الاثنين، 8 يونيو 2026

شموخ الإبداع في زمن الانكسار: تأملات في إبداعات الشاعر التونسي السامق جلال باباي بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 شموخ الإبداع في زمن الانكسار:

تأملات في إبداعات الشاعر التونسي السامق جلال باباي


"شامخ

رغم

كل الماسي

شاعر

لا يحب

الكراسي

مترع

بالجلال

جلال.."

(الشاعر التونسي جلال باباي)


ليس الإبداع الفني مجرد موهبة عابرة أو مهارة مكتسبة،بل هو انعكاس صادق لكينونة المبدع بأبعادها المتشابكة: عقيدته التي تُنير طريقه، وصدقه الذي يمنحه النقاء،وتجربته التي تمنحه العمق.وفي شخصية الشاعر التونسي القدير جلال باباي،نلمس هذه الخواص متجلية بأبهى صورها، حيث صاغ من معاناته وتأملاته عالما شعريا فريدا يمتح من وجع الواقع ليصنع جمالا يلامس الروح قبل العقل.

إن ما يميز تجربة جلال باباي الإبداعية هو قدرته الفائقة على تحويل الألم إلى لغة شعريّة لا تستجدي العطف،بل تفرض الاحترام.إنه شاعر لا يكتب ليُبكي،بل ليجعل القارئ واقفا أمام النص بخشوع من يعرف أن وراء كل كلمة معركة خاضها صاحبها.

 لقد بنى الشاعر جسرا بين الذاتي والكوني، فجاءت قصائده تعبر عن مأساة إنسان تونسي، لكنها في جوهرها تحكي مأساة الإنسان أينما كان.

يُدهشني في شعره ذلك التكثيف الرمزي الذي لا يفسد البساطة،فكلماته أشبه بومضات ضوئية في ليل حالك: قصيرة،لكنها تحرق الطريق أمامك. حين يكتب عن "الكراسي الخاوية" لا تعني فقط فراغ المكان،بل تعني حضور الغياب بأثقل ما يكون.وحين يصرخ بصمت عن "الجلال" الذي يحمله على كتفيه،لا يتباهى،بل يعترف بحمل ثقيل لا يراه الآخرون.

لقد استطاع باباي أن يخلق لنفسه لونا شعريا خاصا،يمزج بين النثري المُحكم والإيقاع الخفي الذي يشبه نبض القلب حين يوجع.إنه شاعر لا يخاف من المواجهة،بل يواجه واقعه المتعب بلغة تتجافى عن الرثائية المبتذلة،وتذهب مباشرة إلى صميم الجرح.وربما كان هذا هو سرّ شموخه: أنه لم يستخدم الشعر كدرع يحتمي به،بل كسيف يخترق به جدار الصمت الجماعي.

وإذا تأملنا بعمق في علاقة جلال باباي بإبداعه، نكتشف أن الشعر عنده ليس مجرد تعبير عن الذات،بل هو أسلوب وجود بأسره.إنه يكتب لأن الكتابة هي طريقه الوحيد لترتيب فوضى العالم الداخلية،لتحويل الفوضى إلى نظام،والصخب إلى نغم،والظلمة إلى ظلال تحمل دلالات الضوء. 

وفي زمن يسعى فيه الكثيرون إلى الإبداع السهل، سريع الاستهلاك،يصر هذا الشاعر على أن يكون شعره استفهاما وجوديا عميقا.إنه يضع القارئ أمام مسؤوليته كإنسان،لا كمتلق سلبى.وربما كان هذا هو سر شموخه الحقيقي: ليس في أن كلماته مترعة بالجمال،بل في أنها ضرورية،كالهواء، وكالماء،وكالصرخة التي تشق صمت القبور.

 إنه شاعر يقف على حافة الهاوية ليُضيء،لا ليسقط في دياجير الليل الأخرس،وهذا وحده يكفي ليجعل منه حالة فريدة في المشهد الشعري التونسي والعربي.

وعلى هدي هذا الشموخ الذي لا يلين،ندرك أن الإبداع الحقيقي هو تلك القدرة على البقاء شامخا حين يتهاوى كل شيء،أن تحوّل انكساراتك إلى قصائد لا تُقرأ فقط،بل تُعاش. 

إن جلال باباي لم يمنحنا شعرا نستمتع به،بل منحنا درسا في الكرامة الإنسانية مكتوبا بحروف من نار وجليد.

في ختام هذه المقاربة-العجولة-،لا أود أن أُعلن حكما قاطعا ولا أن أُصدر شهادة مطلقة،فشاعر بحجم جلال باباي أكبر من أن يُختزل في كلمات، وأعمق من أن تُستنفد دلالاته في مقال.لكن ما يحمّلني مسؤولية الكتابة عنه اليوم هو ذلك الشعور بالواجب الضميري تجاه تجربة إبداعية تستحق الوقوف عندها بإنصات وتقدير،بعيدا عن تهويمات المديح أو تجاوزات التجريح. 

لقد حاولت قدر الطاقة أن أكون قارئا أمينا،لا ناقدا متعاليا،ولا مُطرِيا مُجاملا،لأن النقد البناء يبدأ من الاعتراف بقيمة المبدع أولا،ثم بمحاورته في عمقه لا في هوامشه.

إن ما يفعله جلال باباي في نصه ليس مجرد كتابة،بل مقاومة وجودية بلغة تحفر في الصخر. وفي زمن تهشمت فيه الكثير من القصائد على أبواب السرعة والاستهلاك،يظل شعره ندا صعبا، وماء عذبا لا يشِيب.

إنني إذ أكتب هذه الكلمات،لا أزكّي نفسي،ولا أُزكّيه،لكنني أشهد أن التجارب الشعرية الكبرى تُعرف بجرحها الصادق لا بصخبها المدوي، وبصمتها العميق لا بزينتها اللامعة،وبقدرتها على البقاء شامخة حين يتساقط كل شيء. 

وهذا بالضبط ما يفعله شاعرنا الكبير ( جلال باباي): يُبقي على جمرة الكلمة مشتعلة في ليل معتم،ليس ليُرى هو،بل ليُرى الطريق..

فليُكتب لجلال باباي أنه استطاع أن يكون في زمن الكلمات الرخيصة،كلمة لا تُباع ولا تُشترى، وفي زمن الأضواء الخاطفة،ضوءا لا ينطفئ،لأن مصدره الجرح نفسه،والجرح حين يكون صادقا، يصير قنديلا..

في ختام هذا التأمل،لا نودّع شاعرا،بل نقف وقوفا صامتا أمام ظاهرة إنسانية كاملة: جلال باباي، الذي جعل من كلماته ندوبا مضيئة،ومن صمته صرخة،ومن انكساره قيامة.إنه ليس مجرد اسم في قائمة الشعراء،بل نبض حرّ في جسد أمة تعلّمت أن تنهض من رمادها.

و يبقى باباي متوهجا في كل من قرأه فازداد يقينا بأن الجرح قد يكون بوابة النور،وأن الوقوف على أطلال الذات قد يكون أسمى انتصارات الروح. فسلاما على من علّمنا أن الحرف إذا نزف،صار منارة..وسلاما على من لم ينكسر، لأنه كان شاهدا على زمن الشموخ..


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق