وكأن الكتابة هي تلك الرحلة الدائمة بين الأزمنة الثلاثة، تعيد تركيبها في كل مرة.
وهذه المفارقة الزمنية تجعل القصيدة نصا مفتوحا على كل زمان،لا تحكي عن تونس وحدها، بل عن كل ذات تسعى إلى جمع ما تبعثر فيها من أزمنة وأمكنة وأساطير.إنها تجعل من التجربة التونسية نموذجا لتجربة إنسانية أوسع،حيث يعاني الجميع من التفتت ويتوقون إلى الائتلاف، وحيث يفقد الجميع جزءا من هويتهم في زمن العولمة ويتطلعون إلى استعادته عبر الحكي والكتابة.
وشواهد النص تتدفق لتؤكد هذا البناء المحكم، فقولها "تتشابك أوتاري في لحظة الغياب" يحيل إلى مفارقة حضور الغياب ذاتها،حيث يتشكل الوجود الشعري من رحم الفقد،والأوتار المتشابكة تصور حالة من التلاحم العميق مع الجذور رغم غيابها الظاهري،وكأن الغياب هو الفضاء الأرحب للاتصال بالكينونة الحقيقية.
أما "تنبت الحكايات على جدار الصمت" فترسم أرضا خصبة حيث يستحيل السكوت حكاية، فالصمت هنا ليس فراغا،بل هو تربة تنتظر البذور، والحكايات نباتات تنمو منها،وكأن الشاعرة تريد القول إن الحكاية تولد من رحم الصمت العميق، وإن الإصغاء للصمت هو شرط إنتاج النص.
وتأتي "المرايا تتأهب للحكي.. للسؤال" لتجعل الرؤية نفسها في حالة ترقب واستفهام،فلا شيء نهائيا ولا مرآة صامتة،فالمرآة التي كانت في التقليد الشعري أداة للانعكاس الخادع،تصير عند بن حورية أداة للتساؤل والبحث،فالحقيقة ليست جاهزة،بل هي ما يُبنى عبر السؤال والحكي،في تفاعل دائم بين الذات والآخر،بين الرائي والمرئي.
وفي مشهد الكاهنة التي "لا تنحني.. ولن تنحني" يتجسد رفض الانكسار الأنثوي،ليس غرورا أو تحديا،بل إيمانا عميقا بأن الوقوف منتصبا هو حالة الأنثى الطبيعية،وهو أيضا حالة النص الشعري الذي يرفض الخنوع للزمن أو للذاكرة المتآكلة،ويمضي في دربه صامدا كالصخر الذي لا تلينه الرياح.
وعندما "تخرج التانيت خضراء" تعود الإلهة الأم لتخصب الأرض والذاكرة معا،وحين "ترفع جداتي أكاليل الصعتر ومشاميم الياسمين" تصير العطور علامات هوية،والزعتر نبت الجبال التونسية رمزا للصلابة،والياسمين عطر المدن القديمة رمزا للرقة، في امتزاج مثالي بين خشونة الأرض ونعيم الذاكرة.إنها هوية لا تنفصل عن طبيعتها،ولا تتجرد من رائحتها الخاصة،مهما حاولت تغيير الزمن أو تبديل المكان.
وفي خاتمة التأمل،تظل قصيدة "في الشظايا" نصا مفتوحا على كل زمان،لأنها لا تحكي عن تونس وحدها،بل عن كل ذات تسعى إلى جمع ما تبعثر فيها من أزمنة وأمكنة وأساطير.وأحلام بن حورية،بهذا النص،تمنح القارئ ليس مجرد قصيدة، بل طقس عبور من التفتت إلى الائتلاف،ومن الصمت إلى الحكي،ومن الغياب إلى اللقاء.إنها تكتب بمداد الذاكرة وتنفس التراب،فتصير الكلمات عندها قبورا تنبض،ومرايا تتشطر لتكشف لا لتخفي،وكأنها تقول لنا إن الهوية ليست ما نمتلكه بل ما نستعيده في كل مرة ننشد فيها النبض الأول.
وهكذا تثبت الشاعرة أن الشعر ليس انفعالا عابرا، بل هو فعل كينونة،وكهانة نص لا تنحني،واحتفاء بالحياة في حضرة الشظايا،حيث يتعذر السقوط لأن الجذور تغرس في الصخر،ويتعذر النسيان لأن الياسمين يفوح وإن تدثر بالغبار.
إن حضور أحلام بن حورية في المشهد الشعري التونسي والعربي ليس مجرد حضور عابر أو إضافة عددية،بل هو حضور نوعي فاخر،يضرب بجذوره في عمق الثقافة التونسية،ويتفتح على آفاق الشعرية العربية في أبهى تجلياتها.إنها شاعرة استطاعت أن تجعل من تجربتها الخاصة نافذة على تجربة جمعية،ومن حكايتها الفردية أسطورة تونسية جديدة،ومن انكسارها الشخصي لحظة بعث وخلق.
ففي زمن تكثر فيه الأصوات وتتضارب النغمات، تظل أحلام بن حورية صوتا مميزا،له نبرته الخاصة التي لا تخطئها الأذن العربية.إنها شاعرة الذاكرة الحية،التي تستعيد الحكايات القديمة بلسان حديث،وتعيد تشكيل الأساطير الخالدة في قوالب شعرية مبتكرة،متجاوزة بذلك كل الثنائيات التقليدية بين الأصالة والمعاصرة،بين التراث والحداثة،بين الأنثوي والذكوري،بين المحلي والعالمي.
وما يميز تجربتها أيضا،أنها تجربة مركبة،لا تقف عند حدود الشعر المكتوب،بل تمتد إلى تجارب ثقافية متعددة،تجعل منها واحدة من أبرز الأسماء النسائية في الثقافة التونسية المعاصرة.إنها وبكل جدارة،كاهنة النص التي لا تنحني،حارسة الذاكرة التي لا تنسى،وشاعرة الحضور المتجذر في الغياب،التي تزرع الياسمين في صحراء النسيان وتفتح للنغمات التونسية العتيقة أبوابا في حداثتها،مؤكدة أنها ليست مجرد صوت في المشهد الشعري بل ذاكرة نابضة،وكائن ثقافي فاخر لا يُشبه إلاّ نفسه،ولا ينتمي إلاّ إلى هذا التراب الذي أنجبه وجعله ينبض شعرا وحياة.
والحمد لله الذي جعل في هذه الأرض من يزرع الياسمين في صحراء النسيان،ويكتب النبض الأول في دفاتر الغياب،ويرفع أكاليل الزعتر ومشاميم الياسمين عطرا يظل يفوح،وذاكرة لا تنحني.
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق