الأحد، 7 يونيو 2026

قراءة نقدية في لوحة "العالم الموازي" للفنان أحمد السردار/ العراق بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

 قراءة نقدية في لوحة "العالم الموازي" للفنان أحمد السردار/ العراق

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

دراسة رمزية سريالية في البنية واللون والمعنى الوجودي

#القراءة :

تُُطرح العديد من الأسئلة العميقة و المحيرة قبل الغوص في تأملات اللوحة : 

إذا كان "العالم الموازي" في اللوحة عالماً نفسياً هشاً معلقاً بلا أرض ولا أفق ، فكيف يتمكن الإنسان من تحويل دمعته إلى حبل نجاة ؟ فهل العين في اللوحة عضو إبصار ام هي رمز للوعي الداخلي ؟ هل احتباسها داخل هذه البلورة دلالة على هشاشتها و عزلتها أم هو بعد نفسي معلق بين السماء و الهاوية ؟ و السؤال الجامع : ماهي أسرار هذا العالم الموازي بلوحة الفنان العراقي أحمد السردار ؟

1_  تعريف  "العالم الموازي في الفن التشكيلي": 

فكرة "العالم الموازي" ليست عنواناً حكراً على فنان بعينه ، بل هي إشكالية فنية وفلسفية تبلورت بقوة في الفن السريالي والرمزي والتعبيري . حاول الفنانون عبرها تصوير : العوالم الداخلية ، الأحلام ،  اللاوعي ، والانفصال بين الواقع المدرك والحقيقة النفسية الكامنة .

في هذه اللوحة ، "العالم الموازي" هو البُعد النفسي الموازي للواقع الظاهر ، الذي يسكن أعماق الإنسان . إنه عالم هشّ شفاف ، معلّق بين السماء والهاوية ،  لا يستند إلى أرض ثابتة ولا يمتد إلى أفق واضح . إنه الحيز الذي تتعايش فيه الذكريات والدموع المكبوتة والانقسامات الداخلية ورغبة النجاة . وعليه ، فإن اللوحة لا تكتفي بعرض مشهد بصري ، بل تبني عالماً فلسفياً مشحوناً بالأسئلة الجوهرية حول الإنسان والألم والانعكاس الداخلي والانقسام بين الواقع والباطن .

2_ التأملات البصرية العامة : 

في مركز العمل تظهر العين داخل بلورة شفافة وهي تبكي . لكن الفنان لا يترك الدموع تنحدر عبثاً ؛ بل يحوّل إحداها إلى حبل مائي يتسلق عليه إنسان صغير الحجم . كأنه يحول الألم إلى وسيلة نجاة .

المشهد برمته يبدو معلقاً بين السماء والهاوية ؛  لا أرض ثابتة تحمله ، ولا أفق واضح يؤطره ، مما يمنح المتلقي إحساساً بالقلق الوجودي والانفصال عن الواقع المألوف .

3_  تحليل الرموز والعناصر  :

العين : أبرز عنصر في اللوحة و أعتبرها مركز الوعي و الألم في نفس الوقت : 

العين ليست عضواً بصرياً فحسب ، بل هي رمز للوعي الداخلي ، والروح المراقبة ، والحقيقة المكبوتة ، والذاكرة العاطفية . احتباسها داخل " بلورة أو فقاعة او غشاء شفاف " يدل على عزلة هذا الوعي وهشاشته واحتصاره داخل عالم خاص لا يخضع لقوانين الخارج . أما الدموع المتدفقة منها فتشير إلى الألم المتراكم والتطهير الداخلي والانكسار النفسي الذي لا يحتمل الاحتواء . وتحوّل الدموع إلى ماء غزير يحمل دلالة أن الحزن الفردي قد تجاوز حدود الذات ليصبح حالة وجودية كونية .

" البلورة "  رمز محوري يجمع بين معنيين متناقضين : الحماية بوصفها غلافاً يحفظ الداخل من الخارج ، والهشاشة إذ يمكن أن تنفجر في أية لحظة ؛ وعليه ، فإن "العالم الموازي" ليس عالماً مستقراً ، بل واقعاً نفسياً هشّاً يعيش في باطن الإنسان . فالانعكاس اللامع على سطحها يضفي عليها طابعاً حلمياً ، فتبدو كذكرى أو حلم أو بُعد نفسي منفصل عن العالم الحقيقي .

اليد الممتدة : الاستقبال والعجز

اليد المفتوحة أسفل العين تحمل دلالات متعددة :  طلب النجاة ، واستقبال الألم ،  ومحاولة الإمساك بالمشاعر ، و هي في وضع التوسل . غير أن الماء يتسرب من بين أصابعها ،  مما يدل على عجز الإنسان عن احتواء حزنه وفشله في السيطرة على ما يدور في داخله . تبدو اليد عنصراً إنسانياً صرفاً وسط العناصر السريالية ، فتغدو آخر صلة تربط المشهد بالواقع .

الشق الأسود العمودي : كأنه البوابة بين العالمين : 

الخط الأسود الذي يشق اللوحة عمودياً يشبه صدعاً كونياً أو فجوة نفسية أو ممراً بين عالمين . وجود عيون داخل فقاعات صغيرة على امتداد هذا الشق يوحي بتعدد نسخ الذات وتشظيها ، أو بوجود عوالم متوازية مفعمة بالمراقبة والذكريات . قد يرمز كذلك إلى الانقسام النفسي وتفتت الذات ، فلم تعد واحدة موحدة بل صارت موزعة بين احتمالات ونسخ مختلفة .

الخلفية المتشققة : عالم منهار :

الأرض المتآكلة أسفل اللوحة تعكس الخراب وهشاشة الواقع وفقدان الاستقرار . وكأن العالم الخارجي يتداعى بينما العالم الداخلي يغرق بالمشاعر . وتبرز هنا مفارقة بالغة : الخارج جاف متصدع ، والداخل غارق بالماء والدموع .

الإنسان المتسلق : المقاومة عبر المعاناة

صِغَر حجم الإنسان مقارنة بالعين و البلورة والفضاء المحيط يوحي بهشاشته وضآلته أمام الوجود ، وغرقه في  قوى نفسية تفوقه . غير أنه رغم ذلك يصعد ولا يسقط . وهذه الحركة الصاعدة ذات دلالة جوهرية : إذ تعني المقاومة والبحث عن المعنى ومحاولة تجاوز الانهيار . واللافت أن الإنسان لا يتسلق حبلاً عادياً ، بل يتسلق دمعة ؛ أي أنه يرتقي عبر المعاناة ذاتها .

الدمعة كطريق للخلاص

من أعمق الرموز في اللوحة : فالدمعة عادة ترمز إلى الحزن والضعف والانكسار " طعمها مالح حدود المرارة " ، لكن الفنان يقلب الدلالة التقليدية ويجعلها سلماً روحياً وطريق عبور وحبل نجاة . وكأن الرسالة تقول : الإنسان لا ينجو رغم ألمه ، بل ينجو من خلاله . وهنا تتحول المعاناة من حالة سلبية إلى قوة تطهيرية ، فالدموع " ماء" و الماء رمز الطهر .

يحيلنا هذا المشهد إلى سؤال : ما هي العلاقة بين العين والمتسلق ؟ 

العين ليست عين شخص يبكي فحسب ، بل تبدو كعين الكون أو عين الذات العليا أو عين الوعي الداخلي . أما الإنسان المتسلق فهو الذات البشرية الصغيرة ، والإنسان التائه ، والروح الباحثة عن الخلاص ... فيصبح المشهد أشبه بعلاقة بين الوعي والألم ،  والروح والجسد ، والإنسان وحقيقته الداخلية . فالإنسان يصعد نحو العين ، أي نحو الحقيقة والإدراك والمصالحة مع الذات .

دلالة الاتجاه العمودي

الحركة العمودية بالغة الأهمية في اللوحة و تعتبر الحركة المركزية فيها : الشق الأسود يمتد عمودياً ، و " الفقاعات "  موزعة عمودياً ، والدمعة/الحبل تنزل عمودياً ، والإنسان يتحرك عكس اتجاه السقوط . هذه البنية العمودية ترمز إلى الصراع بين السقوط والارتقاء ، واليأس والأمل ، والجاذبية الروحية والجاذبية الأرضية . فالدمعة تهبط بفعل الحزن ، لكن الإنسان يصعد عليها بفعل الإرادة ، وهو تناقض بصري وفلسفي بالغ الذكاء من الرسام .

4_  دلالات الألوان :

الأزرق: اللون المسيطر

يحتل الأزرق أغلب مساحة اللوحة فيكون الحامل النفسي الأساسي للعمل . دلالاته :  الحزن والاغتراب إذ يعكس الوحدة والحزن الداخلي والانعزال النفسي ؛ والعمق الروحي إذ تمنح السماء والماء و " الفقاعات " الزرقاء إحساساً بالعالم الباطني واللاوعي ؛ والبرودة العاطفية إذ يبدو العالم بارداً صامتاً وكأن الحزن بلغ مرحلة التأمل الصامت . في ضوء رمز المتسلق ، لم يعد الأزرق لون الحزن فحسب ، بل أصبح فضاءً روحياً وعمقاً نفسياً وبحراً من الوعي ، فالإنسان يتسلق داخل عالم أزرق كأنه يعبر اللاوعي أو الذاكرة .

الأسود

الشق الأسود في منتصف اللوحة عنصر محوري . دلالاته : المجهول والعدم والفراغ الوجودي والبوابة بين العالمين . الأسود هنا ليس ظلاً ، بل مساحة تهدد بابتلاع كل شيء . ووجود العيون داخل هذا السواد يوحي بأن الذات تراقب نفسها من داخل الظلام . في ضوء رمز المتسلق ، لم يعد الأسود فراغاً فحسب ، بل بعداً مجهولاً أو فجوة وجودية يحاول الإنسان تجاوزها عبر هذا الصعود المؤلم .

الأحمر

إضافة إلى الوشاح ، يحمل الأحمر معاني الإرادة والتوتر والشغف والجرح . إنه اللون الوحيد الذي يقاوم هيمنة الأزرق ، فيبدو كمقاومة الحياة للذوبان في الحزن . كغطاء أحمر قرب العين يكتسب بعداً جديداً :  فهو رمز للحياة والرغبة والنبض الإنساني . وكأن الألم البارد "الأزرق" لا يزال يحتوي في داخله جذوة حياة "الأحمر" . ولعل المتسلق مدفوع بهذا الأمل الخفي .

فيمنح اللوحة ملمساً بشرياً شرقياً أو إنسانياً حميمياً ، فيبدو كأثر إنسان حقيقي داخل عالم ميتافيزيقي .

الأبيض والشفافية

اللمعان الأبيض على العيون والماء له دلالات روحية : النقاء والهشاشة والحلم والحقيقة المجردة . كما يمنح العناصر طابعاً غير واقعي ، وكأنها تنتمي إلى عالم بين الوجود والخيال .

البني والأرضي

تظهر في أسفل اللوحة ألوان ترابية متشققة دلالتها الخراب والجفاف وسقوط العالم الواقعي . وتظهر هنا مفارقة مهمة : العالم السفلي جاف متصدع ، بينما العالم النفسي مليء بالماء والدموع ،  وكأن الداخل أكثر حياة من الخارج رغم ألمه .

الألوان العامة للوحة : 

بنى الفنان أحمد السردار اللوحة على صراع بين لونين نفسيين : الأزرق بوصفه رمز الحزن والعمق والعزلة ، والأحمر بوصفه رمز الحياة والجرح والمقاومة ، وبينهما الأسود بوصفه الهاوية أو المسافة بين العالمين . وعليه ، فإن الألوان لا تعمل جمالياً فحسب ، بل تبني المعنى النفسي والفلسفي الكامل للعمل .

يولد الآن السؤال عن البعد الوجودي للوحة : 

تطرح اللوحة فكرة فلسفية عميقة : هل يمكن للألم أن يكون طريقاً إلى الوعي ؟ يبدو أن الفنان يريد قَولَ : إن الإنسان لا يصل إلى ذاته الحقيقية إلا عبر الانكسار ،  وأن الدموع ليست علامة ضعف بل بداية التحول . لذلك لا ينتمي المشهد إلى الحزن الخالص ، بل إلى الرجاء المولود من المعاناة .

++ رأيي الشخصي كفنانة تشكيلية و ناقدة : 

مع ظهور الإنسان المتسلق ، تتحول "العالم الموازي" من لوحة عن الحزن والانقسام النفسي إلى لوحة عن الصعود الداخلي ومقاومة الانهيار والتحول الروحي عبر الألم . الدمعة هنا ليست نهاية ، بل بداية طريق . والإنسان الصغير المتشبث بالحبل المائي يصبح رمزاً للإنسانية جمعاء : ضعيفة مهددة بالسقوط ، لكنها تواصل التسلق نحو الضوء الكامن داخل العين/ الوعي .

ولهذا تبدو اللوحة في جوهرها رسالة تقول : أكثر الطرق إيلاماً قد تكون الطريق الوحيدة نحو النجاة ، والوشاح الأحمر فوق العين يمثل بقايا الحياة داخل الألم ،  والذات التي تحاول حماية وعيها من الانكسار . أما ألوان اللوحة جميعها فتخلق عالماً قائماً على التوتر بين الحزن والأمل ، والانهيار والمقاومة ، والسقوط والصعود . ولهذا تبدو اللوحة وكأنها تصور رحلة الإنسان داخل عالمه النفسي الموازي ؛ عالم تغمره الدموع ، لكن ما يزال فيه خيط أحمر من الحياة يمنع الروح من الاستسلام الكامل .

بعد قراءة تفاصيل اللوحة و التي كانت فيها الإضائة الفنية عالية ، إذ انعدمت فيها الظلال ، فكان الضوء مسلط فوقها ، و هذه عبقرية فنان يُتقن " لعبة " الألوان ، حتى يكون الموضوع بارزا ، سأعرج قليلا على العالم الموازي في تاريخ الفن :

سياق "العالم الموازي" في تاريخ الفن

فكرة "العالم الموازي" بصرياً وفلسفياً اشتغل عليها كبار الفنانين :

_ سلفادور دالي : أشهر من جسد العوالم الموازية السريالية . لوحاته مليئة بالأجسام الذائبة والفضاءات الحلمية وتشوه الزمن والانقسام بين الواقع واللاوعي . من أشهر أعماله " إصرار الذاكرة " حيث تتحول الساعات إلى كائنات ذائبة ، وكأن الزمن نفسه يعيش في عالم آخر . كان دالي يرسم " الواقع الذي يراه العقل الباطن ".

_ رينيه ماغريت : اشتغل على فكرة الواقع المخادع والوجود المزدوج . من رموزه : الأبواب والمرايا والسماء داخل الغرف والوجوه المخفية . لوحاته تجعل المشاهد يشعر أن خلف الواقع الظاهر يوجد عالم آخر غير مرئي .

_ جورجيو دي كيريكو : من أوائل من رسموا المدن الحلمية الصامتة . أعماله تحتوي على فراغات غريبة وظلال طويلة وتماثيل بلا روح وأماكن تبدو خارج الزمن . لوحاته تشبه عالماً موازياً مليئاً بالغموض والقلق الوجودي .

_ فريدا كالو : رغم أنها ليست سريالية بالمعنى التقليدي ، إلا أنها رسمت عالم الألم الداخلي والانقسام النفسي والهوية المزدوجة . مثال : لوحتها "الفريدتان" تصور نسختين من الذات ،  وكأن الإنسان يعيش عالمين متوازيين داخله .

_ ماكس إرنست : اعتمد على الكائنات الغريبة والأحلام والتحولات غير المنطقية . أعماله تبدو كعوالم خارجة عن قوانين الطبيعة .

++ أما عربيا : 

ظهرت فكرة "العالم الموازي" عند عدد من الفنانين العرب الذين اشتغلوا على الرمزية والحلم والانكسار النفسي ، منهم : ضياء العزاوي ، وآدم حنين ، وعبد الهادي الجزار ، وبعض فناني السريالية المصرية . وخصوصاً عبد الهادي الجزار الذي مزج الواقع الشعبي بالماورائيات والرموز النفسية .

فيتضح جليا مما تقدم ان لوحتنا  "العالم الموازي" للرسام العراقي أحمد السردار تتقاطع بصرياً وفلسفياً مع سريالية دالي ورمزية ريدون والبعد النفسي لفريدا كالو ، لكنها تتميز بإضافة إنسانية خاصة : الدمعة التي تتحول إلى حبل ، والإنسان المتسلق ، والعين الحية داخل البلورة . وهذا يمنحها طابعاً روحياً وتأملياً أعمق من السريالية الكلاسيكية .

بقلمي سعيدة بركاتي/  تونس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق