(نافذة مفتوحة على مبدعي تطاوين)
كتاب الباحث والأستاذ الطاهر عسيسيلة:
"في مهب السؤال":
حين تكون الهشاشة أقوى من اليقين..!
ليس السؤال خصما يريد هزيمتك،بل هو الرفيق الوحيد الذي لا يخونك في رحلتك نحو ذاتك. هكذا يعلّمنا الأستاذ والباحث الطاهر عسيسيلة، في كتابه "في مهب السؤال: رحلة في الريح والقلق وحدود الإنسان"، أن السؤال هو النبض الذي يؤكد أننا ما زلنا أحياء،وأن الحياة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأنفاس،بل بعدد الأسئلة التي تهز كياننا.
يختار عسيسيلة أن لا يبدأ حكايته بانفجار أو زلزال،بل برياح خفيفة،شبه صامتة،لكنها قادرة على تحريك ما كان يظنه الإنسان جبلا راسيا.تلك الريح هي شرارة الشك الأولى،هي اللحظة التي يشعر فيها المرء أن الأرض التي يقف عليها ليست ثابتة كما ظن،وأن الصورة التي رسمها لنفسه تحتاج إلى إعادة النظر.كان الباحث يبحث عن أرض لا تتحرك،عن صورة نهائية مكتملة،عن يقين كالحديد لا يصدأ ولا ينكسر. لكن الريح كشفت له حقيقة أعمق: أن الثبات الذي نطلبه هو وهم جميل،وأن اليقين المطلق قد يكون موتا خفيا للروح.فالإنسان الحقيقي هو ذلك الكائن الذي يتعلم كيف يتوازن فوق أرض ترتجف،كيف يرقص مع الريح بدلا من أن يندبها.
هذا التوازن داخل الاهتزاز هو سر الوجود الإنساني الأعمق.
تأملوا لحظة: الطفل حين يتعلم المشي،لا يطلب من الأرض أن تثبت أكثر،بل يمنح جسده مرونة السقوط والنهوض،يرتجف ثم يستقيم،يميل ثم يعتدل.كذلك نحن،لا ننمو في الأماكن المضمونة، بل في الفجوات التي تفاجئنا.
أليس أجمل ما في الريح أنها لا تعرف إلى أين تتجه؟! حينها فقط نكتشف أننا لسنا جمادا ننتظر من يحركنا،بل كائنات هشة بعمق،لكن هشاشتنا هي بالضبط ما يمنحنا القدرة على الانحناء دون أن ننكسر.وهذا الباحث المتمرس الأستاذ الطاهر عسيسيلة يهمس لنا: لا تخف من أن تميل،فلا أحد يقف منتصبا إلا وهو على وشك السقوط.فالثبات الحقيقي ليس في أن نكون صخرة،بل في أن نكون جذورا تمسك بالتراب حتى عندما تهب العواصف.وربما هذا ما كان يبحث عنه الباحث دون أن يدري: ليس يقينا جامدا،بل جذرا حيا يهتز مع كل نسمة،لكنه لا يقتلع.
وهكذا،يتركنا الأستاذ الطاهر عسيسيلة،في هذا النص الفريد،أمام مرآة لا تعكس وجوهنا،بل أعماقنا المتلاطمة.إنه لا يمنحنا إجابات جاهزة،بل يغرس في أرواحنا بذرة السؤال التي تنمو معنا، تتعرّق جذورها في تربة الوعي،وتتفتح أزهارها في سماء التأمل.فالسؤال،كما يعلّمنا،ليس علامة ضعف أو حيرة،بل هو دليل على أننا لم نستسلم لسحر اليقين الواهم،وأننا نرفض أن نكون مجرد صدى لصوت الآخرين.
إلى التلميذ الذي يخاف أن يسأل في الفصل خشية الخطأ،وإلى الطالب الذي يظن أن المعرفة هي حشو الرأس بالمعلومات،وإلى الأكاديمي الذي قد يغترّ بمنجزاته فيظن أنه بلغ منتهاه: هذا الكتاب هو بوصلتكم.فيه تعلمون أن الهشاشة قوة، وأن الاهتزاز توازن،وأن الريح التي تحرك كيانكم ليست عدوا لكم،بل هي الحاضنة التي تمنحكم الحياة..
وهكذا،أيها القارئ،يظل السؤال نافذة لا تغلق في وجه الريح،وجذرا لا يخاف من الاهتزاز لأنه يعرف أن الانكسار ليس في الميلان بل في الجمود.
كتاب الأستاذ الطاهر عسيسيلة ليس مجرد صفحات تُقلب،بل مرآةٌ ترميك إلى وجهك الحقيقي: ذلك الوجه المتعب من التصنع، المتعطش إلى حقيقة ولو كانت مؤلمة.فإذا كنت تظن أنك بلغت منتهاك،فاقرأه؛ستكتشف أن الريح وحدها كافية لترحلك من جديد.وإذا كنت تخشى السؤال،فاقرأه،ستخرج منه مؤمنا بأن الشك قد يكون أقرب دروب اليقين.
إنه دعوة صامتة لأن نكون بشرا لا تماثيل،لأن نرقص مع العاصفة لا أن نتحجر أمامها.
فهل أنت مستعد أن تترك الريح تعيد تشكيل خريطتك؟!
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق