نشيدُ الرماد الذي أزهرَ فوقَ الأقصى
حديث..حول الشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير*
"أرَى نصْرَ( غزّةَ) قادِماً..وستَنْجَلي
أرَى نصرَ غزّةَ والهزيمةُ لِلعِدا
والنِّتنُ يُقهَرُ والبِلادُ..تعودُ لي..( الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير )
"صمدت لأنها آمنت أن الغربة ليست مكانا تُقام فيه،بل حالةٌ تُعاش،وأن المستعمر حين يسرق الأرض،فإنه لا يسرق الذاكرة،وأن الكلمة إذا نُطقت بصدق،فإنها تصبح وطنا بديلا لا يُطرد منه صاحبه،بل يُقام عليه عرش المجد الذي لا يزول..(الكاتب)
ثمة جراح لا يُحيلها الزمنُ ندوبا،بل تبقى ينابيع تغلي في أعماق الروح،وثمة غربة لا تُقاس بالمسافات،بل بثقل المدى الذي يفصل بين النبضِ وأصله.
في خضمّ هذا الانهيار الكبير،حيث تتساقط الحجارة وتترنّح الهويّات،تبرز شاعرة جعلت من نار الاغتراب معراجا،ومن وهج الألم رداء.
هي ليست مجرد من تسكن الغربة،بل من جعلت الغربةَ تسكنُها لتنصبغ بها،ثم تفجّرها قصائدَ لا تشبه إلا فلسطين.
الأستاذة عزيزة بشير،تلك التي لم تَنَلْ منها المنافي لأنها حملتْ وطنها في محاجر عينيها قبل أن تحمله في ذاكرتها،تقف اليوم في وجه الإمبراطورياتِ المتوحشة عارية إلا من حروفها،مجرّدة إلا من إيمانها،لتكتبَ درسا في البقاء أقسى من صخر القدس،وأعذب من ندى الصباحات الفلسطينيةِ الأولى.
وفي زمن صار فيه الكلام رفاهية،والصمت خيانة، اختارت الأستاذة عزيزة بشير أن تخوض المعركةَ الأكثرَ وحشية في التاريخ البشري: معركة الكلمة في وجه نعيق المدافع ونباح الرشاشات.
لم تقابل الاحتلال السافر بصخب الثوارِ فقط،بل بهدير القصيدة التي تزلزل العروش قبل أن تزلزل الأرض.هي تدركُ أن المدافعَ تسحقُ الحجرَ،لكنها لا تسحق النبضَ المختبئَ في قافيةٍ،وأن الطائراتِ تحرق المزارعَ،لكنها لا تشوي حروفا تكتب بمداد القلب على سطوح الروح..
إنها شاعرة صاغتْ من فوهاتِ الرصاص أنغاما، ومن قسوةِ المنفى رحما تنجب فيه قصائد لا تموت،لأنها استلهمتْ روح الشهداء والذين يرفضون القبور،واختارت أن تكون صوتَهم الجهير في جلسات الغياب الطويلة.
ما أشدّ مرارةَ المشهد وهي تنظر من بعيد إلى قبة الأقصى،تلك القبة التي تسكن وجدانها كما تسكن الروح الجسد.كل حرف تكتبه هو خطوة نحوها، وكلّ قصيدة تنشدها هي ركعة في محرابها.
إنها تخلعُ حذاء اليأسِ عند عتبة البيتِ المقدّس، وتصعد بقصيدتها عاريّة من كلّ شيءٍ إلا من الوطنية،حافية على جمر الدروب القصية،لتجلس في منصة الشهداء الأبرار،حيث المقام لا يُقاسُ بالسنتيمترات بل بعمق التضحية وعُلو الروح.ثم لا تلبث أن تحلّقَ عاليا،تتجاوز الأسوار والجدران الفاصلة،كأنها طير سُرِقت أجنحته لكنه يتعلّم الطيران على حافة الألم،لتحط أخيرا على تلك القبةِ المباركة،فتضمخَها بعطر النضال،وتُعيد إليها رونقها الذي سرقه الغبار والعدوان.
لكن الأعمق في مسيرتها أنها لم تكتب وطنها على أنه فكرة مجردة،بل عاشته روحا على ضلوع، وحزنا على وجدان،وشوقا ينبجس من شقوق المرايا،ويتقاطر كالمطر على صحراءِ القلب الملتاع. كلّ كلمة في دواوينها هي شهيد لم يُدفن بعد، وكل قصيدة هي انتفاضة لا تهدأ،وكلّ همسة منها هي صرخة مدوّية في وجهِ الصمت العالميِّ المخزي.إنها تنسج خيوط قصيدتها من خيوط العنكبوتِ التي تبقى عالقة في زوايا المعتقلات، ومن أنفاسِ الأسيراتِ اللواتي يسرقن الحروف من بين القضبان،ومن بكاء الأمهات اللواتي يرتدين سواد الفقد صباحا،ويخلعنَه مساء ليرتدين رداء الانتصارِ الجديد..
هي لا تكتب شعرا،بل تشييدا لمجد لا ينقرض،وإعلانا أن الجسد الفلسطينيَّ وإن تفتّت،تبقى قصيدتُه مسمار جَلَد في جدار العالم الأخرس.
وفي لحظاتِ الضعف الجماعيّ،حين يتساءل المرء عن جدوى الكلمة في عالم تتحكّم به القنبلة والترسانة العسكرية،تأتي سيرة الشاعرة الكبيرة عزيزة بشير لتقول إن الفلسطينيَ حين يُجرّد من أرضه،يزرع كلمته في القلبِ،وحين تُسرَق ذاكرتُه،يكتب ذاكرة جديدة لا تُسرق،وحين يُمنَع من الحج إلى أقصاه،يجعل من قصيدته مسرىً إلهيا.!
صمودها ليس معجزة سماوية،بل هو قرار إنسانيّ بالبقاء رغمَ إرادة الفناء،هو عناد النخلة التي تشقّق الصخرَ بجذورها،لا بقوّتها الظاهرة،بل بإصرارها الخفيّ على الحياة.
أيها القارىء الكريم،إن وقفتَ أمام هذا النموذج الفذ،فلا تظن أنك تقرأُ سيرة امرأة فقط،بل أنت تقرأُ خلاصة أمة اختارت الكلمة سلاحا،والقصيدة هوية،والأقصى قبلَة لا تُبدّل.
إن الأستاذة عزيزة بشير تعلمُ،كما نعلم جميعا،أن الاحتلال قد يمحو القرى،ويُشوّه الخرائط،ويهدمُ البيوت،لكنه لا يمحو قصيدة كُتبت بدم الشهيد ونبض الثكلى.هي تجسّد تلك اللحظةَ الفلسفية العجيبة التي يتحوّل فيها الألم إلى جمال،وتتبدّل الغربة إلى حضن،ويصير الموت ذاته بداية لولادة أبدية في وجدان الأجيال القادمة.
لقد كانت كلماتها قنديلا في دهاليز النسيان،ونبعا في صحراءِ الخذلان،وصوتا لا يشبه سوى هديل الحمام فوقَ قباب القدسِ،حين يغرد رغمَ كل الطلقات النازفة.
إنها تتركُ لنا إرثا ليس مجردَ دواوين شعريةٍ،بل منهج حياة يعلمنا أن النصر لا يُستلب منا،وأن الكرامة ليست هبة تُعطى،بل قضية تُحتضَن وتُحمى وتُحلق بها الكلمات إلى حيث لا تصل آلات الموت ولا عُتاة الطغيان.
فليعلم كل من يظن أن الأرض هي آخر المكاسبِ، أن عزيزة بشيرَ انتزعت من جبروتِ المحتلّ أغلى ما يملكه: الخوف من المعنى.فقد جعلت من جرح فلسطينَ قُبّة لا تنهار،ومن غربتها مئذنة لا تسقط، ومن حروفها طوفانا يغرق أسرابَ الغُزاة حين يأتي يوم الحساب الشعري.
وليست القصيدة انعكاسا للواقع المرير،بل هي تخطيط لواقع أجمل،حيث يسكن الشهداء في البيوت التي لم يُبن لها سقف،وحيث ترفرف أرواح الأحرار على قبة الأقصى،ويصرخون للعالم بأن فلسطين ليست أرضا تُغتصب،بل قصيدة تُكتب للأبد،وكفى بالقصيدة وطنا لمن لا وطنَ له،وكفى بالكلمة سلاحا لمن لا سلاح له،سوى الله والدم والمداد..
سلام هي فلسطين..إذ تقول وجودنا،تقول وجودها الخاص حصرا..فلا بهجة لأبنائها خارج فضائها..
وهي مقامنا أنّى حللنا...وهي السفر..
محمد المحسن
*الأستاذة عزيزة بشير هي شاعرة وكاتبة فلسطينية مغتربة،وُلدت في مدينة جنين وتعيش حاليا في دولة الإمارات العربية المتحدة.تُعرف بلقب "شاعرة التحدي والصمود" وتتميز قصائدها بتوثيق المعاناة والأمل،حيث تحظى أعمالها بمتابعة وتفاعل واسع.
تُعد قصائدها شكلا من أشكال المقاومة الثقافية التي تهدف إلى توثيق عدالة القضية الفلسطينية والتمسك بالهوية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق