في احتراق الضياء:
مقاربة أنطولوجية لقصيدة "حكاية شمعة'" للشاعرة التونسية الكبيرة سعيدة طاهر الفرشيشي
ليس احتراق الشمعة انطفاء،بل ولادة أخرى في ممالك الضوء.وحين تغمس الأنامل في اللهب،لا تحترق،بل تكتشف أنها كانت منذ الأزل من جوهره.
هكذا تفعل قصيدة "حكاية شمعة" للشاعرة التونسية الكبيرة الأستاذة سعيدة طاهر الفرشيشي: إنها ليست كلمات تُقرأ،بل نار تُعاش. نصّ يُمزّق جلد اللغة العادي ليُخرج منها روحا تتلذذ بالألم كأنه عناق،وتجعل من الذوبان انتصارا ومن الاعتقال طقسا مقدسا للحرية.
هنا،لا تكتب الشاعرة القصيدة،بل تشعلها،ثم ترمي بنفسها في لهيبها كي لا تبقى على هذه الأرض رمادا،بل وهجا يُضيء دروب العاشقين إلى ما بعد المستحيل.
ليست الشمعة هنا مجرد أداة إضاءة،بل أنا الشاعرة التي تذوب في نور الحب حتى تصبح نورا وهاجا. قصيدة "حكاية شمعة" لسعيدة طاهر الفرشيشي ليست غزلا عابرا،ولا بكاء على أطلال،بل رحلة وجودية تبدأ بالذوبان ولا تنتهي،حيث يتسامى العاشق عن جسده ليتحول إلى لهفة تسكن في الضياء.
تستخدم الشاعرة البحر الخببي (المتدارك) بانسجام تام مع روح النص،فإيقاعه المتسارع يشبه دقات قلب يخفق بشغف،والأسباب الخفيفة المتتالية تضفي لمسات ابداعية رشيقة على الكلمات،كما لو أن الوزن نفسه يذوب مع المعنى. تقول في مطلعها:
ذبت كالشمعة في نور الجمال
وعلى عهدي حبيبي ما أزال
إنه إعلان عن فنائها في الجمال الإلهي/الإنساني، حيث العهد ليس وعدا زمانيا بل حالة كينونة، وكأنها تقول: لم أعد أملك من الوجود إلا أن أكون شمعة في محراب وجهك.
بهذا الحوار الصوفي مع النار والألم،تعيد الفرشيشي تعريف العشق باعتباره "ناراً تستلذ اشتعالها"،حيث يتحقق الكمال في الانكسار،ويتم الانتصار عبر "كسر المحال".
القصيدة تكتب سيرة الضوء في جسد يعشق ظلمته،وتجعل من الحضور الغيبي للحبيب حدثا كونيا ينسي الشمس نفسها.
الوزن الخببي،بتكافؤ أسبابه ومرونته الإيقاعية، كان وعاء مثاليا لهذه الحالة الوجدانية المتمردة، حيث لا سجن للقافية ولا سور للبحور التقليدية. تقول الشاعرة في تضاعيف نصها:
"طالما علمنا كسر المحال.."
-حكاية شمعة
ذبت كالشّمعة في نور الجمال
وعلى عهدي حبيبي ما أزال
............&..........
واعدي لو جئتني في الموعد
لخطفت الشّمس من قبل الغد
وفرشت الدّرب بالزّهر النّدي
وسكبت الخمر من ثغري الحلال
لا تسل عمّا هنا تجني يدي
خذه زادا لك قبل الرتحال
.........&............
خلني ألقاك في ذات صباح
رغم عنف الموج أو عصف الرّياح
لأطير الآن من غير جناح
صوب نبع يدفق الماء الزّلال
خلّني أنتجع الحبّ المباح
دون أن أعرف ما يخفي المآل
........&........
سمّه ما شئت عشقا أو جنونا
أو ضياعا أو ضبابا أوشجونا
فهوانا يا حبيبي لن يهونا
طالما علمنا كسر المحال
لك عهدي لم يزل دوما مصونا
أعلى عهدك مثلي ما تزال
........&.........
وجهك القادم من لوح الغيوب
أطلع الشّمس وأنساها الغروب
كيف لي عن جبّك اليوم أتوب
منك كم حاولت فكّ الاعتقال
وفؤادي بين كفّيك يذوب
يستلذّ النّار من أحلى اشتعال.
(سعيدة طاهر الفرشيشي)
وختاما،حين تصير النار لذيذة والاعتقال حريّة، وحين يغدو الجنون سبلا للحقيقة،فإن "حكاية شمعة" لا تنتهي بانطفائها،بل ببدء احتراق لا يعرف التوبة.فالموت الأكبر،كما تعلن القصيدة،ليس الرحيل بل التوقف عن الذوبان.
تقول في تأسيس مشهدها الأخير:
"يستلذ النار من أحلى اشتعال.."
فليكن إذن حرقك هو برهانك،وأي شمعة تموت من غير أن تصنع من لهيبها أجنحة؟!
و..ليست حكاية الشمعة سوى سرّ العشق الأبدي: أن تحترق لا لتموت،بل لتصبح القبلة التي تُضاء منها ألف شمعة.فحين تذوب الشاعرة التونسية الكبيرة الأستاذة سعيدة طاهر الفرشيشي في نور الحب،لا تفنى،بل تولد في كل لهفة تسكن الضياء، وتُعلّمنا أن أجمل ما في الحب هو أن نكون وهجا يُهدى،لا رمادا.يُنسى..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق