"نادي الساردون يغردون"
قراءة نقدية: "الرواية بين التوثيق التاريخي والقصة الرومانسية"
الرواية :"الجنة المحرمة"
الكاتب: محمد صالح رجب(مصر)
الناقدة : جليلة المازني (تونس)
باعتبار ان رواية "الجنة المحرمة " للروائي محمد صالح رجب من جنس الرواية التاريخية فقراءتي النقدية ستتعلق بثنائية التوتيق التاريخي والقصة الرومانسية.
لقد جمع الكاتب في رواية "الجنة المحرمة" بين السرد التاريخي للحقبة الفاطمية وقصة الحب المستحيلة كأداة فنية وفكرية عميقة.
ويتجلى هذا الجمع بين طرفيْ الثنائية - وقد جسده الكاتب بامتياز- على ثلاثة مستويات:
- مستوى العنوان.
- مستوى لوحة الغلاف.
- مستوى مضمون الرواية.
1- العنوان وثنائية التوثيق التاريخي والقصة الرومنسية:
ان عنوان الرواية "الجنة المحرمة " يجسد دلالة فلسفية ووجودية عميقة تعكس صراع الانسان بين رغباته الفطرية والضغوطات التي يفرضها الواقع.
فالعنوان "الجنة المحرمة" يحمل:
- مفارقة بين الجنة التي يمثلها الحب وبين الحرمان من هذه الجنة التي تصطدم بضغوطات الدين والمجتمع والسلطة والأعراف.. انه الحب المستحيل.
- الصراع الوجودي والديني: انه صراع الانسان مع العقيدة والهوية في واقع يعج بالاضطرابات المذهبية وبالتالي فالعلاقة مع الاخر تعد محرّمة.
-الصدام بين القلب والواجب: يتحول الحب من نعمة الى مواجهة مع الواجب والمعتقد.
2 لوحة الغلاف وثنائية التوثيق التاريخي والقصة الرومانسية:
لقد رسم مصمم اللوحة صورة امرأة بزيّ عربي إسلامي وهي منكسرة الخاطر حزينة ومفكرة ومتأملة وبعيدا عنها عين الرقيب ترْصُدها, هذا الرقيب بلباسه التقليدي العربي الإسلامي يُذكرها بهويتها العربية الإسلامية وذلك المكان الذي له رمزيته ويشي بمعمار عربي إسلامي.
وبالتالي فاللوحة تجسّد هذا الصراع الذي تعيشه بدور بين مشاعرها المحرمة وواقع عربي إسلامي بكل ضغوطاته.
3- مضمون الرواية وثنائية التوثيق التاريخي والقصة الرومانسية:
يتجلى هذا الجمع بين طرفي الثنائية قي:
- تجسيد الصراع الفكري: تحولت قصة الحب المستحيلة بين الفتاة المسلمة "بدور "والشاب غير المسلم "ملاك" الى مرآة تعكس الصراع الفكري والديني في العصر الفاطمي.
- طرح الأسئلة الوجودية : فالكاتب استخدم هذه العلاقة المعقدة لكسر حاجز الطائفية وطرح تساؤلات حول الهوية الحقيقية ومفهوم الآخر.
- إسقاط الماضي على الحاضر فالجمع بين القصة الرومنسية والوقائع الموثقة يهدف الى تسليط الضوء على جذور التعصب والطائفية الدينية مما يربط الأحداث التاريخية بواقعنا
المعاصر المليء بتحديات الهوية وقبول الاخر.
جاء في الرواية في حديث بين الشاب ملاك والفتاة بدور ص (10):
" الهواء كان مثقلا بالأسرار وصمتنا أبلغ من أي كلام.. قدّم اليها زهرة بيضاء كانت بيده قال :"هذه تشبهك نقية لم يلوثها تراب الأرض ". همست بصوت يخنقه الخوف:" أتعْلم ان حبنا سيكسرني قبل أن يَبْنيك؟.
نظر اليها نظرة عميقة تحتوي قلقها ثم قال بصوت صاف كماء النهر: "أنا لا أدعوك الى تغيير عقيدتك بل أدعوك الى هدم هذا الجدار الذي يفصل بيننا"
ثم واصل :"لنجعل الحب دينا ولنكن أول المؤمنين".
وكأني بالكاتب هنا يمزج بين التاريخ الموثق والخيال العاطفي ليشرّع لقصة الحب داخل السرد التاريخي ليجعل الحب يعلو أمام الطائفية الدينية بل يجعله حلا للقضاء على الصراع الطائفي الديني .
ولعل الكاتب يُسْقط هذا الماضي في الدعوة الى جعل الحب دينا على الواقع المعاصر لتبرير تحديات الهوية وقبول الآخر .
ولعل الكاتب قد عمد الى الاسقاط والتبرير كآليتين دفاعيتين جعلته ينحو نحو التحليل النفسي لشخصيتيْ بدور وملاك كحدّ نسبي للصراع الطائفي الديني.
واستخدام تقنية التحليل النفسي جانب طريف في الرواية قد أملاه كل أنواع الصراع بالرواية.
وفي هذا الاطار فان الكاتب من خلال عنوان الرواية " الجنة المحرمة " ولوحة غلافها ومضمونها قد جسد هذا الصراع بين المشاعر والمعتقد ,بين المشاعر والهوية , بين الواقع والخيال , بين الماضي والحاضر و بين الأنا والآخر...
ان هذا الصراع قد نزع بالرواية الى نزعة وجودية تجعل القارئ في حيرة ويطرح السؤال تلو الآخر ..
وأختم بشيء من الفضول العلمي لأطرح بعض الأسئلة وأنا متكئةٌ على ما كتبه الكاتب محمد صالح رجب في باب الاهداء قائلا:
"سأظل أقدّر اختلافكَ عني
فما كتبتُ لتصدقني بل لتحاورني
والمساحة تتسع لنا وللآخرين."
وبالتالي ها أنا أتحاور معه متسائلة:
ما هي دواعي انخراطك في الكتابة في جنس الرواية التاريخية؟:(وهنا أضع فرضيتين):
1- هل لأن كتابة الرواية التاريخية وراءها جائزة كتارا بما فيها من تثمين معنوي ومادي؟
2- هل لأن كتابة الرواية التاريخية تثير المسكوت عنه في الوقائع التاريخية وبذلك قد تكون مرجعا لرصد بعض الاحداث التاريخية وهي بذلك في خدمة المؤرخ؟
والكل يعلم ان التاريخ يكتبه المنتصرون والوارثون .
وخوفا من تزييف بعض الحقائق يلجأ بعض المؤرخين لاستقاء بعض الوقائع من الرواية التاريخية.
وفي هذا الاطار قد أطرح السؤال داخل السؤال:
- اذا كانت الرواية التاريخية بوجه من الوجوه في خدمة المؤرخ فالى أي مدى يقف المؤرخ على مصداقية الوقائع التاريخية التي يوثقها الكاتب في الرواية التاريخية ؟
ولعلني هنا أتقاطع مع الناقد د. مصطفى عطية حين أثار الإشكالية في بداية مداخلته.
ولنا في تجربة جرجي زيدان مؤسس الرواية التاريخية العربية بأسلوب مبسط يجمع بين المتعة والفائدة ورغم ذلك يرى بعض النقاد من المؤرخين انه في رواياته التاريخية قد شوّه بعض الشخصيات التاريخية الإسلامية وركز على الصراعات السياسية وأغفل الجوانب المشرقة من التاريخ الإسلامي.
ومن ثمّ يضع النقاد من المؤرخين جانب المصداقية في الميزان.
شكرا للجميع وشكرا للأستاذ جورج عازار على رحابة الصدر في اتاحة التفاعل مع رواية المبدع محمد صالح رجب وقلمه الجريء في اثارة وتوثيق بعض الوقائع المسكوت عنها لدى بعض المؤرخين.....
(بتاريخ :24/ 05/ 2026)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق