القصيدة بين الوجود والقلق: قراءة فلسفية في “على مفترق طرق”
الناقدة الباحثة: د. آمال بوحرب /تونس
الشاعر: وديع شامخ/العراق
تتداخل الفلسفة مع الشعر في منطقة عميقة من التفكير في الوجود والمعنى والإنسان فكلاهما يسعى إلى كشف ما وراء الظاهر غير أن الفلسفة تفعل ذلك عبر المفهوم بينما يفعله الشعر عبر الصورة والإيحاء والرمز، أي تصبح القصيدة مجالًا رحبًا لتأمل الأسئلة الكبرى التي تشغل الفكر الإنساني مثل الزمن والمصير والحرية والقلق والحقيقة.
وقد تجلت هذه العلاقة في كتابات الكثير من الشعراء الذين جعلوا من القصيدة فضاءً للتأمل الفلسفي كما عند أبي العلاء المعري حين قال: «غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي / نوحُ باكٍ ولا ترنّمُ شادِ» حيث تتحول العبارة إلى موقف فكري عميق يتجاوز الرثاء إلى التأمل في جدوى الحياة ومعناها أو كما تتجلى عند المتنبي في قوله: «على قدر أهل العزم تأتي العزائم / وتأتي على قدر الكرام المكارم» حيث تلتقي الحكمة الشعرية مع الرؤية الفلسفية في صياغة قانون إنساني يربط بين القيمة والفعل.
وهكذا يغدو الشعر حين يلامس الفلسفة أكثر قدرة على الإضاءة والتساؤل لأنه يفتح العالم على التأمل والتفسير وتعدد الدلالة.
يأتي العنوان «على مفترق طرق» بوصفه مفتاحًا دلاليًا بالغ الكثافة لأنه لا يحيل إلى المكان الجغرافي فحسب بل يضعنا في موقف إنساني كامل؛ فالمفترق هنا رمز للإنسان المعاصر الذي يقف دائمًا بين احتمالات متعارضة ويعيش لحظة اختبار دائمة ومن ثم يعلن النص منذ بدايته أن الحياة ليست خطًا مستقيمًا وإنما شبكة من الانعطافات والاختبارات.
ينتقل الشاعر من الذات إلى المشهد الجمعي: زحمة الحياة وأمواج الأقدار والعابرون والشوارع والساحات وهذا الانتقال من المفرد إلى الجمع يشير إلى أن التجربة الإنسانية كانت ولا تزال كونية ومشترك فالإنسان هنا جزء من تدفق أوسع منه يتحرك داخله ويبحث عن موقعه فيه.
في قوله: «في زحمة الحياة أمواج من الأقدار تعوم على مصائرها» تتجلى مفارقة دقيقة بين الحركة وعدم الاستقرار؛ فالأمواج تتحرك لكنها لا تصل إلى برّ نهائي والمصائر تعوم في دلالة على أنها ما تزال في حالة تشكل وتحول وهذه الصورة تمنح الحياة شكلًا بحريًا مضطربًا حيث يصبح الوجود نفسه حالة طفو لا رسوّ.
أما «والسكون سادر بدهشته» فتعكس سكونًا يحمل طمأنينة وانبهارًا عميقًا؛ فالسكون هنا لا يقف ضد الحركة بل يكشف وجهًا آخر من وجوه الحيرة فكأن العالم يتوقف ليحدّق في نفسه بدهشة لا تجد جوابًا فيلتقي النص مع الفلسفة الوجودية في سؤالها عن معنى أن يكون الإنسان حاضرًا في عالم مفتوح على الغموض.
في عبارة «الأضواء تقاسم العابرين ليل سحناتهم» تتأسس ثنائية الضوء والعتمة؛ فالضوء لا يبدد الظلام تمامًا بل يجاوره ويشاركه وهذه المشاركة تكشف أن المعرفة في العالم الشعري ليست كشفًا كاملًا وإنما إنارة جزئية إذ يظل العابرون محاطين بليل في وجوههم أي إن الحقيقة الإنسانية متعددة الطبقات مهما اشتد الضوء.
ثم تأتي عبارة «والشمس ترمّم القامات» لتمنح الضوء وظيفة رمزية أخرى؛ فالشمس هنا تضيء وتصلح وتعيد البناء كأنها قوة تشاركية في مقاومة الانكسار بما يوحي بأن الإنسان هش بطبيعته وأن استقامته تحتاج إلى سند يتجاوز ذاته.
في المقطع «الهلع يسيح على الشوارع / المارة يقترفون القلق على مرمى البصر» يتحول الخوف إلى مادة سائلة تغمر الفضاء العام ويصبح القلق فعلًا وجوديًا كأن الإنسان يعيش القلق ويصنعه في آن واحد وهنا تنكشف رؤية فلسفية عميقة مفادها أن الإنسان المعاصر يعيد إنتاج اضطرابه لأن القلق صار طريقة في الوجود.
وفي قوله «والمدونون يقفون على شرفات الزمن / قفص الحياة مترع بالشهود» ينتقل النص إلى تأمل فعل التدوين والشهادة؛ فالمدونون يقفون في موقع مراقبة بينما يوحي «قفص الحياة مترع بالشهود» بأن العالم محاصر بالنظر لكنه يظل عصيًا على الانكشاف فتتولد مفارقة بين التوثيق والفهم وبين الحضور والإدراك.
ثم يأتي قول الشاعر «ليس من حكاية يقصّها الرواة / وليس من حكمة في مدار المحنة» ليعلن تعطّل السرد والحكمة معًا؛ فالعالم أكبر من أن يُختصر في رواية أو موعظة وهو ما يكشف مأزق اللغة أمام كثافة الواقع.
في المقطع «بين المد والجزر / قمر يلهو بغرائزنا / ماء يتلو علينا سورة التيه» يبلغ النص ذروة رمزيته؛ فالقمر عنصر جمال يؤثر في الداخل الإنساني ويستفز الغرائز بينما يتحول الماء إلى كيان يتلو «سورة التيه» بما يجعل عناصر الطبيعة شريكة في إنتاج الضياع لا مجرد خلفية له.
وفي قوله «ربما طفل وحيد يشير إلى ثياب “الإمبراطور العاري” / والعامة تفقأ سبابته طاعة لحشمة العرش» تتجسد اللحظة الأخلاقية والسياسية للقصيدة؛ فالطفل يمثل براءة الرؤية الأولى التي تكتشف الحقيقة قبل تواطؤ الجماعة غير أن المفارقة القاسية أن المجتمع يعاقب من يكشف الزيف بدل أن يحتفي به فتتجلى علاقة السلطة بالحقيقة بوصفها علاقة قمع وتبرير للطاعة.
تُقرأ القصيدة في ضوء سبينوزا بوصفها مشهدًا للضرورة الكونية التي تحيط بالإنسان من كل جهة؛ فالمصائر تتحرك داخل شبكة من الأسباب التي لا يملك الإنسان التحكم الكامل فيها غير أن القصيدة تلتقي مع سبينوزا أيضًا في أن الفهم يفتح بابًا إلى الحرية لأن الوعي بالضرورة يمنح الإنسان قدرة أوسع على إدراك موقعه داخل الكون فيتحول التيه من اضطراب إلى وعي بطبيعة الوجود.
كما تلتقي القصيدة مع دوركهايم في نقد قوة الجماعة حين تتحول إلى ضغط رمزي وأخلاقي على الفرد؛ فـ«المارة يقترفون القلق» و«العامة تفقأ سبابته» يشيران إلى مجتمع يعيد إنتاج القلق ويعاقب الحقيقة حين تخرج عن إيقاعه حيث يصبح الطفل رمزًا للحقيقة الأولى التي تصطدم بسلطة العرف.
في ضوء ذلك تتضح صورة الإنسان في هذه القصيدة بوصفه كائنًا قلقًا يعيش داخل عالم تحكمه الضرورة وتطوّقه الجماعة؛ فهو هش لأنه محكوم بالتيه ومقاوم لأنه يمتلك القدرة على الإشارة إلى الحقيقة ولو عبر صوت فردي معزول.
وفي الختام ترسم القصيدة صورة الإنسان في لحظة وعي حاد بالوجود حيث يتداخل القلق مع المعرفة وتتحول الحياة إلى مفترق دائم ويكتسب العنوان «على مفترق طرق» دلالته العميقة لأنه يرمز إلى الإنسان الذي يعيش بين احتمالات متعددة بين مألوف يطمئن إليه وأفق يفتح له أسئلة الوعي.
وهكذا تنجح القصيدة في تحويل القلق إلى رؤية والتيه إلى سؤال والعبور إلى معنى لتصبح الكتابة نفسها محاولة دائمة لفهم الإنسان في أعمق حالات توتره وصدق تجربته حيث يظل الشعر دائمًا مساحة توازن بين الانفعال والتأمل وبين التجربة وما تصنعه اللغة منها.
على مفترق طرق… وهذا هو دور الشعر الحقيقي.
---
نص القصيدة
في زحمة الحياة
أمواجٌ من الأقدار تعوم على مصائرها
والسكون سادر بدهشته
الأضواء تقاسم العابرين ليل سحناتهم
والشمس ترمّم القامات
الهلع يسيح على الشوارع
المارة يقترفون القلق على مرمى البصر
والمدونون
يقفون على شرفات الزمن
قفص الحياة مترع بالشهود
ليس من حكاية
يقصّها الرواة
ليس من حكمة في مدار المحنة
الحناجر باسلة التصحّر
والحياة تمضي إلى مستقرها
بين المد والجزر
قمر يلهو بغرائزنا
ماء يتلو علينا سورة التيه
وثمّة شوارع
ترقب أقدامنا
لهزيعها الأخير
لا أحد
لا أحد
الساحات سائحة باللغو
والمشاة يهرولون إلى مصائرهم
ربما طفل وحيد
يشير إلى ثياب “الإمبراطور العاري”
والعامة تفقأ سبابته
طاعة لحشمة العرش
وديع شامخ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق