الأحد، 7 يونيو 2026

(نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين ) الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُرد بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 (نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين )

الكاتب التونسي فتحي فرهود..والكتابة كقدر لا يُرد

ليس كل من يمسك القلم يكتب،وليس كل من يكتب يُبدع،وليس كل مبدع يلمس الروح قبل الورق.لكن فتحي فرهود،ذلك الشاب التونسي القادم من عمق تطاوين،ينتمي إلى فئة نادرة من الكتّاب الذين لا يمارسون الكتابة كحرفة،بل يعيشونها كقدر.

إنه يكتب بمداد الروح ودم القصيدة ( وهذا الرأي يخصني) وكأن كل كلمة يبثها في الوجود هي نبضة من نبضاته،أو جرح من جراحاته صار حرفا، أو فرح من أفراحه صار سطرا لا يُنسى.

تطاوين،نلك الجهة الشامخة التي أنجبت مبدعين لهم حضورهم الوثير في المشهد الأدبي التونسي والعربي،تقدم اليوم واحدا من أبنائها الذين يحملون همَّ الكلمة بصدق نادر. 

فتحي فرهود ليس مجرد اسم سيُضاف إلى قائمة الأسماء،بل هو موهبة تحتاج منا كقراء ونقاد إلى التوقف عندها،والتأمل في صنعتها،وصقل ما فيها من جواهر لا تزال تنتظر من يخرجها من عباءة التواضع إلى فضاءات التأثير الواسع.

اكتشفت موهبته الإبداعية مؤخرا،ليس عبر بوابات الشهرة الرنانة،بل من خلال لوحة قصصية نحتها بمهارة فائقة،تنم عن موهبة فذة في الكتابة، استوقفتني فيها لغة لا تشبه لغة جيله،وأسلوب لا يقع في فخ الاستسهال أو الاستعراض. 

إنها كتابة تليق بالنقاد والمهتمين بأدب الشباب أن يُولواها ما تستحقه من عناية،لا لكونها جميلة فقط،بل لأنها تحمل وعدا بقلم كبير في الطريق.

في قصته البكر "حين تُصبح الذكرى صدقة جارية"، ينجز فتحي فرهود ما يعجز عنه كثيرون: يحوِّل الفقدان إلى حضور،والغياب إلى نص، والوجع إلى طقس من التقديس.

إنه لا يكتب عن الموت،بل يكتب ضد الموت. يكتب ليقول إن الروح لا ترحيل عليها عندما تجد من يحملها في ذاكرته كأيقونة لا تنطفئ.وهذا هو السر العميق في عنوانه: الذكرى التي تصير صدقة جارية هي تلك التي لا تموت،لأنها تُروى كل يوم بماء الحنين وتُضاء كل ليلة بقنديل الحرف. 

يقرأ لك القصة فتشعر أنك لست قارئا،بل وصيا على ذكرى لا تخص الكاتب وحده،بل تخص كل من عرف معنى أن يفقد جسدا ويحتفظ بروح. 

في هذه المفارقة العجيبة بين الألم والفخر،بين الحسرة على فراق الجسد والاطمئنان إلى بقاء الروح،يكمن جوهر إبداع فتحي فرهود.

إنه كاتب يكتب من عمق الجرح،لكنه لا يترك الجرح مفتوحا على اليأس،بل يزرع فيه،بيد شاعرة،بذورا لا تموت.

أمام هذه القدرة على تحويل المشاعر الشخصية إلى قيم إنسانية كونية،والمزج بمهارة بين الرثاء والامتنان،لا يسعنا إلا أن ننتظر مقاربتي القادمة حول هذه القصة.فهو،باختصار،يكتب كما يصوغ النحات التماثيل: بإتقان،وبصبر،وبنظرة ثاقبة تخرج من كل موقف دروسا،ومن كل ذكرى نافذة على الخلود. 

فتحي فرهود ليس واعدا فقط،إنه حاضر بقوة، والعالم أمامه بحاجة إلى أن يسمع صوته.

وهكذا،حين يصادف النورُ قنديلا لا يخشى الظلام، وحين تلتقي الكلمة بروح لا تعرف الرياء،يولد الأدب على حقيقته:وحيا لا صنعة،ندى لا حبرا. فتحي فرهود لم يأت ليكتب ما يُقرأ ثم يُنسى،بل جاء ليرسم على جدار الذاكرة لوحة لا تشيخ، وليُذكّرنا أن أعظم ما يكتبه الإنسان ليس ما يخلّده بين الناس،بل ما يجعله من الفناء جسرا إلى البقاء. فليُطرق له إعجابا،وليُنتظر منه بصبر المريدين-فما صدر عن صادق القلب لن يموت.

وهكذا يبقى فتحي فرهود شاهدا على أن تطاوين ليست فقط أرضا شامخة بالجبال والصبر والصمود،بل هي منبع متدفق بإبداع لا ينضب. فهذه الجهة الصامدة في وجه المصاعب والمتاعب تعج اليوم بالمبدعين الشبان الذين يحملون في أقلامهم أحلاما لا تقل جمالا وعمقا عن قصصهم ولوحاتهم.وما على النقاد والمهتمين بالشأن الأدبي إلا الاعتناء بهم متابعة وتشجيعا، ففي أولئك الشبان مستقبل الكلمة التي لا تموت، وفي رعايتهم ضمان لاستمرار النور في قناديل تطاوين التي لا تخشى الظلام مهما أوغل الليل في الدياجير.

ولنا عودة إلى قصته" حين تُصبح الذكرى صدقة جارية"..حين يختمر عشب الكلام..


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق