الأحد، 7 يونيو 2026

المفارقات العاطفية في نص قاسم عبد العزيز الدوسري بقلم طاهر مشي

 المفارقات العاطفية في نص قاسم عبد العزيز الدوسري

اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا 

يقدّم النص حالةً شعوريةً مشبعة بالألم الإنساني، تقوم في جوهرها على سلسلة من المفارقات العاطفية التي تكشف هشاشة العلاقات حين يغيب الإصغاء الحقيقي. فالنص لا يروي تجربة حزنٍ عابرة، بل يواجه القارئ بسؤال وجودي مؤلم: كيف يصبح الغريب أكثر رحمةً من القريب؟


تتجلّى المفارقة الأولى منذ المطلع، حين يعلن المتكلم أن الذي “لم يقتله” هو الغريب الذي يطرق باب السؤال كل مساء، بل ذلك القريب الذي مُنح “مقعد القلب” واعتلى “عرش الاهتمام”. هنا تتأسس ثنائية مركزية بين الغريب والقريب؛ فالغريب، رغم بعده، يملك حسًّا إنسانيًا دافئًا، بينما يفقد القريب القدرة على الانتباه، وكأن الألفة الطويلة أطفأت حسّ الشعور.


ويعمّق النص هذه المفارقة عبر صورة التجاهل القاسية:


> “مرّ من أمام حزني كأنّي جدارٌ قديم”


فالمتكلم لا يشكو غياب الحب فقط، بل غياب الرؤية؛ أن يتحوّل الإنسان، بكل ما فيه من انكسار، إلى شيء جامد لا يُلتفت إليه. ومن هنا ينتقل النص من خيبة عاطفية خاصة إلى تأمل إنساني عام في طبيعة العلاقات التي قد تحفظ تفاصيلنا الصغيرة، لكنها تعجز عن فهم لحظات سقوطنا.


كما تتبدّى مفارقة أخرى شديدة التأثير في العلاقة بين الكلام والصمت. فالمتكلم يؤمن أن الحب الحقيقي يستطيع قراءة:


* “ارتجافة الصوت”

* “صمت الرسائل”

* “تعب الحروف”


لكن الواقع يخالف هذا الإيمان؛ إذ يصبح الصمت مساحةً لسوء الفهم، وتتحول عبارة “لا بأس” إلى قناع يخفي انهيارًا داخليًا. وهنا يكشف النص مأساة الإنسان الذي يصرخ بصمت، منتظرًا من يلتقط الإشارة.


ومن أعمق المفارقات أيضًا أن المتكلم يحرص على مشاعر الغريب:


> “وأنا أكذب عليه كي لا أحزنه”


في حين أن الشخص الذي أحبّه لم يسأل أصلًا. هذه المقابلة تكشف اختلال ميزان العاطفة؛ فالأقرب إلى القلب ليس دائمًا الأقرب إلى الإحساس.


ويبلغ النص ذروته الفكرية في خاتمته حين يعيد تعريف النجاة. فالنجاة ليست في العثور على من “يحبّنا”، بل على من “ينتبه” إلينا حين ينطفئ الضوء في عيوننا. وهنا ينتقل النص من مفهوم الحب بوصفه عاطفة، إلى الحب بوصفه انتباهًا ورعايةً وقدرةً على ملاحظة الألم الخفي.


إن قوة النص تكمن في صدقه الإنساني، وفي اعتماده على لغة شفافة مشحونة بالصور والاستعارات، حيث يتحول الخذلان إلى “شوارع”، والحزن إلى “ضوء ينطفئ”، والوحدة إلى جلوسٍ قرب شخص لا يرى انكسارك. لذلك تبدو المفارقات العاطفية فيه ليست مجرد أدوات بلاغية، بل بنية شعورية كاملة تكشف تناقض الإنسان بين الحاجة إلى الاحتواء، والخوف من ألا يراه أحد حقًا.


وما قتلني...

ذلك الغريب

الذي يطرقُ بابَ السؤالِ كلَّ مساء

ويتركُ عند نافذتي

شيئاً من دفءِ الكلام...

بل قتلني

ذاك الذي

منحتُهُ مقعدَ القلبِ

وأجلستُهُ

فوق عرشِ الاهتمامْ...

هو نفسهُ

الذي مرَّ من أمامِ حزني

كأنّي

جدارٌ قديمْ...

أو عابرٌ

لا يستحقُّ السلامْ...

أيُّ خيبةٍ هذه

حين يصبحُ الغريبُ

أكثرَ قرباً

من الذين سكَنوا أعمارنا؟

وأيُّ وجعٍ

أن يُتقنَ شخصٌ

حفظَ ضحكاتِنا

ثم يجهلُ

كيف نبكي؟...

كنتُ أظنُّ

أن الذين نحبُّهم

يشعرونَ بنا

ولو من ارتجافةِ صوتْ...

من صمتِ الرسائلْ...

من تعبِ الحروفْ...

من تلكَ "اللا بأس"

التي نقولها

ونحنُ ننهارْ...

لكنهُ

كان مشغولاً

بأشيائِهِ الصغيرةْ...

بينما كنتُ

أجمعُ نفسي

من شوارعِ الخذلانِ

قطعةً... قطعةْ...

الغريبُ

كان يسألني:

كيف حالك؟

وأنا أكذبُ عليهِ

كي لا أحزنهْ...

أما الذي أحببتُهُ

فلم يسألْ أصلاً...

كأنّ غيابي

لا يتركُ فراغاً

وكأنّ حضوري

كان عادياً

إلى هذا الحدّ...

تعلمتُ متأخراً

أن بعضَ القلوبِ

لا تُجيدُ الوفاءْ...

وأنّ أقسى أنواعِ الوحدةْ

أن تجلسَ

بقربِ شخصٍ

لا يرى انكساركْ...

وأنّ النجاةَ أحياناً

ليستْ في أن نجدَ من يحبّنا...

بل في أن نجدَ

من ينتبهُ

حين ينطفئُ الضوءُ

في عيوننا...


قاسم عبد العزيز الدوسري

اااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا 

الوجدان الثقافية 

طاهر مشي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق