الأحد، 7 يونيو 2026

مقاربة تأويلية لقصيدة " السكوت معابدي " للشاعر : طاهر مشي/ تونس بقلم الناقدة سعيدة بركاتي/ تونس

 مقاربة تأويلية لقصيدة " السكوت معابدي " للشاعر :

طاهر مشي/ تونس

بقلم سعيدة بركاتي/ تونس

ناي في الصدر و شظايا في الليل 

#القراءة :

تُعدّ عتبة النص أول ما يستوقف القارئ ، وهي في هذه القصيدة جملة كاشفة لمضمونها وبنيتها : " السكوت معابدي " ، ومن هذه العتبة يمكن الولوج إلى عالم النص ، وفهم منطق اشتغاله الدلالي والشعوري .

عادة ما يكون المعبد مكانا للتعبد والمناجاة و التقرب من الإله ، فإذا بالشاعر يجعل منه موضعا للصمت  ، هذه المفارقة تبعث توترا و تشويشا في ذهن المتلقي منذ السطر الأول ، فالشاعر لا يعلن عن انسحاب سلبي من اللغة ، بل يحوّل الصمت إلى طقس تعبدي بديل ، على هذا الأساس ، نستنتج مبدئيا أن مدار النص يدور على المسكوت عنه ، لا على المصرح  به .

لقد وردت مفردة المعبد في صغة الجمع : " معابدي " ، و الجمع هنا يُوسّع من دائرة الصمت ، و يجعله فضاءا متعدد المقامات داخل الذات ، كأن لكل جرح زاوية ، ولكل ليلة محرابا ، ولكل دمعة شعيرة تُؤدى في صمت : هذا التوسيع يمهّد لبنية القصيدة القائمة على تراكم صور الكتمان والاغتراب .

كإستنتاج أول : العتبة تؤسس لعلاقة الأنا بالعالم : 

فيترتب على اتخاذ الصمت معبدًا : انسحاب الذات من دائرة التواصل البشري . ولذلك ينتقل الشاعر في البيت التالي مباشرة إلى مخاطبة ظلّه : " أُحادثُ ظلّي " : فالعتبة إذن هي لحظة القطيعة مع الآخر ، وما يليها ماهي إلا تفاصيل لهذه الوحدة الوجودية .

فما هو المنهج الذي تفرضه العتبة على القراءة ؟ 

على القارئ أن يسأل: كيف يحيل الشاعر عجز الكلام إلى طاقة شعرية ؟ والإجابة تتجلى في تحويلات النص:

تحويل الجرح إلى مُقيمٍ في القلب : " كتمتُ جروحًا في الفؤادِ مقامُها "

تحويل الدمع إلى شظايا ليلية : " و أسكنتُ دمعي والليالي شظايا "

تحويل الكون إلى مرآة للأسى : " رأيتُ الأسى في كلِّ نجمٍ حكايا "

فالصمت لم يكن نهاية للتعبير ، بل كان مبدأً لتوليد لغة بديلة قوامها الصورة والرمز .

القصيدة لوحة وجع مرسومة بحبر الليل ، تتمحور حول الألم المكبوت والصمت كطقس تعبدي : "السكوت معابدي" هو الجملة المفتاح ، الشاعر حوّل الصمت من حالة سلبية إلى مكان مقدّس . المعبد عادة مكان للبوح للإله ، لكن في القصيدة أصبح مكان للكتمان / مفارقة مؤلمة تجعل القهر نفسه عبادة قهرية لا اختيارية . فنص القصيدة يشتغل على ثنائية ضد حادة : الداخل الملتهب مقابل الخارج الساكن : "جروح في الفؤاد مقامُها" يقابلها "أسكنت دمعي"، / "عبرات لوعة تسيل" يقابلها "أحادث ظلّي". حتى الكون له مشاركة الثنائية : فالليل يرخي ستائر العتمة "رأيت الأسى في كل نجم حكايا" =» يتحول الرمز من مجرد زينة إلى مرآة : الليل و النجوم لم يعودا زمنًا وضوءًا بل أصبحا كونًا كاملاً يعكس حزن الشاعر / انسنة النجوم التي نطقت بأسى الشاعر .

يشعر المتلقي بثقل و ركود الزمن " النفسي :

يتجلى هذا في صورة الرمل : "أجرُّ خُطا عمري على الرملِ مُثقَلًا" / الرمل ليس مجرد أرض بل هو رمز للعمر الهش وعدم الثبات / المشي عليه مثقل مما يفسر استنزافا للطاقة دون تقدم / الرمل يبتلع الخطى ولا يترك أثرا مما يعمّق إحساس الشاعر بالعبثية:  "كأنّي غريبٌ ما عرفتُ منايا".

يبقى للدمع رمزية الوجع المكبوت ، و الدمع لا يستشير أحد عند تدفقه فهو يفلت رغما عنا : الدمع عادة رمز حياة وماء ، يسيل في الفرح كما في الحزن ، لكنه في القصيدة مالح و كأنه جمر نار يحرق الخد : "كم عانقتْ خَدَّيَّ عبراتُ لوعةٍ" . وحين "هاج في الصدر نايا" استدعى الشاعر الناي كصوت للشجن الداخلي / الناي ينوح حتى وهو يعزف / لحنًا حزينًا مكتومًا في صدر الشاعر .

"أُحادثُ ظلّي" : تسجيد لأقصى درجات الوحدة و العزلة و كأن الشاعر يعيش فعلا عزلة وجودية ، فمحاورة الظل مستحيلة واقعيًا لكنها ممكنة نفسيًا عند تفكك و تشتت الذات : لا يوجد تفاعل من أحدهم و يسمع شجن صوت الشاعر المنبعث من الناي حتى صار يخاطب انقسامه ، وهذا ما يقودني كقارئة إلى الانزياحات في القصيدة.

_ انزياح دلالي :

"كتمتُ جروحًا في الفؤادِ مقامُها". الجروح لا تُكتم / السر هو الذي يُكتم : الشاعر جعل من الجرح كائنًا له إقامة جبرية في القلب . / "رأيتُ الأسى في كلِّ نجمٍ حكايا" : مُنحت النجوم لسانًا حتى تحكي الوجع .

_ انزياح تركيبي :

"ولا القلبُ المنهك إلا بقايا" / حُذف المبتدأ المقدّر "شيء"، وهذا الحذف يخلق فراغًا في الجملة يشبه فراغ القلب . أما تركيب "السكوت معابدي" نفسه انزياح : لأن السكوت ليس بمكانًا و لن يكون .

_ انزياح " صوري" :

"غريبٌ ما عرفتُ منايا" / خروج عن المألوف : الغريب عادة لا يعرف المكان / لكن الشاعر يجهل مناياه / هذا اغتراب عن الذات وعن الرغبة نفسها / أقسى أنواع الغربة / كلمة "منايا" تفتح على بابين : فنسأل : هل يقصد الشاعر الأماني أم الموت ؟ فإن كان موتا ، فالشاعر غريب حتى عن راحته.

من خلال القفلة و التي جاءت مدوية ، و قد لخصت الفناء التدريجي : " ولا القلبُ المنهك إلا بقايا" ، يتضح جليا مما تقدم أن القصيدة بدات بالكتم و انتهت بالعدم / نص القصيدة كله وحدة متماسكة / كل صورة تصب في نهر واحد من الحزن . كانت الانزياحات فيه ضرورة لا زينة ، لأن الوجع العادي تكفيه اللغة العادية  ، فالنص قصيدة "حالة" لا "حكاية". لا يروي حدثًا بل يقيم في لحظة وجدانية ويشرِحها بالمجهر ، نجحت في جعل الصمت معبدًا ، والدمع شظايا ، والنجوم رواة .

أسست فيه العتبة : " السكوت معابدي " لقراءة القصيدة بوصفها طقس اعتكاف وجودي ، فالشاعر لم يصمت من فراغ في ذاته بل أضفي على ألمه قداسة منحه القدرة على الكشف الشعري ، ومن هذه القداسة انبثقت العديد من الصور : الرمل، والناي، والنجوم، والغربة.

بقلمي/ سعيدة بركاتي/ تونس 

#النص : 

السكوت معابدي

ااااااااااااااااااااااااااااا

كتمتُ جروحًا

في الفؤادِ مقامُها

وأسكنتُ دمعي

والليالي شظايا

وكم عانقتْ خَدَّيَّ

عبراتُ لوعةٍ

تسيلُ

إذا ما هاجَ في الصدرِ نايا

أُحادثُ ظلّي

والسكوتُ معابدي

ويشهدُ وجدي

أنَّ قلبي شقايا

أجرُّ خُطا عمري

على الرملِ مُثقَلًا

كأنّي غريبٌ

ما عرفتُ منايا

إذا الليلُ أرخى

فوقَ روحي ستائرًا

رأيتُ الأسى

في كلِّ نجمٍ حكايا

فما عادَ في الدنيا

سوى صبرِ مُتعبٍ

ولا القلبُ المنهك

إلا بقايا

ااااااااااااااااا

طاهر مشي



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق