قراءة نقدية: "تفاعل الذات بين اشراقة الشمس واشراقة القلب"
القصيدة: " كلما أشرقت الشمس من جديد"
الشاعر التونسي : طاهر مشي
الناقدة التونسية : جليلة المازني
القراءة النقدية : " تفاعل الذات بين اشراقة الشمس واشراقة القلب"
" كلما اشرقت الشمس من جديد" 1- في قراءة للعنوان
لقد ورد العنوان متضمنا للزمان باستخدام عبارة "كلما" وهي أداة شرط تُعرف بظرفية زمانية تفيد التكرار والاستمرار.. وهي تدل على اقتران وقوع جواب الشرط بوقوع فعل الشرط في كل مرة أي "كلما وقع الحدث الأول تكرر وقوع الحدث الثاني" فتكون الجملة الأولى سببا وتكون الثانية نتيجة متكررة لها.
وقد ورد هذا التركيب الشرطي في القرآن: في سورة آل عمران الآية (37) "كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا"
والشاعر اكتفى بفعل الشرط بالعنوان لتشويق القارئ لمعرفة جواب الشرط بمتن القصيدة:
2- التحليل: " تفاعل الذات بين اشراقة الشمس واشراقة القلب"
أ- تفاعل الذات مع اشراقة الشمس:
لقد استهل الشاعر القصيدة بجواب الشرط (أمضي) الذي لم يبحْ به في العنوان.
والشاعر قد كسر التركيب بأداة الشرط الظرفية (كلما) التي تقتضي استخدام صيغة الماضي في طرفي التركيب الشرطي فاستخدم في جواب الشرط صيغة المضارع المرفوع الدال على الاستمرارية والدوام .
وبالتالي يتلازم شروق الشمس من جديد كل يوم بمُضيّه (أمضي).
والمُضيّ حركة والحركة متجددة وتشي بالحياة.
والمضيّ هو الاستمرار في السير او العمل وهو الذهاب الى الامام.
وبالتالي فان المضيّ يشي بالمكان.
وبين العنوان (كلما أشرقت الشمس) والاستهلال (أمضي) ثنائية الزمان والمكان التي هي حقيقة وجودية.
والشاعر يوظف ثنائية الزمان والمكان لا كثنائية ضدية بل لخلق إيقاع نفسي يشي ب:
- ثنائية الحضور والغياب: حضور المكان في الذاكرة مقابل غيابه في الواقع .
- ثنائية البقاء والفناء: الزمن يطوي كل شيء والمكان شاهد على تغير الاحوال
ويُعدّ دمْج الشاعر للزمان والمكان أداة فنية لتحويل المشاعر المجردة الى صور ملموسة تتيح للقارئ معايشة التجربة الإبداعية بكل ابعادها الوجدانية والنفسية.
ان الشاعر في تلازم وجودي بين شروق يوم جديد واستمراره في المضيّ الى الامام متفاعلا مع الزمان والمكان مستمتعا بكل حواسه سمعا وشمّا وذوقا وبصرا ولمسا فيقول:
هكذا أمضي،
سليلُ فيروز،
أحملُ الصباحَ في صوتي
ورائحةَ الياسمينِ في تفاصيل يومي،
والقهوةُ
ذلك الطقسُ الذي يوقظُ قلبي قبل عينيّ
لقد استدعى الشاعر شخصية فيروز رمز الغناء اليومي الصباحي واختار من الازهار الياسمين رائحة ونقاوة.
وفي هذا الصباح الجديد المفعم باغاني فيروز وبرائحة الياسمين ونقاوة بياضها يصنع من القهوة أسطورة تلازمه انتشاء ويقظة فيقول:
والقهوةُ
ذلك الطقسُ الذي يوقظُ قلبي قبل عينيّ
تغلي على مهلٍ،
كأنها تحفظُ سرّي في فنجانٍ صغير،
وبين الانتشاء واليقظة يقرأ فنجان قهوته ليستعيد ماضيه ويُقيّم واقعه وهو في ذلك يتناص مع قارئة الفنجان للشاعر نزار قباني .
بيْد ان الطريف ان شاعرنا هو من يقرأ فنجان قهوته وهو العليم بكل ما يخبئه الفنجان من أسرار.
ان فنجان قهوته يهمس له بثبوته في المكان تماما كثبوته في الزمان
أقلبُ دفاتري،
لا لأحصي ما مضى،
بل لأصغي لخطايَ القديمة
وهي تهمسُ لي:
ما زلتَ هنا
انها حقيقة الزمان والمكان وثنائية الزمان والمكان عند الشاعر ليست مجرد خلفية جغرافية تاريخية(لا لأحصي ما مضى) بل هي مساحة حية تتفاعل مع ذات الشاعر حيث يعكس الزمان
صراع الوجود وتغير الأحوال بينما يجسد المكان مرآة للحنين.
وفي هذا الاطار فان الشاعر يصنع من ثنائية الزمان والمكان اسطورة :
- الزمان : يتجاوز الزمان كونه تاريخا خطيا بل هو زمن نفسي يخضع لعواطف الشاعر فكلما تشرق الشمس من جديد ينتشي بكل ما يحمله الصباح من مشاعر.
- المكان لم يعد مجرد جغرافيا هو تقليب لدفاتره القديمة واصغاء وهمس.
وهنا اندغم الزمان مع المكان ففنجان القهوة هو في نفس الوقت مكان دفاتره واسراره وهو في ذات الوقت يعبر عن خطاه القديمة التي يتفاعل معها لتهمس له باستقراره في المكان (مازلت هنا) .
وبين خطاه الدالة على المكان وصفة "القديمة" الدالة على الزمان يجعل الشاعر المكان مندغما مع الزمان.
انها جدلية التفاعل "الزمكانية" حيث يتكامل الزمان والمكان ليشكلا نسيجا واحدا يصطلح عليه ب "الزمكانية" فلا يمكن فصل الحدث الشعري عن زمانه ومكانه
فالشاعر الذي جعل فنجان قهوته مكانا لأسراره قد جعل هذا المكان يستدعي الماضي (الذكريات) الذي يرتبط بالحنين واستدعاء الأيام الخوالي التي تجعل من المكان فضاء حيا ومحملا بالشحنات العاطفية والدلالات النفسية.
ب- تفاعل الذات مع اشراقة القلب:
يعود الشاعر باستخدام تناص مع العنوان يدخل على معمار القصيدة جمالا و يضفي على القصيدة ايقاعا داخليا ليذكر القارئ بالزمن الذي يتحرك فيه وليقرّ بحقيقتين:
- الزمن فيزيائي خارجي :الشمس تنبعث من السماء.
- الزمن النفسي الداخلي والخفي .
يقول:
كلما أشرقتِ الشمسُ من جديد،
أشعرُ أن الضوء لا يأتي من السماء فقط،
بل من شيءٍ خفيٍّ
يُعادُ ترميمه داخلي،
وهذا الزمان (ضوء شروق الشمس) في علاقته بالخارج(من السماء) وبالداخل(..بل شئء خفي يعاد ترميمه داخلي).يؤكد تفاعل الذات مع الزمكان
انه الترابط الوجودي من وجهة نظر فلسفية اذ لا يمكن فصل البعد الخارجي(المكان) عن البعد الداخلي او الحركي المتتابع (الزمان) ليشكلا معا بنية الوجود الكوني المستمر.
ولعل الشاعر هنا يشي الى القارئ بان الحقيقة التي كنّى عنها بالضوء هي نابعة من الذات وان الانسان بيده ان يغير بذاك الضوء الذي يكمن بداخله.
والضوء داخل الانسان في علم النفس والفلسفة غالبا ما يستعمل كرمز للوعي, الادراك والبصيرة:
- اليقظة الذهنية: يعبر النور الداخلي عن حالة الوعي والفهم العميق للذات والتفكير الإيجابي.
- الاستبصار: يشير النور الداخلي الى القدرة على "رؤية" الأمور بوضوح وتوجيه الأفكار وحل المشكلات.
ان هذا النور الخفي هو إعادة ترميم داخلي وهو تغيير ما بنفسه .
والشاعر يقطع الشك باليقين فيقول:
وأوقن
لا كمن يُقنع نفسه،
بل كمن يلمسُ يقينًا دافئًا
أنني ما أزال على العهد،
وأن قلبي،
رغم كل ما تعلّم من الغياب،
ما زال يعرفُ الطريق
وفي هذا الاطار فان الشاعر انطلق من زمن فيزيائي ليجعل الذات تتفاعل معه بل عمد الى تجربة اندغام بين الزمان والمكان اوما يصطلح عليه بالزمكان .
ثم توصل الى حقيقة هي ان مصدر الضوء ليس من السماء فقط بل هو ضوء خفي يعيد ترميم ما بداخله.
انها حقيقة الضوء السماوي الفيزيائي الخارجي وحقيقة الضوء النفسي الخفي الداخلي ..وفي هذا السياق من اليقين الذي لامسه الشاعر قد يمارس القارئ حقه في التأويل متسائلا:
- هل ان الشاعر اعتبر بقدرة الله على خلق الشمس كل يوم من جديد لتضيء الكون لتنعكس على نفسه وترمم ما بداخله ؟
- هل انه يعتبر بالضوء الالاهي ليكتشف الضوء الخفي بداخله؟
- هل ان دفء اليقين الذي لامسه الشاعر هو يقظة ذهنية فيعبر النور الداخلي عن حالة الوعي والفهم العميق للذات والتفكير الإيجابي؟.
- هل ان دفء اليقين هواستبصار فيشير النور الداخلي الى القدرة على "رؤية" الأمور بوضوح وتوجيه الأفكار وحل المشكلات؟
- هل ان دفء اليقين هو حالة صوفية توحد بين الضوء الالاهي(الشمس) والضوء الروحي الداخلي للإنسان؟
- هل ان دفء اليقين يؤكد ان الشاعر مازال على ما عاهد به الله من يقظة ذهنية لفهم الذات فهما عميقا وانه يعرف طريقه بوضوح؟
- لعل النور الخفي الذي اكتشفه الشاعر بداخله هو ما ذكرته موسوعة النفسير الموضوعي والدال على البصيرة والهداية واليقين ..
انه النور القدسي الذي يشرق في القلب(كما تشرق الشمس في السماء) ليبدد ظلمات الجهل والشك ويمنح الانسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل والخير والشر.
يُعد هذا النور اشراقة ربانية تتسع وتزداد كلما زاد الانسان اقبالا على تزكية نفسه وعمل الخير ليصبح هاديا لنفسه ولمن حوله.
وفي هذا الاطار كان الشاعر يعرف طريقه بان ألقت الشمس نورا وضياء بقلبه.
ان الشاعرقد وازن بين اشراقتين :
- اشراقة الشمس التي جعلها الله ضياء("هوالذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا"سورة يونس (5)).
- اشراقة القلب التي أيقظتها اشراقة الشمس.
وبالتالي فان تأمل الشاعرفي الوجود و ايمانه بقدرة الخالق في جعل الشمس تشرق كل يوم من جديد أيقظ قلبه وجعله قادرا على ملامسة اشراقة قلبه يقينا.
وفي هذا الاطار من التوازن بين الاشراقتين قد يتدخل القارئ متسائلا:
هل هو نور الشاعر الصوفي الذي يمزج بين الابداع الشعري والتجربة الروحانية العميقة متجاوزا المعاني الظاهرية الى دلالات باطنية للتعبير عن الحب الالاهي والتأمل في الوجود؟
سلم قلم الشاعر المتأمل في قدرة الله على الخلقوالتي جعلته يتجاوز المعاني الظاهرة الى الدلالات الباطنة فارتقى بقصيدته الى معانقة الشعراء الصوفيين .
بتاريخ :23/ 05/ 2026
كلما أشرقتِ الشمسُ من جديد،(القصيدة)
اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
هكذا أمضي،
سليلُ فيروز،
أحملُ الصباحَ في صوتي
ورائحةَ الياسمينِ في تفاصيل يومي،
والقهوةُ
ذلك الطقسُ الذي يوقظُ قلبي قبل عينيّ
تغلي على مهلٍ،
كأنها تحفظُ سرّي في فنجانٍ صغير،
أقلبُ دفاتري،
لا لأحصي ما مضى،
بل لأصغي لخطايَ القديمة
وهي تهمسُ لي:
ما زلتَ هنا...
كلما أشرقتِ الشمسُ من جديد،
أشعرُ أن الضوء لا يأتي من السماء فقط،
بل من شيءٍ خفيٍّ
يُعادُ ترميمه داخلي،
وأوقن
لا كمن يُقنع نفسه،
بل كمن يلمسُ يقينًا دافئًا
أنني ما أزال على العهد،
وأن قلبي،
رغم كل ما تعلّم من الغياب،
ما زال يعرفُ الطريق.
ااااااااااااااااا
طاهر مشي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق