الأربعاء، 24 يونيو 2026

(نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين) مرآة الغياب: استعادة الوجه في تراب الذاكرة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين)

مرآة الغياب: استعادة الوجه في تراب الذاكرة


تقديم قصيدة الكاتب والشاعر التونسي فتحي فرهود* الموسومة ب"حنين..جاء فجأة"


حنين جاء فجأة 

أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن

أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن،  

هناك… حيث كانت البذرة الأولى،  

في مسقط رأسي، الرهاش،  

حيث لم يكن للوجود اسمٌ  

غير همس التراب حين يتنفس الحياة.

هناك،  

اختبأ التراب حياءً تحت الحصى،  

كأنه يخشى أن يُفشي سرّ البداية،  

وسرى عبق الماضي السحيق  

بين الصخور والشعاب،  

عطرٌ لا يُشمّ بالحواس  

بل يُدرك بالقلب إذا صفا.

مساربُ ضيقة،  

لكنها كانت أوسع من الزمن،  

تحكي لناظرها حكايات الأحياء  

الذين مرّوا من هنا،  

تركوا ظلالهم على الجدران،  

وأودعوا أسماءهم في صمت المكان.

اليوم…  

لم يعد كما كان.  

تبدّلت الملامح،  

وصارت الموت حاضرة  

في كل ركن، في كل شعب،  

في كل كوخٍ تعب من الانتظار.

وذاك البيت الهرِم،  

الذي أبى إلا أن يصمد،  

يقف كشيخٍ ناسك  

يعدّ أنفاس الزمن،  

كأنه ينتظر…  

لا من سيعود،  

بل من سيتذكر.

أولئك الذين رحلوا  

دون استئذان،  

أغرتهم المدينة  

بوعدٍ من سراب،  

فأكلت الغربةُ شبابهم،  

وتقاسمت الشقاء مع أرواحهم.

وأنا…  

أعود إليهم حلماً،  

أفتّش عن وجهي بينهم،  

في حجارةٍ حفظت خطاي الأولى،  

وفي ترابٍ ما زال يعرف اسمي.

أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن،  

فإن وجدته،  

علمتُ أني لم أغب،  

وأن كل هذا البعد  

لم يكن إلا طريقًا  

يعلّمني كيف أعود.


فتحي فرهود 


هذه القصيدة ليست مجرد نصّ شعري،بل هي رحلة روح تفتّش عن جذورها في متاهات الغياب، وصوت ضمير يستجوب مسافة البعد التي طالت بين الإنسان وأول أرضٍ عرفته. 

إنها مرثية للزمن الضائع،واستنطاقٌ للتراب الذي يحمل في صمته أسرارَ البدايات.

 حين يقول الشاعر "أحلم أن أرى وجهي في مرآة الوطن"، فهو لا يطلب رؤيةً بصريّة،بل يبحث عن هويّة تآكلت تحت وطأة الغربة،وعن مرآة لا تعكس الوجه فحسب،بل تعيد تركيب الروح من شظايا الذاكرة. 

في هذه القصيدة،يصير الوطن سؤالا وجوديا، والمرآة حكاية ترويها الحجارة،والحنين نبعازلا ينضب من المعنى.

هكذا تنتهي القصيدة حيث بدأت: بالحلم ذاته، ولكن بعد أن تحوّل إلى معرفة.فالعودة ليست حدثا جغرافيا،بل هي إدراكٌ أن البعد كلّه لم يكن سوى طريق طويل نحو الذات. 

إن "مرآة الوطن" التي يبحث عنها الشاعر ليست شيئا خارجيا يُرى بالعين،بل هي تلك اللحظة الشفيفة التي يلتقي فيها الماضي بالحاضر،فيُدرك الإنسان أن وجهه لم يغب أبدا،لأنه ظلّ محفوظا في ترابٍ يعرف اسمه،وفي حجارةٍ حفظت خطاه. وهكذا،تبقى القصيدة شاهدا على أن الغربة قد تكون أقصى درجات القرب،حين يتعلّم القلب كيف يرى بعين الذاكرة،ويعود إلى جذوره ليس ليقيم فيها،بل ليعرف أنّه منها وإليها،مهما تطاولت المسافات.

وهكذا،حين يبلغ الحنين ذروته،يكتشف الإنسان أن الوطن ليس مكانا يُرى،بل مرآة تُصنع من الذاكرة. فالعودة الحقيقية ليست في أن تطأ القدم التراب، بل في أن تعرف الروح أنها لم تغادرْه قطّ.فكلّ خطوة في طريق الغربة كانت درسا في العودة، وكلّ بعد كان همسا يردّد: "أنت هنا،في كلّ حجر يعرف اسمك،وفي كلّ صمتٍ ينتظرك".فإذا وجدت وجهك في مرآة الوطن،فاعلم أنك لم تغبْ لحظة واحدة،لأن الوطن الحقيقي يسكن من يحملونه في قلوبهم،لا من يلجونه بأقدامهم.


تقديم محمد المحسن 


*فتحي فرهود: شاعر وكاتب تونسي أصيل جهة تطاوين مقيم بفرنسا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق