الأربعاء، 24 يونيو 2026

مقال أدبي نقدي: "محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة وغربال النقد والميتانقد". بقلم الناقدة التونسية: جليلة المازني.

  مقال أدبي نقدي:

"محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة وغربال النقد والميتانقد"

الموضوع : " كيف يمكن للشعر ان يحافظ  على هويته الثقافية في عصر العولمة ؟"

(المحور الرابع المبرمج بمنتدى آفاق الفكر والثقافة):

(ندوة "قصيدة القرن القادم": الجزء الثاني)

الناقدة التونسية: جليلة المازني.

المقال: "محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة وغربال النقد والميتانقد"

1- في شرح المصطلحات:

أ-  الهوية الثقافية للشعر:

يعد الشعر حسب بعض النقاد " الوعاء اللغوي الذي يحمل التاريخ والعادات والمعتقدات محولا المفاهيم المجردة الى مشاعر حية تترسخ في الوجدان".

وتتجلى الهوية الثقافية في الشعر حسب النقاد عبر عدة عناصر وابعاد أساسية:

- اللغة والبيان

- تمثلات المكان

- الرمز والتراث

- التعبير عن الذات والآخر

ب- عصر العولمة:

* يُعدُّ عصر العولمة حسب المختصين المرحلة التاريخية الي يشهدها العالم وتتميز بالتداخل والترابط العميق بين الدول اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتكنولوجيا..

يرمز هذا العصر الى تحول كوكب الأرض الى ما يشبه القرية الصغيرة بفضل ثورة الاتصالات وسهولة تدفق المعلومات.

* ابرز ملامح عصر العولمة:

- الثورة التكنولوجية والاتصالية: انتشار الانترنات و شبكات التواصل الاجتماعي والتقدم الهائل في وسائل النقل مما أدى الى الغاء الحواجز المكانية والزمانية. (الجزيرة نت)

- العولمة الثقافية: تداخل الثقافات وانتشار الأفكار وانماط الحياة والقيم بشكل عابر للحدود الوطنية وهو ما يثير أحيانا مخاوف بشان فقدان الهويات المحلية والخصوصية الثقافية. (الجزيرة نت).

2- تجليات محافظة الشعر على هويته الثقافية في عصر العولمة:

أ- المحافظة على اللغة والبيان من خلال:

- المجاز والانزياح الدلالي: يتمرد الشعر على الاستخدام المعياري والمألوف للغة مستخدما لغة مجازية تنقل المفردات من معناها الضيق الى فضاء ارحب وأكثر عمقا.(سياقات اللغة والدراسات الشعرية)

- الإيقاع والموسيقى: يعتمد الشعر على بحور الخليل والتقفية مما يمنح الكلام جرسا موسيقيا يعزز من ثراء العبارة(مجلة المثال حول لغة الشعر).

-  التكثيف والتصوير: يدمج الشاعر العواطف والتجارب الإنسانية داخل بنية لغوية محكمة مستعيضا بالايجاز عن الاطناب مما يعطي البيان قوة تأثيرية تتجاوز لغة التواصل اليومي   

.(Internet Archive)

- التعبير عن الثقافة والبيئة: يعدّ الشعر "ديوان العرب" فهو الحافظ الأمين لتاريخ الامة وهويتها وتراكيبها اللغوية الاصلية من خلال الاستدلال بقواعدها والمحافظة على فصاحتها العليا (مجلة المجتمع).

ب- محافظة الشعر على تمثلات المكان (1):واستحضار معالم الطريق وربط المشاعر(مشاعر الفراق /الشوق/ الذكريات..) بالبيئة الجغرافية لتخليد الأماكن وتقديمها كفضاء خيالي ووجداني يتجاوز حدودها الفيزيائية.

يرتبط الشعر ارتباطا وثيقا بالمكان فهو يعكس أبعاده الحسية والنفسية والتاريخية.

يحافظ الشعر على هذه التمثلات عبر الوصف الدقيق.

ج- محافظة الشعر على الرمز والتراث (1*):

+ دور الشعر في المحافظة على التراث من خلال:

- التوثيق التاريخي: يعد الشعر وعاء ناقلا لتفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والبيئية التي شكلت الهوية عبر العصور.

- التناص والاستدعاء: يوظف الشعراء نصوصا واحداثا من التراث(مثل القصص التاريخية والاساطير)لاثراء القصيدة المعاصرة وخلق جسر يربط بين الماضي والحاضر.

- ترسيخ الانتماء : يتمّ تعزيز الارتباط  بالثقافة والعرف السائد من خلال ممارسة الشعر باللغة الاصلية والاحتفال به في الندوات والمهرجانات .

+ كيفية توظيف الشعر للرموز:

- التكثيف والدلالة: يستخدم الشاع الرمز لشحن النص بطاقات دلالية عميقة تتيح للمتلقي مساحة للتفكير والتاويل والتامل  بعيدا عن المعاني الحرفية.

- أنواع الرموز:دينية / تاريخية/ طبيعية / شعبية واسطورية.

- التخفي والتعبير الامن: استخدام الرمز ك"قناع" ادبي للتعبير عن الام الواقع السياسي والاجتماعي  بحرية والتحايل على الرقابة او التعبير عن معاناة حياة جمعية.

د- محافظة الشعر على التعبير عن الذات والأخر(2):

يحافظ الشعر على التوازن بين التعبير عن الذات والأخر من خلال:

- تفريغ العواطف الذاتية: الشعر وسيلة للبوح والتنفيس عن الانفعالات الداخلية ,المخاوف   والطموحات مما يساعد الشاعر على فهم أعماق نفسه.

- التواصل مع الاخر الإنساني: يكتب الشاعر لنفسه أوّلا لكنه يشارك تجاربه الوجدانية مع القارئ مما يخلق تعاطفا يزيل الشعور بالوحدة حيث يعتبره النقاد مرآة تعكس مشاعر العشق, الفخر, او التضامن مع الجماعة.

- توظيف الخيال والصور الفنية: يستخدم الشاعر أدوات  مثل الاستعارة والتشبيه لتجسيد الحالات النفسية مما يتيح للمتلقي  معايشة تجربة الشاعر وكانها تجربته الخاصة.

- الموسيقى والايقاع: تؤثر الاوزان والموسيقى الشعرية في اللاشعور مما يخلق حالة من التناغم والتعاطف المشترك بين صوت الشاعر ( الأنا ) وصدى المتلقي (الآخر).

وفي هذا الاطار لا بد من اثارة المسكوت عنه في هذا الموضوع المطروح الذي يقتضي التساؤلات التالية:  

أ- من سيقيم مدى محافظة الشعر على هويته الثقافية ويُغربل المعايير التالية ؟ :

- مدى تمرد اللغة على المألوف واستخدام غير المألوف لاضفاء الجمالية على الشعر؟

- مدى ارتباط الشعر ارتباطا وثيقا بالمكان الذي يعكس أبعاده الحسية والنفسية والتاريخية؟

- مدى محافظة الشعر على الرمز والتراث؟

- مدى محافظة الشعر على التعبير عن الذات والأخر؟

ب - من سيقيم مدى محافظة الشعر على هويته الثقافية في زمن العولمة الثقافية ويُغربلها ازاء:

- تداخل الثقافات؟

- انتشار الأفكار وأنماط الحياة والقيم بشكل عابر للحدود الوطنية وهو ما يثير أحيانا مخاوف بشأن فقدان الهويات المحلية والخصوصية الثقافية؟

في هذا الاطار يتدخل غربال النقد الأدبي و الميتانقد (نقد النقد)

3- النقد الادبي والميتانقد والذكاء الاصطناعي:

+النقد الادبي (3):

النقد الادبي هو" الفن المتعلق بدراسة الأنماط الأدبية ويعتمد ذلك على الشرح  والتحليل والتفسير والحكم عليه بأسلوب حيادي"..وقد عرفه البعض بانه :"كشف النقاب عن المواطن الجمالية او القبيحة في الاعمال الأدبية ومقارنتها بغيرها من الاعمال وقياسها وبيان القيمة"

والموضوعية في النقد تقتضي ان يكون الناقد بعيدا عن التعصب والتحيز والمجاملة خدمة للارتقاء بالعمل الادبي بعيدا عن العاطفة

+ وظائف النقد الادبي  (4) :

يؤدي وظيفة عملية متكاملة الأركان في خدمة الاديب والقارئ والحياة الأدبية:

- الاديب: يساعد النقد الادبي الاديب على:

* التوجيه والتقويم: اكتشاف مواطن القوة والضعف في نصوصه مما يصحح مساره الإبداعي.

* شحذ الهمم: يعد النقد مرآة تعكس جهود الاديب مما يساهم في ابراز ابداعه وانتشار نتاجه الادبي ودفعه نحو الابتكار والتجديد.

- القارئ : يساعد النقد الادبي على:

* تيسير الفهم والاستيعاب: يفكك النقد رموز النصوص المعقدة ويقرب معانيها الى ذهن القارئ

* تنمية الذائقة وبناء الوعي: النقد يدرب القارئ على التمييز بين النصوص الراقية والرديئة

مما يعينه على حسن الاختيار والتفاعل الذكي مع ما يقرأ.

- الحياة الأدبية:

* الحفاظ على التراث : يدرس النقد الاعمال الأدبية التاريخية والمعاصرة ويقومها لتظل حيّة  وفاعلة في وجدان الامة.

* حارس القِيَم: يحمي النقد الحياة الأدبية من الانحرافات او الاستغلال الهابط مما يساهم في رقي مستوى الادب واللغة والمجتمع.

وفي هذا الاطار ما علاقة النقد الادبي بالذكاء الاصطناعي؟:

يرى بعض الدارسين ان الذكاء الاصطناعي يمثل ثورة تكنولوجية في مجال النقد الادبي

أ- دور الذكاء الاصطناعي في النقد الادبي:

يقدم الذكاء الاصطناعي أدوات تحليلية بالغة التطور تغير من طبيعة الممارسة النقدية الكلاسيكية من خلال:

- التحليل الكمي والاحصائي: يمكن للنماذج الذكية معالجة الاف النصوص في ثوان واستخراج التيمات المتكررة ورصد التراكيب اللغوية والاسلوبية بدقة متناهية.

- الكشف عن الأنماط: يساعد الذكاء الاصطناعي في تتبع تطور مفردات معينة عبر حقب زمنية محددة او في اعمال مؤلف بعينه.

- إدارة البيانات: تحويل النصوص الى بيانات قابلة للقياس وهذا في خدمة الدراسات الأدبية المقارنة.

ب- حدود الذكاء الاصطناعي في النقد الادبي:

رغم تفوق الآلة في الرصد والتتبع الا ان هناك حدودا جوهرية تقف امام قدرتها على إتمام العملية النقدية:

- غياب الروح والسياق: يفتقر الذكاء الاصطناعي الى الوعي الإنساني بالخلفيات الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي أنتجت النصّ.

- عجز التأويل: لا يستطيع تقييم الجانب العاطفي او الدلالات العميقة والرمزية وراء الكلمات فالنقد الادبي يمتلك ذائقة حسية لا تملكها الآلة.

- الهلوسة المعلوماتية: قد يختلق الذكاء الاصطناعي معلومات او يحلل النص بناء على معطيات خاطئة.

وفي هذا الصدد والنقد الادبي في علاقته بالذكاء الاصطناعي بين ايجابياته  وسلبياته / بين قدرته وحدوده / بين الشك واليقين يمكن طرح الأسئلة التالية:

- هل يمكن ان يستغني الابداع عن النقد؟

- هل سيصبح المبدع بواسطة الذكاء الاصطناعي هو نفسه الناقد لابداعه؟

- هل اننا في عصر الذكاء الاصطناعي نعيش انحطاط الادب الحقيقي ابداعا ونقدا؟

هنا يتدخل نقد النقد(ما يصطلح عليه بالميتا نقد) في علاقته بالذكاء الاصطناعي:

وفي هذا المجال تتداخل تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم بعمق في مجال "نقد النقد"(أي قراءة وتقييم الخطابات النقدية نفسها).

ورغم تفوق الالة في معالجة البيانات الكبيرة واستخراج المؤشرات الإحصائية للنصوص الا ان الحس النقدي البشري والحدس والذوق الادبي تظل عناصر جوهرية لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها بشكل اصيل.

وبالتالي هل العلاقة بينهما علاقة تكامل ام إحلال؟(5).

ج- التكامل بين الانسان والآلة: بين الناقد البشري والذكاء الاصطناعي:

يتجه الفكر الاكاديمي والنقد الحديث نحو نموذج تكاملي ونحو النقد المشترك الذي يجمع  بين أفضل ما في العالمين من ايجابيات:

- استخدام الناقد تقنيات الذكاء الاصطناعي ك"مساعد بحثي" يقوم بمهام الفرز وجمع المؤشرات(التحليل الكمي).

- تفرّغ الناقد البشري للتحليل الكيفي: استنباط المعاني وتقييم القيمة الجمالية والفنية للعمل الادبي  وفهم السياقات الثقافية والسياسية والتاريخية حتى يحافظ الشعر على هويته الثقافية بالنسبة لموضوعنا المطروح اليوم.

فيكون بذلك الذكاء الاصطناعي فرصة لدعم النقد الادبي وتطويره وليس تهديدا لهويته وسحقا لخصوصيته.

وبالتالي فالالة هنا أداة مساعدة متطورة وليست بديلا للناقد...

 بتاريخ:20/ 06/ 2026

 

 

 

 

 

المراجع:

   (1/ 1*) تجليات الهوية الثقافية-ابعاد أساسية-  

ASJP

(2) الذات والأخر..لمن يكتب الشعراء المغاربة؟ -اخبار ثقافة- الجزيرة نت

18جوان 2019

(3) النقد الادبي- موقع مبتعث-

(4) وظائف النقد الادبي- ملتقى دار السرد الروائي- مارس 2021

(5) نقد النقد في عصر الذكاء الاصطناعي: جدل الفاعلية والتاويل والمسؤولية- مجلة الانسان- 15/ 12/ 2025.

ASJP.

 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق